ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
النهي عن ولاية اليهود والنصارى ، وقصر الولاية على الله –بالأصالة- ورسوله والمؤمنين -على سبيل التبع-
د/ احمد نصير
النهي عن ولاية اليهود والنصارى ، وقصر الولاية على الله –بالأصالة- ورسوله والمؤمنين -على سبيل التبع-
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)
لما سمع المسلمون عن اضطراب اليهود في دينهم ومحاولتهم تضليلهم عن حكم الله وتقليب الأمور على الرسول تهيأت نفوس المؤمنين لقبول النهي عن موالاة أهل الكتاب ، فأقبل عليهم المولى سبحانه بالخطاب بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ..) الآية ، قال ابن عاشور (الولاية تنبني على الوفاق والوئام والصلة وليس أولئك بأهل لولاية المسلمين بعد أن بينت الآيات أخلاقهم الدنية ، وإضمارهم الكيد للمسلمين).
قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) قال أبو السعود (نُهوا عن موالاتهم لقرابة أو صداقة جاهلية ونحوِهما من أسباب المصادقة والمعاشرة) كما في قوله (ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ) (الممتحنة 1)
قال رسول الله (إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وأن تبغض في الله) ، فالولاية تعني المحبة ، وهي لا تنبغي إلا لمن يحبه الله ويرضى عنه ، ولذلك فإن الواجب هو بغض معصيتهم ، مع عدم ترك نصيحتهم في الله ، وذلك لقوله (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) ، فأقل درجات إنكار المنكر عليهم ، الامتناع عن ولايتهم بالقلب ، ولا ينافي ذلك تمني هدايتهم ودخولهم في الإسلام .
قال صاحب الظلال (بعيد جداً أن يكون بين المسلمين من يميل إلى اتباع اليهود والنصارى في الدين ، إنما هو ولاء التحالف والتناصر ، الذي كان يلتبس على المسلمين أمره ، فيحسبون أنه جائز لهم ، بحكم ما كان واقعاً من تشابك المصالح والأواصر) ، (والمقصود أن لا يستعان بهم ائتمانا على المسلمين وأعراضهم وأموالهم ، فلا تؤمن خيانتهم ولا غدرهم).
والأصل الشرعي للمداراة أو "التقية" الاستثناء الوارد في قوله تعالى (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) (آل عمران 28) .
وكذا ما روي عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ أَنَّهَا قَالَتْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ قِبَلَ "بَدْرٍ" فَلَمَّا كَانَ "بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ" أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ حِينَ رَأَوْهُ ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ جِئْتُ لِأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ "لَا" قَالَ (فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ) ، قَالَتْ ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ قَالَ (فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ) قَالَ ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ "نَعَمْ" فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ فَانْطَلِقْ).
ولقد فرق العلماء بين "مهادنة" الكفار و"مداراة" الظلمة منهم ، فالمهادنة تعني (ترك ما يجب لله من الغيرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتغافل عن ذلك لغرض دنيوي وهوى نفساني ، لزعم هؤلاء أن المعيشة لا تحصل لهم إلا بذلك ، فالمداهنة هي المعاشرة والاستئناس مع وجود المنكر والقدرة على الإنكار) .
أما "المداراة" فيقصد بها (درء المفسدة والشر بالقول اللين وترك الغلظة أو الإعراض عن صاحب الشر إذا خيف شره أو حصل منه أكبر مما هو ملابس له ، كالرفق بالجاهل في التعليم ، وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه ، والإنكار عليه بلطف القول والفعل ولا سيما إذا احتيج إلى تأليفه) ، والمداراة بهذا المعنى لا يجوز الاسترسال فيها إلى أبلغ حد بل هي ضرورة دعوية تقدر بقدرها من باب أخف الضررين .
فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ) ، وفي رواية (أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ) ، قال العلماء (النبي دارى هذا الرجل لما دخل عليه مع ما فيه من الشر لأجل المصلحة الدينية ، فدل على أن المداراة لا تتنافى مع الموالاة إذا كان فيها مصلحة راجحة من كف الشر والتأليف أو تقليل الشر وتخفيفه ، وهذا من مناهج الدعوة إلى الله تعالى) .
قوله تعالى (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) تعليل لسبب النهي عن موالاتهم ، إذ يسهل وقوع الغدر منهم لأن ولايتهم لبعضهم البعض أقرب عن ولايتهم للمسلمين - إن جاز التعبير بذلك - فالعلماء بينوا المقصود بالولاية "هنا" بأنها (ولاية المودة والنصرة ولا علاقة لها بالميراث) - لقوله النبي (لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ) - وليس معنى إثبات الولاية بينهم أن ما بينهم من ولاية يدفع ما بينهم من بغضاء ، فقد أثبت القرآن الكريم -كذلك-عداوتهم لبعضهم البعض ، قال تعالى (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) (المائدة/14) ، قال الشنقيطي (بين في مواضع أخر أن ولاية بعضهم لبعض زائفة ليست خالصة، لأنها لا تستند على أساس صحيح، هو دين الإسلام، فبين أن العداوة والبغضاء بين النصارى دائمة إلى يوم القيامة) .
وكذلك اليهود قال تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (المائدة/64) ، وإنما تتحقق الموالاة فيما بينهم على أمر واحد ألا وهو أن يحاربوا الإسلام والمسلمين ، فالكفر كله ملة واحدة ، لكن هذه الولاية لا تؤتي ثمارها كذلك قال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت/41) ، قال تعالى (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ) (الحشر/14) .
قال تعالى (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (51) أي (مَنْ يَتَّخِذُهُمْ نُصَرَاءَ وَحُلَفَاءَ وَأَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَرَسُولِهِ ، فَهُوَ مِنْهُمْ فِي التَّحَزُّبِ عَلى اللهِ وَرَسُولِهِ وَالمُؤْمِنِينَ ، وَإنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ ، وَمَنْ يَتَولَّى أَعْدَاءُ اللهِ فَهُوَ ظَالِمٌ).
ويخرج عن نطاق النهي معاملاة غير الظالمين منهم بالعدل والإحسان ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهَا وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) ، وعنه (كلوا من ذبائح بني تغلب ، وتزوجوا من نسائهم ، فإن الله عز وجل ، قال : (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ، ومن يتولهم منكم فإنه منهم) ، أي أنه رخص في معاملتهم تجاريا وتبادل الهدايا معهم ترغيبا لهم في الإسلام وحسن الجوار بالنسبة للذميين منهم والمعاهدين مع التأكيد على عدم جواز الموالاة وهي المحبة القلبية .
كذلك يخرج عن نطاق النهي الاستعانة بهم في السلاح والحرب متى أمن الحاكم غدرهم ، فأما عن السلاح فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن رسول الله استعار من صفوان بن أمية أدرعا وسنانا في غزوة حنين فقال : يا رسول الله أعارية مؤداة ؟ قال "عارية مؤداة")، قال أبو داود (وَكَانَ أَعَارَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ ثُمَّ أَسْلَمَ) ، والحديث يدل على أن النبي كان هو الطرف القوي ، ولم يكن يستعير السلاح وهو الطرف الضعيف ، ولذلك سأله صفوان (أغصب) وفي رواية (فَقَالَ أَغَصْبٌ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ لَا بَلْ عَمَقٌ مَضْمُونَةٌ) ، والفرق بين الأمرين كبير ، إذا لو كان سوف يستعير السلاح بشروط البائع ، أي الكافر ، فالعدو لن يعطيه سلاحا لا يتحكم فيه ، ولذلك فليحذر أهل الإيمان من حيلهم .
وأما عن الاستعانة بهم في الحرب ، فجمهور الفقهاء يفرقون بين أن يكون المستعان عليهم من المسلمين كأهل البغي أو من غير المسلمين ، فإن كان من أهل البغي فلا يجوز الاستعانة عليهم بمشرك ، وأما إن كان من غير المسلمين فيجوز الاستعانة بالكفار في الحرب ضدهم بشرطين : أولاً : الحاجة إليهم ، وثانياً : الوثوق من جهتهم ، وهذا هو مذهب الجمهور ( الشافعية والحنابلة والأحناف ) ، واستدل الجمهور على مذهبهم بفعل النبي فقد استعان بيهود فينقاع وقَسمَ لهم- أي أعطاهم من الغنيمة- ، واستعان بصفوان بن أمية في هوازن ، فدَلّ ذلك على الجواز .
خلافا للمالكية فلم يجيزوا الاستعانة بمشرك مطلقا ، وقد استدلوا بقوله (إنا لا نستعين بمشرك) وهو الحديث المتقدم ذكره ، ورد الجمهور على المالكية بأن أدلتهم منسوخة بفعله وعمله .
والصحيح أنها ليست بمنسوخة ، فكل دليل منهما يعمل به في إطار معين ، بحسب مناط الحكم ، أي بحسب الحاجة وفقا لسياسة الإمام الشرعية ، ذلك أن النبي رد المشرك الذي أراد أن يشترك معه في القتال لعدم الحاجة للاستعانة به ، أما وقد استعان بيهود بني قينقاع فلأنه تصالح معهم على تكوين اتحاد مشترك للدفاع عن المدينة ، لاسيما وهم أهلها والنبي وافد من مكة عليهم ، فلا غرو في التصالح معهم لتحقيق مصالح مشتركة من باب السياسة الشرعية ، شريطة أن يُؤَمَّن هذا الصلح بما يضمنه .
مثال ذلك ما ذكره النبي فيما سوف يقع مستقبلا ، فقد روي عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أنه سَأَلَه رَجُلا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَنْ الْهُدْنَةِ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا وَتَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَائِكُمْ) ، (أي الهدنة التي تقع بين المسلمين والنصارى) ، وقوله (وتغزون أنتم وهم عدواً من روائكم) ، يعني (عدواً مشتركاً للمسلمين والنصارى ، وليس معنى ذلك أنهم يغزون للجهاد في سبيل الله ، ولإعلاء كلمة الله ، ولإدخال الناس في دين الله ؛ وإنما المقصود أن هذا عدو مشترك للجانبين ، وأن أولئك المتصالحين تعاونوا على ذلك العدو المشترك).
قوله (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ..)(52) المتكلم عنهم في هذه الآية المنافقون ، قال الشعراوي (المسارعة هي تقليل الزمن في قطع المسافة الموصلة للغاية، فإذا كانت هناك مسافة تقتضي السير في زمن معين ، فالمسارعة تفرض على الإنسان أن يقطعها في وقت أقل من ذلك) ، أي أنهم يسارعون في موالاة الذين كفروا ، وهؤلاء قال الله تعالى فيهم (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (الحشر:11).
قوله (يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ)(52) فعند سؤالهم عن سبب ذلك تجد أن حججهم واهية ، لا يملكون تبريرًا لمسارعتهم في موالاة الذين كفروا ولو كانت بما يضر مصالح المسلمين ، قد يزعمون أنهم يفعلون ذلك من باب ارتكاب أخف الضررين ، وأنهم ما والوا هؤلاء الكفار على حساب الشرذمة القليلة من المؤمنين إلا خوفًا من بطشهم - أي الذين كفروا -كأن يقولون (نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه من جدب وقحط فلا يعطونا الميرة والقرض) ، أو زعما منهم أنهم ما فعلوا الذي فعلوه إلا من باب السياسة ، قال تعالى (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا) (النساء/139) ، وما هي إلا حماقة منهم إن حسنت نيتهم ، أو هي خيانة متى كانت حجتهم زائفة ، وهي والله زائفة لما ورد بالآية من الرجاء في أن يمنُّ الله على المؤمنين بالفتح ، فيندم هؤلاء على ولايتهم للكفار ، ولولا أن الله خزلهم ونصر المؤمنين على حلفائهم لتوسعوا في تلك الولاية ولغرقوا في الخيانة .
قوله (وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ) (53) (يقولهُ المؤمنون بعضهم لبعض ، تعجبًا من حال المنافقين) ، أو (يقولونه لليهود) ؛ لأن المنافقين حلفوا لليهود بالمناصرة) أي: (حلفوا وأكدوا حلفهم، وغلظوه بأنواع التأكيدات: إنهم لمعهم) ، أي (بالنصر والمعونة كما قالوا فيما حُكيَ عنهم (وإن قوتلتم لننصُرَنَّكم) .
قوله (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ) (53) أي أن هؤلاء المنافقين حبطت أعمالهم قبل أن يعلنوا ردتهم عن الإسلام ، فهم مرتدون بحكم موالاتهم للذين كفروا وخيانتهم للمؤمنين ، ولذلك ذكر الله جزاؤهم قبل أن يبين ردتهم في الآية التالية .
وهذا بخلاف الموضع الذي ذكرت فيه الردة في سورة البقرة ، قال تعالى (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة/217) لأن الردة بسبب عدم الصبر على الابتلاء ، ورغم ذلك تحبط الأعمال ، أما هنا في هذا السياق فإنهم بسبب موالاتهم للكفار وخيانتهم للمسلمين فهم مرتدون وإن لم يعلنوا ردتهم ، لقوله تعالى (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) ، ولذلك حبطت أعمالهم وإن إظهروا الإسلام ولم يعلنوا ردتهم.
قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ..) (54) تأكيد على أن المسلمين لا ينقصون بمن يرتدون عن دين الله ، كما أنهم لا يزيدون بالمنافقين ، لما لا وقد قال الله تعالى (لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (التوبة/47) ، بل إن ردة هؤلاء تعني في قدر الله استبدال العناصر الطيبة لتحل محل العناصر الخبيثة ، فيطهر صف المؤمنين من المنافقين ، كما في الحديث (يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ فُسْطَاطِ إِيمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لَا إِيمَانَ فِيهِ).
وعندئذ ينكشف السر عمن أبطن ولايته للكافرين ، فتكون الردة نتجية حتمية لتلك الولاية الآثمة ، ولا يسلم منافقا من الردة إذا كان سبب نفاقه كونه مواليا للكفار والمشركين ، فلم يسلم من هذه الفتنة "أهل الردة" بعد وفاة النبي ، قال الخطابى (أهل الردة كانوا صنفين صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعادوا إلى الكفر وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله (وكفر من كفر من العرب) وهذه الفرقة طائفتان :-
أحداهما أصحاب "مسيلمة" من بنى حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على دعواه في النبوة وأصحاب "الأسود العنسي" ، ومن كان من مستجيبيه من أهل اليمن وغيرهم وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة نبينا محمد مدعية النبوة لغيره ، فقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه حتى قتل الله مسيلمة باليمامة والعنسى بصنعاء ، وانفضت جموعهم وهلك أكثرهم ،
والطائفة الأخرى ارتدوا عن الدين وأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية فلم يكن يسجد لله تعالى في بسيط الارض إلا في ثلاثة مساجد مسجد "مكة" ومسجد "المدينة" ومسجد "عبدالقيس" في البحرين في قرية يقال لها جواثا) .
كذلك لم يسلم من الردة بسبب موالاة الكافرين عبد الله بن أبي سرح ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِى سَرْحٍ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ فَأَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ فَلَحِقَ بِالْكُفَّارِ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يُقْتَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَاسْتَجَارَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَأَجَارَهُ رَسُولُ ) ، فرغم توبته إلا أنه من الجدير أن نذكر أن سبب ردته موالاته الباطنة للكافرين .
قوله (...فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (54) هذه هي سنة الله تعالى حال التولي عن دعوة الحق ، والردة عن دين الإسلام ، فيستبدل الله "الطائفة المؤمنة" لتحل محل "الطائفة المرتدة" وتظل الدعوة قائمة ، وليميز الله الخبيث من الطيب ، وقد شرعت الآيات في تعداد صفات الطائفة المؤمنة على النحو التالي : -
أولا : "محبة الله تعالى لهم ومحبتهم له" ، وهي في مقدمة صفات المؤمنين الذين يستخدمهم الله لحمل لواء هذه الدعوة ، فمن أراد أن يحبه الله فليتقرب إليه بالطاعات والنوافل ، قال رسول الله (وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ).
ومن أراد أن يعرف أن الله يحبه ، فليحب لقاء الله ، فعَنْ النَّبِيِّ قَالَ (مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ قَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ قَالَ لَيْسَ ذَاكِ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ) ، قال ابن الأثير (المراد بلِقاء اللّه المَصيرُ إلى الدار الآخرة ، وطَلَبُ ما عند اللّه وليس الغَرضُ به الموت ، لأنَّ كُلاًّ يَكْرَهه فمن تَرك الدينا وأبْغضَها أحَبَّ لِقاء اللّه ، ومَن آثَرها ورَكَن إليها كَره لِقاء اللّه لأنه إنما يَصِل إليه بالموت)، قال بن سلام (المكروه من ذلك الإيثار للدنيا والركون إليها ; والكراهة أن يصير إلى الله وإلى الدار الآخرة ويؤثر المقام في الدنيا) .
ثانيا : "التذلل للمؤمنين" : وهي الصفة الثانية لجند الله الذين يستعملهم ، كونهم أذلة على المؤمنين وفي ذات الوقت أعزة على الكافرين ، قال تعالى (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ) (الفتح/29)
يقول النبي (مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ)، فهم مع أخوانهم في لين وتواضع وتذلل ، قال ابن عاشور (فالمراد هنا لين الجانب وتوطئة الكنف، وهو شدة الرحمة والسعي للنفع )
قال تعالى (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران/159)
وعَنْ أَنَسٍ قَالَ خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ تِسْعَ سِنِينَ فَمَا أَعْلَمُهُ قَالَ لِي قَطُّ لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا وَلَا عَابَ عَلَيَّ شَيْئًا قَطُّ)، وهو أمر واجب وليس بمستحب فحسب.
أما (العزة على الكافرين) فمبدأها ألا يطمع فيما عندهم من الدنيا ، فلا يغتر بتقلبهم في البلاد ، قال تعالى (لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) (آل عمران/196-197) ،ولا يلتمس منهم مغنمًا ، ويتعاضد مع تلك الصفة غلظة المؤمنين على المنافقين والكفار ، قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التوبة/73) ، فمن شدته عليهم أنه جاهدهم ولم يخشى في الله لومة لائم .
ثالثا : (إخلاص نية الجهاد في سبيل الله) ، وهي الصفة الثالثة ، قال ابن تيمية (فإن المحبة مستلزمة للجهاد ولأن المحب يحب ما يحب محبوبه ، ويبغض ما يبغض محبوبه ، ويوالي من يوالي محبوبه ، ويعادي من يعاديه ، ويرض لرضاه ، ويغضب لغضبه ، ويأمر بما يأمر به ، وينهى عما نهى عنه ، فهو موافق في ذلك ، وهؤلاء هم الذين يرضى الرب لرضاهم ، ويغضب لغضبهم ، إذ هم إنما يرضون لرضاه ويغضبون لما يغضب له)
ولابد من إخلاص النية للجهاد في سبيل الله ، فعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) .
رابعا : (الثبات على الحق) ، لقوله "وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ" ففي البيان تشديد على أنهم يجاهدون في ظروف ملتبسة على قومهم ، ورغم ذلك فإنهم يسلكون طريق الحق ، ولا يركنون إلى الذين ظلموا مخافة أن تمسهم النار ، قال صاحب الظلال (سواء جاء هذا الشر من الحكام المتسلطين بالحكم أو الأغنياء المتسلطين بالمال أو الأشرار المتسلطين بالأذى أو الجماهير المتسلطة بالهوى ، فمنهج الله هو منهج الله ، والخارجون عليه علو أم سفلوا سواء) .
والصحابة رضوان الله عليهم لم يخجلوا يوما ولم يخشوا أن يحكموا بحكم الله ولو على قومهم ، ولم يلينوا مع الخائنين ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ أَهْلَ قُرَيْظَةَ – وهم الذين خانوا النبي في غزوة الخندق - نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ – بن معاذ الأنصاري- فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ إِلَيْهِ فَجَاءَ فَقَالَ قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ أَوْ قَالَ خَيْرِكُمْ فَقَعَدَ عِنْدَ النَّبِيِّ فَقَالَ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ قَالَ فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ فَقَالَ لَقَدْ حَكَمْتَ بِمَا حَكَمَ بِهِ الْمَلِكُ)
قال صاحب الظلال (ومنذ ذلك اليوم ذلت يهود ، وضعفت حركة النفاق في المدينة؛ وطأطأ المنافقون رؤوسهم ، وجبنوا عن كثير مما كانوا يأتون ، وتبع هذا وذلك أن المشركين لم يعودوا يفكرون في غزو المسلمين ، بل أصبح المسلمون هم الذين يغزونهم) .
فهؤلاء الذين اجتمعت فيهم هذه الخصال الأربع هم الذي يستعملهم الله تعالى لنصرة دينه وشرعه ، قال العلماء (فيه دلالة على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، لأن الذين ارتدوا بعد وفاة رسول الله إنما قاتلهم أبو بكر وهؤلاء الصحابة)، فاستبدل الله هؤلاء الصحابة بهؤلاء المرتدين ليطهر الصف وتنتشر الدعوة ، وقد انتشرت وفتحت الأمصار حتى وصلت لغرب أفريقيا
وكذلك استعمل الله أهل اليمن لقتال المرتدين ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابِ الْإِبِلِ وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ)، قال العلماء مدحهم النبي (لأن أهل اليمن أجابوا إلى الإسلام بالدعوة دون المحاربة والقتال ، فقبلوا الحق للين قلوبهم) قال الألباني : (وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الردة، وفتحوا الأمصار، فبهم نفس الرحمن عن المؤمنين الكربات).
قوله تعالى (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (55) قال أبو حيان (ما نهاهم عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ، بيّن هنا من هو وليهم ، وهو الله ورسوله) ، قال الزمخشري (ومعنى (إنما) وجوب اختصاصهم بالموالاة ، فجعلت الولاية لله على طريق الأصالة ، ثم نظم في سلك إثباتها له إثباتها لرسول الله والمؤمنين على سبيل التبع) ، قال تعالى: (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) [الأعراف:196] ، قال الواحدي (نزلت لمَّا هجر اليهود مَنْ أسلم منهم) ، فقال عبد الله بن سلام : (يا رسول الله ، إنَّ قومنا قد هجرونا ، وأقسموا ألا يجالسونا) ، فنزلت هذه الآية ، فقال : (رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء).
والولاية متبادلة بين العبد وربه ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) .
والمقصود بولاية المؤمنين بعضهم البعض – في قوله (وَالَّذِينَ آَمَنُوا) - أن يعاون بعضهم بعضا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة/71)
قال ابن تيمية (فإن الموالاة موجبها التعاون والتناصر فلا يفرق بين المؤمنين لأجل ما يتميز به بعضهم عن بعض مثل الأنساب والبلدان والتحالف علي المذاهب والطرائق والمسالك والصداقات وغير ذلك ، بل يعطى كل من ذلك حقه كما أمر الله ورسوله).
قوله تعالى (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ...) نعت الله أهل الولاية بصفتين ، إقامة الصلاة وإتاء الزكاة ، في حال الخشوع (متطامنون) دون منِّ أو إيذاء معنوي للمتصدق عليه ، وفي ذلك كناية على فعلهم سائر الطاعات وأعمال الخير للناس دون إبتغاء أجر منهم ، وأنهم يبتغون الأجر من الله وحده كما في قوله (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) (الإنسان/10).
قوله (... وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (56) أي أن أثر الولاية يتجلى في الحفظ والغلبة ، فمن كان الله وليه كان من حزب الله ، أي أنه يسير بقدر الله تعالى إلى صراطه المستقيم ، فهؤلاء السائرون على الصراط المستقيم جعلهم الله في حزبه وحارب بهم عدوه ، ولا بد لحزب الله أن يكون هو الغالب ، ولو في أشد مواطن الاستضعاف ، قال تعالى (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (آل عمران/139) .
وتظهر مرادفات "الغلبة" في الشعور بالقوة والفرح ، لا الوهن والحزن ، فالوهن والحزن لا يعرفان طريقا إلى أولياء الله تعالى الذين قال فيهم سبحانه (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس/62) ، صدق من قال "ماذا فقد من وجدك ، وماذا وجد من فقدك " ، فلم يكن رسول الله وأصحابه مهزومين أمام أعدائهم يومًا حتى في ظل المعارك التي خسروها مثل "أُحد" أو "بئر معونة" و"مؤتة" ، ذلك أن الشعور النفسي بالفرح والقوة بالله تعالى كان هو الغالب عليهم .
يقول سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ سَأَلْتُكَ كَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ فَزَعَمْتَ أَنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ وَدُوَلٌ فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمْ الْعَاقِبَةُ) ، وفي غزوة "أُحد" وبعدما أصاب المسلمين ما أصابهم قال أبو سفيان (يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ..) ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ أُعْلُ هُبَلْ أُعْلُ هُبَلْ قَالَ النَّبِيُّ أَلَا تُجِيبُوا لَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَقُولُ قَالَ قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ ، قَالَ (إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ) فَقَالَ النَّبِيُّ أَلَا تُجِيبُوا لَهُ قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَقُولُ قَالَ قُولُوا (اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ)
هكذا تكون معية الله تعالى وولايته مصاحبة للذين آمنوا في كل مواطن عيشهم ، وفي أحلك الظروف وأصعبها ، فتكون الغلبة للمسلمين بإذن الله ، قال ابن الجوزي (فالله سبحانه وتعالى يتولى المؤمنين بالنصرة والإعانة ويخذل الكفار) ، فلا يأتي الوهن والخزلان إلا بسبب ولاية الذين كفروا ، لأن من يفعل ذلك يجانب حزب الله ويجافيه ، فلا يكون الله وليه ولا رسوله ولا المؤمنين .
-
الثلاثاء PM 12:31
2025-12-09 - 146



