ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
غلو المنافقين من أهل الإنجيل في الدين استنكافهم واستكبارهم سبب ضلالهم عن الإسلام
د / احمد نصير
غلو المنافقين من أهل الإنجيل في الدين استنكافهم واستكبارهم سبب ضلالهم عن الإسلام
قال تعالى (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175)
غالى النصارى في دينهم خلافا لليهود المفرطين في أحكام الله ، فالنصارى عبدوا المسيح واليهود حاولوا قتله واعترفوا بجريمتهم تفاخرا ، فكلاهما على طرفي النقيض ، وكلاهما على ضلال ، والإسلام يعطي للأنبياء والرسل حقوقهم ، فهم رسل الله لا يجوز عبادتهم ولا تجوز مخالفتهم ، وإنما يجب على الناس اتباعهم وطاعتهم .
وبذلك تكون الآيات قد استقصت جميع أنواع الذين يعيشون في كنف المسلمين وشملتهم بالنصيحة سواء من المنافقين أو من أهل الكتاب أو المشركين ، الحاليين في عهد النبي r أو المحتملين بعد ذلك في خلافة من بعده إلى يوم القيامة ، لتقوم عليهم الجحة جميعا .
قوله تعالى (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)(171) جاء أهل الإنجيل على النقيض تماما من أهل التوراة ، فالمنافقون من أهل التوراة قتلوا الأنبياء بينما المنافقون من أهل الإنجيل عبدوا المسيح وألهوه وأمه مريم بنت عمران ، فكان هذا غلوا في تقديس الأنبياء نوع من التنطع في الدين قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا)[1]، قال النووي (أي المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم)[2]، قال ابن الأثير (هم المُتعَمِّقون المُغالون في الكلام المتكلِّمون بأقْصَى حُلوقهم ، مأخوذ من النِّطَع وهو الغارُ الأعْلى من الفَم ثم استُعْمِل في كل تَعَمُّق قولاً وفعلا)[3] ، قال الشيخ عبد المحسن العباد أي: (المتعمقون المتكلفون الذين يعولون على العقول ولا يشتغلون بالنقول أو يتهمون النقول إذا لم تتفق مع العقول، والأصل: هو النقل، والعقول السليمة توافقه، فالعقل الصحيح -العقل السليم- لا يخالف النقل الصحيح)[4]، وليتهم سلكوا هذا المنهج بحق ، فالعقل لابد وأن يقود إلى التسليم بالنقل الصحيح ، ولكنهم لم يعملوا العقل فاخترعوا عقيدة "التثليث" التي ليس لها مستند من النقل ولا من العقل [5].
وعلى سبيل الإجمال نلحظ حصول الغلو في عقيدة أهل الإنجيل من جهة تقديس الأنبياء ورفع مكانتهم لمكانة الرب ، وكذلك غلوهم في العبادة لم يكن بأقل من غلوهم في العقيدة ، حيث ابتدعوا الرهبنة وشددوا على أنفسهم ، وسجد بعضهم لبعض واتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله ، يقول رَسُول اللَّهِ r (لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ"وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ") [6] ، فلم تسلم عقيدتهم ولا عبادتهم من التحريف من هذا الوجه ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ لَمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ مِنْ الشَّامِ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ r قَالَ مَا هَذَا يَا مُعَاذُ قَالَ أَتَيْتُ الشَّامَ فَوَافَقْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِقَتِهِمْ فَوَدِدْتُ فِي نَفْسِي أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r فَلَا تَفْعَلُوا فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا وَلَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى قَتَبٍ لَمْ تَمْنَعْهُ)[7]، ولكن الإسلام منع أن يسجد أحد لغير الله .
قوله (..إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ ..) (171) توضيح بعبارة مختصرة ما هو المسيح ، فهو مخلوق كسائر البشر خرج من بطن أمه السيدة مريم ، ومكانته عند الله أنه رسول ، وليس أكثر من ذلك ، كما في قوله (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) ، فهو الرسول الوحيد الذي يلقب باسم أمه ، لأنه ليس له أب ، وتلك معجزة ، أن يولد بأم ودون أب ، حتى تكون هذه المعجزة حجة على بني إسرائيل الذين دأبوا على قتل الأنبياء ، فينتهوا من قتل المسيح عند مشاهدة هذه المعجزة ، وقد حصل ذلك زمنا لاسيما وقد نطق في المهد ، لكن عندما كبر حاولوا قتله بعدما مضى زمن على هذه المعجزة ، فرفعه الله ولم يمكنهم منه .
قوله (.. وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ..) (171) الكلمة قوله (كن) فيكون كما قال الله ، ودون حاجة لأسباب ، ففي ذلك دليل على إنفاذ قدرة الله تعالى المطلقة ، فالله سبحانه إذا كان قد ربط الأسباب بمسبباتها ، وأمر الإنسان بأن يأخذ بالأسباب المشروعة ويتوكل على الله سبحانه لتؤدي هذه الأسباب نتائجها المرجوة ، فإنه سبحانه يدلل على قدرته المطلقة عن الأسباب ، فيخلق بغير سبب ، كما خلق عيسى بن مريم .
ولذلك قال الله (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِن الْمُمْتَرِينَ) [آلعمران 59-60]، فالله خلق عيسى من أم فقط ، وخلق آدم بلا أب ولا أم ، وخلق حواء من أب فقط ، وخلق الناس من أب وأم ، فيستدل بذلك على أن الله خالق كل شيء ، وأنه خالق الأزواج كلها .
قوله (..وَرُوحٌ مِنْهُ..) (171) أي أن عيسى بن مريم خلق من خلق الله ، أي أنه مر بما يمر به الإنسان في مراحل تكوين الجنين ، وهي الخلق المعهودة من أول نفخ الروح فيه حتى ولادته ، قال تعالى (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء 91) ، قال رسول الله r (إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ)[8].
قوله (..فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ..) فالإيمان بالله يستلزم الإيمان برسوله دون تحريف لصفاتهم ، فلا وجه لإثبات الإيمان لهم ، وهم يكفرون برسول الله محمد r ويألهون المسيح عيسى ابن مريم .
قوله (.. وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ..) (171) ذلك أن النصارى يقولون أن الإله في ثلاثة أقانيم (الأب – الابن – الروح القدس) ، بهذا حصل إشكال في فهم تلك العقيدة الباطلة ، وعندما يحاول بعض النصاري السؤال عن ذلك ، تكون الإجابة عليهم بأن عقيدة التثليث هي "سر إلهي" الذي يفوق إدراك العقل البشري المحدود، ولا يمكن فهمه استيعاباً كاملاً، بل يُقبل بالإيمان، ويوضحون أن الأقانيم الثلاثة متساوية، مستقلة في التمايز ولكنها واحدة في الجوهر والطبيعة ، أي أنهم أنفسهم لا يستطيعون شرح هذه العقيدة المعقدة ، في حين أن عقيدة الإسلام بسيطة وواضحة ، الله لا إله إلا هو ، ليس مثله شيء ، وهو السميع العليم ، فهو بائن من خلقه لا يشببه شيء .
يقول الدكتور خالد شلدريك الذي أسلم بعد أن فهم عقيدة التثليث: "إن عقيدة الأب والابن من عقائد الوثنيين القدماء ، فإن البوذيين يعبدون بوذا في طفولته مع أمه ياما في نفس الصورة التي نراها منقوشة في كل كنيسة للمسيح في طفولته مع أمه مريم واتخذ النصارى من عيد الوثنيين للاعتدال الخريفي 25 ديسمبر موعد ولادة الشمس عندهم عيدا لميلاد المسيح" وقد كان الثالوث موجودا أيضا في ديانات وثنية سابقة ، ففي الهند كان عندهم الثالوث الإلهي براهما وكريشنا وسيفا وكان عند المصريين القدماء الثالوث إيزيس وأوزوريس وحورس)[9] .
(وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) ، فهذا من إعجاز القرآن أخبر عن نشأة عقيدة النصارى في المسيح ، فهل كان النبي محمد r على اطلاع بتاريخ الحضارات القديمة؟ .
إذن الغرض من عقيدة التثليث –كما هو جلي- تضليل الناس عن الإله الحق ، لأن الإله عند المسلمين يتصف بصفات العلو والكمال والجلال ، ولا يتصف بصفات النقص ، ولا يماثله أحد من خلقه ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، لكن عقيدة التثليث تقوم على تشبيه الإله بالأب ، وكذلك تشبيهه بالابن ، وكلاهما متناقضان في الصفات ، وبعد إثبات الجسد له يثبتون له الروح كذلك ، وهكذا يبدو التناقض في صفات الإله عندهم ، بخلاف عقيدة الإسلام التي تقوم على مبدأين أساسيين ، وهما :-
الأول : إثبات صفات الكمال للإله ، وهذا مبدأ أساسي في الاعتقاد في الإله .
والثاني : نفي صفات النقص عنه ، أي تنزيهه سبحانه عن النقائص، بنفي التشبيه والتعطيل والتجسيد والمماثلة عن الإله.
قوله (..انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ..) (171) أي إن تنتهوا عن عقيدة التثليث يكن ذلك خيرا لكم ، وهو ما يعني بمفهوم المخالفة أن الشر كل الشر في هذه العقيدة الباطلة ، ولابدـ، قال الزمخشري أي (اقصدوا وائتوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث)[10]، لما لا والشياطين تحوم حول أصحاب هذه العقيدة ويشاركونهم في أموالهم وأولادهم ، ويؤذونهم ، قال تعالى (وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) (الإسراء 64) ، وهم لا يدرون أن كل ذلك حاصل بسبب كفرهم بالله وعقيدة التثليث التي ترضي الشياطين ، وتغضب رب العالمين.
فبمجرد توحيد الله وذكر اسمه فإن الشياطين تفارق الإنسان وتمتنع عن مشاركته معيشته ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ r يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ)[11].
قوله (..إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ..) (171) فالتوحيد تضمن شقين إثبات الألوهية ونفي الشرك عنه ، ما يتضمن الاستجابة لخير أمر نزل من الله .
قوله (..سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ..) (171) أي تنزيه الله عن الولد ، لأن الولد امتداد لحياة والده ، فهو يرثه بعد وفاته ، وحاشا لله أن يحصل له ذلك ، وتنزيه الله بنفي الولد عنه هو استجابة للنهي الإلهي عن عقيدة التثليث ، فهو خير نهي نزل من الله ..
قوله (.. لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ )(171) فالذي له ما في السماوات وما في الأرض لن ينقصه ولا يعوزه الولد ، بل يتعالى على ذلك كله .
قوله (.. وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)(171) قال ابن القيم (التوكل هو الاستعانة)[12] ، فأهل التوحيد هم أهل التوكل على الله ، وأهل الشرك يتوكلون على غير الله ، ويستعينون بهم في قضاء حوائجهم ، ولا يستعينون بالله ، يعتمدون على الأسباب ولا يتعمدون على الله ، فيتركهم الله لأنفسهم الضعيفة ، ولآلهتهم التي يستنجدون ، فيضلون ولا ينتفعون منها بشيء .
وهكذا يتعب أهل الشرك أنفسهم بالتمسك بالأسباب وتعظيم الأسباب ، والرهان على نتائجها ، بينما أهل التوحيد والإخلاص لله ، يأخذون بالأسباب ويتركون النتائج لله سبحانه ، مفوضين أمرهم لله ، كما قال النبي r في قيامه بالليل للصلاة (اللهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَوْ لَا إِلَهَ غَيْرُكَ)[13]
قوله (..لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ..) (172) ذلك أن العابد لا يكون معبودا ، فكيف بالمسيح الذي هو عبد لله أن يكون إلها مع الله ، فصفة البشرية –التي يقرون هم أنفسهم بها- والثابتة في حقه هي صفة نقص ، وتتعارض مع صفات العظمة والكبرياء لله تعالى ، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإن مقام العبودية لله تعالى شرف عظيم ، بل هو مقام خير من مقام ملوك الدنيا جميعا ، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ يَقُولُ (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) الْآيَةَ[14] فَظَنَنْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ)[15] ، فعلام يستنكف المسيح أن يكون في هذا المقام ، والنبي r لم يستنكف أن ترجع روحه لله تعالى ولا يخلد في الدنيا كملك من ملوكها .
وفي رواية عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ خَطَبَ النَّبِيُّ r فَقَالَ (إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ إِنْ يَكُنْ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ r هُوَ الْعَبْدَ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا)[16].
قوله (..وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ..) (172) فغاية الملائكة أن تقوم بمقام العبودية لله بحق ، حتى أنها يوم القيامة تقول (سبحانك ما عبدناك حق عبادتك) ،فالملائكة خلقت للعبادة ولا تعصي الله ما أمرها ، منها ما هو ساجد لله ، ومنها ما هو راكع إلى يوم القيامة ، قال تعالى (فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) (فصلت 38).
قال ابن عاشور (وعطف الملائكة على المسيح مع أنه لم يتقدم ذكرها لنفي مزاعم المشركين بأن الملائكة بنات الله ، فيكون الإدماج لقصد استقصاء كل من ادعيت له بنوة الله، ليشمله الخبر بنفي استنكافه عن أن يكون عبدا لله)[17]، فعن النبي r قال : (يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السماوات و الأرض لوسعت فتقول الملائكة : يا رب لمن يزن هذا ؟ فيقول الله تعالى : لمن شئت من خلقي فتقول الملائكة : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ويوضع الصراط مثل حد الموس فتقول الملائكة : من تجيز على هذا ؟ فيقول : من شئت من خلقي فيقول : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك)[18].
قوله (..وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا) (172) أي أن حقيقة الشرك بالله هو الاستنكاف عن عبادة الإله الحق ، فيميلون إلى عبادات شركية ليوهموا الناس أنهم غير مكلفين بدين الإله الحق الواحد الأحد ، وأنهم يوفون بما عليهم من تكاليف هي من اختراعهم لآلهتهم التي يزعمون ، وهي في الحقيقة الجن ، كما في قوله سبحانه (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ) (سبأ 41).
والمعنى : (ومن يأنف من عبادة الله ويمتنع عنها ، ويأبى الخضوع لطاعة الله ويستكبر عن كل ذلك ، فسيجد يوم القيامة ما يستحقه ، فإن مرد العباد جميعا إليه سبحانه)[19].
ويستنكف من (النَّكْفُ) تنحيتك الدموع عن خدك بإصبعك[20] ، أي لن تنزل قطرة من خشية الله ، فالمراد من الاستنكاف في الآية : (الأنفة والتعالي والتعاظم)[21] ، وهي أشد من الاستكبار في قوة الدلالة على الامتناع عن فعل شيء ترفُّعاً وأَنَفَةً أو استكباراً
وقد وردت الكلمة في الشعر الجاهلي بذات المعنى :-
عَفَا مِنْ سُلَيْمَى ذُو كُلافٍ فَمُنْكِفُ ….... مَبَادِي الجَمِيعِ القَيْظُ والمتَصَيَّفُ (الشاعر: ابن مقبل )
نَكفي الأعِنّةَ يَوْمَ الحَرْبُ مُشعَلَةٌ، ..... وَابنُ المَرَاغةِ خَلفَ العَيرِ مَضْرُوبُ (الشاعر: الفرزدق)
والفرق بين الاستنكاف والاستكبار: أن في الاستنكاف معنى الأنفة ، وقد يكون الاستكبار طلب من غير أنفة وقال تعالى: " ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر " أي يستنكف عن الاقرار بالعبودية ،ويستكبر عن الإذعان بالطاعة)[22].
قوله (فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) ذلك أن من أهل الإنجيل أو التوراة من آمن ، وهؤلاء سوف يعاديهم قومه ، كما عودي النبي r من قومه ، وقد أخبره ورقة ابن نوفل بذلك وكان نصرانيا صادقا ، فقال له عندما علم ببدء الوحي (يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ قَالَ وَرَقَةُ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا)[23].
إذن لابد من بشارة المؤمنين بالله حقا ، بأن لهم الأجر الوافي من الله وزيادة ، فإن أهل الإسلام –لاسيما الجدد - سوف يلقون من ألوان الاضطهاد الديني من بني جلدتهم وأقربائهم وعشيرتهم ما يجهدهم ، فليستعدوا لهذا الابتلاء ، ولذلك كان لابد لهؤلاء المسلمين الجدد من بشارة ، تلك البشارة أن الله سبحانه يعدهم بالأجر والمثوبة والفضل ، فذلك يخفف عنهم وطأة تعذيب قومهم لهم أو إيذاءهم معنويا أو بدنيا .
وليعلموا – ابتداء- أن الله لن يعدهم بشيء من الدنيا ، فلا يكون همهم مثل هم المنافقين الذين تقدم ذكرهم ، وليعلموا أنما أجرهم في الآخرة وزيادة من فضله سبحانه ، وكفى بذلك فضل ، ففي الجنة ما لا عين رأي ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وإن جاز إخبارهم بأن ثمة نصيب من هذا الأجر في الدنيا ، فجاز إخبارهم بوعد الله النصر للمسلمين جملة ، أما الغنيمة فليعلموا أن ما يصيبونه منها سوف ينقص من أجورهم في الآخرة على ما بينته سورة الأنفال ، فإنهم بذلك الإخبار يخلصون عملهم لله بإذن الله .
قوله (وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (173) تفريد وتقسيم ، فقد مضى حكم من آمن منهم ، وأما من لم يؤمن ، فإن الآية تعلل سبب امتناعهم عن الإيمان بسبب واحد -وليس ثمة سبب غيره - ألا وهو أنهم قد استنكفوا واستكبروا ، فهم أعرف الناس بالحق من غيرهم لأنهم أهل كتاب ، وكان لابد من أن يدرسوا كتابهم ويقارنوا بينه وبين القرآن الكريم ، وأن ينظروا في تعاليم الإسلام ويقارنوها بتعاليم الإنجيل والتوراة التي حرفت وبدلت ، فإذا فعلوا ذلك علموا أنه الحق ، فإذا علموه وجب عليهم أن يتبعوه ، لكن أن يمتنعوا ذلك أنفة وتعاليا واستكبارا ، قال تعالى (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (النمل/14) .
فهرقل عظيم الروم لما علم الحق ، لم يتبع النبي محمد r خوفا على ملكه أن يزول ، فاستنكف أن يضحي بملكه بأن يدين بالعبودية لله وحده ، ففي الحديث أن هرقل حاول أن يختبر قومه ليحملهم على طاعة النبي r وهو يعلم أن ملكه سوف يصل إليه ، ولكنه لما رآهم قد حاصوا وتعالت أصواتهم عليه غير كلامه ، وتلون فقال لهم أنه أراد أن يختبرهم ليرى مدى تمسكهم بدينهم ، روي البخاري في صحيحه أن هِرَقْلُ كَانَ حَزَّاءً – أي يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ – وقد أخبر قومه أن ملك الختان قد ظهر – يعني محمد r - ، فسأل (فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَالُوا لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا الْيَهُودُ فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ وَاكْتُبْ إِلَى مَدَايِنِ مُلْكِكَ فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنْ الْيَهُودِ فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ r فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ وَسَأَلَهُ عَنْ الْعَرَبِ فَقَالَ هُمْ يَخْتَتِنُونَ فَقَالَ هِرَقْلُ هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي الْعِلْمِ وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ r وَأَنَّهُ نَبِيٌّ فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الرُّومِ هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَأَيِسَ مِنْ الْإِيمَانِ قَالَ رُدُّوهُمْ عَلَيَّ وَقَالَ إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ فَقَدْ رَأَيْتُ فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ)[24]
قوله (..وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (173) نفي الله عنهم الولاية والنصرة ، لأنهم ليسوا مجرد كافرين ، بل هم في الحقيقة منافقون ، لأنهم يعلمون الحق كما تبين ، ولكنهم يستكبرون ، فهم منافقون سواء أكانوا في الظاهر مسلمين أو نصارى أو يهود ، وهؤلاء أي المنافقون من أهل الملل الثلاثة يزعمون أنهم بين بين ، أي لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، فيظنون أنهم في مأمن ، ولكن الله ينفي عنهم الولاية والنصرة.
قال الإمام البقاعي (وفي هذا أتم زاجر عما قصده المنافقون من موالاة أهل الكتاب ، وأعظم نافٍ لما منّوهم إياه مما لهم وزعموا من المنزلة عند الله ، المقتضية أن يقربوا من شاؤوا ، ويبعدوا من شاؤوا ، وهو من أنسب الأشياء لختام أول الآيات المحذرة منهم) [25]، (وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً ) .
قوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) (174) هذا خير ختام لما تقدم من هجوم ونقد لأهل الملتين الإنجيل والتوراة وما سبقه من هجوم على المنافقين وعبدة الشياطين ، ليكون الخطاب جامع للناس كافة أن قد جاءهم البرهان والدليل الساطع من الله تعالى ، قال أبو حيان (الجمهور على أنّ البرهان هو محمد r ، وسماه برهاناً لأنّ منه البرهان ، وهو المعجزة)[26]، قال مجاهد : (البرهان هنا الحجة)[27] ، فالرسول شاهد على قومه أنه بلغ الرسالة ، وقيل : (البرهان الإسلام ، والنور المبين هو القرآن)[28] أي أن الله أنزل للناس منهجا عمليا تربويا ، فيه النور وفيه البينات ، فلا حجة لأحد بعد أن يرى النور ساطعا بينا ، ولا عذر في عدم اتباعه ، ولذلك قال النبي r (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)[29].
قوله (فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (175) أي لم يبق إلا الإيمان بالله الإله الحق والاعتصام بالله وبهذا المنهج الصحيح ، لينال كل من يفعل ذلك رحمة الله ، وفضله ، ويهديه إلى الحق الموصل إلى جنته سبحانه في الآخرة ، فالاعتصام لغة صيغة مبالغة من العصمة على وزن (افتعال) ، بمعنى (التمسك بما يعصمك من محذور ، ومنه سميت القلاع عواصم لمنعها وحمايتها لمن بداخلها)[30]
قال ابن القيم (والاعتصام وهو نوعان : -
الأول : الاعتصام بالله وقال : (واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير) (الحج : 78) ، فالاعتصام به : يعصم من الضلالة ، فالسائر إلي الله محتاج لهداية الطريق .
الثاني : الاعتصام بحبل الله ، قال الله تعالى : (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (آل عمران 103 ) ، فالاعتصام بحبله : فإنه يعصم من الهلكة ، فالسائر إلى الله محتاج لقوة وإعانة وتوفيق .
قال ابن القيم (ومدار السعادة الدنيوية والأخروية : على الاعتصام بالله والاعتصام بحبله ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين ، فإن السائر إلى الله كالسائر على طريق نحو مقصده محتاج إلى هداية الطريق والسلامة فيها ، فلا يصل إلى مقصده إلا بعد حصول هذين الأمرين له ، فالدليل كفيل بعصمته من الضلالة وأن يهديه إلى الطريق ، والعدة والقوة والسلاح تحصل بها السلامة له من قطاع الطريق وآفاتها)[31].
فالاعتصام بالله يؤدي بدوره إلى الاعتصام بحبل الله ، فمن جهل الطريق إلى شرع الله ، لاسيما المسلمون الجدد الذين لا يعلمون تعاليم الإسلام ، ليس عليهم غير أن الاعتصام بالله والله سبحانه سوف يهديهم لحبله الذي يعتصمون به الذي هو صراطه المستقيم ، فلو كانت اللغة حائل بينهم وبين فهم كتاب الله ومراده ، فإن الله تعالى سوف يذلل لهم تلك العقبات بإذنه ، وكذلك لو كانت تلك العقبة الأهل والعشيرة ..الخ ، فمن ذات طعم الإيمان واستشعر رحمة الله وفضله ، فإنه لا يحيد عن الطريق ، ويجد من المؤيدات والأمور المعينة على الطريق ما يستيقن به أنه على صراط مسقيم ، قال تعالى (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (يونس58).
فالمعتصم بالله لابد وأن يهتدي لشرعه ،فالاعتصام بالله هو الالتجاء إليه والوثوق به والتوكل عليه ، وذلك هو حقيقة الاعتقاد في الله ، والاعتصام بحبل الله يعني التمسك بدينه وشرعه ، وامتثال أوامره ، ما يعني أن الاعتصام به سبحانه يمنح العبد القوة وينجيه من الفتن ، والاعتصام بحبله هو الهداية الناتجة عن الاعتصام بالله ، فتحصل للعبد هدايتان ، هداية الإرشاد ، وهداية التوفيق ، وهو ما لخصه الشيخ مصطفى العدوي فقال (الهداية هنا شاملة للتوفيق وللدلالة)[32] .
[1] ) رواه مسلم ج13 ص 154 رقم 4823
[2] ) شرح النووي على مسلم ج16 ص 220
[3] ) النهاية في غريب الأثر ج5 ص 164
[4] ) شرح سنن أبي داود ج26 ص 264
[5] ) جاء في دائرة المعارف الأمريكية عن عقيدة التثليث [.. أن عقيدة التثليث هي العقيدة المسيحية التي تقول بالطبيعة الثلاثية للإله هي عقيدة ليست من تعاليم العهد القديم ولا توجد في أي مكان بين ثناياه..] دائرة المعارف الأمريكية ط 1959
وقد اعترف كبار علماء اللاهوت في قاموس الكتاب المقدس أن : مادة التثليث لم ترد في الكتاب المقدس ويظن أن أول من صاغها هو ترنفيان في القرن الثاني الميلادي وقد خالفه الكثيرون ولكن مجمع نيقية أقر التثليث عام 325 أ.هـ. فانظر كيف يحفل كتابهم المقدس بقصص تفصيلية عن وقوع حوادث من (الزنا) ويخلو في ذات الوقت من بيان أهم مبادئ العقيدة النصرانية !
(انظر كتاب إقامة الحجة على العالمين بنبوة خاتم النبيين ج3 ص 16-19)
[6] ) رواه أبو داود ج13 ص 57 رقم 4258
[7] ) رواه ابن ماجة ج5 ص 449 رقم 1843 وصححه ابن ماجة ج1 ص 312 رقم 1503
[8] ) رواه البخاري ج10 ص 485 رقم 2969
[9] ) (انظر كتاب إقامة الحجة على العالمين بنبوة خاتم النبيين ج3 ص 16-19)
[10] ) الكشاف ج1 ص 493
[11] ) رواه مسلم ج10 ص 293 رقم 3762
[12] ) مدارج السالكين ج2 ص 113
[13] ) رواه البخاري ج4 ص 278 رقم 1053
[14] ) صحيح مسلم ج12 ص 193 رقم 4475
[15] ) رواه البخاري ج13 ص 346 رقم 4081
[16] ) رواه البخاري ج2 ص 268 رقم 446
[17] ) التحرير والتنوير ج4 ص 337
[18] ) رواه المستدرك ج4 ص 629 رقم 8739 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج3 ص 15 رقم 941
[19] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1149
[20] ) لسان العرب ج9 ص 340 أو إزاحة ماء البئر (تاج العروس ص6153)
[21] ) المحيط في اللغة ج2 ص 472 ، كتاب العين ج5 ص 383 ،
[22] ) أبو هلال العسكري : الفروق اللغوية ج1 ص 50
[23] ) رواه مسلم ج1 ص 381 رقم 231
[24] ) رواه البخاري ج1 ص 8 رقم 6
[25] ) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ج2 ص 380
[26] ) البحر المحيط ج4 ص 345
[27] ) تفسير الطبري ج9 ص 428
[28] ) البحر المحيط ج4 ص 345
[29] ) رواه مسلم ج1 ص 365 رقم 218
[30] ) ابن القيم : مدارج السالكين ج1 ص 460 مختصرا
[31] ) مدارج السالكين ج1 ص 460 مع أعادة ترتيب للفقرات
[32] ) سلسلة التفسير لمصطفى العدوى ج23 ص 17
-
الثلاثاء AM 11:46
2026-01-27 - 42



