ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
إشكالية المنافقين من أهل الملل مع الدعوة والدولة
د / احمد نصير
إشكالية المنافقين من أهل الملل مع الدعوة والدولة
يعيش المنافقون في كنف المسلمين وبينهم ، ورغم ذلك فإنهم لا يحافظون على حقوق الله ولا حقوق الناس ، وهم على هذا الحال في أي حقبة تاريخية أو بقعة جغرافية ، حيث يصعب عليهم العيش في سلم وسلام في ظل مجتمع ينعم بحرية بالإسلام والاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية ، حيث تزدهر فيه الحريات الفردية بكافة صورها ، ولكنهم يسعون لكسب مغانمهم بإفساد مغانم الآخرين ، اتباعا لهواهم ولعبا استهزاءً بعقائد ومشاعر الناس بلا مبالاة ، يخونون أصحابهم وجيرانهم ، ويوالون أعداءهم ويناصرونهم .
فالمنافقون لا يلتزمون بنظام دولة قائمة على العدل والقسط بين الناس ، بل إنهم ليرتدون عن دينهم ، ليوالوا الذين كفروا من دون المؤمنين ، حيث يبتغون عندهم العزة ، وهي ليست عندهم ، فلذلك جاء التوجيه الإلهي بوجوب مخاصمتهم في الله ، واجتناب مجالسهم حتى يفيئوا إلى أمر الله ، وقد فضحت الآيات شعورهم النفسي إزاء المؤمنين ، وكيف أنهم يتمنون أن ينتصر الكفار على المؤمنين ، لكن الله يطمئن المؤمنين بأن ذلك محال ، وأنى لهم ذلك وقد جعل الله العزة له ولرسوله وللمؤمنين ، ولذلك تجد أن حالتهم مذبذبة ظاهرها للمؤمنين وباطنها للكافرين ، وهو ما ظهر في عبادتهم التي يشوبها الكسل وقلة الذكر ، ولذلك حذرت الآيات المؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، وإن كانت قد فتحت لهؤلاء المنافقين باب التوبة والإصلاح والاعتصام بالله وإخلاص الدين له وحده سبحانه ، فالفرصة سانحة لأن يلتحق هؤلاء بصفوف المؤمنين مرة أخرى ولكن بصدق هذه المرة ، ومن جهة أخرى حضت المؤمنين أن يستروا عليهم ما لم يفضحوا أنفسهم إلا من كان منهم عليه عندهم مظلمة ، فلهم أن يجهروا بالسوء الذي أصابهم منهم ليقتضي المجني عليه حقه ويقتص منهم ، وأجازت العفو عنهم متى تحققت القدرة على الثأر والقصاص .
وهؤلاء المنافقون يتأسون في أخلاقهم هذه بالمنافقين من أهل الكتاب من قبلهم ، أولئك الذي فرقوا بين الله ورسله ، وأرادوا أن يتخذوا ذلك ذريعة لأن يهدموا العقيدة الإسلامية أو يفصلوا بين شريعة الله ودين الله ، فلا ينظرون للدين كوحدة واحدة ، يتخيرون منه ما يشتهون ويتركون منه ما لا يوافق هواهم ، (أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا) ، أما المسلم فإنه وإن قصر في بعض أحكام الله من حيث التطبيق ، فإنه ولأنه يدين لله تعالى بدين الإسلام ويعتقد بأن أحكام الشريعة كلها من عند الله، فإنه يجتهد في تنفيذها وإن بدر منه تقصير في ذلك ،لعله يستغفر الله فيغفر له.
ثم استطردت الآيات في وصف المنافقين من أهل الكتاب فبدأت بالمنافقين من اليهود المضيعين لحقوق الله تعالى وحقوق الناس ، فالتفتت إليهم لتسرد عليهم أخطاءهم وضلالاتهم ، وتذكرهم بها ، فتصمهم بالكفر بما يغني عن التفصيل ، أولئك المنتفعين بجزء من الدين ولا يقبلونه بالكلية كما لم يقبلوا أنبياء الله تعالى بالكلية ، والخطاب القرآني هنا يخص اليهود والنصارى سواء المفرطين منهم أو المغالين ، أولئك الذين أدى بهم التفريط أو تلك المغالاة إلى ذات النتيجة التي انتهى إليها المنافقون اليوم ، والتي حدت بهم إلى تضييع حقوق الناس
أولئك الماديون الذين لا يؤمنوا بالغيب ، وكفروا بالمعجزات حتى أنهم عبدوا العجل ، كأكبر دليل على سفاهة معتقداتهم ، الرافضين لأخذ كتاب الله إلا بالقوة وجبر السلطان ، وكذلك المتحايلين على شرعه الذين عدوا في قصة السبت - التي أشرنا إليها من قبل - ، وقد انتهى بهم الأمر أن قتلوا الأنبياء ، ولما أرادوا تصحيح أخطائهم لم يزيدوا الطين إلا بله ، وأشاروا على النصارى بتأليه المسيح بعد أن زعموا صلبه ، وأكلوا أموال الناس بالباطل ، فظلموا وكفروا فكان جزاؤهم أن حرَّم الله تعالى عليهم الطيبات من الدنيا وليس لهم في الآخرة إلا النار.
ثم عقبت الآيات على هذه الأحداث والمواقف التي صدرت عنهم فاستثنت منهم طائفة الراسخون في العلم ، وكذلك الذين آمنوا من أهل الكتاب وإن لم يبلغوا هذه المرحلة من العلم ، فكلا الفريقان لهم جزاء عظيم عند الله تعالى من الحسنات ، أولئك الذين اتبعوا سنن المؤمنين من أنبياء الله تعالى من أول نوح عليه السلام والذين جاءوا من بعده ، دون تفرقة بين أحد منهم.
وقد شهد الله تعالى بإقامة حجته علي العالمين ، فبتلك الحجة استحق الكافرون عذب يوم القيامة ، أولئك الذين جمعوا مع كفرهم الصد عن سبيل الله ، مبينة أن مجرد الكفر دون الصد عن سبيل الله قد يفتح لهم طريقا للإسلام ومن ثم مغفرة الله ، لكنهم ولأنهم جمعوا مع الكفر ظلما وصدا عن سبيله فقد ضلوا وليس لهم في الآخرة طريق إلا جهنم ، والله غني عن عبادتهم وضلالاتهم .
ثم التفتت السورة مرة أخرى للمنافقين من أهل الكتاب لكنها خصت بالذكر هذه المرة أهل الأنجيل ،فصرحت بغلوهم في حب أنبيائهم حتى أنهم ألهوا المسيح عيسى ابن مريم ، وآمنوا بعقيدة التثليث ، ناهية لهم عن مجرد التحدث بين الناس بتلك العقيدة الفاسدة ، مبينة لهم أن عقيدة التوحيد هي التي آمن بها عيسى ابن مريم ، وأنه سوف يتبرأ منهم يوم القيامة ، مفرقة بين من آمن منهم بدعوة الإسلام ، وبين من استكبر منهم أن ينضم لصفوف المؤمنين ، فتهدده بالعذاب الأليم .
ثم اختتمت الآيات بخطاب عام للناس كافة – الآية (174) – أنه ليس غير سبيل واحد للنجاة بعد أن اتضح الطريق واستبان السبيل ، ألا وهو سبيل المؤمنين الذين تمسكوا بدينهم دون تفريط أو تقصير في حق الله تعالى كما فعل اليهود والمنافقين ولا إفراط أو مغالاة كما فعل النصاري ، بل الذين اعتصموا بحبل الله تعالى وصراطه المستقيم .
وذلك كله في ثلاثة مباحث :-
المبحث الأول : المنافقون من أهل الإسلام الموالون للكافرين
المبحث الثاني : نقض المنافقين التوراة (الميثاق)
المبحث الثالث : غلو المنافقين من أهل الإنجيل في الدين واستكبارهم سبب ضلالهم عن الإسلام
المنافقون من أهل الإسلام الموالون للكافرين
وفيه مطلبان :-
- توصيف الإشكال
- التعقيب عليه
قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (137) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143)
قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) (137) والخطاب للمنافقين ، أي (آمنوا بألسنتهم ، ثم كفروا بقلوبهم)[1]، (فهذا إعلامٌ من الله بأن المنافقين كفار ، إذْ أقروا باللسان ثم كفروا بالقلب)[2] ، قال ابن عاشور يعني: (يا أيها الذين أظهروا الإيمان أخلصوا إيمانكم حقا)[3] .
ففي حديث هرقل ملك الروم لسفيان بن أبي طالب ، (قَالَ فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ قُلْتُ لَا) ثم أعاد عليه ما قال فقال له (وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ)[4].
وفي ذلك (توصيف لحالة النفاق) ، قال الزمخشري (المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم ، فقوله "ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ" فيه ثلاثة أوجه وجميعها تدل على أنهم آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم :-
أحدها : أنهم نطقوا بكلمة الشهادة ،وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام ، ثم كفروا : ثم ظهر كفرهم بعد ذلك ، وقد تبين بما أطلع الله رسوله عليه من قولهم : إن كان ما يقوله محمد حقاً فنحن حمير ، وقولهم في غزوة تبوك : أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر هيهات ، ونحوه قوله تعالى : (يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر وَكَفَرُواْ بَعْدَ إسلامهم) [ التوبة : 74 ] أي : وظهر كفرهم بعد أن أسلموا ، ونحوه قوله تعالى : (لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم) [ التوبة : 66 ] .
والثاني : أنهم آمنوا : أي نطقوا بالإيمان عند المؤمنين ، ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام ، كقوله تعالى : (وَإِذَا لَقُواْ الذين ءَامَنُواْ ) [ البقرة : 14 ] إلى قوله تعالى : (إِنَّمَا نَحْنُ مستهزؤون) [ البقرة : 14 ] .
والثالث : أن يراد أهل الردة منهم[5]، كالمنافقين الذين ارتدوا في عهد أبي بكر.
قوله (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) (137) (فعدم غفران ذنوبهم لعدم هدايتهم السبيل الذي يُغفر لصاحبه)[6] ، لأنهم يترددون بين الإيمان والكفر عمدا ، كما في قوله (وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَجْهَ النهار واكفروا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [ آل عمران : 72 ] .
قال الخازن (لأن من تكرر منه الإيمان بعد الكفر والكفر بعد الإيمان مرات كثيرة يدل على أنه لا وقع للإيمان في قلبه ، ومن كان كذلك لا يكون مؤمناً بالله إيماناً صحيحاً وازديادهم الكفر هو استهزاؤهم وتلاعبهم بالإيمان ومثل هذا المتلاعب بالدين لا تقبل توبته)[7]أي في ظاهر الأحكام .
قال الزمخشري والمعنى : (إنّ الذين تكرر منهم الارتداد وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار عليه ، يستبعد منهم أن يحدثوا ما يستحقون به المغفرة ويستوجبون اللطف من إيمان صحيح ثابت يرضاه الله ، لأن قلوب أولئك الذين هذا ديدنهم قلوب قد ضربت بالكفر ومرنت على الردّة ، وكان الإيمان أهون شيء عنده وأدونه ، حيث يبدو لهم فيه كرّة بعد أخرى )[8].
(وليس المعنى أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الردّة ونصحت توبتهم لم يقبل منهم ولم يغفر لهم ، لأنّ ذلك مقبول حيث هو بذل للطاقة واستفراغ للوسع ، ولكنه استبعاد له واستغراب ، وأنه أمر لا يكاد يكون ، وهكذا ترى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع ، لا يكاد يرجى منه الثبات ، والغالب أنه يموت على شرِّ حال وأسمج صورة . وقيل : هم اليهود ، آمنوا بالتوراة وبموسى ثم كفروا بالإنجيل وبعيسى ، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد r)[9].
قال الألوسي (وعلى القول المشهور الذي عليه الجمهور : المراد من نفي المغفرة والهداية نفي ما يقتضيهما ، وهو الإيمان الخالص الثابت ، ومعنى نفيه استبعاد وقوعه ، فإن من تكرر منهم الإرتداد وازدياد الكفر والإصرار عليه صاروا بحيث قد ضربت قلوبهم بالكفر وتمرنت على الردة ، وكان الإيمان عندهم أدون شيء وأهونه ، فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفرة وهداية سبيل الجنة ، لا أنهم لو أخلصوا الإيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم)[10] .
وهو ما يعني أن الله تعالى لا يهدي لطريق الإسلام من اختار النفاق الاعتقادي دينا له ، فسبيله أضل ممن اتخذ الكفر دينا ، ولذلك أخبر الله أنهم في الدرك الأسفل من النار ، لأنه باتخاذه النفاق دينا علم أنه على باطل ،فيعاقبه الله بالختم على قلبه .
وهذا بخلاف من ينافق تقية كما فِي قَوْلِهِ (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ)(النحل/106) .
كذلك من نافق عن شبهة أو جهل فإذا زالت شبهته أو انتفى جهله وعلم الحق ، فآمن فذلك تقبل توبته كما في قوله (لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) (التوبة/66) ، فعن ابن إسحاق قال: كان الذي عُفِي عنه، فيما بلغني مَخْشِيّ بن حُمَيِّر الأشجعي، حليف بني سلمة، وذلك أنه أنكر منهم بعض ما سمع)[11] ،قال ابن عبد البر (كان من المنافقين وسار مع النبي r إلى تبوك حين أرجفوا برسول الله r وأصحابه ثم تاب وحسنت توبته وسمي عبد الرحمن وسأل الله أن يقتله شهيدا ، لا يعلم مكانه فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر)[12].
قال ابن تيمية في توبة المنافق وفي قَوْلُهُ : (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ) أَيْ أَنَّهُ لَا يَهْدِيهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ مُرْتَدِّينَ ظَالِمِينَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) فَمَنْ ارْتَدَّ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ إلَّا ضَالًّا لَا يَحْصُلُ لَهُ الْهُدَى إلَى أَيِّ دِينٍ ارْتَدَّ ، " وَالْمَقْصُودُ " أَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ وَلَا يَغْفِرُ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَتُوبُوا ...... وَالْفُقَهَاءُ إذَا تَنَازَعُوا فِي قَبُولِ تَوْبَةِ مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ أَوْ قَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ فَذَاكَ إنَّمَا هُوَ فِي الْحُكْمِ الظَّاهِرِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوثَقُ بِتَوْبَتِهِ، أَمَّا إذَا قُدِّرَ أَنَّهُ أَخْلَصَ التَّوْبَةَ لِلَّهِ فِي الْبَاطِنِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [13].
قوله (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (138) قال الثعلبي (ويتضمن الخطاب قوم تخلفوا عن الجهاد ، ليس جبنا وإنما نفاقا ، فلما نافقوا نبّه الله على أحوالهم لأن الله تعالى لا يتعبد الكافر والمنافق بالشرائع بل يتعبدهم أولاً بالإيمان ثم بالشرائع)[14] ، معنى كلامه أنهم نافقوا اعتقادا وليس نفاق عمل وحسب .
(يقال "النفاق" إظهار خلاف ما بطن مأخوذ من النافقاء وهو الموضع الذي يدخل منه اليربوع فإذا طلبه الصياد منه خرج من القاصعاء فيشبه المنافق به لخروجه من الإيمان)[15]
نسأل الله السلامة من النفاق ، فعَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ كُنَّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ اللَّهِ فَجَاءَ حُذَيْفَةُ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ خَيْرٍ مِنْكُمْ قَالَ الْأَسْوَدُ سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي اَلدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ) فَتَبَسَّمَ عَبْدُ اللَّهِ وَجَلَسَ حُذَيْفَةُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ فَرَمَانِي بِالْحَصَا فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ حُذَيْفَةُ عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْتُ لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)[16].
قال بدر العيني في قوله (لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم) أي (ابتلوا به وأما الخيرية فلأنهم كانوا طبقة الصحابة فهم خير منطبقة التابعين لكن الله ابتلاهم فارتدوا ونافقوا فذهبت الخيرية عنهم ومنهم من تاب فعادت إليه الخيرية ، وقال ابن الجوزي مقصود حذيفة أن جماعة من المنافقين صلحوا واستقاموا فكانوا خيرا من أولئك التابعين لمكان الصحبة والصلاح كمجمع ويزيد بن حارثة بن عامر كانا منافقين فصلحت حالهما واستقامت وكأنه أشار بالحديث إلى تقلب القلوب وقال ابن التين كان حذيفة حذرهم أن ينزع منهم الإيمان لأن الأعمال بالخواتيم)[17]
فهناك نوعان من المنافقين كما يقول ابن القيم (النفاق نوعان أصغر وأكبر:-
النوع الأول : منافق خالص ، وواقع حالهم شاهد بأنهم لم يسلموا حقيقة ، فلا يصح إسلامهم ، وذلك ثابت في قوله (ولا يهديهم سبيلا) ، أي متى كان نفاقهم اعتقادي حرمهم الله من السبيل إلى الجنة ، وهم في الدرك الأسفل من النار .
يقول ابن القيم (النفاق نوعان أصغر وأكبر ، فالأكبر : يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل ، وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به، لا يؤمن .. ، ... فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدا لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة ، يخرجون عداوته في كل قالب ، ..) [18].
والنوع الثاني : منافق عملا ولم يصل بعد إلى درجة النفاق الاعتقادي ، فهؤلاء فيهم بعض آيات النفاق ، كما في الحديث (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)[19] ، وهؤلاء يمكن أن تقبل توبتهم ، مثال ذلك قبول توبة من نافق لعدم فهم الدين ، فكان يحارب ضده ، فلما فهم تاب وأصلح، فلعله يدخل في مفهوم قوله (إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ) (التوبة 66) .
وأيا كان نوع النفاق مخرج من الملة أو غير مخرج من الملة ، فإن إحسان الإسلام يجُب ما قبله ، كما في حديث عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ أُنَاسٌ لِرَسُولِ اللَّهِ r يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، قَالَ أَمَّا مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي الْإِسْلَامِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا ، وَمَنْ أَسَاءَ أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ)[20]، وفي رواية (وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ)[21].
قال النووي في شرح الحديث (المراد بالاحسان هنا الدخول فى الاسلام بالظاهر والباطن جميعا ، وأن يكون مسلما حقيقيا ، فهذا يغفر له ما سلف فى الكفر بنص القرآن العزيز ، والحديث الصحيح (الاسلام يهدم ما قبله)[22] ، وباجماع المسلمين ، والمراد بالاساءة عدم الدخول فى الاسلام بقلبه بل يكون منقادا فى الظاهر مظهرا للشهادتين غير معتقد للاسلام بقلبه ، فهذا منافق باق على كفره باجماع المسلمين ، فيؤاخذ بما عمل فى الجاهلية قبل إظهار صورة الاسلام وبما عمل بعد إظهارها لأنه مستمر على كفره ، وهذا معروف فى استعمال الشرع يقولون حسن إسلام فلان إذا دخل فيه حقيقة باخلاص ،وساء إسلامه أو لم يحسن اسلامه إذا لم يكن كذلك)[23] .
قال القرطبي (الإساءة هنا بمعنى الكفر ، إذ لا يصح أن يراد به هنا ارتكاب سيئة ، فإنه يلزم عليه ألا يهدم الإسلام ما سبق قبله إلا لمن يعصم من جميع السيئات إلا حين موته)[24]
قوله (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (139) ولاية الكافرين والطمع في عزتهم من أظهر الصفات التي تكشف المنافقين ، قال أبو حيان فالآية (نص على أشد صفات المنافقين ضرراً على المؤمنين)[25]، قال الواحدي (كان المنافقين يُوالون اليهود، يتوهَّمون أنَّ لهم القوَّة والمنعة) [26]، فنبه على فساد ذلك ليدعه من عسى أن يقع فيه من فيه غفلة أو جهالة .
قوله تعالى (..أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ .. ) (139)) توبيخ لهم تضمن تأكيدًا على مناط النهي ، قال ابن عاشور (وفي ذلك إيماء إلى أن المنافقين لم تكن موالاتهم للمشركين لأجل المماثلة في الدين والعقيدة ، لأن معظم المنافقين من اليهود – أي ليسوا بحاجة لأن يدينون بالوثنية - ، بل اتخذوهم ليعتزوا بهم على المؤمنين ، وإيماء إلى أن المنافقين شعروا بالضعف فطلبوا الاعتزاز) [27]
قال أبو حيان (وفي هذا الاستفهام تنبيه على أنهم لا عزة لهم فكيف تبتغي منهم؟ وعلى خبث مقصدهم ، وهو طلب العزة بالكفار والاستكثار بهم)[28]، كالمستغيث من الرمضاء- الأرض الحارقة - بالنار[29] ، قال عمر بن الخطاب (إنكم كنتم أذل الناس ، وأقل الناس ، وأحقر الناس ، فأعزكم الله بالإسلام ، فمهما تطلبوا العز بغيره يذلكم الله)[30].
قال ابن عجيبة (من كان ضعيفَ الاعتقاد في أهل الحق ، ضعيفَ التصديق ، تراه تارة يدخل وتارة يخرج ، وتارة يصدق وتارة ينكر ، لا يُرجى فلاحُه في طريق الحق ، فإن ضم إلى ذلك صحبة أهل الإنكار وولايتهم ، فبشره بالخيبة والخسران ، فإن تعزز بعزهم أعقبه الذل والهوان ، فالعز إنما يكون بعز التوحيد والإيمان ، وعزة المعرفة والإحسان ، وبصحبة أهل الحق الذين تعززوا بعز الرحمن ، فمن تعزز بعز يفنى مات عزه ، ومن تعزز بعز يبقى دام عزه)[31] .
لكن لابد من التنويه إلى أن حظر الموالاة في موطن الغلبة لا ينافي جواز المداراة في موطن الاستضعاف ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ " الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ " ، قال:"نَهَى اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُلاطِفُوا الْكُفَّارَ، فَيَتَّخِذُوهُمْ وَلِيجَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، إِلا أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ عَلَيْهِمْ ظَاهِرِينَ، فَيُظْهِرُونَ اللُّطْفَ لَهُمْ وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي الدِّينِ"[32] ، وذلك من باب المداراة لا من باب المهادنة أو الموالاة ، فشتان بين المداراة والموالاة ، المداراة هي دفع الشر والتحايل بهدف حفظ الدين أو النفس، وهي جائزة في ظروف معينة، بينما الموالاة تعني المودة التامة ومناصرة الكفار وترك الدين لأجل الدنيا، وهي محرمة.
وقد ورد في مشروعية المداراة ما روي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ إِنَّا لَنَكْشِرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ)[33] ، وقد أورد البخاري في باب المداراة حديثا عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ r رَجُلٌ فَقَالَ ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ أَوْ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ فَقُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ مَا قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ فِي الْقَوْلِ فَقَالَ أَيْ عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ تَرَكَهُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ)[34].
وهذا باب من أبواب الدعوة ، فمن أبوابها تأجيل المواجهة والصدام لعل ذلك يكون خيرا لهم ، كما في قوله (قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الجاثية 14) ، ولعل ما أصابهم من شبهات عن الإسلام يزيلها حسن المعاملة ، لا بقصد ابتغاء عزتهم وإنما بقصد دعوتهم ، فإذا وقع الظلم واستطال حتى أضحى الصد عن سبيل الله ظاهرا ، والصدام محتما وجب الجهاد ، والمسلمون هم الأعلون .
قوله (..فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (139) أي أن مصدر العزة قاصر على الله تعالى ، (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (يونس65) ، فلا يستمدها العبد من غيره ، بل يطلبها منه وحده ، والله تعالى يعز عباده وجنوده بالإسلام ، فإن ظنوا أن مصدر العزة غير ذلك أذلهم الله ، ولذلك روي عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ الشَّامَ أَتَتْهُ -لقيه[35]- الْجُنُودُ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ وَخُفَّانِ وَعِمَامَةٌ ، وَهُوَ آخَذٌ بِرَأْسِ بَعِيرِهِ يَخُوضُ الْمَاءَ ، فَقَالُوا لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , تَلْقَاك الْجُنُودُ وَبِطَارِقَةِ الشَّامِ ، وَأَنْتَ عَلَى هَذَا الْحَالِ ، قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّا قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالإِسْلاَمِ , فَلَنْ نَلْتَمِسُ الْعِزَّ بِغَيْرِهِ) [36].
ونقل ابن كثير عن أبي الغالية الشامي قال: قدم عمر بن الخطاب الجابية على طريق إيلياء على جمل أورق ، تلوح صلعته للشمس ، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة ، تصطفق رجلاه بين شعبتي الرحل بلا ركاب ، وطاؤه كساء انبجاني ذو صوف هو وطاؤه إذا ركب، وفراشه إذا نزل، حقيبته نمرة أو شملة محشوة ليفا ، هي حقيبته إذا ركب ووسادته إذا نزل وعليه قميص من كرابيس قد رستم وتخرق جنبه.
فقال: ادعوا لي رأس القوم ، فدعوا له الجلومس، فقال: اغسلوا قميصي وخيطوه وأعيروني ثوبا أو قميصا ، فأتي بقميص كتان فقال: ما هذا ؟ قالوا: كتان ، قال: وما الكتان ؟ فأخبروه فنزع قميصه فغسل ورقع وأتي به فنزع قميصهم ولبس قميصه.
فقال له الجلومس: أنت ملك العرب ، وهذه بلاد لا تصلح بها الابل، فلو لبست شيئا غير هذا وركبت برذونا لكان ذلك أعظم في أعين الروم ، فقال: نحن قوم أعزنا الله بالاسلام فلا نطلب بغير الله بديلا)[37].
وقد علق أبو عبيدة على ذلك فقال لعمر (قد صنعت اليوم صنيعا عظيما عند أهل الارض، صنعت كذا وكذا، قال: فصك في صدره وقال: أولو غيرك يقولها، فقال عمر بن الخطاب (يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس، فأعزكم الله بالاسلام فمهما تطلبوا العز بغيره يذلكم الله)[38]
قوله (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ...) يرى بعضُ المفسرين أن هذا الحكم من باب التدرج في تحريم موالاة المسلمين للكافرين ، ذلك أن مفهوم المخالفة الوارد في الآية يقتضي جواز مجالسة الكفار إذا لم يصدر منهم استهزاء بآيات الله وإظهار كفرهم بها ، وذلك بقدر الحاجة الداعية إلى ذلك من بيع وشراء وتفاوض ....الخ ، لاسيما إذا كانت بينهم قرابة .
ويرى ابن عاشور وغيره أن ذلك الحكم المستنبط من مفهوم المخالفة الوارد بالآية أي جواز القعود معهم إذا لم يظهر منهم منكر نُسخ بآية سورة التوبة في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ ...) [التوبة:23- 24] )[39] ، بيد أن ذلك الرأي لا يسلم من الرد ، ذلك أن نفي الولاية وإنكار منكرهم شيء ، والحاجة إلى التعامل معهم بالقسط شيء آخر .
ذلك أن التعامل مع الكافرين لا يعني بالضرورة موالاتهم ، فالموالاة تعني المحبة القلبية والنصرة ، وطاعتهم في معصية الله ، أما التعامل معهم بالقسط فذلك مأمور به ، بصريح آية سورة الممتحنة ، وكلا السورتان متزامنتان في النزول الواحدة تلو الآخرى .
وإنما ضابط المسألة إنكار المنكر حال الجهر به عند التعامل معهم بحسب الاستطاعة متى تمكن من ذلك بحسب حال المسلمين وما إذا كان استضعاف أم غلبة على التفصيل المتقدم ذكره ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ)[40]، قال ابن علان (حكمة ذلك –أي تنوع وسائل المجاهدة - مع التفنن في التعبير الإشارة إلى مجانبة الجليس السيء)[41] ، ولذلك قال أبو السعود (المرادَ بالإعراض إظهارُ المخالفةِ بالقيام عن مجالسهم لا الإعراضُ بالقلب أو بالوجه فقط)[42] .
قال الزمخشري في النهي عن المجالسة (إنهم – أي القاعدين مع المشركين إذا لم يكونوا مستهزئين - إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين ، والراضي بالكفر كافر) ، فإن قلت : (فهل كان المسلمون بمكة حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين منافقين؟ قلت : (لا لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم ، وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم ، فكان ترك الإنكار لرضاهم)[43].
وأقل ما يقال في مجالسة أهل السوء ما قَالَه رَسُولُ اللَّهِ r (مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً)[44].
قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (140) عن مقاتل قال (إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، الَّذِينَ خَاضُوا وَاسْتَهْزَءُوا بِالْقُرْآنِ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا)[45].
ذلك أن المنافقين ظنوا بما أنهم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء أنهم ربما يكونوا في مأمن ، لظنهم أنهم في مكانة بين الأمرين ، وفي ذلك ضمان لهم أن يأخذوا نصيبا من الدنيا ونصيبا من الآخرة ، لكن الله تعالى بين خطأ ظنهم ، وأنهم والكافرين ، كلاهما في الضلال ، وذلك أن المنافقين إن لم ينكروا على أهل الكفر استهزاءهم بآيات الله تعالى وكفرهم بها ، وجلسوا معهم ، فإنهم مثلهم سواء بسواء في المصير في جهنم ، ولا فرق.
والقاعدة أن أضعف درجات الإيمان إنكار المنكر ولو بالقلب ، وليس بذلك ذلك إيمان ، لقول النبي r (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ)[46] ، فأين موقف المنافقين مما يفعله الكافرين ، وهم يجلسون معهم ويقعدون معهم ، فليس ثمة تفسير لسكوتهم وعدم إنكارهم على الكافرين إلا أن الإيمان لم يدخل قلوبهم ابتداء ، يقول الشيخ عبد المحسن العباد يعني: (لا أقل من هذا الشيء، والإنسان الذي لا ينكر بقلبه ، فليس وراء ذلك شيء من الإيمان في قلبه)[47] .
قوله تعالى (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ..)(141) جملة الصلة تبين أن المنافقين الذين يستمدون عزتهم من موالاة الكافرين هم الذي يتربصون مآل المؤمنين مع الكافرين ، فإن كان النصر لهم تمحكوا بهم ، وإن كانت للكافرين شمتوا في المؤمنين ، وعاتبوا عليهم ، فعن ابن جريج في قوله "فإن كان لكم فتح من الله". قال: المنافقون –الذين يتربَّصون بالمسلمين-"فإن كان لكم فتح-أي نصر-"، أي (إن أصاب المسلمون من عدوهم غنيمة) ، قال المنافقون"ألم نكن معكم"، أي (قد كنا معكم فأعطونا غنيمة مثل ما تأخذون) ، وقوله "وإن كان للكافرين نصيب"، أي : يصيبونه من المسلمين، قال المنافقون للكافرين: "ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين"، أي : قد كنا نثبِّطهم عنكم)[48].
وفي ذلك توصيف دقيق لأخلاق المنافقين ، بأنهم ليس عندهم مبدأ ولا شرع ، وليس لديهم انتماء لوطن ولا لدين، فالمنافق لا دين له ، وأقصد بالانتماء الوطني الهجرة إلى أهل الإسلام والالتزام بتبعيتهم الدينية والسياسية ، فأهل الذمة أفضل حالا منهم في الالتزام بعقودهم مع المسلمين ، أما المنافقون فهم لا يدينون لبني جلدتهم من المؤمنين بولاء ولا إخلاص ، فمثلهم كمثل الكلب يلهث وراء منفعته المادية المحضة ، فإن رجحت كفة المؤمنين تظاهر بكونه منهم ليجني ثمار تبعيته لهم ، وإن رأى في الظاهر رجحان كفة الكافرين ولى وجهه شطرهم مخاطبا إياهم بأنه صاحب فضل في هذا النصر على المؤمنين بتعاونه معهم في السر ، وفتت في عضد المؤمنين باللوم والعتاب ، بهذا تتجلى خيانته بتقديم كشف حساب للكافرين موضحا فيه أنه كان يحيط بهم من أن يصيبهم أذى من المؤمنين ، بإخبارهم أول بأول ما يخطط له المؤمنون ، فكان يرعى مصالح المشركين ناصرا إياهم بالمعلومات والخيانة ، ومخذلا المؤمنين عن قتال الكافرين ، قال تعالى (وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) (النساء 72-73) .
فهؤلاء المنافقون تجاوزوا مرحلة النفاق القائم على بعض الخصال نتيجة ما أصاب قلوبهم من بعض الأمراض مثل الجبن والخور والكذب إلى مرحلة النفاق المحض القائم على التعاون مع الكفار المحاربين ونصرتهم ، رجاء أن ينالهم نصيب من هذا النصر الزائف إما ماديا أو شرفا وعزة ومكانة عندهم ، طامعين في أن يستعملهم الكافرون في الولاية على المؤمنين بعد هذا النصر المتوهم .
يقول الشعراوي (لنر الأداء البياني للقرآن حين يقول عن انتصار المؤمنين : (فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ ) أما تعبير القرآن عن انتصار الكافرين فيأتي بكلمة « نصيب » أي مجرد شيء من الغلبة المؤقتة)[49] ، قال ابن عجيبة (وإنما سمي ظفر المسلمين فتحًا ، وظفر الكافرين نصيبًا؛ لخسة حظه ، فإنه حظ دنياوي ، استدراجًا ومكرًا ، بخلاف ظفر المسلمين ، فإنه إظهار الدين ، وإعانة بالغنيمة للمسلمين)[50] .
وفي قوله (..فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ..)(141) قال ابن كثير أي: (بما يعلمه منكم -أيها المنافقون-من البواطن الرديئة، فلا تغتروا بجريان الأحكام الشرعية عليكم ظاهرًا في الحياة الدنيا، لما له -تعالى- في ذلك من الحكمة، فيوم القيامة لا تنفعكم ظواهركم، بل هو يوم تبلى فيه السرائر ويُحَصَّل ما في الصدور)[51].
وفي قوله (..وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (141) نفي لتحقيق نتيجة ملموسة من هذا النصر المزعوم على المؤمنين ، فمهما مالت كفة الكافرين فإن الله ناصر المؤمنين ، قال تعالى (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)[غافر 51]، وقوله: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم 47]، هذا على سبيل الإجمال .
أما من حيث التفصيل فقد قال رسول الله r (وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ)[52]، قال (المعنى في ذلك أن الله تعالى كان فرض أن لا يفر واحد من عشرة ثم خفف بأن لا يفر واحد من اثنين والنسخ عام في قليل الأعداد وكثيرها ثم خص على لسان الرسول r من العموم الاثنا عشر ألفا بما ذكرها به من أنه لا يغلب من قلة وفرض عليهم أن لا يفروا ممن فوقهم وإن كثرت)[53]، والمعنى إن كان هؤلاء الاثنا عشر ألفا هم أخلص جنود الله تعالى قد اجتمعوا على عدوهم ، فلن يتسلط عليهم كافر .
فإذا نفي الله أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيل ، دل ذلك على أنهم في أمان منهم على وجه الإجمال ، فقد يصيبهم الخوف لكن الله يبدل لهم ذلك أمنا ، ويدل علي ذلك آيات كثيرة كقوله (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور/55) .
وقال رسول الله r (إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا) ، فقوله (فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ)[54] أي مجْتَمعهُم ومَوْضِع سُلطانهم ومُسْتَقَرَّ دَعْوتهم . وبَيْضَة الدَّار : وسَطُها ومُعْظَمُها أراد عَدوًّا يَسْتَأصِلُهم ويُهلِكهم جميعهم ، قيل أرادَ إذا أُهْلِك أصْلُ البَيْضة كان هَلاك كلِّ ما فيها من طُعْم أو فَرْخ وإذا لم يهْلِك أصْلُ البيضة ربَّما سَلم بعض فِرَاخها ، وقيل أرادَ بالبيْضة الْخُوذَة فكأنَّه شَبَّه مكان اجتماعهم والتِئامِهم ببَيْضة الحَدِيد) [55]
وفي ذلك تثبيت للمؤمنين قال ابن عاشور (مثل هذه الأخبار عن دخائل الأعداء وتألبهم: من عدو مجاهر بكفره، وعدو مصانع مظهر للأخوة ، وبيان هذه الأفعال الشيطانية البالغة أقصى المكر والحيلة ، يثير مخاوف في نفوس المسلمين ، وقد يخيل لهم مهاوي الخيبة في مستقبلهم، فكان من شأن التلطف بهم أن يعقب ذلك التحذير بالشد على العضد، والوعد بحسن العاقبة، فوعدهم الله بأن لا يجعل للكافرين ، وإن تألبت عصاباتهم، واختلفت مناحي كفرهم، سبيلا على المؤمنين..) [56] .
ونقول بشيء من الإيضاح للمعنى فيكون أكثر تفصيلا أنه قد تعلو يد العدو في زمان ما دون زمان ومكان دون آخر لكن لا يعدم الزمان والمكان الذي توجد فيه الطائفة المنصورة بإذن الله لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم ، قال أبو حيان (والمعنى أنه لا يجعل لهم عليهم سبيلا إلا أن يتواصوا بالباطل ولا يتناهوا عن المنكر، ويتقاعدوا عن التوبة فيكون تسليط العدو عليهم من قبلهم، كما قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) [الشورى/30] [57]
قال الشنقيطي (والمراد أن لا يجعل لهم على المؤمنين سبيلا، يمحو به دولة المسلمين ويستأصلهم ويستبيح بيضتهم)[58]، قال ابن عاشور (ونحن نرى الكافرين ينتصرون على المؤمنين انتصارا بينا، وربما تملكوا بلادهم وطال ذلك، فكيف تأويل هذا الوعد ، قلت: إن أريد بالكافرين والمؤمنين الطائفتان المعهودتان ، بقرينة القصة فالإشكال زائل، لأن الله جعل عاقبة النصر للمؤمنين ، وقطع دابر القوم الذين ظلموا ، فلم يلبثوا أن ثقفوا وأخذوا وقتلوا تقتيلا ، ودخلت بقيتهم في الإسلام فأصبحوا أنصارا للدين؛ وإن أريد العموم فالمقصود من المؤمنين المؤمنون الخلص الذين تلبسوا بالإيمان بسائر أحواله وأصوله وفروعه ، ولو استقام المؤمنون على ذلك لما نال الكافرون منهم منالا، ولدفعوا عن أنفسهم خيبة وخبالا)[59] .
قوله تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ...) (142) أي (أن الله قابلهم بمثل صنيعهم، فكما كان فعلهم مع المؤمنين المتبعين أمر الله ورسوله خداعا لله ، كان إمهال الله لهم في الدنيا حتى اطمأنوا وحسبوا أن حيلتهم وكيدهم راجا على المسلمين وأن الله ليس بناصرهم)[60]، كما في قوله (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام45) .
وقد تضمن البيان (إنذار للمؤمنين بكيدهم حتى لا تنطلي عليهم حيلهم)[61] ، ويقول النبي r (لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ)[62] ، بل علي المسلم أن يتحقق من الجحر قبل أن يدخله ، وعليه أن يتبين كل خبر لقوله تعالى : (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)[63] ، ومعناه أن (المؤمن الممدوح هو الكيس الحازم الذي لا يُستغفل ، فيُخدع مرة بعد أخرى ولا يَفطِن لذلك)[64]، ليس من شأن المؤمن أن يُصَدِّق الكاذب الذي ظهر كذبه ، فينخدع فيه مرة ثانية ، فالمؤمن إذا لدغ من حجر مرة أخذ حذره ولم يعد لهذا الحجر مرة أخرى وهو يعرف أنه فيه أفعى.
وفي ذلك درس تربوي بأن يفهم المؤمنون مكر المنافقين فلا ينخدعوا به ، بل ويتعلموا المكر بأعدائهم ، فكما أنهم يمكرون ، فكذلك لابد وأن نعاملهم بالمثل ، لله در قول القائل "لستُ بالخِبِّ، ولا الخِبُّ يَخدعُني" ، أي المسلم ليس من طبيعته أن يبدأ بالخداع إلا إذا كان خصمه من طبيعته الخداع ، هنا وحسب يشرع له أن يخدعه قبل أن يمكر هو به ، ولذلك قال النبي r (الْحَرْبُ خُدْعَةٌ)[65]قال ابن المنير أي الحرب الكاملة في مقصودها البالغة إنما هي مخادعة لا مواجهة ، وذلك لخطر المواجهة ، وحصول الغرض الظفر بالمخادعة بلا خطر)[66]
قال السرخسي (وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْمُجَاهِدِ أَنْ يُخَادِعَ قِرْنَهُ فِي حَالَةِ الْقِتَالِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ غَدْرًا مِنْهُ ، وَأَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالظَّاهِرِ فَقَالُوا : يُرَخَّصُ فِي الْكَذِبِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ)[67]
قال الطرطوشي (واعلم أن الحرب خدعة عند جميع العقلاء، وآخر ما يجب ركوبه قرع الكتائب وحمل الجيوش بعضها على بعض ، فليبدأ بصرف الحيلة في نيل الظفر)[68]، وقال الطرطوشي: (ووجوه الحيل لا تحصى والحاضر فيها أبصر من الغائب)[69].
قال الزركشي: المعني أن المماكرة في الحرب أنفع من المكابرة ، إذا تقرر هذا، فقد نذكر من ذلك جملة : -
المكيدة الأولى: وهي أهم ما يبدأ به قبل القتال، بث الجواسيس الثقاة في عسكر العدو وبلاده لتعرف أخبارهم مع الساعات وما عندهم من العدة والعدد، وما لهم من المكائد والحيل، وكم عدد رؤسائهم وشجعانهم وما منزلتهم عند صاحبهم، ويدس إليهم ما يُخدعون به من صلة أو ولاية ، حتى يغدروا صاحبهم ، أو يهربوا عنه ويخزلوه، عند لقائه.
المكيدة الثانية: أن يلقي على ألسنة العدو أنهم يرسلون رسائل لحلفائهم ، لتقوى به القلوب وتطمئن بوعده ، وكذا فيما يرسل إليهم من جواب على رسالته[70]،باختصار اختراق شبكة التخابر بين الأعداء ونشر أخبار كاذبة تضرهم وتنفع المسلمين .
المكيدة الثالثة: أن يُعَمِّى الأخبار عن العدو، ويسد دونه أبواب العلم بها حتى لا يطلع على ما يحمله على اغتنام فرصة ، أو يحاول به إبطال مكيدة عليه، وذلك بإذكاء العيون على الجواسيس المترددة إليه في مراصد العثور عليهم، وأماكن الشعور بهم .
جاء في سيرة ابن هشام أن النبي r قال (وَقَالَ اللّهُمّ خُذْ الْعُيُونَ وَالْأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتّى نَبْغَتَهَا فِي بِلَادِهَا)[71].
المكيدة الرابعة: موالاة طائفة من العدو ومصالحتهم متى قدر على ذلك، وأمكنت الخديعة به، فقد قيل: ليكن السلطان لفريق من أعدائه مصاحباً ومداهناً ، ليعرف به أخبار بغيتهم ، ويهدم به اتفاق جميعهم، ويتسبب به إلى خلافهم وتشتيت رأيهم)[72].
وقيل الصلح أحد الحروب التي يُدفع بها الأعداء عن المضرة، فإذا كثر أعداؤك فصالح بعضهم، وأطمع بعضهم بصلحك ، واستقبل بعضهم بحربك)[73].
قوله تعالى (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) (142) قال أبو حيان أي (متوانين لا نشاط لهم فيها ، لأنهم إنما يصلون تستراً وتكلفاً ، وينبغي للمؤمن أن يتحرز من هذه الخصلة التي ذمّ المنافقون ، وأن يقبل إلى صلاته بنشاط وفرغ قلب وتمهل في فعلها ، ولا يتقاعس عنها فعل المنافق الذي يصلي على كرهٍ لا عن طيب نفس ورغبة)[74].
وهذا من خداع الله لهم بأن ثبطهم عن الجهاد وعن النشاط للصلاة ، فأضحت عبادتهم بلا ثواب ، وجهدهم بلا عائد ، فكما أن الله كره ابنعاثهم للجهادهم فثبطهم ، كذلك كره نفاقهم في الصلاة فكشفهم بأن جعلهم يؤدونها وهم كسالى .
وكما أنهم يتثاقلون في أدائها ، فإنهم يتثاقلون في الاستجابة لإقامة الصلاة في المسجد لصلاة الجماعة ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ)[75].
قوله تعالى (وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) هذا حال نوعي المنافقين عند أداء الصلاة ، أي المنافق عملا أو اعتقادا ، كما قال رَسُول اللَّهِ r (تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا)[76]، وفي غير حال الصلاة ، فالمنافق نفاق عملي لا يذكر الله إلا قليلا ، قال حقي (يذكرونه بلسان الظاهر القالبي لا بلسان الباطن القلبي .. ، ولما كان ذكر المنافقين بلسان القالب قليلاً فما أفلحوا به ، وإنما كان ذكر المنافق بلسان الظاهر لأنه رأى رشاش النور ظاهراً من البعد ، ولم يصبه فلو كان أصابه ذلك النور لكان صدره منشرحاً به) [77] .
وقد ذكر العلماء سبب قلة ذكرهم لله تعالى أو حتى عدم قدرتهم على التظاهر بكثرة الذكر ، حتى ينفوا عن أنفسهم الاتهام بالنفاق لكنهم لم يفعلوا ، فذكروا ما روي عن علي قال (لا يقل عمل مع تقوى ، وكيف يقل ما يتقبل؟) [78]، أي لأن الله تعالى لم يتقبل عملهم لم يتقووا على الذكر ، فلم يعنهم الله عليه ، وكان ذكرهم قليلا ، ولو كان الله قد تقبل منهم لأعانهم عليه وأضحى كثيرا .
أما المنافق اعتقادا فلا يذكر الله إطلاقا ، كما هو ثبت في حديث رَسُولُ اللَّهِ r (وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ)[79]
لكن المنافق اعتقادا قد يقرأ القرآن من باب الحيلة أمام الناس ، ولذلك ورد حديث آخر في تخصيص حالهم وإثبات أنهم يقرأون القرآن لكنهم لا يعملون به ، ولا يتقبل منهم ، فعن النَّبِيِّ r قال (إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ)[80] ، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ يَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا يَرَى شَيْئًا وَيَنْظُرُ فِي الْقِدْحِ فَلَا يَرَى شَيْئًا وَيَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلَا يَرَى شَيْئًا وَيَتَمَارَى فِي الْفُوقِ) [81] ، فالحديث يشير إلى مبالغتهم في التظاهر بالعبادة وقراءة القرآن أمام الناس ، لكن قراءتهم سطحية ولا يتدبرون معانيها، فلا تترك أثرًا في قلوبهم، ورغم ذلك فإنهم يخرجون من الدين بسرعة وسهولة ، كما يخرج السهم من جسد الرمية .
قوله تعالى (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ ..)(143) هذه هي إشكالية المنافقين الحقيقية ، أنهم لا يدينون بالولاء لأحد ، فالمنافق لا دين له ، قال رسول الله r (لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له) [82]، وعَنْ قَتَادَةَ قوله " لا إِلَى هَؤُلاءِ " ، يقول:"لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ مُخْلِصِينَ، وَلا بِمُشْرِكِينَ مُصَرِّحِينَ بِالشِّرْكِ"[83] .
ويترتب على هذا التذبذب خفة الدين وكثرة الذنوب ، فلا يبالي المنافق أي ذنب اقترف ، فذنوبه أخف من الذباب في ثقلها عليه ، فعَنْ النَّبِيِّ r (قَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا قَالَ أَبُو شِهَابٍ بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ)[84] .
ويستفاد من الحديث أن قلة خوف الفاجر ذنوبه يدل على فجوره ، والحكمة في تشبيه ذنوب الفاجر بالذباب كون الذباب أخف الطير وأحقره وهو مما يعاين ويدفع بأقل الأشياء)[85]
وليس معنى ذلك أن المؤمن معصوم من الخطأ ، بل إن الذنب عيبه حتى يلقى الله ، ولكنه يلوم نفسه ويتوب لربه حتى يفارق دنياه ، يقول النبي r (ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا ، إن المؤمن خُلِقَ مُفْتنا توابا نسيا إذا ذُكِّر ذَكَر)[86] ، قال المناوي (أي ممتحنا يمتحنه الله بالبلاء والذنوب مرة بعد أخرى والمفتن الممتحن الذي فتن كثيرا (توابا نسيا إذا ذكر ذكر) أي يتوب ثم ينسى فيعود ثم يتذكر فيتوب هكذا)[87] ، قال النووي (مذهب جماعة أهل السنة من سلف الامة وخلفها أن الايمان قول وعمل يزيد وينقص)[88].
أما المنافقون فإنهم يرتكبون المعاصي بلا مبالاة حتى الكبائر لا ينتهون عنها ، بل ويسترسلون في فعلها دون حرج ، كما في قوله (بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) (القيامة/5) ، وكما يقول رسول الله r (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) [89] ، قال ابن الأثير (معناه لا يزني وهو كامل الإيمان ، وقيل : معناه إن الْهَوى يُغَطِّي الإيمان فصاحب الهوَى لا يَرى إلاَّ هوَاه ولا ينظُر إلى إيمانه النَّهِي له عن ارتكاب الفاحشة فكأن الإيمان في تلك الحالة قد انْعدم)[90]
قوله تعالى (.. وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا)(143) قال الشنقيطي أوضح هذا المعنى في آيات منها قوله: (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة 41]، وقوله (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ) [الأعراف 186].
أي أن (المنافقين لم يرد الله لهم إلا الضلال ، فلن تجد لهم سبيلا للهدى) [91]، وذلك لأن المنافق لا دين له ، لقوله r (ولا دين لمن لا عهد له) [92]، والإسلام يدين به أصحاب العهود ، الذين يحفظون الأمانات ، والمنافق ليس أهلا للأمانة ولا للعهد ، فكيف يهديه الله ؟
فمن كان على هذه الشاكلة ليس عنده مبدأ أو معتقد يؤمن به ولو كان خاطئا ، وليست عنده إشكالية في الفهم يمكن إزالتها بشيء من التدبر والتأمل ، فهو يدين لنفسه فقط ، وينقلب على كل من حوله حينما تلوح له مصلحته بهذا الانقلاب ، بل ويبيع نفسه وأهله وعشيرته لأجل مصلحته وحده ، فهو أشبه بمعدن قابل للانجذاب للمغناطيس، فكلما اقترب منه قطب مغناطيسي انجذب له دون أدنى مقاومة ، فأنى له أن يهتدي للحق أو لوجهة معينة يثبت عندها .
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149)
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) (144) ويقتضي النهي عن الولاية النهي عن المصاحبة ، قال ابن كثير (يعني مصاحبتهم ومصادقتهم ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم)[93] .
قال ابن عاشور (أقبل على المؤمنين بالتحذير من موالاة الكافرين بعد أن شرح دخائلهم واستصناعهم للمنافقين لقصد أذى المسلمين، فعلم السامع أنه لولا عداوة الكافرين لهذا الدين لما كان النفاق ، وما كانت تصاريف المنافقين ، فالآية استئناف ابتدائي ، لأنها توجيه خطاب بعد الانتهاء من الإخبار عن المنافقين بطريق الغيبة)[94].
فقوله (..مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ..) (144) يقتضي أن موالاة الكافرين تضاد موالاة المؤمنين ، فلا يجتمعان ، فالذي يسعى علي تحقيق مصالحهم لابد وأن يضر بمصالح المؤمنين ، لتضارب المصلحتين ، والعكس كذلك صحيح ، والذي يُرضي المؤمنين يخُسط الكافرين والعكس بالعكس ، فالتلازم العكسي محقق فيمن والى الكافرين بأن يعادي المؤمنين ، ولا حاجة للتدليل على ذلك ، فطالما ظهرت الحجة بأنه يوالي الكافرين ، فإنه حتما ولابد أن يكون عدوا للمؤمنين دون حاجة للإثبات ذلك .
كما يقتضى مفهوم المخالفة جواز التقية ، إذا أمكن الجمع بين ولاية الفريقين ، فإن أحدهما لابد وأن تؤول إلى تقية ، كما في قوله (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً) (آل عمران/28) ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في قَوْلَهُ: " الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ " قال:"نَهَى اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُلاطِفُوا الْكُفَّارَ، فَيَتَّخِذُوهُمْ وَلِيجَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، إِلا أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ عَلَيْهِمْ ظَاهِرِينَ، فَيُظْهِرُونَ اللُّطْفَ لَهُمْ وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي الدِّينِ"[95].
كما يجوز لآحاد المسلمين – بإذن من الإمام- لاسيما إذا ما كانوا مستضعفين أن يداروا عداوتهم للكافرين شريطة أن يحتفظوا بولائهم للمؤمنين ، ولا يرضخوا لهم ولا يداهنوهم ، وإنما يجوز أن يغفروا لهم إيذاءهم لعل الله يصلح بينهم ، كما في قوله (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الممتحنة/7)
أما سياق سورة النساء ، فيبدو منه أنها قد نزلت والمسلمون يناوؤن الكافرين ويغلبونهم في الغزوات ، لاسيما وأنها جاءت في ترتيب النزول ما بين 5هـ إلى 7هـ على اختلاف بين المؤرخين ، وقيل استطال نزولها حتى بعد فتح مكة لقوله (تؤدوا الأمانات إلى أهلها) ، بينما سورة آل عمران فقد نزلت بعد غزوة أحد ، ولا يزال بعض المسلمين حديثي عهد بالإسلام ، ولم يتشبعوا بعد بكل أحكامه وتعاليمه ، وكلاهما قد نزل وبعض المسلمين لا يزال في مكة وكانت حينئذ دار كفر ، فكانوا بحاجة لأن يتقوا أذى الكافرين فيصانعونهم من باب التقية ، وقلوبهم مطمئنة بالإيمان ، لاسيما وقد أبرم النبي r في الحديبية اتفاقية صلح تقتضي أن يرجع النبي من أسلم من أهل مكة إليهم ، وذلك باب عظيم في السياسة الشرعية .
ولا يحاج في ذلك بقصة حاطب بن أبي بلتعة ، حيث وقع في هذا الخطأ من باب الغفلة وعدم الاحتراز ، ودون إذن من الرسول r ، ذلك أنه أرسل امرأة بخطاب إلى المشركين يخبرهم بقدوم النبي r إلى مكة ، فأراد أن يكون له عليهم فضل تحسبا منه أن يقع السوء وينهزم المسلمون ، أراد أن يحتسب لنفسه حالما يقع في الأسر ولن يجد من يفاديه أو يشفع له ، فيرد له المشركون الجميل ويعفون عنه ، ففي الحديث لما علم رَسُولِ اللَّه r ذلك منه قَالَ (مَا حَمَلَكَ يَا حَاطِبُ عَلَى مَا صَنَعْتَ قَالَ مَا بِي إِلَّا أَنْ أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَا غَيَّرْتُ وَلَا بَدَّلْتُ أَرَدْتُ أَنْ تَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي وَلَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ هُنَاكَ إِلَّا وَلَهُ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ ، قَالَ صَدَقَ فَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا ، قَالَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ ، قَالَ فَقَالَ يَا عُمَرُ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ قَالَ فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَقَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) [96]، فعذره النبي r لأنه كان من أهل بدر ، وأهل بدر لا يقاس عليهم ، وبذلك تقطع حجة المنافقين أن يتمسكوا بتلك الحادثة لتبرير تلك الموالاة ، وقد عفا الله عن حاطب استثناء خاصا له بهذا الاعتبار ، أي لأنه من أهل بدر.
فقوله (..أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) أي حجة ظاهرة فيتسلط الكفار عليكم عقابا لكم لمداهنتهم ومصاحبتهم من دون المؤمنين ، فعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في قَوْلَهُ: "سُلْطَانًا مُبِينًا" ، قال:"كُلُّ سُلْطَانٍ فِي الْقُرْآنِ حُجَّةٌ"[97]، والمعنى أنكم باتخاذكم الكفار أولياء قد خالفتم ما نُهيتم عنه ، فتكون عاقبة ذلك أن يجعل الله لهم عليكم سبيلا ، أي (يكون لله عليكم حجة أن يعذبكم بموالاتكم لهم)[98] ، فيجعل الكرة لهم عليكم .
وقد سبق وأن نفى الله أن يكون لهم علي المؤمنين سبيلا متى اُلتزمِت شرائط الإيمان حقا ، في قوله (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) ، أي إذا كنتم مؤمنين حقا فلن يسلط الله الكافرين عليكم.
أما في الفرض العكسي وهو الفرض المذكور في الآية ، فإنه عند موالاة سادتهم للكافرين لأجل الدنيا ، يصيبهم الوهن وتلك هي نقطة ضعفهم ، قَالَ النبي r «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ)[99]، وعندئذ تنقلب الكفة عليهم ، يقول النبي r «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا» فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ[100]وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِى قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ ». فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهَنُ قَالَ « حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ »[101].
قوله تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ..) (145) أخبر الله تعالى عن مكانة المنافقين في الآخرة ، وأنها لا تختلف عن مكانة الكافرين ، فالنار مثوى لهما ، بذلك قطعت الآية أمل المنافقين أن ينعموا بشيء من قليل الإيمان الذي يتظاهرون به في الآخرة ، ومؤكدة على أن النفاق محبط للعمل ، قال ابن كثير (المنافق لما كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، فكأن الفساد من جهة المنافق حاصل؛ لأنه هو الذي غَرّ المؤمنين بقوله الذي لا حقيقة له، ووالى الكافرين على المؤمنين)[102].
وعن ابن عباس في قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) أي: قالوا (إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب)[103] ، تلك هي حجتهم الواهية السعي للإصلاح ، وهم في الحقيقة لا يصلحون بل يفسدون .
قال ابن كثير يقول الله: (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ) يقول: ألا إن هذا الذي يعتمدونه ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فسادًا)[104] ، فاستحقوا بذلك الفساد الدرك الأسفل من النار ، لأنهم بجهودهم أعانوا الصادين عن سبيل الله ، وعوقوا المجاهدين كثيرا .
قوله (..وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) (145) دليل على إحباط أعمالهم بالكلية ، فلا ينتصرون بشيء من أعمالهم ، قال ابن عاشور (العرب ألفوا الشفاعات والنجدات في المضائق، فلذلك كثر في القرآن تذييل الوعيد بقطع الطمع في النصير والفداء ونحوهما)[105].
قوله تعالى (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) (146) أي يستثنى من الدرك الأسفل من النار من اتصف من المنافقين بتلك الصفات التي تتقدمها التوبة وآخرها الإخلاص ، فالتوبة أول خطوة لتحقيق الإخلاص الذي هو دليل على التخلص التام من النفاق ، وبينهما العمل الصالح الذي به يصلح ما أفسده النفاق ، فشرط العمل الصالح في هذه المرحلة هو أن يصلح به ما أفسده ، ولا يكون ذلك إلا بعد أن يكشف المنافق عن كل مواضع الفساد والخلل التي حصلت بسبب نفاقه ، ليتم الإصلاح لهذه المواطن بجهوده وجهود المؤمنين معه ، فيرد الحقوق لأهلها ، ويشهد بالحق ما كتمه أو زوره ، ويكشف عن الباطل الذي لبس الحق به ليعمي على الناس .
ثم يأتي بعد ذلك الاعتصام بالله أي كتابه وشرعه ومنهجه ، فالاعتصام بالله يتطلب ملازمة العارفين بالله ، وهم أهل العلم ، فوجبت صحبتهم والتعلم منهم ومدارسة العلم معهم ، ولذلك قال النبي r (خصلتان لا تجتمعان في منافق حسن سمت وفقه في دين)[106]، لما لا وقد بين الله لنا حال المنافقين من قبل كما في قوله (ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها) (الأنعام:25) ، وقوله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) (محمد 16) .
وهو في ذلك كله يستعين بالله على نفسه ، فيعتصم بالدعاء ، فعن معقل بن يسار يقول : انطلقت مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى النبي r فقال يا أبا بكر للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل فقال أبو بكر وهل الشرك إلا من جعل مع الله الها آخر قال النبي r والذي نفسي بيده للشرك أخفى من دبيب النمل ألا أدلك على شيء إذا قلته ذهب عنك قليله وكثيره قال قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم)[107]
فإذا تحقق ذلك صلحت نيته وأخلصت لله في كل عمل ، هذا هو ما يفعله الاعتصام بالله ، ولذلك قال سفيان (تعلمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله [108](لأن العلم يرفع صاحبه منزلة أمام الناس ، فقد يغتر طالب العلم بهذه المنزلة في بداية طلبه للغلم ، فيصلح له نوع من الطفر وحب مدح الناس له ، لكن إذا تمكن العلم من قلبه كسر غروره ، وانشغل بخشية الله جل جلاله ، ولذلك قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ : (طَلَبْنَا الْعِلْمَ لِلدُّنْيَا فَدَلَّنَا عَلَى تَرْكِ الدُّنْيَا)[109] ، وهكذا ينقلب اعتزازه بالكفار إلى اعتزاز بدين الله ، فالاعتصام يؤدي إلى حقيقة العلم الذي به تتحقق الخشية ويتحقق الإخلاص ، ولذلك قال الإمام أحمد (أصل العلم خشية الله) .
قال أبو حيان (ولما كان المنافق متصفاً بنقائص هذه الأوصاف من الكفر وفساد الأعمال والموالاة للكافرين والاعتزاز بهم والمراءاة للمؤمنين ، شرط في توبتهم ما يناقض تلك الأوصاف وهي التوبة من النفاق ، وهي الوصف المحتوي على بقية الأوصاف من حيث المعنى ثم فصل ما أجمل فيها ، وهو الإصلاح للعمل المستأنف المقابل لفساد أعمالهم الماضية ، ثم الاعتصام بالله في المستقبل ، وهو المقابل لموالاة الكافرين والاعتماد عليهم في الماضي ، ثم الإخلاص لدين الله وهو المقابل للرياء الذي كان لهم في الماضي )[110].
فالاستثناء الوارد في الآية لمن توافرت فيه أربعة شروط : -
أولا : التوبة ، يقول الشعراوي (والتوبة هنا الإقلاع عن النفاق ، أولا بترك المنافق الفساد الذي صنعه) [111] ، ما يعني أن توبة المنافق تعني بوضوح أنه يدخل في الإسلام من جديد .
ثانيا : الإصلاح ،أي التوبة المقترنة بإصلاح ما أفسده نفاقه (بأن يحاول جاهداً أن يصلح ما أفسده بهذا النفاق)[112]
وثالثا : الاعتصام بالله ، فعَنِ الرَّبِيعِ ابْنَ أَنَسٍ قَوْلَهُ"وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ"، قال:"الاعْتِصَامُ هُوَ الثِّقَةُ بِاللَّهِ"[113]، وهو ما يحمل على الاستزادة من طلب العلم ، فيكون همه معرفة أوامر الشرع ونواهيه ليعمل بأوامره ويجتنب نواهيه ، وهكذا تكون التوبة ، وهكذا يكون الإصلاح ، وبهذا يتحقق الإخلاص .
ورابعا : الإخلاص لله ، فعَنْ حُذَيْفَة قَالَ (لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)[114]
قال الرازي (وأعلم أن هذه الآية فيها تغليظات عظيمة على المنافقين وذلك لأنه تعالى شرط في إزالة العقاب عنهم أموراً أربعة ، أولها التوبة ،وثانيها إصلاح العمل ، فالتوبة عن القبيح وإصلاح العمل عبارة عن الإقدام على الحسن، وثالثها الاعتصام بالله وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله تعالى لا طلب مصلحة الوقت لأنه لو كان مطلوبه جلب المنافع ودفع المضار لتغير عن التوبة وإصلاح العمل سريعاً ، أما إذا كان مطلوبه مرضاة الله تعالى وسعادة الآخرة والاعتصام بدين الله بقي على هذه الطريقة ولم يتغير عنها ، ورابعها الإخلاص ، والسبب فيه أنه تعالى أمرهم أولاً بترك القبيح وثانياً بفعل الحسن وثالثاً أن يكون غرضهم في ذلك الترك والفعل طلب مرضاة الله تعالى ورابعاً أن يكون ذلك الغرض وهو طلب مرضاة الله تعالى خالصاً وأن لا يمتزج به غرض آخر )[115].
قوله تعالى (فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) (146) ، قال أبو حيان ( ثم بعد تحصيل هذه الأوصاف جميعها أشار إليهم بأنهم مع المؤمنين ، ولم يحكم عليهم بأنهم المؤمنون ، ولا من المؤمنين ، وإن كانوا قد صاروا مؤمنين تنفيراً مما كانوا عليه من عظم كفر النفاق وتعظيماً لحال من كان متلبساً به)[116] .
قال الرازي (فإذا حصلت هذه الشرائط الأربعة فعند ذلك قال (فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) ولم يقل (فأولئك مؤمنون) ثم أوقع أجر المؤمنين في التشريف لإنضمام المنافقين إليهم فقال (وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً) وهذه القرائن دالة على أن حال المنافق شديد عند الله تعالى)[117]، كل ذلك حتى يحترز المؤمنون من المنافقين الذين أظهروا توبة وأصلحوا عملهم واعتصموا بالله ولو أخلصوا لله ، حيث يجوز لهم أن يضموهم لعامة المؤمنين لكن لا يجعلوهم ضمن خاصتهم الذين هم أهل الثقة والائتمان.
ولعل هؤلاء الذين تابوا من النفاق هم الذين يحظون بشفاعة إخوانهم المؤمنين يوم القيامة الذين شاركوهم في الإيمان وإن كان قليلا ، فتنفعهم شفاعة المؤمنين ويلحقوا بهم لكن بعد أن يذوقوا مس النار ، وإلا فمن ؟ ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَا مُجَادَلَةُ أَحَدِكُمْ فِي الْحَقِّ يَكُونُ لَهُ فِي الدُّنْيَا بِأَشَدَّ مُجَادَلَةً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي إِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ أُدْخِلُوا النَّارَ قَالَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَحُجُّونَ مَعَنَا فَأَدْخَلْتَهُمْ النَّارَ قَالَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَأَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ مِنْهُمْ قَالَ فَيَأْتُونَهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِصُوَرِهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ النَّارُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ إِلَى كَعْبَيْهِ فَيُخْرِجُونَهُمْ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا قَدْ أَخْرَجْنَا مَنْ أَمَرْتَنَا قَالَ وَيَقُولُ أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ دِينَارٍ مِنْ الْإِيمَانِ ثُمَّ قَالَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ نِصْفِ دِينَارٍ حَتَّى يَقُولَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ)[118] قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ إِلَى عَظِيمًا) .
أو لعلهم جلساء القوم الذين قيل عنهم لا يشقى بهم جليسهم ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ قَالَ فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا يَقُولُ عِبَادِي قَالُوا يَقُولُونَ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ قَالَ فَيَقُولُ هَلْ رَأَوْنِي قَالَ فَيَقُولُونَ لَا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ قَالَ فَيَقُولُ وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا قَالَ يَقُولُ فَمَا يَسْأَلُونِي قَالَ يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً قَالَ فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ قَالَ يَقُولُونَ مِنْ النَّارِ قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً قَالَ فَيَقُولُ فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ قَالَ يَقُولُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ قَالَ هُمْ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ)[119] .
وعلى وجه العموم فإن الإسلام يجُب ما قبله ، فعن عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ - في قصة إسلامه – قال (فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ r فَقُلْتُ ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ فَبَسَطَ يَمِينَهُ قَالَ فَقَبَضْتُ يَدِي قَالَ مَا لَكَ يَا عَمْرُو قَالَ قُلْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ قَالَ تَشْتَرِطُ بِمَاذَا قُلْتُ أَنْ يُغْفَرَ لِي قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ)[120].
قوله تعالى (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) (147) (صريح في أنه لم يخلق أحداً لغرض التعذيب)[121] ، فالله سبحانه غني عن أن يعذب شاكرا أو مؤمنا ، قال قتادة (إن الله لا يعذب شاكراً ولا مؤمناً)[122] .
قال الألوسي (الخطاب للمنافقين .. مسوق لبيان أن مدار تعذيبهم وجوداً وعدماً إنما هو كفرهم لا شيء آخر)[123]، وقال الألوسي (وفي ذلك تنبيه لهم على أن الذي ورطهم في تلك الورطة كفرانهم نعم الله تعالى وتهاونهم في شكر ما أوتوا وتفويتهم على أنفسهم بنفاقهم البغية العظمى)[124]
روي عن سعيد بن منصور أنه قال (يا أيها الناس ثلاث خلال لا يعذبكم الله ما عملتم بهن : -
- الشكر لله : قال تعالى "ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم"
- والدعاء : قال تعالى " قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم"
- والاستغفار : قال تعالى " وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون")[125].
قال الزمخشري (وإنما قدم الشكر على الإيمان لأن العاقل ينظر –أولاً- إلى النعمة فيشكر شكراً مبهماً ، ثم إذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به)[126] ، وقال ابن عطية (وأتى بصفة الشكر باسم الفاعل بلا مبالغة ليدل على أنه يتقبل ولو أقل شيء من العمل ، وينميه عليماً بشكركم وإيمانكم فيجازيكم)[127].
وفي الآية علاج نفسي لمن أساء الظن بالله ، وتوهم أن إلهه متربص به ليؤذيه ، لاسيما ومن بدر منه نفاق سابق أو اقترف ذنوبا فظن أن الله لن يغفره له ، فالواجب عليه أن يحسن الظن بالله ، قَالَ النَّبِيُّ r (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)[128]، ومؤدى حسن الظن بالله الاجتهاد في العبادة والدعاء ، دون أن يحمل هم الإجابة ، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال (إني لا أحمل هم الإجابة ولكن هم الدعاء ، فإذا ألهمت الدعاء علمت أن الإجابة معه)[129].
ويتفرع عن ذلك بيان مفهوم الاعتدال في العبادة بما يتوافق مع مقاصد الشرع ، فليس القصد من العبادة التعذيب كما يفعل بعض النصارى بتعذيب أنفسهم ظنا منهم أن ذلك يقربهم من الله [130]، فلا يجهد التائب من النفاق في تعذيب نفسه ليكفر عن ذنوبه ، بل لابد له من فهم مقاصد العبادة ، فإنه وإن كانت المشقة مقصودة في بعض العبادات كالصيام ، فليس ذلك إلا لأجل التدريب وتزكية النفس ، وبقدر تحقيق هذا المقصد ، أما الغلو في طلب المشقة فليس من الإسلام ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ دَخَلَ النَّبِيُّ r فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ ، فَقَالَ مَا هَذَا الْحَبْلُ ؟ قَالُوا هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ ، فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ r (لَا حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ)[131].
كذلك روي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r رَأَى رَجُلًا يُظَلَّلُ عَلَيْهِ وَالزِّحَامُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ)[132].
وكذلك قال r لسعد بن أبي وقاص وكان قد أراد أن يتصدق بثلث ماله في مرض موته فقال له النبي r (قَالَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ أَوْ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ)[133]
كل ذلك ليدل على أن الغاية من العبادة ليست المشقة بكل حال ، بل إن كانت المشقة من مقاصدها ، فإن ذلك بقدر رعاية مصالح العباد ولا شك ، كما في قول بعض السلف (صوموا تصحوا)[134] .
قوله (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) (148) النهي عن الجهر بالسوء تضمن النهي عن الغيبة ، أي ذكر سوءات الناس وعيوبهم إلا في موضع التقاضي ، فيجوز ذكر ذلك بقدر الحاجة إليه في القضية .
ومناسبة هذا الموضوع أن ما قبل هذه الآية كان يتحدث عن لحوق التائبين من المنافقين بالمؤمنين ، وهذا يستتبع تعييرهم بما مضى من أعمالهم ، فنهى الله عن ذلك إلا أن يكون عليهم مظلمة ، فيجوز شكايتهم لاقتضاء الحقوق منهم ، قال ابن عاشور (موقع هذه الآية عقب الآي التي قبلها أنّ الله لما شوّه حال المنافقين وشهّر بفضائحهم تشهيراً طويلاً ، كان الكلام السابق بحيث يثير في نفوس السامعين نفوراً من النفاق وأحواله ، وبغضاً للملموزين به ، وخاصّة بعد أن وصفهم باتّخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، وأنَّهم يستهزئون بالقرآن ، ونَهى المسلمين عن القعود معهم ، فحذّر الله المسلمين من أن يغيظهم ذلك على من يتوسّمون فيه النفاق ، فيجاهِروهم بقول السوء ، ورخَّص لِمن ظُلم من المسلمين أن يجهر لظالمه بالسوء ، لأنّ ذلك دفاع عن نفسه)[135]
إذن قد يحمل المعنى على عدم جواز التشهير بالناس وفضح المذنبين ، فنهوا عن أن يفضحوا المنافقين لعلة أن تتسنى لهم الفرصة لأن يتوبوا عن ذلك ، هذا وإن صدق وصفهم بما يذنبون ، فعَنْ الْمُطَّلِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبَ الْمَخْزُومِيَّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ r (مَا الْغِيبَةُ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (أَنْ تَذْكُرَ مِنْ الْمَرْءِ مَا يَكْرَهُ أَنْ يَسْمَعَ) قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (وَإِنْ كَانَ حَقًّا) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِذَا قُلْتَ بَاطِلًا فَذَلِكَ الْبُهْتَانُ)[136] .
كما تتجلى علة النهي عن التشهير بالمذنبين ، مخافة أن تشيع الفاحشة بين الناس إذا علموا بالذنب الصادر عنهم وقد استتروا ، فالمنع من ذكر فواحشهم وذنوبهم بقصد درء مفسدة انتشارها بين الناس ، لأن ذلك قد يجعلهم يتجرؤون على تكرار المعصية بعد أن كشف سترهم ، بل ويجاهرون بها بعد ذلك ، مما يجعل فواحشهم تسري في المجتمع المسلم كسري النار في الهشيم ، فكان نهي الشارع عن ذكرها مخافة أن يفتن الناس بما يفعلونه فيتجرأون على المعصية مثلهم .
لا سيما وقد نهى الشارع عن الجهر بالمعصية ابتداء ، فعن النبي r قال (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ)[137]، قال المناوي (والمراد الذين يجاهر بعضهم بعضاً بالتحدث بالمعاصي)[138]، قال ابن الجوزي (وهم الذين يَجْهَرُون بما فَعَلُوا من الذنوب سِرَّاً)[139] ، وقال (المجاهرون الذين يجاهرون بالفواحش ويتحدثون بما قد فعلوه منها سرا والناس في عافية من جهة الهم مستورون وهؤلاء مفتضحون)[140] .
ومن وجه آخر أراد الشارع من ذلك أن يغلق باب تبادل الاتهامات بين الناس بالباطل ، فلا يكون ذلك إلا بالإتيان ببينة ، حتى لا يطول الاتهام من استتر ولم يفتضح أمره ، فيتيح له الستر الفرصة له لأن يتوب دون أن يفتضح أمره ، فعن عِتبَانَ بنِ مَالكٍ - رضي الله عنه - ، قَالَ : قام النبيّ r يُصَلِّي ...فَاجْتَمَعُوا فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ أَيْنَ "مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ" أَوِ ابْنُ الدُّخْشُنِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَا تَقُلْ ذَلِكَ أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ ، قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ)[141] .
يقول صاحب الظلال (إن الجهر بالسوء يبدأ في أول الأمر اتهامات فردية - سبّاً وقذفاً - وينتهى انحلالاً اجتماعياً؛ وفوضى أخلاقية؛ تضل فيها تقديرات الناس بعضهم لبعض أفراداً وجماعات؛ وتنعدم فيها الثقة بين بعض الناس وبعض؛ وقد شاعت الاتهامات؛ ولاكتها الألسنة بلا تحرج ، لذلك كله كره الله للجماعة المسلمة أن تشيع فيها قالة السوء ، وأن يقتصر حق الجهر بها على من وقع عليه ظلم؛ يدفعه بكلمة السوء يصف بها الظالم؛ في حدود ما وقع عليه منه من الظلم!)[142] .
قوله (..إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) (148) استثنى المولى سبحانه من النهي عن ذكر مساوئ الناس وعيوبهم صاحب المظلمة ، أي من وقع عليه ظلم منهم ، فأجاز الله له أن يجهر بما وقع عليه من ظلم ، وذلك من أجل شكايته .
كما حصل من هند بنت عتبة لما اشتكت زوجها أبا سفيان لرسول الله r ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ هِنْدٌ أُمُّ مُعَاوِيَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ r (إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ سِرًّا قَالَ خُذِي أَنْتِ وَبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بِالْمَعْرُوفِ)[143] .
هذا من جهة ومن جهة أخرى قد يحمل ذلك الاستثناء على من شاع فحشه ولا يستتر به من الناس ، كأن يكون فاسقا مجاهرا بفسقه ، فيكون بذلك قد ظلم عامة الناس بذلك الجهر ، ولذلك قيل (من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له)[144].
كذلك يحل الخوض في عرض من يُجهل حاله ، إذا ما سئل عنه لأجل التعامل معه كزواج وغيره ، فيكون الإخبار عن حاله من باب التحذير ، قال الرازي (يعني أنه تعالى لا يحب إظهار الفضائح والقبائح إلا في حق من عظم ضرره وكثر مكره وكيده فعند ذلك يجوز إظهار فضائحه)[145] ، وذلك من باب ارتكاب أخف الضررين ، ذلك أن في ذكر فحشه الذي يجهر به أو سيئاته أو عيوبه تحذير من يجهل حاله عند الشروع في التعامل معه منعا لمفسدة أكبر .
ويدخل في الاستثناء من النهي كذلك جواز التعريف بصفات الذم عند التعامل مع المذموم حتى لا ينخدع بمن يُتعامل معه ويثق الناس بمن لا يوثق فيه ، فعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّها لما حَلَلْت ذَكَرْتُ للنبي r أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَاها ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r :-
أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ
وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ
انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَكَرِهْتُهُ ثُمَّ قَالَ انْكِحِي أُسَامَةَ فَنَكَحْتُهُ ، فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْتُ)[146]
يستفاد من الحديث جواز ذكر مساوئ المتقدم للخطبة لبيان حاله ، فكان ذلك منه r من باب التعريف بمعاوية وأبي جهم حتى لا تخدع بهما في النكاح ، فتنكح من لا يحسن معاملتها بالمعروف ، أو من لا ينفق عليها بالمعروف ، ويدخل في هذا الباب التعريف عند تولي الولايات العامة أو الخاصة كالقضاء والحسبة والولاية على اليتيم والمحجور والسفيه ..وغير ذلك .
قوله تعالى (إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) (149) قال ابن جزي في الآية : (ترغيب في فعل الخير سراً وعلانية ، وفي العفو عن الظلم بعد أن أباح الانتصار لأن العفو أحب إلى الله من الانتصار ، وأكد ذلك بوصفه تعالى نفسه بالعفو مع القدرة)[147] .
إذن الأمر في بيان صفات أهل الذم لا يخلو من أحد فرضين :-
إما إبداء صفات الذم وكشفها للناس في مواطن التعريف والتحذير والشكاية كما تقدم .
وإما الإخفاء والستر والعفو عنهم إذا استتروا لأجل حملهم على التوبة ، وستر جريمتهم حفاظا لستر المجتمع
ففي كلاهما خير ، وهما منتاقضان أحدهما إبداء ، والآخر إخفاء ، فالإبداء يكون في مواطن على سبيل الاستثناء ، والإخفاء في حقهم هو الأصل
ثم يكون بعد ذلك العفو بعد القدرة ، لأن العفو بغير قدرة لا يحقق العدل ، والعفو عند العجز ظلم ، ولذلك يدخل فيه عدم جواز العفو في حقوق الله تعالى ، لأن العفو إحسان ، ولا إحسان إلا بعد العدل وإحقاق الحق .
ففي الآية ندب لأن يعفو المظلوم عن مظلمته حتى لا يفضح المذنب في حقه ، تاركا له باب الستر مفتوحا لعله يتوب أو يسترجع ، قال رسول الله r (مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا ، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ) [148].
ولا يكون العفو عفوا عند العجز ، بل يكون العفو بعد القدرة ، ولذلك ذكر البخاري (كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا)[149] ، وقَالَ رسول الله r (مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ)[150] .
ولذلك ناسب ختام الآية بقوله (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) أي أن الله سبحانه قادر على العقوبة ولكن يعفو عن المسيء إذا تاب وأصلح وأناب ، قال الزمخشري أي (يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام ، فعليكم أن تقتدوا بسنة الله)[151] .
ولذلك اختار الشيخ تقي الدين أن العفو لا يصح في قتل الغيلة لتعذر الاحتراز كالقتل مكابرة [152]، وقال العلماء (استيفاء الإنسان حقه من الدم عدل، والعفو إحسان، والإحسان هنا أفضل، لكن هذا الإحسان لا يكون إحسانا إلا بعد العدل، وهو ألا يحصل بالعفو ضرر، فإذا حصل به ضرر كان ظلما من العافي، إما لنفسه وإما لغيره فلا يشرع)[153].
ولذلك كذلك لا يجوز العفو في حقوق الله تعالى ، لأن التهديد فيها يصل للمجتمع كله ، فلا يكفي عفو المجني عليه وحده ، فهي حقوق ذات صلة بالنظام العام ، ولا يملك أحد الحق في أن يعفو عن حق المجتمع كله ، فتستوفي في الدنيا ، ويكون الحد كفارة لصاحبه ، ولذلك ما انتقم رسول الله r لنفسه قط بل كان يعفو ، وإنما كان يتنقم لله ، أي لحدود الله ، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ r بِيَدِهِ خَادِماً لَهُ قَطُّ .. وَلاَ انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَىْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَيَكُونَ هُوَ يَنْتَقِمُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) [154] .
[1] ) أيسر التفاسير للجزائري ج4 ص 262
[2] ) اللباب في علوم الكتاب ج15 ص 293
[3] ) التحرير والتنوير ج4 ص 280
[4] ) رواه البخاري ج1 ص 8 رقم 6
[5] ) الكشاف ج7 ص 63
[6] ) أضواء البيان ج1 ص 202
[7] ) تفسير الخازن ج2 ص 193
[8] ) الكشاف ج1 ص 476
[9] ) الكشاف ج1 ص 476
[10] ) تفسير الألوسي ج4 ص 269
[11] ) تفسير الطبري ج14 ص 337
[12] ) الاستيعاب ج1 ص 431 ، ابن الأثير في أسد الغابة ج1 ص 996
[13] ) مجموع الفتاوى لابن تيمية ج16 ص 33
وقال فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ) وَقَالَ تَعَالَى (إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) .
قِيلَ :(إنَّ الْقُرْآنَ قَدْ بَيَّنَ تَوْبَةَ الْكَافِرِ وَإِنْ كَانَ قَدْ ارْتَدَّ ثُمَّ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى :(كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ) (آل عمرن 90)..
وَهُوَ سُبْحَانَهُ فِي آلِ عِمْرَانَ ذَكَرَ الْمُرْتَدِّينَ ثُمَّ ذَكَرَ التَّائِبِينَ مِنْهُمْ ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَمَنْ مَاتَ كَافِرًا ؛ فَقَالَ : (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ * إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) (آل عمرن 89-90) وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ قَدْ ذَكَرُوا فِيهِمْ أَقْوَالًا : قِيلَ لِنِفَاقِهِمْ ، وَقِيلَ لِأَنَّهُمْ تَابُوا مِمَّا دُونَ الشِّرْكِ وَلَمْ يَتُوبُوا مِنْهُ
[14] ) قريب من هذا المعنى تفسير الثعلبي ج1 ص 631
[15] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج27 ص 137
[16] ) رواه البخاري ج14 ص 113 رقم 4236
[17] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج27 ص 137
[18] ) مدارج السالكين ج1 ص 347
[19] ) رواه البخاري ج1 ص 59 رقم 33
[20] ) رواه مسلم ج1 ص 301 رقم 171
[21] ) رواه مسلم ج1 ص 302 رقم 172
[22] ) رواه مسلم ج1 ص 304 رقم 173
[23] ) شرح النووي على مسلم ج2 ص 136
[24] ) تفسير القرطبي ج5 ص 416
[25] ) تفسير البحر المحيط ج4 ص 296
[26] ) الوجيز ج1 ص 142
[27] ) التحرير والتنوير ج4 ص 283
[28] ) أبو حيان الأندلسي : البحر المحيط ج4 ص 306
[29] ) خرج كليب بن ربيعة ليلاً لحاجة وتبعه ابن عمه ( جساس) فغفَّل جساس ربيعة وطعنه بخنجر مسموم طعنة لم تقض عليه ثم فر هارباً وترك ربيعة يتألم فمر عليه عمرو فاستبشر به خيراً فـأجهز عليه .
[30] ) آمالي المحاملي ج1 ص 244 ، البداية والنهاية لابن كثير 7/70 ، الزهد لابن المبارك ج1 ص 207 ,
[31] ) البحر المديد ج2 ص 2
[32] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 402
[33]) رواه البخاري ج19 ص 94
[34] ) رواه البخاري ج19 ص 95 رقم 5666
[35] ) رواه الحاكم في المستدرك ج1 ص 130 رقم 208
[36] ) رواه ابن أبي شيبة ج 13 ص 41 رقم 34539
[37] ) البداية والنهاية ج7 ص 70
[38] ) البداية والنهاية ج7 ص 70
[39] ) التحرير والتنوير ج4 ص 285
[40] ) رواه مسلم ج1 ص 168 رقم 71
[41] ) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج4 ص 43
[42] ) تفسير أبي السعود ج2 ص 170
[43] ) الكشاف ج1 ص 478
[44] ) رواه البخاري ج7 ص 287 رقم 1959
[45] ) تفسيير ابن أبي حاتم ج4 ص 404
[46] ) رواه مسلم ج1 ص 167 رقم 70
[47] ) شرح سنن أبي داود ج6 ص 440
[48] |) تفسير الطبري ج9 ص 324
[49] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1885
[50] ) البحر المديد ج2 ص 4
[51] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 436
[52] ) رواه أبو داود ج7 ص 191 رقم 2244 ، قَالَ أَبُو دَاوُد وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ ، والحديث صحيح بمجموع طرقه ، انظر تصحيح الألباني في الجامع الصغير ج1 ص 1381 رقم 13808
[53] ) يوسف بن موسى الحنفي : المعتصر من المختصر من مشكل الآثار ج1 ص 202
[54] رواه مسلم ج14 ص 68 رقم 5144
[55] ) النهاية في غريب الأثر ج1 ص 451
[56] ) التحرير والتنوير ج4 ص 286
[57] ) البحر المحيط ج4 ص 309
[58] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج1 ص 319
[59] ) التحرير والتنوير ج4 ص 286
[60] ) التحرير التنوير ج4 ص 287
[61] ) التحرير التنوير ج4 ص 287
[62] ) رواه البخاري ج19 ص 98 رقم 5668
[63] ) محمد بن عبد الهادي السندي المدني : حاشية السندي على صحيح البخاري ج4 ص 33
[64] ) جلال الدين السيوطي : الديباج على مسلم ج6 ص 300 – ابن الأثير النهاية في غريب الأثر ج4 ص 485
[65] ) رواه مسلم ج9 ص 165 ، والبخاري ج21 ص 251 ورقم 6418 ، ورواه الترمذي ج6 ص 245 رقم 1598 وابن ماجة ج8 ص 356
[66] ) عبد الحي الكتاني : التراتيب الإدارية نظام الحكومة النبوية ص 367
[67] ) السرخسي : شرح السير الكبير للشيباني ج1 ص 130
[68] ) سراج الملوك ج1 ص 145
[69] ) سراج الملوك ج1 ص 145
[70] ) اختصرت هذه الفقرة
[71] ) سيرة ابن هشام ج2 ص 397 وقد ضعف الألباني هذه الرواية .
[72] ) بدائع السلك في طبائع الملك ص 21
[73] )ابن الأزرق : بدائع السلط في طبائع الملك ج1 ص 21
[74] ) تفسير البحر المحيط ج4 ص 301
[75] ) رواه مسلم ج3 ص 380 رقم 1041
[76] ) رواه مسلم ج3 ص 318 رقم 987
[77] ) تفسير روح البيان ج2 ص 246
[78] ) أخرجه ابن المنذر : الدر المنثور للسيوطي ج3 ص 274
[79] ) رواه البخاري ج17 ص 48 رقم 5007
[80] ) رواه البخاري ج22 ص 441 رقم 6880
[81] ) رواه البخاري ج15 ص 485 رقم 4670
[82] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج1 ص 422 رقم 194 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 1314 رقم 13135
[83] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 410
[84] ) رواه البخاري ج19 ص 367 رقم 5833
[85] ) فتح الباري لابن حجر ج11 ص 105
[86] ) المعجم الكبير ج11 ص 304 رقم 11837 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 109 ، السلسلة الصحيحة 5/346
[87] ) فيض القدير ج5 ص 627
[88] ) شرح النووي على مسلم ج1 ص 146
[89] ) رواه البخاري ج8 ص 369 رقم 2295
[90] ) النهاية في غريب الأثر ج1 ص 166
[91] ) في هذا المعنى أبو الفداء إسماعيل المعروف بابن كثير في تفسيره ج2 ص 371
[92] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج1 ص 422 رقم 194 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 1314 رقم 13135
[93] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 441
[94] ) التحرير والتنوير ج4 ص 291
[95] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 402
[96] ) رواه البخاري ج19 ص 288 رقم 5789
[97] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 411
[98] ) في هذا المعنى الوجيز للواحدي ج1 ص 143
[99] ) رواه البخاري ج11 ص 272 رقم 3197
[100] ) الغثاء : ما يبس من النبت ، فحمله الماء ، فألقاه في الجوانب ، (شرح السنة للبغوي ج15 ص 16)
[101] ) رواه ابو داود ج4 ص 184 رقم 4299 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج9 ص 297 رقم 4297
[102] ) تفسير ابن كثير ج1 ص 181
[103] ) تفسير ابن أبي حاتم ج1 ص 34
[104] ) تفسير ابن كثير ج1 ص 181
[105] ) التحرير والتنوير ج4 ص 292
[106] ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ج8 ص 75 رقم 8010
[107] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 250 رقم 716
[108] ( الغزالي : إحياء علوم الدين ج1 ص 97 ـ أبو شامة المقدسي :مختصر المؤمل في الرد إلى الأمر الأول ص 73
[109] ) أبو الحسن الماوردي : أدب الدنيا والدين ص 93
[110] ) البحر المحيط ج4 ص 315
[111] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1898
[112] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1898
[113] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 413
[114] ) رواه البخاري ج14 ص 113 رقم 4236
[115] ) مفاتيح الغيب ج11 ص 70
[116] ) البحر المحيط ج4 ص 315
[117] ) مفاتيح الغيب ج11 ص 70
[118] ) رواه النسائي ج 15 ص 207 رقم 4924
[119] ) رواه البخاري ج20 ص 24 رقم 5929
[120] ) رواه مسلم ج1 ص 304 رقم 173
[121] ) تفسير الرازي ج5 ص 423
[122] ) الدر المنثور للسيوطي ج3 ص 278
[123] ) تفسير الألوسي ج4 ص 283
[124] ) تفسير الألوسي ج4 ص 284
[125] ) رواه سعيد بن منصور ج5 ص 309 رواه البيهقي في شعب الإيمان ج1 ص 442 رقم 655
[126] ) الكشاف ج1 ص 482
[127] ) البحر المحيط ج4 ص 316 ، المحرر الوجيز لابن عطية ج2 ص 214
[128] ) رواه البخاري ج22 ص 409 رقم 6856
[129] ) تيسير العزيز الحميد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ج1 ص 184 وابن تيمية في مجموع الفتاوى ج8 ص 193 – وابن القيم في مدارج السالكين ج3 ص 103
[130] ) في بعض المجتمعات المسيحية الكاثوليكية والأرثوذكسية، يعمد الأفراد أحيانًا إلى جلد أنفسهم طواعيةً أو يُجلدون على يد كاهن كجزء من تقواهم لله. وعادةً ما تُمارس هذه الممارسات سرًا، ولا تُعتبر عرضًا عامًا.
https://www.gotquestions.org/Arabic/Arabic-Bible-self-mutilation.html
[131] رواه البخاري ج4 ص 324 رقم 1082
[132] ) رواه أبو داود ج6 ص 374 رقم 2055 صحيح أبي داود للألباني ج7 ص 168
[133] ) رواه البخاري ج5 ص 43 رقم 1213
[134] ) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
روي عنه من طريق: محمد بن سليمان بن أبي داود، أخبرنا زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا، ولفظه: اغْزُوا تَغْنَمُوا، وَصُومُوا تَصِحُّوا، وَسَافِرُوا تَسْتَغْنُوا.
رواه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (2/92)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (8/174)، ورواه في جزء أحاديث أبي عروبة الحراني (رقم/45) .لكنه ضعيف ضعفه الألباني وغيره ، لكن من حيث المعنى فالمعنى صحيح ، وهو ما ينصح به الأطباء في العصر الحديث
[135] ) التحرير والتنوير الطبعة التونسية ج6 ص 5
[136] ) رواه مالك في الموطأ ج5 ص 1437 رقم 3618 وصححه الألباني السلسلة الصحيحة ج4 ص 645 رقم 1992
[137] ) رواه البخاري ج19 ص 15 رقم 5608
[138] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 411
[139] ) غريب الحديث لابن الجوزي ج1 ص 182
[140] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 927
[141] ) رواه البخاري ج2 ص 197 رقم 407
[142] ) في ظلال القرآن ج2 ص 272
[143] ) رواه البخاري ج7 ص 444 رقم 2059
[144] ) الأداب الشرعية لشمس الدين المقدسي - سنن البيهقي الكبرى – مسند الشهاب – كنز العمال في سنن الأقوال والافعال – الجامع الصغير للألباني ج1 ص 1227 رقم 12261 (ضعيف مرفوعا)
[145] ) مفاتيح الغيب ج11 ص 72
[146] ) رواه مسلم ج 7 ص 447 رقم 2709
[147] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 317
[148] ) رواه مسلم ج12 ص 474 رقم 4689
[149] ) رواه البخاري ج8 ص 316
[150] ) رواه أبو داود ج12 ص 397 رقم 4147 وحسنه الالباني ج10 ص 277 رقم 4777 حسن ابن ماجة 4186 صحيح الجامع الصغير 6518
[151] ) الكشاف ج1 ص 473
[152] ) إنصاف (10/ 6)، ف (2/ 351).
[153] ) المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج5 ص 97
[154] ) رواه أحمد في مسنده ج56 ص 318 رقم 26709 – ج52ص422رقم24675 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج2 ص 33 رقم 507
-
الاحد PM 01:33
2026-01-25 - 85



