ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
إصلاح الأسرة بالقسط
د / احمد نصير
إصلاح الأسرة بالقسط
قال تعالى (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127) وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136)
لا شك أن العمود الثالث للمجتمع هو الأسرة ، فالمجتمعات التي لا توجد فيها أسر مجتمعات مفككة ، بل تكاد تندثر ، بسبب كثرة الرذيلة وانتشار الفواحش وانهيار القيم وهوي الأخلاق ، وتعلو النظرة النفعية والآنية فيها ، ويقل الفداء والتضحية لأجل المجموع ، من هنا اهتم الإسلام بالأسرة وجعل أول أولويات العمل الإسلامي في إصلاح شأن الأسرة هو إصلاح شأن اليتامى أي الأسر التي فقدت عائلها ومتولي المسئولية عنها ، فيصير المجتمع كله عائلها وراعيها ، لاسيما وأن لنا في التاريخ الإسلامي مثال وقدوة (إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) (44) أي يقترعون فيما بينهم ليتم اختيار من هو الأحق منهم بفضل كفالة اليتيم ، فكانوا يسارعون في الخيرات ، وكان هذا هو حال المجتمع المسلم.
من هنا عادت الآيات مرة أخرى لتبين حقوق الضعفاء وتخص النساء اليتيمات اللاتي اجتمع فيهن ضعفين ، فتبين حقوقهن لا من جهة سلب المنافقين لها كما أشرت بذلك مقدمة السورة ، ولا من جهة التشريع ، فقد سبق وأن تحدثت الآيات عن ذلك ، وإنما من جانب تربوي يقوم على ضمائر الذين يرعون حقوقهم وحقوقهن ، سواء قبل نكاحهن أو بعد ذلك ، أي من جهة حض المسلمين القيام بحقوقهن ، وإنشاء جمعيات خاصة لليتيمات لرعايتهن ، ذلك أن من أولى مهام الدولة المسلمة المسارعة في أداء هذه الحقوق لأهلها ، لتكون الأسرة المسلمة أول أولوياتها باعتبارها المقوم الأول لأفراد المجتمع ، فتحض على تجهيزهن وتزويجهن بالمعروف .
وقد انتبه أعداؤنا لأهمية الأسرة في الإسلام حيث تتربى الأجيال المسلمة في إطار الأسرة فتسود فيها العفة والفضيلة والأخلاق الحسنة ويتفانى الوالدين لتربية ورعاية أبناءهم ، وينهض المجتمع وتعلو القيم وتسود الأخلاق ، فأرادوا أن يفسدوا الأسرة بإحداث الوقيعة بين الرجل والمرأة حتى تنشز المرأة على الرجل ، فلا يطيق الرجل ذلك فيطلقها .
ومن جهة أخرى أولت السورة رعاية خاصة للمشاكل الزوجية ، فلا يستقيم أن يستمر النشوز أو الإعراض بين الأزواج ، أو أن تنشز المرأة عن طاعة زوجها أو أن يحيف الزوج علي حقوقها في القسمة المادية ، فكان لابد من السعي لإصلاح الشقاق كلما ظهرت بوادره ، وقد تكلمت السورة –من قبل – عن هذا الموضوع من جهة القضاء ، لكنها تتحدثت في هذا السياق عن الإصلاح بين الزوجين من الناحية الأخلاقية أو العرفية ، كي يتخلق الزوجان بأخلاق الصالحين ، وتكون تلك الأخلاق هي عادتهم وثقافتهم الأصيلة التي يتربون عليها في ظلال القرآن ، فيكون تفكيرهما عند نشوب الخلاف بينهما أولا في الإصلاح وآخرا ، لا في تصعيد الخلاف ، ولذلك وضع المنهج القرآني الحلول العملية التوفيقية التي تحقق هذا الإصلاح بينهما ، إصلاحا دون ميل بشطط أو إجحافا بحقهن بالكلية ، مع التذكير بالإحسان وتجنب البخل ، والإقرار بحرية المشاعر النفسية التي تخرج عن دائرة الحسابات المادية ، ليكون مناط القسمة والعدل ما يمكن قسمته ماديا ، وإلا ففي الطلاق توسعة من الله لكلاهما .
من هنا عنيت سورة النساء بإصلاح شأن أسر اليتامى بتحميل المجتمع المسئولية أمام الصغار ، فيكون المجتمع كله عائلا للأسرة التي فقد فيها أحد أبويها ، كذلك عنيت بالإصلاح بين الزوجين حفاظا على الأسر القائمة بالفعل ، فحضتما على أن يتنازل كلا الطرفان عن بعض حقوقهما لأجل الحفاظ عن الأسرة ، فلا يتعنت كلاهما ويتصلبا في الرأي حيث يمكن إزالة الخلاف بشيء من التنازل والتصالح على ذلك ، فالصلح خير من العناد وإثبات وجهات النظر ، فالحفاظ على الشكل العام للمجتمع المسلم أولى من هدم اللبنة التي يتكون منها .
بيد أنه إذا استحكم الخلاف بينهما فإن الفرقة قد تكون خير من التمادي في الباطل ، وعندئذ ينبغي ألا يكون الفراق سببا في أن يعيش كلا منهما منفردا وحده ، بل عليه أن يسارع بالزواج مرة أخرى ، ويتناسى ما فات ليبدأ بالبحث عن شريك جديد ، وهنا تتحول المحنة إلى منحة ، ويتحول البلاء بالثبات إلى رخاء بالإتقاء ، وتتحول النقم إلى نعم ، وهكذا تتحقق التقوى بالالتزام بمنهج الإسلام .
يحكى أن أحد الصالحين ماتت زوجته وهو كهل ، فما لبث أن تزوج غيرها ، فسئل لما فعلت ذلك ؟ قال كي ألقى الله وأنا متزوج ولا ألقاه وأنا عازب ، وهكذا فهم هؤلاء الصالحون مفهوم الأسرة المسلمة وأنها اللبنة الأولى في المجتمع المسلم .
يستبين مما تقدم عناية الإسلام بالنساء على الصعيد الإنساني باعتبارها المقوم الإساسي للأسرة ، تلك الأسرة التي هي اللبنة الأساسية للمجتمع المتماسك ، والذي منه تنشأ الدولة القوية المرتبطة بشعبها .
كما أمرت الآيات بإصلاح الحال بين المسلمين بعضهم البعض ، أي بالقسط دون محاباة لأحد لاسيما الأقرباء على وجه الخصوص ، فالحق أحق أن يتبع ، فلا يجوز لأحد أن يبيع دينه بعرض من الدنيا ، فالإيمان قول وعمل ، والأقوال تصدقها الأفعال ، ولهذا عقبت الآيات من (131- 135 ) على مسألة القسط والعدل ، مؤكدة اختصاص الله تعالى بملك السماوات والأرض ، فأوصت بتقوى الله تعالى ، باعتبار أن هذه الحقوق لا يضطلع بها إلا المتقين ، وأن القائمين عليها هم المستخلفون ، وأن الذي لا يتقون ولا يطيعون الله تعالى في هذه الحقوق فإن الله تعالى يذهبهم ويأتي بآخرين من غيرهم يقومون عليها بالقسط ، فيسعون لإصلاح الدنيا بالآخرة ، ولا يسعون لإفساد آخرتهم بالدنيا ، فمحاولة إصلاح أحدهما دون مراعاة إصلاح الآخر غير ممكنة ، فأهل الحق هم القائمون على حقوق الناس جملة وتفصيلا ، يستقطعون الحقوق من أنفسهم أو والديهم وأقربائهم ويؤدونها لأصحابها ، بهذا يتحقق الإيمان العملي الذي هو (توحيد الألوهية) والذي يتضافر إلى جانبه توحيد الاعتقاد والربوبية الذي يتضمن معنى الإيمان بالغيب والرسل من قبل .
وعلى هذا فإن هذا المبحث سوف يتناول عدة مسائل : -
أولا : إصلاح أحوال اليتيمات
ثانيا : إصلاح حالات النشوز والإعراض
ثالثا : الاصلاح بالقسط بين الناس دون محاباة لأهل أو عشيرة
قوله (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا) (127)
حرص الإسلام على حقوق المرأة وهي في أشد صور ضعفها من يتم وصغر ، فالإسلام لا يتركها في تلك اللحظات الحرجة من حياتها لتكون مطمعا لمن يتستر بستار ولايته عليها متى كانت ذات مال وجمال ، بل إنه ليؤمن مستقبلها مع زوج يتسم بالعدل ، ويعيطها حقوقها بالقسط ، فيسلط الضوء على وليها والذي بيده قرار زواجها ، فلا يجعلها وكأنها ملكا يمينا له ، فلا يحق له أن يمنعها أن تتزوج من ترضاه لنفسها ويقسط في معاملتها ، ولا يتركها هملا متى لم يكن مالها أو جمالها بالقدر الكافي ، بل حض الأمة كلها على أن تقوم على رعاية شأنها بالقسط .
فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) إِلَى قَوْلِهِ (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ) قَالَتْ (هُوَ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ هُوَ وَلِيُّهَا وَوَارِثُهَا ، فَأَشْرَكَتْهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي الْعَذْقِ - النخلة[1]- فَيَرْغَبُ أَنْ يَنْكِحَهَا وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا رَجُلًا فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ بِمَا شَرِكَتْهُ فَيَعْضُلُهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) [2]، قال النووي( فيعضلها ) أى يمنعها الزواج[3].
ولما كان إصلاح شأن الأسرة يبدأ بأولى الأسر بالإصلاح ، وهي الأسر المتضررة بفقد عائلها وحاميها ، فإن الإسلام صدر عنايته بتلك الأسرة وجعلها في المقدمة ،قال تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ)(البقرة220).
قوله (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ..) (127) كان أهل الجاهلية لا يعتبرون للمرأة مكانة ، وكانوا يعتبرونها متاعا يورث بعد وفاة زوجها ، فتكون لمن سبق بتغطيتها ، فتصير له ويملكها بمجرد أن سارع بتغطيها ، فكانت المرأة تمتلك كما يمتلك المتاع والمنقول المباح ، وتنتقل إلى من سبق ووضع يده عليها –قبل غيره – أي حازها ، لكن الإسلام أعلى من شأن المرأة ، فأقر لها حقوقا مثل الرجل[4] ، سواء أكانت بنتا أو زوجة أو أما أو جدة ، وسواء في ميدان العمل أو في البيت .
من هنا كثرت الأسئلة التي تدور حول النساء ، ما لها وما عليها ، ففقه النساء مشحون بالمسائل الشائكة ، والتي يحار فيها الفقهاء ، حتى أن النبي r نفسه احتار فيها ، مثال ذلك مسألة تأديب الزوجة روي عن رَسُولُ اللَّهِ r قَالَ (لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهِ فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ ذَئِرْنَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ فَرَخَّصَ فِي ضَرْبِهِنَّ فَأَطَافَ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ r نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ فَقَالَ النَّبِيُّ r لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ)[5]
أي أنه لم يرجع إلى الترخيص في الضرب ولا إلى النهي ، فأضحى حكم الضرب أنه مرخص فيه للضرورة ، قال الشيخ عبد المحسن العباد (لا ينبغي أن يصار إليه إلا للضرورة، وليس المعنى أنه حين وجدت الرخصة يتهاون بالضرب ويحصل إيذاؤهن بالضرب، وإنما يصار إلى الضرب عند الضرورة إليه، كالكي بالنسبة للعلاج لا يصار إليه إلا عند الضرورة وعند الحاجة)[6]، ثم ذم من يلجأ لذلك لغير ضرورة أو حاجة ملحة ، فقال (لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ) ، بل إن الكيس الفطن من لا يلجأ لذلك إطلاقا ، إذ لا يخلو الحال من إمكانية فعل غير ذلك .
والصحابة رضوان الله عليهم استفتوا الرسول r في مسائل النساء مخافة أن يقعوا في ظلمهن أو ينقصوا من حقوقهن ، بل إن النساء أنفسهن لما علمن بتكريم الإسلام لهن سألن النبي r عن حقوقهن ، فعَنْ الْقَاسِمِ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ وَلَدِ جَعْفَرٍ تَخَوَّفَتْ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَلِيُّهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ فَأَرْسَلَتْ إِلَى شَيْخَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُجَمِّعٍ ابْنَيْ جَارِيَةَ قَالَا فَلَا تَخْشَيْنَ فَإِنَّ خَنْسَاءَ بِنْتَ خِذَامٍ أَنْكَحَهَا أَبُوهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ فَرَدَّ النَّبِيُّ r ذَلِكَ) [7] .
قوله (..قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ..) (127) أي أن الله سبحانه هو الذي يسألكم عن أحوالهن معكم ، فالأصل هو تقوى الله فيهن كما في الحديث النبي r (اتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهنَّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله، وإنَّ لكمِ عليهن أن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أحداً تكرهونه؛ فإن فَعَلْنَ؛ فاضربوهنَّ ضرباً غَيْرَ مُبَرِّح، ولهنَّ عليكم رِزْقُهُن وكِسْوَتُهُن بالمعروف)[8]، أي أن الذي يتقى الله في النساء لا حاجة له أن يسأل عن أحكامهن ، فالإجابة في كل مسألة هي تقوى الله فيهن ، وفي معاملتهن ، فهي إجابة كافية شافية لأي سؤال .
ما يعني أنه في حالة نشوب خلاف بين الزوجين ، فالصلح بينهما واجب ، وعند التصالح ينبغي أن يتقيان الله ، فلا يحيف أحدهما على الآخر لإتمام هذا الصلح ، أي لا يبتز أحدهما الأخر لأجر إتمام الصلح ، بل الواجب أن يتساهل هو وتتساهل هي ولا يتعنت أحدهما مع الآخر ليظلمه ويأخذ ما يزيد عن حقه ، فيقبل الآخر شروط الصلح المجحفة بحقه مضطرا لإصلاح شأن الأسرة ، فما أخذ بسيف الحياء فهو رد ، قال رسول الله r (ولا يحل لامرىء من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس)[9].
هذا ما كان يحدث في الجاهلية حينما كانت المرأة تمتهن ولا حقوق لها ، لكن إسلام أعلى شأنها ووسع من حقوقها التي تستقل بها ، كما أن لها بعض الحقوق التي قد تتداخل مع حقوق الرجال ، ومن ثم ينشأ الخلاف بينهما ، فإذا حصل ذلك فينبغي عند الصلح ألا ينحاز الناس – لاسيما القضاة وولاة الأمور - للمرأة بسبب ضعفها ، ولا للرجل باعتباره القوام عليها وأنه هو المختص بالنفقة عليها ، بل لابد من القسط والعدل بينهما ، مع مراعاة أن الصلح واتفاق الصلح أمر نسبي ، فقد يناسب اتفاق صلح أسرة معينة ، ولا يناسب ذات الاتفاق أسرة أخرى ، فلا يقاس هذا على ذاك .
ومن أمثلة الصلح التنازل عن بعض الحقوق لأجل الحفاظ على شكل الأسرة لاسيما إذا ما زهد أحدهما في الآخر ـ ، ولم يعد أحدهما كفئا للآخر بسبب الضعف وكبر السن في حين احتفاظ الآخر بلياقته وقوته ، ما روي عَنْ سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ لَهُ امْرَأَةٌ قَدْ كَبِرَتْ وَعَنَّسَتْ مِنَ الْحَيْضِ، وَكَانَ لَهُ مِنْهَا أَوْلادٌ فَأَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَأَنْ يَتَزَوَّجَ، فَقَالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي، وَدَعْنِي أَقُومُ عَلَى وَلَدِي وَاقْسِمْ كُلَّ عَشْرٍ إِنْ شِئْتَ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ شِئْتَ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ هَذَا يَصْلُحُ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ r فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ:"قَدْ سَمِعَ اللَّهُ مَا تَقُولُ فَإِنْ شَاءَ أَجَابَكَ، قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى " يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ " ، فَأَفْتَاهُمْ عَمَّا لَمْ يَسْأَلُوا عَنْهُ"[10].
قوله (..وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ..) (127) والمعنى تضمن استفسارا آخر عما إذا كان المسلمون الذين يتلون كتاب الله يتحرون أحكامه في النساء لاسيما اليتامى منهن ، فيتقون الله فيهن؟ أم أن ثمة أناس لا يفعلون ذلك منهم ؟وهذا تعريض بوقوع شيء من المخالفات في حق يتامى النساء من بعض المنافقين ، فذكرهم الله بما يتلى عليهم في الكتاب من قوله (وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ) حتى يعزفوا عن نكاحهن إذا لم يقسطوا لهن مثل غيرهم من سائر النساء .
فعَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْله (وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) قَالَتْ أُنْزِلَتْ فِي الْيَتِيمَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَتَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ فَيَرْغَبُ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ فَيَعْضِلُهَا فَلَا يَتَزَوَّجُهَا وَلَا يُزَوِّجُهَا غَيْرَهُ)[11] ، ففي هذا الفرض العكسي الولي لا يرغب أن يتزوجها ، فلا يطمع في جمالها كما في الفرض السابق ، ولكنه في هذا الفرض ورغم ذلك يعطل زواجها من غيره حتى لا يشترك في مالها ، وهو أبلغ في الظلم من الحالة الأولى حيث يريد زواجها طمعا في مالها وجمالها ، أما في هذه الحالة فإنه يرغب عنها ويعطل زواجها ، ما يدل على الظلم الشديد لها ، فهذه حالة من حالات ظلم المرأة لاسيما إذا كانت يتيمة وصغيرة وليس لها من يصون حقها ، فيسهل ظلمها ، وحرمانها من الحق في الزواج ،وهو حق أصيل من حقوق الإنسان الأساسية .
فعَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْله (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) قَالَتْ أُنْزِلَتْ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْيَتِيمَةُ وَهُوَ وَلِيُّهَا وَوَارِثُهَا وَلَهَا مَالٌ وَلَيْسَ لَهَا أَحَدٌ يُخَاصِمُ دُونَهَا فَلَا يُنْكِحُهَا لِمَالِهَا فَيَضُرُّ بِهَا وَيُسِيءُ صُحْبَتَهَا فَقَالَ (إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ) يَقُولُ مَا أَحْلَلْتُ لَكُمْ وَدَعْ هَذِهِ الَّتِي تَضُرُّ بِهَا)[12]
فقولها (وَلَيْسَ لَهَا أَحَدٌ يُخَاصِمُ دُونَهَا) يعني أنها من الضعف بحيث يسهل على المنافق أن يظلمها دون أن يدافع عنها أحد
وقولها (فَيَضُرُّ بِهَا وَيُسِيءُ صُحْبَتَهَا) يدل على تعمد ظلمها ، ما يؤكد على نفاقه ، وأنه لم يقع منه ذلك عن جهل أو سوء تصرف ،بل عن قصد وعمد ، وهذه الصورة أبلغ وأبلغ في ظلم المرأة من الصورتين السابقتين ، حيث جمع لذلك كله إساءة معاملتها .
قوله (..اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ..) (127) فهذه صورة فادحة لظلم المرأة ، حيث تكون مطمعا ، وفي ذات الوقت يبخل الطامع أن يعطيها مهر المثل المستحق لها شرعا ، فعَنْ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا إِلَى وَرُبَاعَ ) فَقَالَتْ يَا ابْنَ أُخْتِي هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا – أي يحجر على نفسها ومالها - تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ ، فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا ، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا ، فَيُعْطِيهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ ، فَنُهُوا أَنْ يُنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنْ الصَّدَاقِ ، وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ ، قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ r بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ إِلَى قَوْلِهِ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) وَالَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ الْآيَةُ الْأُولَى الَّتِي قَالَ فِيهَا (وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ) قَالَتْ عَائِشَةُ وَقَوْلُ اللَّهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) يَعْنِي هِيَ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ لِيَتِيمَتِهِ الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ)[13] .
قوله (..وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ..) (127) ضم الولدان لهن ، فكلاهما البنت والولد في حال اليتم مشتركان أو يتماثلان في حالات الفقر المضجع أو ذل المفجع ، لاسيما أن أموالهما ليست بأيديهما ، بل هي غير مفرج عنها في يد وليهما أو الوصي عليهما ، أي أن الولدين بحاجة ملحة لأن ينظر إليهم المجتمع بنظرة عطف وحنان ، وهو ما يستلزم أن يقوم أهل الخير بالعمل الاجتماعي الذي يقدم لهم المساعدة ويد العون والرحمة ، وذلك إنشاء كيانات أهلية ومؤسسات الاجتماعية تهدف في المقام الأول حمايتهم من الخطر المحدق بإيوائهم في مكان آمن ، ثم القيام على تغذيتهم ورعايتهم الصحية وتعليمهم وتثقيفهم ، ومراقبة الوصي أو الولي عليهما ، ومحاسبته في الإنفاق عليهما من مالهما .
قوله (..وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ..) (127) تأكيد على وجوب استنهاض المجتمع ليقوم بواجب كفائي نحوهن على وجه الخصوص ، ونحو اليتامى على وجه العموم ، وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام أبو زهرة فقال (التعبير بالقيام مؤداه أن ينهض الولي على القاصر بعناية واهتمام لرعاية حاله ، وكون الخطاب للجميع لا لخصوص الأولياء يدل على الوجوب على الأمة بشأن يتاماها أو رعايتهم فرض كفاية فهو على الأمة مجتمعة) [14].
والتعبير باللام في قوله ""لليتامى" يفيد بأن هذا القيام والنهوض لمصلحة اليتامى الحقيقة ، وتقييد ذلك بالقسط أي (من حيث التربية والتهذيب والمحبة من غير تدليل ، وألا ينقص من ماله شيء ولا يترك هملا إذا لم يكن له مال)[15]
وقد استطرد الشنقيطي في بيان معنى القسط بالقرآن فاستشهد بقوله (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [الأنعام 152]، وقوله (قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) [البقرة 220]، وقوله (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) [الضحى9]، وقوله (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى)[البقرة 177]، ونحو ذلك من الآيات..
ولما كان هذا العمل شاق فإنه يتطلب لإتمامه بأحسن صورة تأسيس الجمعيات الخيرية يكون من بين أغراضها راعية اليتامى ،ما يعني أن ذلك واجب كفائي على الأمة ،لكن يشترط في القائمين على هذا العمل أن يبتغوا وجه الله ، وأن يخضعوا لرقابة الدولة للتحقق من مدى كفاءتهم وحسن عملهم ، فليس من القسط تركهم وشأنهم دون رقابة .
قوله (..وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا) (127) ذكر "الخير" هنا يعني أنه ينبغي أن تكون المحصلة من هذا العمل هو الخير ، فلا يتخذ من تلك الأعمال ستارا لأجل كسب غير مشروع ، من هنا وجب التأكيد على دور الجهات الرقابية في التحقق من ذلك لمنح القائمين على هذا العمل التراخيص اللازمة لاستكمال العمل ومداومته وتجديدها بعد التحقق من النتائج الإيجابية لإصلاح شأن اليتامى ، والتـأكد من أن ما يفعله القائمون على هذا الأمر هو خير محض لا مفسدة فيه ، ولهذا اختمت الآية بأن الله كان به عليما لإشعار ، يعني أن الرقابة من الله سبحانه قائمة ، وإن غابت أعين المراقبين .
قال تعالى (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130)
وضع هذا المقطع آلية عملية لعلاج المشكلات الزوجية ، لا من خلال التنظيم التشريع والمنهج القضائي ، ولكن من خلال التربية والحلول الودية ، أي عقود الصلح التي يتفقان عليها ، فذلك يكون – أحيانا – أنجع وأيسر من الحلول القضائية والأحكام التشريعية ، فالصلح خير إلا ما أحل حراما أو حرم حلالا ، فعند التصالح لابد من التنازل لتقريب وجهات النظر ، وعندئذ يجب مراعاة الحقوق المتبادلة بين الزوجين ، ويفرق بين الحقوق المستقلة بالزوجة ، والحقوق التي يستقل بها الزوج ، ومع الأخذ في الحسبان أن الحقوق أولى بها أصحابها دون ابتزاز أو استغلال ، فكل شيء أخذ بسيف الحياء فهو رد ، كزيادة النفقة ، لابد وأن يكون عن رضا نفس وبحسب المقدرة ، فلا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ، ومن جهة أخرى فإن ثمة أمور هي حق لله ، وإن اشترك فيها حق العباد كالحق في الحضانة ، لكن حق الله فيها غالب ، مراعاة لحق الصغير ، فهي تخرج عن مجال المساومة أو النقاش ، إلا بما هو أصلح للصغير ، لا بما هو أصلح لأحد الزجين ، وكحق الزوجة في مسكن يليق بها تأمن فيه على نفسها وأولادها ، وكحق الأولاد في التعليم ..الخ ، كذلك الحق في الطاعة لا يقبل المساومة ، فإن جاز التصالح على هذه الحقوق ، فيكون ذلك بغرض تحسينها أو الانتقاص منها بما لا يمس بأصل الحق ، وذلك كله في بقدر الطاقة والسعة (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق 7) ، وفي ذلك تفصيل على النحو التالي :-
وفي قوله تعالى (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)(128) تعرضت الآية لمشكلة تباعد الأزواج (إما بسبب راجع منها أو راجع إليه)[16] ، وهو ما يسميه علماء الاجتماع بالخرس الزوجي ويقصد به السكوت السلبي للزوجين وغياب لغة الحوار بينهما، وانشغال أو تشاغل كل منهما عن الآخر بأموره الخاصة، وضعف التفاعل اللفظي والعاطفي نتيجة لعدم وجود قواسم مشتركة بينهما ، وقد يرجع السبب للزوج وحده أو للزوجة وحدها أو كلاهما ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَ "وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا" قَالَتْ هُوَ الرَّجُلُ يَرَى مِنْ امْرَأَتِهِ مَا لَا يُعْجِبُهُ كِبَرًا أَوْ غَيْرَهُ ، فَيُرِيدُ فِرَاقَهَا فَتَقُولُ أَمْسِكْنِي وَاقْسِمْ لِي مَا شِئْتَ ، قَالَتْ فَلَا بَأْسَ إِذَا تَرَاضَيَا) [17]، أي نشوزا منها أو إعراضا منه ، فعندئذ يتعين السعي للصلح بينهما ، حتى لا يفسد النشوز أخلاق الزوجة فيطلقها زوجها لسبب منها وتسقط كثير من حقوقها المالية ، ولا أن تستفحل مظاهر الإعراض من الزوج ، فتتضرر المرأة ، وتطلب الطلاق للضرر .
فَفي قوله "نُشُوزًا" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (بُغْضًا)[18] ، أي أنها تخاف أن تظلمه بأن تنشز عليه ، فلا تطيعه وترتفع عن الخضوع إليه ، فتنقصه حقا من حقوقه التي خصها الله للرجال وهي "القوامة" ، فتدخل بذلك النار ، فلها أن تنجي نفسها منه بذلك الصلح والاتفاق .
فالآية تتحدث عن مخالفة النشوز ، وليس عن وقوع النشوز بالفعل ، لأن المرأة المسلمة المؤمنة لا تنشز عن زوجها ، ولكنها إذا خال لها أن طاعته قد ثقلت عليها ، وخافت أن تعصيه ، فهي بالكاد تطيعه ، فلها أن تطلب أن تصالحه على أن ينقص حقه منها فيما تعجز عنه أو تجده مرهقا لها ، وذلك يحدث كثيرا عندما تكبر المرأة في السن ، ولا تكون بحاجة إلى العلاقة الخاصة بينها وبين زوجها ، ولا يزال زوجها يطلب هذه العلاقة ، فترفضه أو تخاف أن ترفضه ، فتصطلح معه على أن يتزوج غيرها على سبيل المثال ، فذلك أخف من الطلاق أو الخلع .
أي تصطلح معه على أن يعفيها من الشئ الذي تبغضه حتى لا تنشز عليه ، فإن أبى ، أي لم يصطلحا ، هنا جاز لها أن تطلب الطلاق لما أصابها من بأس ، وإن قبل طلبها ، سهل عليها أن تطيعه وترضيه في غير ما تنازل عنه لأجلها ، وهذا قد يحدث كثيرا من المرأة عندما يكون بينهما عدم تكافؤ سابق على الزواج ، فلا يكتشفانه إلا بعد الزواج ، كأن تكون هي القوية جسديت وهو الضعيف أو العكس هي الضعيفة وهو القوي ، فينهكها وهي لا تقدر عليه ......الخ ، أو أنهما لم يضعا اعتبارا لبعض الأمور قبل الزواج ، فيتفاجئان بعد الزواج بأنها مؤثرة ، كأن تكون ثرية وهو فقير أو متعلمة وهو غير متعلم ، أو العكس ، فهنا تبدو هذه الفروق سببا للاختلاف بينهما وحصول الضجر والملل.
فَفي قوله "أَوْ إِعْرَاضًا" أي في الحالة العكسية حيث يكون التباعد سببه الزوج ، فقد روي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا " قَالَتْ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا فَتَقُولُ أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ[19]، فقوله (ليس بمستكثر منها) أي في المحبة والبر[20] ،وقيل (ليس بطالب كثرة الصحبة منها ، ويريد مفارقتها إما لكبرها أو لدمامتها أو لسوء خلقها أو لكثرة شرها أو غير ذلك)[21]، فهذا هو توصيف الحالة ويتبعه العلاج القرآني بالإشارة عليهما بالصلح .
قوله (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا) هذا هو العلاج ، أي بالسعي للتصالح بينهما ، والمعنى أن يصطلحا-أي يتفقا- على أن يُنقِصها شيئا من حقوقها أو أن تُنقِصه شيئا من حقه مقابل أن تستمر الحياة الزوجية بينهما بعد تعديل شروط الزواج ، إذا تراضيا على ذلك بلا إكراه مادي أو ابتزاز معنوي ، كأن تضغط عليه حيث تكون حضانة الأولاد معها أو أن يضغط عليها بتقتير النفقة وتأخيرها .
فعَنْ عَائِشَةُ قَالَتْ ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r لَا يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَسْمِ مِنْ مُكْثِهِ عِنْدَنَا وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتَ عِنْدَهَا ، وَلَقَدْ قَالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ حِينَ أَسَنَّتْ وَفَرِقَتْ أَنْ يُفَارِقَهَا رَسُولُ اللَّهِ r يَا رَسُولَ اللَّهِ يَوْمِي لِعَائِشَةَ فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ r مِنْهَا قَالَتْ نَقُولُ فِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي أَشْبَاهِهَا أُرَاهُ قَالَ (وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا) [22].
ذلك أن المصالح بين الزوجين قد تتعارض أحيانا ، والغاية الواجب عليهما أن يتذكراها دائما أن اجتماعهما في أسرة واحدة أعظم من أن يستأثر أحدهما بحقه دون الآخر ، فلابد من السعي للحفاظ على الأسرة المسلمة ، وهو ما يستوجب أن يضحيا معا ببعض حقوقهما المتعارضة لأجل الآخر ، أو أن يضحي الأصلح منهما لأجل تلك الغاية .
ولذلك ولأجل أن لا يكون السعي للتصالح طريق للمماطلة ، فقد وقت النبي r لذلك أجلا ، فقال النبي r (لا يحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)[23] ، ذلك أن المصالح في دوام الود بينهما أعظم من أن يتمسك كل طرف بحقه قِبل الآخر ، من هنا جاز أحدهما أن يتنازل للآخر عن حقه مقابل تحقيق هذا الهدف.
والذي يتنازل عن حقه لأجل مراعاة مصلحة الأسرة هو في الحقيقة يصل رحمه ويحافظ على صلة الأرحام في أقوى صورة لها ، لأنه يريد أن يرأب الصدع الذي في الأسرة لأجل أولاده الصغار أو لأجل كثير من المصالح التي قد لا يطلع عليها غيره ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ فَقَالَ (لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ – التراب- وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ)[24]، فمن منا من يحب أن يكون له من الله ظهير يسانده ويعينه ويقويه؟ .
والأمثلة على ذلك كثيرة ، كأن يتنازل الزوج عن حقه في حبس زوجته في منزل الزوجية ويسمح لها بالعمل ، أو استكمال التعليم أو تحضير دراسات عليا ...الخ ، أو يلتزم بأن يخرجها للتنزه مرة أو مرتين في الأسبوع ..الخ ، ففي الأمر سعة ما لم يتعارض هذا التنازل مع حقوق الله تعالى أو ظهر فيه إجحاف بحقوق الآخر في إطار التعسف أو كان الأصلح للأسرة خلاف ما اتفقا عليه ، كأن تتنازل عن حقها في المبيت لكن الأولاد بحاجة لأبيهم ، فيلزمه القاضي بأن يبيت لأجل الأولاد..الخ ، فالوقائع في هذا الباب لا تتناهى.
وفي قوله (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) فيه تحبيذ للصلح وحض عليه لما فيه من أفضلية وميزة في كل الأحوال ، فهو خير من التباعد والتشاحن والفراق ثم الخصام ثم الطلاق ثم مخافة العنت ، فيكون الصلح مانعا لكل ذلك .
فإذا أمكن للزوجين أن يتصالحا فيما بينهما فذلك خير ، ولهما أن يستشيرا في المسائل الخلافية بينهما أهل الخبرة لاسيما أهل الصلاح ، بيد أنه –وفي الغالب - ولأن المصلحة بين الزوجين متعارضة ، والخلافات بينهما قد تصل لدرجة التشاحن ، فإنه واختصارا للجهد والوقت يستحب أن يكون بينهما مصلح من أهل الخير ، فعن أبي شريح قال (قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني ، فحكمت بينهم ، فرضي كلا الفريقين ، فقال رسول الله r (ما أحسن هذا)[25] .
وليس بشرط أن يكونوا من الأقرباء إذا لم يكن منهم أحد أهل صلاح وإصلاح ، فالاستعانة بالقريب والصديق الغافل مفسدة ، قال رسول الله r (لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا)[26] ، وفي رواية (ومن أفسد امرأة على زوجها فليس منا) [27].
فالموطن هنا موطن إصلاح وليس تحكيم ، أي الغاية هي الإصلاح ، وليس التحكيم وبيان المخطئ من المصيب أو الظالم من المظلوم ، لأن التحكيم قد ينتهي إلى صلح بغير عوض أو صلح بعوض أو تطليق ، أما في حالة الإصلاح فإن المصلح يتنحى عن عمله إذا لم يستطع الإصلاح بينهما ، ويجوز للمصلح أن يكذب على الطرفين لينمي الخير والود بينهما ، كما في الحديث (لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا)[28] ، وهو ما لا يجوز للمحكم فعله ، بل له أن يعاقب ويحكم بالتعويض على أحد الطرفين لأجل الصلح ، وهو ما لا يفعله المصلح ، فليس له حكم على الطرفين ، بل ما يصدر عنه من باب النصيحة والتوفيق .
وللصلح ضوابط من أهمها موافقة شرع الله ، قال رسول الله r (الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا)[29] ، أي لا يجوز أن يكون ضمن بنود الصلح ما يخالف شرع الله ، أو ظلم مجحف لأحد الطرفين ، لكن يجوز أن يتضمن الصلح التنازل عن بعض الحقوق وبصفة مؤقتة ، ثم يستردها بعد فترة ، ومن الشروط غير الجائزة في الصلح أن تطلب المرأة طلاق أختها ، كما قال النبي r (لَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا)[30].
كما ورد عن صفية بنت حيي : أن النبي r حج بنسائه فلما كان في بعض الطريق نزل رجل فساق بهن ، فاسرع فقال النبي r كذاك سوقك بالقوارير يعنى النساء ، فبينا هم يسيرون برك بصفية بنت حيي جملُها-أي توقف عن السير- ، وكانت من أحسنهن ظهرا –أي أسرع جملا-، فبكت وجاء رسول الله r حين أُخبر بذلك ، فجعل يمسح دموعها بيده وجعلت تزداد بكاء وهو ينهاها ، فلما أكثرت زبرها وانتهرها ، وأمر الناس بالنزول فنزلوا ولم يكن يريد أن ينزل ، قالت فنزلوا وكان يومي ، فلما نزلوا ضرب خباء النبي r ودخل فيه ، قالت فلم أدر علام أهجم من رسول الله r وخشيت أن يكون في نفسه شيء مني ، فانطلقت إلى عائشة فقلت لها تعلمين أني لم أكن أبيع يومي من رسول الله r بشيء أبدا ، وأني قد وهبت يومي لك على أن ترضي رسول الله r عني قالت نعم ، قال فأخذت عائشة خمارا لها قد ثردته بزعفران فرشته بالماء ليذكى ريحه ثم لبست ثيابها ثم انطلقت إلى رسول الله r فرفعت طرف الخباء ، فقال لها مالك يا عائشة إن هذا ليس بيومك قالت ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فقال[31] مع أهله-) [32]، (وأخبرته بالأمر فرضي عنها)[33].
وفي قوله (وَأُحْضِرَتْ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) المقصود بالأنفس الشح الميل إلى ما تهواه النفس بالبخل في اتفاق الصلح ، َقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ("هَوَاهُ فِي الشَّيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ")[34] ، وفي ذلك توصيف للحالة النفسية لكلا الطرفين ، ويصف إصرارهما على التمسك بحقوقهما إزاء الآخر دون تنازل مما يعوق الاتفاق دون الإتمام ، كأن يحرص الزوج على أن يتزوج بغيرها فيصر على أن ينقصها كثير من حقوقها ويبخل عليها في النفقة والمبيت ، فيقع في الظلم من هذه الجهة ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ)[35].
أو تصر هي على أن تعضله حقوقه ليصالحها بما ليس من حقها ، أو بأكثر من حقها ، فتقطر له حقه في رؤية أولاده ليعطيها نفقة تزيد عما هو متسحق لها ، ...الخ ، والأمثلة في الظلم لا تتناهى ، أو تصالحه على أن يطلق زوجته الأخرى ، وقد نهى النبي r عن ذلك فقال (لَا تَسْأَلْ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفِئَ مَا فِي إِنَائِهَا) [36]، فهذه الشروط باطلة ولا يعتد بها في إنفاذ الصلح ، فالصلح ينفذ ويبطل الشرط ، كذلك إذا سألت زوجها ما ليس عنده ، فقد عوتبت عائشة وحفصة من أبيهما أبي بكر وعمر (كِلَاهُمَا يَقُولُ تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللَّهِ r مَا لَيْسَ عِنْدَهُ فَقُلْنَ وَاللَّهِ لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ r شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ)[37].
وفي قوله (وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) إيصاء بالإحسان والتقوى ، بأن يضع نفسه مكانها ، فلا يظلمها شيئا ولا يحيف عليها ، وكذلك أن تضع نفسها مكانه فلا تقصر في حقه ، قال الماتريدي : (وإنْ تحسنوا في أن تعطوهنّ أكثر من حقهنّ ، وتتقوا في أنْ لا تنقصوا من حقهن شيئاً أو أن تحسنوا في إيفاء حقهنّ والتسوية بينهنّ)[38].
وقال أبو حيان (ندب تعالى إلى الإحسان في العشرة .. لأنّ الزوج قد تحمله الكراهة للزوجة على أذيتها وخصومتها لا سيما وقد ظهرت منه أمارات الكراهة من النشوز والإعراض) [39]، أي أن التقوى تمنعه من فعل ذلك ، والإحسان أن يحسن إليها وإن كانت تسيء إليه ، وكذلك هي تحسن إليه وإن كان يسيء إليها ، لأن الله بما يعملان خبير .
فالإحسان والتقوى يتحقق الإصلاح بينهما ، ولا يكون ذلك بكفران العشير بل بتذكر الفضل بينهما ، كما في قوله (وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة/237) فسياق الآية وإن كان محله الطلاق ، إلا أن التذكير بالفضل بينهما إذا كان مندوبا إليه في حال الشروع في الطلاق فإن التماسه حال استمرار الزواج أولى ، لاسيما حال الاتفاق علي الصلح والشروع في التصالح .
قوله (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) (129) هذا من باب الإخبار بالقدر الجائز التسامح فيه بين البشر ، فلا يمكن لأي بشر كان أن يضبط ميله القلبي لإحدى زوجاته عن الأخرى ، فليس هو بمكلف أن يفعل ذلك ، فمن الطبيعي أن تكون إحدى النساء لديه محببة عن غيرها ، ولو حاول أن يحرص على ألا يظهر ذلك فإنه ميله القلبي لها لا يمكن أن يتغافله ، ولذلك أجاز الشرع بعض الميل ، وليس كل الميل، ولذلك ورد في الدعاء المأثور (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلومني فيما تملك ولا أملك) [40] .
والمقصود ببعض الميل أن يقتصر ذلك على الميل القلبي دون أن يتعدى ذلك إلى الميل في الأمور المادية ، فالعدل المكلف به الزوج هو القدر المستطاع منه ، كالنفقة والمبيت وخلافه من الأمور المادية ، أما مسألة الميل النفسي والتجاوب العاطفي ، فهذه أمور لا يمكن قسمتها بالسوية بين البشر .
فالإجماع منعقد بين الفقهاء على أنه ليس علي الزوج واجب التسوية بين زوجاته في الجماع ، لأن الجماع لابد فيه من ميل قلبي ، وهذا الميل لا يمكن تحصيله ولا توجيهه ، ولذلك لا يمكنه أن يسوي في مرات الجماع ، لأنه لا يملك ميل قلبه لواحدة منهن ، وعزوفه في بعض الأحيان عن غيرها ، حتى لو حرص على العدل - في هذه المسألة تحديدا - فإنه لا يقدر على ذلك بإطلاق ، لكنه لابد وأن يعدل من حيث ألا يظلم التي يعزف عنها حقا ، فيأتيها قدر الإمكان فلا يجعلها كالمعلقة ، فإن قصر في ذلك فلها أن تشتكيه أو تطلب الطلاق للضرر .
قال ابن قدامة (ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في أنه لا تجب التسوية بين النساء في الجماع ، وهو مذهب الشافعي ، وذلك لأن الجماع طريقه الشهوة والميل ولا سبيل إلى التسوية بينهن في ذلك ، فإن قلبه قد يميل إلى إحداهما دون الاخرى)[41].
أما الأمور المادية التي يمكن تسويتها بالقسمة كالنفقة والمبيت وغير ذلك ، فلا يجوز الميل فيها أو محاباة إحداهن على الأخرى إلا لمصلحة شرعية معتبرة تختص بها إحداهن عن غيرها كمصروفات التعليم أو العلاج ..الخ ، فهذه الأمور يجب العدل فيها بين النساء بحسب حاجة كل واحدة منهن لشيء من ذلك ، أي أن العدل نسبي بحسب حاجتهن ، فمن كانت تأكل أكثر من غيرها فعدلها ما يكفيها من الطعام واللباس ، ومن كانت تأكل أقل من غيرها فعدلها كذلك ما يكفيها دون عقد مقارنة بين واحدة وأخرى ، إلا في نوع الطعام ، فإذا جلب لإحداهن أزكى الطعام فلا يمنعه عن غيرها ، بل الكل سواسية في ذلك ، إلا لمن كانت تحتاج لحمية أو نوع معين من الطعام دون أخرى للعلاج وهكذا ، فيجب عليه مراعاة ما تحتاجه من نوع خاص من الطعام أو اللباس ، فيعدل بقدر الحاجة ، قال العلماء (فيجب العدل بينهن فيما هو من مُكْنة الإنسان وطاقته ، وما لا يقدر عليه -مما هو في غير استطاعته كالوطء ودواعيه مما يكون أثر المحبة- فهذا خارج عن طوقه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها)[42].
ويعفى عن الميل اليسير فيما يملك العدل فيه ، حيث يتعذر القسط بإطلاق ، كتعذر أن يهدي لإحداهن فاكهة مثل الأخرى لدرجة التماثل في الجودة والنوع والوزن ، قال الصنعاني (ومفهوم قوله كل الميل جواز الميل اليسير)[43]، لأن المشقة تجلب التيسير ، وهو ما يسميه الفقهاء في فقه البيع ما يتسامح فيه بين المتبايعين ، وعملا بقاعدة (ما يتعذر الاحتراز منه فهو معفو عنه)[44] ، كالابتسامة والحزن والمرض ..الخ ، فقد كان النبي r يستأذن نساءه في أن يمرض في بيت عائشة ،
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ r وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فَأَذِنَّ لَهُ فَخَرَجَ النَّبِيُّ r بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ عَبَّاسٍ وَرَجُلٍ آخَرَ)[45]
.
أما أن يميل فيما يملك تقسيمه بالعدل بحيث يجحفها حقها ، فهذا حرام ولا يجوز ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ)[46]، قال الصنعاني (إطلاق الحديث ينفي جواز الميل اليسير ذلك ، ويحتمل تقييد الحديث لمفهوم الآية)[47] ، أي أنه عدل عن جواز الميل اليسير إشفاقا على من يفعل ذلك من أن يكون شقه مائل ، فسد هذا الباب بعدم الجواز ، ولكن الاستطاعة تكون دوما هي مناط التكليف .
فقوله (فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) فبعد أن نفي الله الاستطاعة في العدل بين الزوجات من ناحية الميل القلبي ، وكان التكليف في حدود الإستطاعة ، عُلم أن الميل بعض الميل قلبيا لإحداهن جائز ، لكن الله استدرك هنا فنهي عن الميل كل الميل ، فهذا وإن تضمن بمفهوم المخالفة جواز الميل بعض الميل من الناحية القلبية ، لأن ذلك ليس في الإمكان الحيلولة دونه ، إلا أن ذلك لا يجوز أن يكون ذريعة لأن يهمل زوجته بإطلاق ، فلا يقربها فتصير كالمعلقة ، قال ابن جزي أي (لا ذات زوج ولا مطلقة)[48] ، فيكون قد ظلمها ، وحرمها من حقها في الزواج.
لكن يقيد هذا الحظر أن تكون الزوجة ليست بحاجة لمثل ذلك ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (خَشِيَتْ سَوْدَةُ أَنْ يُطَلِّقَهَا النَّبِيُّ r فَقَالَتْ لَا تُطَلِّقْنِي وَأَمْسِكْنِي وَاجْعَلْ يَوْمِي لِعَائِشَةَ) فَفَعَلَ ، فَنَزَلَتْ "فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ" فَمَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ كَأَنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ)[49].
ورواية البيهقي مفسرة لسبب هذا التنازل ومبررة لجوازه ، ففي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r طَلَّقَ سَوْدَةَ فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ أَمْسَكَتْ بِثَوْبِهِ فَقَالَتْ : مَا لِى فِى الرِّجَالِ حَاجَةٌ لَكِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُحْشَرَ فِى أَزْوَاجِكَ قَالَ فَرَجَعَهَا وَجَعَلَ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا فَكَانَ يَقْسِمُ لَهَا بِيَوْمِهَا وَيَوْمِ سَوْدَةَ"[50].
فقوله (فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ("كَالْمُعَلَّقَةِ "لَا هِيَ أَيِّمٌ وَلَا ذَاتُ زَوْجٍ)[51] ، ("والأيم" هي التي لا زوج لها)[52] أي لا هي كالثيب التي طلقت أو توفى عنها زوجها حيث لديها فرصة أن تتزوج بعده ، فإن صير حالها مثل ذلك فهو آثم بإطلاق ، وذلك أشبه بالانفصال الجسماني عن النصارى ، ولذلك أفتت دار الإفتاء المصرية بأن (أحكام الشريعة الإسلامية تجيز الطلاق والتطليق عند الضرورة وبالأسباب المشروحة في محلها من كتب الفقه، ولا تعرف التفريق الجسدي بين الزوجين، بل إنها حرَّمته واعتبرته هجرًا وإضرارًا بالزوجة يجيز لها طلب التطليق)[53]
لكن إذا تصالح معها على أن ينقصها بعض حقوقها المادية كالمبيت أو النفقة ....الخ ، فذلك من باب ارتكاب أخف الضررين إذا ارتضت هي تحمل ذلك الضرر ، بأن تتنازل عن بعض حقوقها مقابل ألا يطلقها كما هو الحال في شأن أم المؤمنين سودة رضي الله عنها ، لكن ليس له أن يمنعها حقوقها كاملة ، فيتركها كالمعلقة ، فهذا من باب ما لا يدرك كله لا يترك كله ، يعني يجب الاحتراز من أن يصطلحا على شيء يخالف مقتضى عقد الزواج ، كأن يصطلحا أن لا يأتيها مطلقا ، فهذا لا يجوز ويسقط الشرط لإبطاله مقتضى العقد ، فيبطل الشرط ويظل العقد صحيحا ، وذلك لقوله r (الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا)[54]، أما ما فعلته السيدة سودة فهو من طرف واحد وليس فيه ما يدل على حصول اتفاق ثنائي علي مثل هذا الإسقاط لحقها .
وفي تحديد المقدار المعتاد والطبيعي لممارسة العلاقة الخاصة بين الزوجين ، وأقل مدة له اختلف الفقهاء ، لكنهم متفقون على أن أطول مدة ذكرت أربعة أشهر التي هي مدة الإيلاء ، وذلك لقوله ( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة 227)
أما أقل مدة ذكرت فهو قول ابن حجر أقلها أربعة أيام ، قال (فيصطلحان على أن يجيئها كل ثلاثة أيام أو أربعة)[55]، باعتبار أنه له أن يتزوج أربعة ، فيبيت عند كل واحدة منهن ليلة ، وهذا قسم مادي في الإمكان فعله
أما المقدار الطبيعي الذي هو بين هذين الحدين لا إلى الأقل ولا إلى الأكثر ففيه تفصيل :-
قال ابن حزم (يجب على الرجل أن يجامع زوجته وأدنى ذلك مرة كل طهر إن قدر على ذلك؛ وإلا فهو عاص لقول الله تعالى (فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ) (البقرة:222) .
وَاخْتَارَ ابن تيمية: وُجُوبَ الْوَطْءِ بِقَدْرِ كِفَايَتِهَا ، مَا لَمْ يُنْهِكْ بَدَنَهُ ، أَوْ يَشْغَلْهُ عَنْ مَعِيشَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ بِمُدَّةٍ[56].
قوله (وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) ربط الصلح بالتقوى ، لأن الصلح لا يجدي بغير تقوى ، فإذا كان عنوان اجتماع الصلح إقامة حدود الله بالحفاظ على الأسرة والأولاد ، وبما بين الزوجين من فضل ، فذلك أدعى لأن يؤدم بينهما ، ويدوم المعروف ، شريطة أن يتذكرا ويعلما أن الله (كان غفورا رحيما) ، فما بدا من أحدهما من تقصير في حق صاحبه ، فإن الله تعالى يغفر لمن يتوب ، فلا يتعنت الآخر في أن يسامحه -سيما - إن كان في الصلح عوض.
وقد جاء هنا بالإصلاح وسبقه تقدم الأمر بالإحسان ، لأن الأصل هو الإحسان ، فإن تعذر فإن الواجب عندئذ لا يقل عن الإصلاح ، وكلاهما أي الإحسان والإصلاح مرهون تحقيقه بالتقوى ، ولذلك تكرر الأمر بها في كل مرة ، فلكي يؤتي الصلح ثماره لابد من تواضع كلاهما للآخر ، فلا يتعاليا على بعضهما البعض ، فمن درجات التواضع التي ذكرها ابن القيم (وأن تقبل من المعتذر معاذيره) يعني (أن من أساء إليك ثم جاء يعتذر من إساءته ، فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته حقا كانت أو باطلا وتكل سريرته إلى الله تعالى) [57]، وعلامة الكرم والتواضع : أنك إذا رأيت الخلل في عذره لا توقفه عليه ولا تحاجه)[58] ، ولذلك قال (لا تصح لك درجة التواضع حتى تقبل الحق ممن تحب وممن تبغض ، فتقبله من عدوك كما تقبله من وليك) [59].
قوله (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا) (130) وذلك إذا لم ينفع الصلح ، وتعذر استدامة الحياة الزوجية بالمعروف ، فالفراق في هذه الحالة أخف الضررين ، وهذا يتيح لكلاهما أن يغتنيا بفضل الله الواسع ، قال الشنقيطي (ذكر في هذه الآية الكريمة أن الزوجين إن افترقا أغنى الله كل واحد منهما من سعته وفضله الواسع، وربط بين الأمرين بأن جعل أحدهما شرطا والآخر جزاء)[60].
فليس بشرط أن يكون مُؤدى الصلح استمرار الحياة الزوجية ، بل قد يتصالحا على الطلاق ، فإذا حصل ذلك فهو خير من أن يفترقا دون تصالح ، منعا لنشوب عداء بينهما مستقبلا.
قال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134)
هذه الآية بمثابة تعقيب على الإيصاء برعاية اليتامى وإصلاح الأسرة ، فهي تعزي من أصيب بمصيبة الطلاق ، لعله يسترجع أن أمره كله لله ، وهذه الوصية كانت موجهة لأهل الكتاب من قبل ، وكان منهم من كانوا قدوة في هذه الأخلاق والمعاملات ، فهذه أمانات يوليها الله لمن هو أهلها في كل زمان ، ويذهب من ليسوا بأهلها ليستخلف غيرهم لحملها .
ففي قوله تعالي (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ.. ) (131) أسلوب اختصاص ، للتأكيد على استحقاق الله تعالى بالملك وسعة ملكوته ، لاسيما وقد تفرق الزوجان ، وأضحت الزوجة بلا عائل بعد طلاقها من زوجها ، والزوج بلا رفيقة للدرب ، ففي هذا الموقف لابد وأن يتذكر الزوجان أن الملك كله لله ، يهب منه ما يشاء لمن يشاء ، وينزع ما يشاء عمن يشاء ، فهذا يهبه زوجة ، وهذا يطلقه منها ، وهكذا تدور الأيام ، وكل يوم هو في شأن ، فذلك ابتلاء الله لعباده .
وفي تذكير الآية للمبتلى بالطلاق باختصاص الله بالملك فيه شيء من التعزية للمبتلى لعله يسترجع ، ويقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ويقول إنا لله وإنا إليه راجعون ، كما قال النبي r (إذا مات ولد العبد المؤمن قال الله لملائكته قبضتم ولد عبدي؟ قالوا: نعم, قال: قبضتم ثمرة فؤاده؟ قالوا: نعم, قال: فما قال؟ قالوا: استرجع وحمدك, قال: أبنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد)[61] .
فبعد الطلاق تحتاج المرأة لأن تتذكر صفة الله الملك ، فتسأل الله من فضله حتى يغنها بزوج خير منه ، وكذا الزوج عندما يسترجع لعل الله يعوضه خير منها ، فهو سبحانه مالك الملك ، و(الناس كلهم عيال على الله)[62]، فهو الذي يعولهم ويرزقهم من ملكه .
قوله (..وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ...) (131) قال أبو حيان والمعنى : (أن الوصية بالتقوى هي سنة الله مع الأمم الماضية ، فلستم مخصوصين بهذه الوصية)[63] ، وفي ذلك توبيخ لأهل النفاق أن يأخذوا من الإسلام اسمه ولا يتلزموا تعاليمه ، في حين أن بعض أهل الكتاب ممن كان قبلهم التزموا أحكام الإسلام ، بل كانوا يتسابقون فيما بينهم أيهم يكفل مريم ، قال تعالى (إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) (آل عمران/44) ، فراعوا حق المستضعفين من الولدان واليتامى، وفي ذلك مدح لهم يحملهم على أن ينظروا إلى دين الله تعالى وشريعة محمد r نظرة تحملهم على الاتباع لاتفاق الشريعتين فيما أمر الله به من القسط بين الناس ، وذلك متى كانوا أهل قسط وتقوى .
قوله (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا) (131) الكفر هنا مستعل في النعمة ، فهم يكفرون بنعم الله تعالى بالتفريط في حقوق الله ، والله تعالى جعل للمستضعفين حقوقا سماها له ، لأجل أن يكون أداءها شكر ومنعها كفر ، فتعظم الجريمة بذلك .
فالمال مال الله ، والله هو المالك علي الحقيقة لهذا المال ، والناس مستخلفون فيه ، فهو في أيدي الناس على سبيل الأمانة والاستخلاف ، قال تعالى﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾].الحديد: 7[.
فعَنْ خَوْلَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقُولُ (إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَهُمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[64]، قال ابن الأثير (أصل الخَوْض : المَشْيُ في الماء وتحرِيكُه ثم استُعمْل في التَّلبُّس بالأمر والتصرُّف فيه : أي رُبَّ مُتَصَرِّفٍ في مال اللّه تعالى بِمَا لا يَرْضاه اللّه ، والتَّخَوُّضُ : تفَعُّل منه . وقيل هو التَّخْليط في تَحْصيله من غير وجُهه كيْف أمْكَن)[65].
قوله (وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا) قال الألوسي (فاعلموا أنه سبحانه مالك الملك والملكوت لا يضره كفركم ومعاصيكم ، كما أنه لا ينفعه شكركم وتقواكم وإنما وصاكم وإياهم لرحمته لا لحاجته)[66] .
فهو سبحانه غني كما في الحديث القدسي (يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ)[67].
وهو سبحانه حميد لمن استرجع ، كما قَالَ رسول الله r (إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ مَاذَا قَالَ عَبْدِي فَيَقُولُونَ حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ فَيَقُولُ اللَّهُ ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ)[68].
قوله (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) (132) إعادة وتكرار لأسلوب الاختصاص للتأكيد على أن الله تعالى هو الذي يهب الملك لمن يشاء من فضله ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَوْنُهُ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ)[69] ، فانتبه أيها الساعي في مرضاة الله أن الوقت الذي يأذن الله لك فيه بالنكاح مكتوب ومقدر ، وليس لك إلا أن تسأل الله من فضله .
قوله (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) انتبه الخازن لتكرار أسلوب الاختصاص ثلاث مرات ، وألمح أن ذلك لا يخلو من فوائد فقال (ما الفائدة في تكرير قوله تعالى : (ولله ما في السموات وما في الأرض) قلت الفائدة في ذلك أن لكل آية معنى تخص به .
أما الآية الأولى فمعناها فإن لله ما في السموات وما في الأرض ، وهو يوصيكم بتقوى الله فاقبلوا وصيته ، وقيل لما قال تعالى : "وإن يتفرقا يغن الله كلاًّ من سعته" بيّن أن له ما في السموات وما في الأرض وأنه قادر على إغناء جميع الخلائق وهو المستغني عنهم .
وأما الآية الثانية فإنه تعالى قال : (وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض) والمراد أنه تعالى منزه عن طاعات الطائعين وعن ذنوب المذنبين وأنه لا يزداد جلاله بالطاعات ولا ينقص بالمعاصي ، وقيل لما بين أن له ما في السموات وما في الأرض وقال بعد ذلك : (وكان الله غنياً حميداً) فالمراد منه أنه تعالى هو الغني وله الملك ، فاطلبوا منه ما تطلبون فهو يعطيكم لأن له ما في السموات وما في الأرض .
وأما الثالثة فقال تعالى (ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ) أي فتوكلوا عليه ولا تتوكلوا على غيره ، فإنه المالك لما في السموات والأرض ، وقيل تكريرها تعديدها لما هو موجب تقواه لتتقوه وتطيعوه ولا تعصوه لأن التقوى والخشية أصل كل خير)[70].
وعندي والله أعلم أن الأولى للاسترجاع في مصيبة الطلاق كما بينا ، ثم الثانية جاءت بإيصاء المؤمنين وأهل الكتاب بالتقوى ، باعتبار أن أداء الحقوق للمستضعفين هو عين التقوى التي دعت إليه السورة ، وهو ملة الأنبياء من قبل ، ولو أصيب العبد بالمصيبة ، فإنه لا ينقص الناس حقوقهم ، كما هو حاصل حال الطلاق حيث يعطيها نفقة العدة والمتعة والرضاع والحضانة والمسكن ، ولا ينقصهن حقا في ذلك بعد أن يتفرقا .
وما يعني أن الثانية جاءت للتذكير بأداء الأمانات لاسيما وأن المال مال الله ، ولذلك جاء عقبه (وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا) ، ولذلك ذكر الكفر في هذا الموضع بما يعني أن منع الأمانات أقرب للكفر منه إلى غيره .
والثالثة لانتظار النكاح لمن رغب في العفاف ، لاسيما وأن الله وعد أن يغني كلا من سعته ، ولذلك جاء في عقبه (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) ، فمن يتوكل على الله حق توكله يغنيه ويعفه ويحصنه .
قوله تعالى (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا) (133) ذلك أن الله تعالى تعهد بحفظ حقوق الضعفاء والمستضعفين ، وذلك بأن وكل بها أناس ليسوا بها بكافرين ، قال تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ) (89) ، فإن لم ينهض المسلمون –اليوم - بواجباتهم وفروض الكفاية ، وأداء الأمانات إلى أهلها ، فإن الله تعالى يستبدل قوما غيرهم يقومون بأداء هذه الواجبات.
قوله (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) (134) لما كان أهل الحق منشغلون بأداء الواجبات والفروض العينية والكفائية ، فإن ذلك يزيد من كفاءتهم من تولي هذه المهام ، فيكونوا أقدر من غيرهم في حملها ، من هنا جاءت الإثابة من الله تعالى لهم في الدارين ، ففي الدنيا بالتمكين في الأرض ، والاستخلاف في مال الله ، وعنده خير من ذلك في الآخرة ، فالإسلام دين جاء لإصلاح الدنيا بالآخرة ، قال ابن عاشور (فإن الأدلة الشرعية دلت على أن إرادة خير الدنيا مقصد شرعي حسن، وهل جاءت الشريعة إلا إصلاح الدنيا والإعداد لحياة الآخرة الأبدية الكاملة)[71]، قال الله تعالى(فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ)[آل عمران: 148]
وفي ذلك احتراز من الفهم الخاطئ لتعاليم الإسلام ، وأنه مجرد شعائر تعبدية لا تمت لمصالح الدنيا بصلة أو أنه يتعذر الجمع بين الأمرين ، فأهل الآخرة مقصرون في إصلاح دنياهم ،أو أنهم وهبوا حياتهم للآخرة ولا حظ لهم في الدنيا ، وإنما الفهم الصحيح لهذا الدين أنه دين ودولة ، عقيدة وشريعة ، دنيا وآخرة ، ولا يستقيم دين المرء إلا بهذا الفهم .
ومع ذلك فالآخرة تحض المؤمن على أن يبتغي من عمل الدنيا ثواب الآخرة فهو خير من ثواب الدنيا ، قال ابن عطية (أي من كان لا رغبة له إلا في ثواب الدنيا ولا يعتقد أنّ ثمّ سواه فليس كما ظن ، بل عند الله ثواب الدّارين)[72]، قال ابن جزي (الآية : تقتضي الترغيب في طلب ثواب الآخرة ، لأنه خير من ثواب الدنيا ، وتقتضي أيضاً أن يطلب ثواب الدنيا والآخرة من الله وحده ، فإنّ ذلك بيده لا بيد غيره)[73].
وفي ذلك -كذلك-حض لأهل الكتاب – الذين يحبون الحياة على الموت في سبيل الله - وكذا أهل النفاق – الذين يبتغون الغنيمة من كل عمل - أن ينظروا إلى دين الإسلام والشريعة المحمدية نظرة تأمل فيما تحققه من مصالح دنيوية وأخروية في آن واحد ، لتتغير نظرتهم القاصرة على المصالح الدنيوية وحسب ، لما عندهم من تجاهل وتغافل عن النظرة الشاملة ، فيقارنوا ما وصلت إليه البشرية من خلال الشرائع والنظم الوضعية التي لم تضاهِ يومًا تحقيق شريعة الإسلام المصلحة الدنيوية في أبهى صورها ، فسعادة الإنسان هي سر تمتعه بالحياة الدنيا ، وتلك السعادة لا تشترى بالمال ولا السلطان ، ولكن بفضل الله تعالى على عباده المؤمنين ، فضلا عن المصالح الأخروية التي يتنظرها كذلك عباده المؤمنون ، قال الراغب: (فعند الله ثواب الدنيا والآخرة تبكيت للإنسان حيث اقتصر على أحد السؤالين مع كون المسؤول مالكاً للثوابين ، وحث على أن يطلب منه تعالى ما هو أكمل وأفضل من مطلوبه ، فمن طلب خسيساً مع أنه يمكنه أن يطلب نفيساً ، فهو دنيء الهمة)[74] .
أية الإيمان العملي الذي هو علامة صلاح المجتمع
الاصلاح بين بالقسط الناس دون محاباة لأهل أو عشيرة
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (136)
انتقلت الآيات من دائرة العناية بالأسرة وإصلاح شأنها إلى دائرة أوسع وهي العناية بالعائلة والأقربين ، فشرطت أن يكون الإصلاح بين الناس بالقسط ، لأن العصبية القبلية تحمل الناس على أن ينحازوا لأسرهم ويطمسوا حدود الله لأجل تحسين صورة القبيلة أمام الناس ، وليس ذلك من الإسلام في شيء ، فالإيمان بالله هو إيمان بما أنزله في الكتاب ، والكفر بالله هو عدم تطبيق شرع الله ، نعم المسألة فيها ابتلاء شديد علي المسلم أن يشهد على نفسه وعلي والديه أو الأقربين ، لكن عليه أن يتذكر أنه موقوف أمام الله يوم القيامة ، فالقسط والشهادة بالحق واجب على كل مسلم ، ومن يستهن بهذا الواجب فقد ضل ضلالا بعيدا .
قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ..)(135( صيغة "قوامين" تدل على الكثرة "، أي (عدم الإخلال بهذا القيام في حال من الأحوال)[75]، ذلك أن القسط هو منهج الإسلام ، ويقوم على ضمائر النفوس دون أن يكون الحق موثقا بشهادة أحد ، ولذلك أمر الله بالقيام له ، والإدلاء بالشهادة وعدم كتمها حتى وإن كانت شهادة على النفس ، قال تعالى (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (البقرة283) .
يقول الفقيه السوري علي بن شحود (فالعدل عند المسلم خلق من الأخلاق، وليس موقفًا من المواقف وهو ما يعني أن هذه صفة أصلية ثابتة يطبع الإسلام بها المسلم في كل أحيانه ؛ إذ العدل واجب من كل أحد على كل أحد في كل حال ، ومن العدل ألا نفرق بين المتماثلين، وأن لا نساوي بين المختلفين)[76].
فالقسط يعني العدل ، والعدل يعني مساواة أصحاب المراكز المتماثلة في الحقوق والحريات ، وفي ذلك قضت المحكمة الدستورية العليا (المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة ، ويعتبر هذا المبدأ ركيزة أساسية للحقوق والحريات على اختلافها وأساسا للعدل والسلام الاجتماعي ، وأن غايته صون الحقوق والحريات في مواجهة صور التمييز التي تنال منها أو تقيد ممارستها، باعتباره وسيلة لتقرير الحماية المتكافئة بين المراكز القانونية المتماثلة ، فإذا ما قام التماثل في المراكز القانونية التي تنظم بعض فئات المواطنين وتساويهم بالتالي في العناصر التي تكونها، استوجب ذلك وحدة القاعدة القانونية التي ينبغي تطبيقها في حقهم، فإن خرج المشرع على ذلك سقط في حمأة المخالفة الدستورية)[77].
فالمسلم العابد لله حقا لا يكترث كيف يشهد بالحق ؟ وعلى من يشهد ؟ يقوم بالشهادة على نفسه أو غيره على وجه سواء ، ولو على أقرب الأقربين كذلك ، ويقول النبي r (وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)[78] ، فيصرح بها دون ليٍّ في الأداء ، ويبادر بها دون طلب من القضاء ، فهو يؤدي الأمانة متجردا من الهوى ، ويشهد بالعدل لإحقاق الحق ، ولا يضيره على من يشهد ، ولو على نفسه .
وفي ذلك إشارة إلى ما فعله بنو إبيرق من كتم الشهادة على أخوهم طعمة بن إبريق ، بل والشهادة لصالح المتهم ظلما وعدوانا ، ورمي التهمة على غيره لتبرئته ، وقد كان الأولى بهم الشهادة عليه متى علموا بجرمه ، يقول النبي r (من أسخط الله في رضى الناس سخط الله عليه ، وأسخط عليه من أرضاه في سخطه ، ومن أرضى الله في سخط الناس رضي الله عنه ، وأرضى عنه من أسخط في رضاه حتى يزينه ويزين قوله وعمله في عينه)[79] .
وفي قوله (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا) تجريد الأحكام والشهادات من العواطف النفسية بما ينفي أن يكون لأحد عذر في الدفاع عن باطل والذب عن أهله وتحسين أمرهم بالتماس العذر لهم ، والاحتجاج لهم بأنهم أهل فاقة وفقر ، كما فعل الذي ذبوا عن بني أبيرق [80] وقد كان معروف عنهم أنهم أهل فاقة وفقراء ، إذ لو جاز للفقير أن يسرق لما لعنه النبي r في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ)[81]، (المراد بها بيضة الحديد - يعني الخُوذّة[82]-، وحبل السفينة – (وذهب كثيرون من المحققين إلى أن المراد بالعقال الحبل الذى يعقل به البعير) [83]-، (وكل واحد منهما يساوي أكثر من ربع دينار)[84]، قال السندي (الحديث مسوق لتحقير المسروق وتعظيم عقوبة السارق)[85] .
كذلك في الفرض العكسي لا ينبغي أن يكون الغنى سببا لإعفاء الجاني من العقوبة حفاظا على سمعته ، لقوله r (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ)[86]
ولا يحاج أحد في هذا السياق بقول النبي r (أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم)[87] فذلك محمول على أنهم تعثروا في ذنوب صغيرة لا تصل إلى الجرم المشهود ، أو إصابة حد من الحدود ، وإلا لما قال النبي r (وَإِنِّي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)[88] ، جاء في شرح في قوله (ذوي الهيئات) أي (أهل المروأة والخلال الحميدة التي تأبى عليهم الطباع وتجمح بهم الإنسانية والأنفة أن يرضوا لأنفسهم بنسبة الشرّ إليها) ، وقوله (عثراتهم) أي (ارفعوا عنهم العقوبة على زلاتهم فلا تؤاخذوهم بها (إلا الحدود) إذا بلغت الإمام وإلا حقوق الآدمي فإنّ كلا منهما يقام ، فالمأمور بالعفو عنه هفوة أو زلة لا حدّ فيها ،وهي من حقوق الحق والخطاب للأئمة ومن في معناهم)[89]
وفي قوله (فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا ) قال ابن القيم (كان السلف يسمون أهل الآراء المخالفة للسنة وما جاء به الرسول في مسائل العلم الخبرية وأهل مسائل الأحكام العملية يسمونهم : أهل الشبهات والأهواء ، لأن الرأي المخالف للسنة جهل لا علم ، وهوى لا دين ، فصاحبه ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ، وغايته الضلال في الدنيا والشقاء في الآخرة..، والهوى المنهي عن اتباعه كما يكون هو هوى الشخص في نفسه ، فقد يكون أيضا هوى غيره فهو منهي عن اتباع هذا وهذا لمضادة كل منهما لهدى الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه)[90].
فعن جابر بن عبد الله أنه قال : أفاء الله عز وجل خيبر على رسول الله r فأقرهم رسول الله r كما كانوا ، وجعلها بينه وبينهم ، فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم – أي قدَّر ثمارها ليستقطع منها حق رسول الله r - ثم قال لهم يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إلي قتلتم أنبياء الله عز وجل وكذبتم على الله وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم -(وأقسم ألا يحيف عليهم بسبب البغض، ولا أن يحابي رسول الله بسبب المحبة)[91]- قد خرصت-أي قدرت- عشرين ألف وسق من تمر ، فإن شئتم فلكم وإن أبيتم فلي، فقالوا بهذا قامت السماوات والأرض)[92] -أي : (بالأمانة ورفض الرشوة)[93]- قد أخذنا فاخرجوا عنا)[94].
وقد بين صاحب الظلال أن صنوف الهوى شتى (فحب الذات هوى ، وحب الأهل والأقربين هوى ، والعطف على الفقير - في موطن الشهادة والحكم - هوى ، ومجاملة الغني هوى ، ومضارته هوى ، والتعصب للعشيرة والقبيلة والأمة والدولة والوطن - في موضع الشهادة والحكم - هوى ، وكراهة الأعداء ولو كانوا أعداء الدين - في موطن الشهادة والحكم - هوى . . وأهواء شتى الصنوف والألوان . . كلها مما ينهى الله الذين آمنوا عن التأثر بها والعدول عن الحق والصدق تحت تأثيرها) .
وفي قوله (وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) قال الزمخشري (وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل ، أو تعرضوا عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها)[95] ، فإن ذلك ليس بالقسط المطلوب .
وهاتان الصورتان من صور تضليل العدالة تكون بالفعل الإيجابي ، وذلك بليِّ اللسان بالباطل ، أي تلبيس الحق بالباطل ، كأن يشهد بكلام ظاهره الصدق لكنه ينطوي على تضليل ، كأن يقول الصدق ثم يقول لست متيقنا أنه هو فيبطل شهادته بالشك أو يقول أظنه هو أو يقول اعتقد أو خال لي أو تراءى لي ...الخ ... وهكذا يبطل شهادته بصيغ التمريض كقوله قيل ، سُمع ، حُكي ، فلا يجزم بشهود الواقعة ، فلي اللسان ينطوي على تحريف للواقعة محل الشهادة ، قال ابن حجر (صيغة التمريض لا تستفاد منها الصحة) [96] ، قال الألباني (صيغ الجزم موضوعة للصحيح أو الحسن وصيغ التمريض لما سواهما)[97].
وقد تكون في صورة سلبية بالامتناع عن تقديم الأدلة والإدلاء بالشهادة أمام القاضي ، وكلاهما فعلان مذمومان ، وقد مدح النبي r من يتقدم للإدلاء بشهادته أمام القضاء دون أن يطلب منه أحد أن يتقدم لذلك ، فعنِّ النَّبِيَّ r قَالَ (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا)[98] .
يقول المستشار عبد القادر عودة (والقوانين الوضعية اليوم تأخذ بنظرية الشريعة في تحريم شهادات الزور أو كتمان الشهادة، ولكنها لم تصل بعد إلى تحريم الامتناع عن تحمل الشهادة ، ولا شك أن الشريعة تتفوق على القوانين الوضعية من هذه الوجهة، فإن المصلحة العامة تقضي بالتعاون على حفظ الحقوق وبتسهيل المعاملات بين الناس، والامتناع عن تحمل الشهادة يقضي إلى تضييع الحقوق، ويؤدي إلى تعقيد المعاملات وبطئها، وهناك عقود لابد فيها من حضور الشهود كعقد الزواج ، فإذا كان الامتناع عن تحمل الشهادات مباحاً تعطلت هذه العقود) [99]، ففي مثل هذا الفرض يؤدي كتمان الشهود لواقعة الزواج أو الامتناع عن أدائها بمثابة جريمة حيث يترتب على ذلك أن يحد الزوجان ، فإذا حصل ذلك لم يتجرأ أحد على الزواج وبطلت الشهادة ، وعندئذ يلجأ الناس لاتخاذ خليلات وأخدان .
كما يكون اللي والإعراض من جهة الشاهد ، فإنه يكون كذلك من جهة القاضي ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في قَوْلَهُ: "وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا " ، قال:"الرَّجُلانِ يَقْعُدَانِ عِنْدَ الْقَاضِي، فَيَكُونُ لَيُّ القاضي وَإِعْرَاضُهُ لأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ عَلَى الآخَرِ"[100]،أي (تَشَدّدُه وصلابَتُه)[101]، فمن آداب مجلس القضاء وواجبات القاضي في مجلس القضاء أن يعدل بين الخصوم في لفظه وإشارته ومقعده[102] ، (فلا يرفعن صوته على أحد الخصمين ما لا يرفع على الآخر)[103].
ولذلك روي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r قَالَ (الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ اثْنَانِ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ جَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ لَقُلْنَا إِنَّ الْقَاضِيَ إِذَا اجْتَهَدَ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ)[104] .
وعليه فإن جملة مبادئ يتعين على القاضي الالتزام بها في مجلس قضائه حتى يكون منصفا وعلى الحياد بين الخصوم ، قد جمعها كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري (أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فأفهم إذا أدلى إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له ..
- آس بين الناس في مجلسك ووجهك وعدلك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا يخاف ضعيف جورك
- البينة على من إدعى واليمين على من أنكر
- الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا
- لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق فإن الحق قديم وإن الحق لا يبطله شيء ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل
- الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما يبلغك في القرآن والسنة
- اعرف الأمثال والأشباه ثم قس الأمور عند ذلك فاعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى
- واجعل للمدعي أمدا ينتهي إليه فإن أحضر بينة وإلا وجهت عليه القضاء فإن ذلك أجلى للعمى وأبلغ في العذر
- المسلمون عدول بينهم بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد أو مجربا في شهادة زور أو ظنينا في ولاء أو قرابة فإن الله تولى منكم السرائر ودرأ عنكم بالبينات
- ثم إياك والضجر والقلق والتأذي بالناس والتنكر للخصوم في مواطن الحق التي يوجب الله بها الأجر ويحسن بها الذكر فإنه من يخلص نيته فيما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس ومن تزين للناس بما يعلم الله منه غير ذلك شانه الله)[105].
قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ..) (136) قال الرازي (في اتصال هذه الآية بقوله : ( كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط) وذلك لأن الإنسان لا يكون قائماً بالقسط إلا إذا كان راسخ القدم في الإيمان بالأشياء المذكورة في هذه الآية)[106].
والخطاب هنا لمن ادعى الإيمان سواء من المسلمين لاسيما ممن فيه خلصة من النفاق أو من أهل الكتاب فتدعوهم الآية للإيمان الحق ، ولعلهم جميعا يؤمنون الإيمان الصحيح الذي تدعوهم إليه الآيات [107].
كما يشمل الخطاب الذين آمنوا حقا ، يقول ابن كثير (يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه)[108] ، يقول الإمام الشعراوي (والحق هنا يخاطب مؤمنين ومنافقين وأهل كتاب، وهذا يقتضي أن يبحث المؤمن بالله عن مطلوب الله)[109] .
أي أن فحوى الخطاب شمل المنافقين الذين آمنوا في الظاهر أملا في أن يخلصوا دينهم لله ، فيتطابق ما في قلوبكم مع ما يقولونه بألسنتكم ، كما شمل الخطاب المؤمنين ليستديموا على إيمانهم ، وتضمن –كذلك- المؤمنين بالتوراة والإنجيل من أهل الكتاب ليؤمنوا بكل رسول وبكل كتاب .
فتكون هذه الآية خير ختام لما تقدم من وجوب القيام بالقسط والشهادة لله ، وخير بداية للحديث عن المنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، وكذا أهل الكتاب الذي تعطلهم المادية عن الإيمان بالغيب وبالله الدين الحق .
قوله (...وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (136( عددت الآية من أركان الإيمان الستة خمسا فقط ، (الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر) ، داعية الناس أن يؤمنوا بها جميعا ، لينصلح حال المسلم بها ظاهرا ، وينأى بنفسه عن الضلال البعيد ، وعقبت على ذلك بأن من يكفر بأي شيء مما ذُكر في هذه الآية فقد كفر بالله ، لكنها لم تذكر "الإيمان بالقدر" وهو الركن السادس من أركان الإيمان
يعزى ذلك إلى أن الإيمان بالأمور الخمسة المذكورة في الآية تعني بالإيمان الاعتقادي والقلبي ، فهي مرتبة واحدة إما إيمان وإما كفر ، فإذا اختل عند المسلم شيء من الخمس الأول المذكورين في الآية فقد كفر اعتقادا ، فلا يؤمن من لا يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، بل يكفر اعتقادا.
أما الإيمان بالقضاء والقدر ، فهو إيمان عملي ، حيث يتطلب العلم والعمل معا أي الرضى بقضاء الله وقدره ، فأما العلم فبإثبات علم الله القديم بما يعمله العاملون ، وكتابة الأقدار في اللوح المحفوظ ، وأن كل شيء يجري وفق مشيئته ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وأن الله خالق أفعال العباد فهو صاحب الخلق والتكوين ، هذا من حيث العلم ، والكفر بأي من ذلك كفر ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَأَنَّ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ)[110] .
وأما الإيمان العملي بالقدر فهو على درجات ومراتب ، ومن رحمة الله أن يبتلى المرء على قدر دينه ، ولذلك لم يُكفِّر النبي r من لم تُسلِّم أمرها لقضاء الله وقدره عندما فوجئت بموت ابنها ، وقد قال لها رسول الله r (اتق الله واصبري) فلم تصبر ، وقالت (إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي) ، فلما علمت أنه رسول الله r قالت (لم أعرفك) ، فقال لها (إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى)[111] ، فإذا تحلى المرء بالتسليم بالقضاء والقدر خيره وشره اكتمل عنده الإيمان ، فالإيمان به يعني عدم التسخط ، والصبر على المصيبة والرضا بها ، وشكر الله عليها ، وهذه المرتبة تحتاج لتأهيل عملي وتربوي ، فإذا تحقق اكتمل بذلك الإيمان .
فإذا عدنا إلى سياق الآية نجد أن الذي يبتلى بالشهادة على نفسه أو الوالدين أو الأقربين لابد وأن يسلم بالقضاء والقدر ، ولو أنه سلم بذلك لأدى الشهادة على وجهها دون تردد ، رغم أنه ليس مصيبة أشد على المرء من أن يشهد على من يحبه ، ويقتص منه للمظلوم ، ولذلك فإذا ابتلى العبد بالشهادة على أحد أقاربه فصبر وأداها فذلك دليل اكتمال إيمانه ، ولذلك قال النبي r (وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)[112] ، فإن لم يصبر ونكل فذلك لضعف إيمانه بالقدر .
[1] ) السيوطي : الديباج على مسلم ج6 ص 325 – شرح النووي على مسلم ج18 ص 157 – ويقال للنخلة عذق إذا كانت بحملها وللعرجون عذق إذا كان تاما بشماريخه وتمره ، انظر : (القاضي أبو الفضل عياض : مشارق الأنواع على صحاح الآثار ج2 ص 71)
[2] ) رواه البخاري ج14 ص 109 رقم 4234
[3] ) شرح النووي على مسلم ج18 ص 150
[4] ) وقد أشار أبو حيان إلى قرب من هذا المعنى : انظر البحر المحيط ج4 ص 289
[5] ) رواه البخاري ج6 ص 50 رقم 1834
[6] ) شرح سنن أبي داود ج12 ص 124
[7] ) رواه البخاري ج21 ص 310 رقم 6454
[8] ) رواه أبو داود ج 5 ص258 رقم1628 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج6 ص 154
[9] ) رواه الحاكم ج1 ص 171 رقم 318 / فقه السيرة ج1 ص 456
[10] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 373
[11] ) رواه مسلم ج14 ص 307 رقم 5337
[12] ) رواه مسلم ج14 ص 306 رقم 5336
[13] ) ) رواه البخاري ج8 ص 401 رقم 2314
[14] ) تفسير الإمام أبو زهرة : زهرة التفاسير ص 1880 مراجعة : مجمع البحوث الإسلامية
[15] ) تفسير الإمام أبو زهرة : زهرة التفاسير ص 1880 مراجعة : مجمع البحوث الإسلامية
[16] ) انظر في هذا المعنى تفسير ابن كثير ج2 ص 426
[17] ) رواه البخاري ج9 ص 198 رقم 2497
[18] ) صحيح البخاري ج14 ص 110
[19] ) رواه البخاري ج14 ص 111 رقم 4235
[20] ) محمد الفضيل الشبيهي : الفجر الساطع على الصحيح الجامع ج5 ص 67
[21] ) بدر الدين العيني : عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج19 ص 258
[22] ) رواه أبو داود ج6 ص 35 رقم 1823 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج6 ص 352
[23] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 145 رقم 399 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ورواه البخاري في صحيحه ج19 ص 22 رقم 5613 ، ومسلم ج12 ص 417
[24] ) رواه مسلم 12 ص 412 رقم 4640
[25] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 282 رقم 811 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 303
[26] ) رواه أبو داود ج6 ص 86 رقم 1860 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج 6 ص 385
[27] ) رواه النسائي في سننه الكبرى ج5 ص 385 رقم 9214 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج1 ص 323 رقم 324
[28] ) رواه البخاري مرفوعا ج9 ص 194 رقم 2495
[29] ) رواه ابن ماجة ج7 ص 162 رقم 2344 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 41 رقم 1905
[30] ) رواه البخاري ج7 ص 344 رقم 1996
[31] ) أي نام معهم نومة القيلولة
[32] ) رواه أحمد ج6 ص 337 رقم 26908 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج13 ص 7 رقم 2305
[33] ) كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ج13 ص 705 رقم 37807
[34] ) صحيح البخاري ج14 ص 110
[35] ) رواه أبو داود ج6 ص 33 رقم 1821 وصححه الألباني صحيح أبي داود ج6 ص 351 رقم 1851
[36] ) رواه الترمذي ج4 ص 439 رقم 1111 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج3 ص 190 رقم 1190
[37] ) رواه مسلم ج7 ص 439 رقم 2703
[38] ) البحر المحيط ج4 ص 294
[39] ) البحر المحيط ج4 ص 294
[40] ) ضعيف مرفوعا ، رَوَاهُ اَلْأَرْبَعَةُ , رواه أبو داود ( 2134 ) ، والنسائي ( 7 / 64 ) ، والترمذي ( 1140 ) ، وابن ماجه ( 1971 ) وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ( 1305 ) وَالْحَاكِمُ ( 2 / 187 ), وَلَكِنْ رَجَّحَ اَلتِّرْمِذِيُّ إِرْسَالَه ، عن أبي قلابة مرسلاً ؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقسم . وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة " . قلت : وبمثل ما أعلَّه الترمذي أعلَّه غير واحد من جهابذة الحفاظ كأبي زرعة ، وابن أبي حاتم ، كما تجده في " العلل " ( 1 / 425 / 1279 ). انظر بلوغ المرام لابن حجر ج1 ص 415
[41] ) الشرح الكبير لابن قدامة ج8 ص 151
[42] ) تيسير العلام شرح عمدة الحكام للبسام ج2 ص 69
[43] ) سبل السلام ج3 ص 162
[44] ) كتاب القواعد الفقهيئة وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة : مصطفى الزحيلي : القاعدة 154 ص 658
[45] ) رواه البخاري ج1 ص 334 رقم 191
[46] ) رواه أبو داود ج6 ص 33 رقم 1821 وصححه الألباني صحيح أبي داود ج6 ص 351 رقم 1851
[47] ) سبل السلام ج3 ص 162
[48] التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 311 تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 388 ". وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَالسُّدِّيِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، نَحْوُ ذَلِكَ.
[49] ) رواه الترمذي ج10 ص 302 رقم 2966 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج7 ص 40
[50] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج7 ص 75 رقم 13817
[51] ) صحيح البخاري ج14 ص 110
[52] ) فتح الباري لابن حجر ج8 ص 265
[53] ) https://www.dar-alifta.org/ar/fatwa/details/14708
[54] ) رواه الترمذي ج5 ص 199 رقم 1272 وصححه الألباني والشيخ أحمد شاكر ، انظر صحيح وضعيف سنن الترمذي للألباني ج3ص352 رقم 1352 وصحيح ابن ماجة 2353
[55] )فتح الباري ج8 ص 266
[56] ) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل : للمرداوي ج8 ص 261
[57] ) كما فعل رسول الله في المنافقين الذين تخلفوا عنه في الغزو فلما قدم جاءوا يعتذرون إليه فقبل أعذارهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى
[58] ) بل قل يمكن أن يكون الأمر كما تقول ولو قضى شيء لكان والمقدور لا مدفع له ونحو ذلك
[59] ) مدارج السالكين ج2 ص 337
[60] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج1 ص 318
[61] ) رواه ابن حبان ج7 ص 210 رقم 2048 السلسلة الصحيحة المجلدات ج3 ص 482 رقم 1408
[62] ) انظر تصحيح الشيخ ابن عثيمين لهذه المقولة وتفسيره معناها : https://www.youtube.com/watch?v=rwyrGwn8uVg
[63] ) البحر المحيط ج4 ص 296
[64] ) رواه البخاري ج10 ص 360 رقم 2886
[65] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 178
[66] ) تفسير الألوسي ج4 ص 259
[67] ) رواه مسلم ج12 ص 455 رقم 4674
[68] ) رواه الترمذي ج4 ص 154 رقم 942 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة ج1 ص 175
[69] ) رواه النسائي ج10 ص 172 رقم 3069 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج7 ص 192
[70] ) تفسير الخازن ج2 ص 190
[71] ) التحرير والتنوير ج3 ص 241
[72] ) البحر المحيط ج4 ص 299
[73] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 312
[74] ) البحر المحيط ج 4 ص 299
[75] ) التحرير والتنوير ج4 ص 275
[76] ) علي بن نايف الشحود : المفصل في شرح الشروط العمرية ج2 ص 225
[77] ) حكم المحكمة الدستورية المصرية العليا في القضية رقم 175 لسنة 16 ق جلسة 14/1/2007
[78] ) رواه البخاري ج11 ص 294 رقم 3216
[79] ) المعجم الكبير ج11 ص 268 رقم 11722
[80] ) تفسير الطبري ج9 ص 301
[81] ) رواه البخاري ج21 ص 39 رقم 6285
[82] ) النهاية في غريب الأثر ج1 ص 451
[83] ) شرح النووي على مسلم ج1 ص 208
[84] ) إيقاظ الأفهام في شرح عمدة الأحكام ج3 ص 70 – التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج2 ص 569
[85] ) حاشية السندي على النسائي ج8 ص 65
[86] ) رواه مسلم ج9 ص 54 رقم 3196
[87] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 165 رقم 465 وصححه الألباني صحيح الأدب المفرد ج1 ص 191
[88] ) رواه مسلم ج9 ص 55 رقم 3197
[89] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج1 ص 396
[90] ) إغاثة اللهفان ج2 ص 139
[91] ) شرح بلوغ المرام للشيخ عطية محمد سالم دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية ، درس 124 ص 8
[92] ) رواه أحمد ج3 ص 367 رقم 14996 ، وقال شعيب الأرنؤوط إسناده قوي على شرط مسلم ، وصححه الألباني : إرواء الغليل ج3 ص 281 – غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام ج1 ص 264 رقم 459
[93] ) شرح بلوغ المرام للشيخ عطية محمد سالم دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية ، درس 124 ص 8
[94] ) رواه أحمد ج3 ص 367 رقم 14996 ، وقال شعيب الأرنؤوط إسناده قوي على شرط مسلم ، وصححه الألباني : إرواء الغليل ج3 ص 281 – غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام ج1 ص 264 رقم 459
[95] ) الكشاف ج1 ص 474
[96] ) الحافظ عبد الغني المقدسي : تذكرة المؤتسي ج1 ص 229
[97] ) الدفاع عن الحديث النبوي ج1 ص 47 ، تمام المنة ج1 ص 39
[98] ) رواه مسلم ج9 ص 121 رقم 2344
[99] ) التشريع الجنائي في الإسلام ج1 ص 71
[100] ) تفسير ابن بي حاتم ج4 ص 397 ، مصنف ابن أبي شيبة ج7 ص 228
[101] ) النهاية في غريب الأثر ج4 ص 571
[102] ) في هذا المعنى المعجم الكبير للطبراني ج23 ص 286 رقم 19875
[103] ) أَبُوبَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِِ حَيَّانَ بْنِِ صَدَقَةََ الضَّبِّيّ البَغْدَادِيّ, المُلَقَّب بِـ"وَكِيع"(المتوفى سنة 306هـ) : أخبار القضاة ج1ص82 ، ندوة القضاء الشرعي في العصر الحاضر الواقع والمؤمول الفترة الواقعة بين 12-13-14 ربيع الأول 1427هـ.
[104] ) رواه ابن ماجة ج7 ص 104 رقم 2306 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 34 رقم 1873
[105] ) رواه الدارقطني في سننه ج4 ص 207 رقم 16 وأشار الألباني إلى تصحيحه في إرواء الغليل ج8 ص 360
و هذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين , لكنه مرسل , لأن سعيد بن أبى بردة تابعى صغير روايته عن عبد الله بن عمر مرسلة فكيف عن عمر . لكن قوله : " هذا كتاب عمر" . وجادة و هى وجادة صحيحة من أصح الوجادات , و هى حجة .
[106] ) تفسير الرازي ج5 ص 410
[107] ) أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 307 ، تفسير البحر المحيط ج4 ص 296
[108] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 434
[109] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1874-1876
[110] ) رواه الترمذي ج8 ص 36 رقم 2070 وصححه الألباني ج5 ص 144 رقم 2144
[111] ) رواه البخاري ج5 ص 29 رقم 1203
[112] ) رواه مسلم ج14 ص 280 رقم 5318
-
الاحد PM 01:27
2026-01-25 - 142



