ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
التضامن الدولي والعسكري
د / احمد نصير
المبحث الثالث
المرحلة الثالثة للجهاد
التضامن الدولي والعسكري" لحماية الأقليات المستضعفة
الآيات من (97-126)
قال تعالى (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96) إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104)
وفي ذلك مطلبين : -
الأول : استنفار المسلمين على المستوى الدولي لنصرة المستضعفين في دار الحرب
الثاني : جهاد المستضعفين لنصرة أنفسهم واجب عليهم
تحث الآيتان (95 ، 96) المسلمين في هذه المرحلة على قتال الطلب متى كانت فيهم الكفاية لأداء تلك الفريضة ، حيث يظهر مفهوم هذا النوع من الجهاد من خلال النظر إلى أغراضه ، وأن ثمة أقليات مستضعفة لا تتمتع بحقوقها في ظل حكام ظالمين ، ومن ثم استنهضت همم المجاهدين ، وأعلت من شأن المؤدين لهذه الفريضة درجة عن الذي يقعد عنها ولم يكن من أصحاب الأعذار كالمصابين المضرورين .
وخاطبت الآيات من (97-104) فئة من المستضعفين يعيشون بين أظهر المشركين اضطرارا ، لا بقصد استحقاقها النصرة ، بل بقصد تبكيتها لأنها لم تتخذ مواقف إيجابية تجاه الظلم ، وألقت باللوم عليها– وإن كانت من المستضعفين - لأنها ركنت للعيش بين أظهر الكافرين ، الذين يضطهدونهم في دينهم ، وكان واجبا عليها أن تجتهد في إنكار المنكر في هذا المجتمع ، فإن لم تقدر على ذلك ، فأقل ما يمكن أن فعله أن تهجر هذه الديار ، ولذلك حضتهم على الهجرة إلى دار الإسلام فرارا بدينهم من ظلم هؤلاء الحكام ، غير آبهة بأموالهم ولا بديارهم وأهلهم ، فكل شيء يهون لأجل إعلاء كلمة الله ، فإنهم إن فعلوا ذلك فسيجدون سعة في أمر دينهم ودنياهم ، وليس لآحاد المستضعفين أن يحتج بضعفه متى كان في إمكانه الهجرة من دار الكفر ، فهي واجبة عليهم وإن فقدوا أموالهم وديارهم ، ويغدو هذا الخروج وتلك الهجرة هو جهادهم في سبيل الله آخذين بأسباب النصر ، وإن فارقوا الأوطان التي ترعرعوا فيها وتربوا ، فالسفر والخروج من دار الكفر والتضييق على المسلمين إلى أرض الإسلام واجب شرعا ، بل هو جهاد في سبيل الله.
ومن جهة أخرى لابد لهذه الفئة أن تعي وتفهم طبيعة هذه المرحلة ، ذلك أنها متى أنكرت المنكر ولو بالقلب ، وحاولت الهجرة من أوطانها فرارا بدينها ، باعتبار أن ذلك بأقل ما تملكه من صور المقاومة والجهاد ، فإن أعداء الله لن يتركوهم بسلام ، فكان من المناسب أن تلتفت الآيات إلى أهمية الصلة بالله تعالى لاسيما في ظل أحرج الأوقات التي يتربص فيها أعداء الله بالمسلمين ، (اعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة) ، فهؤلاء المستضعفون لا يملكون من أسباب النصر إلا الصلاة ، وتلك هي أول أسباب النصر .
ولأجل ذلك أشارت الآيات إلى صلاة القصر حال الخوف ، وصلاة الحرب وضرورة التزام المسلمين بصلاة الجماعة مع الأخذ بالنظام والتوقيت المناسب فضلا عن اليقظة والحذر وقبض السلاح وادخار المتاع ، كل ذلك من الأسباب التي يأخذ بها المسلم والقلب متعلق بالله رب الأسباب لا على الأسباب ذاتها ، ثم إنه ليتحين الفرص لأن يطمئن في عبادته لله ، فيتحقق معنى الجهاد الرباني ، متجردا عن صور القتال لأجل الحمية أو العصبية القبلية ، وهنا ينقلب الألم إلى صبر ، والجرح إلى عزم ، والخوف إلى أمن ، فيصير جند الله راضين بحكم الله وقضائه ، في حين أن أعداء الله لا يرضون ويجزعون من الألم ، فإن أصابهم أذى رأيتهم أكثر خورا وجبنا ، وخوفا واستسلاما ، وعندئذ تميل أسباب النصر لمن يرضى ويصبر ، ذلك أن النصر صبر ساعة ، فأهل الإيمان إن أصابهم أذى فإنهم يحتسبون عليه الأجر والمثوبة من الله ، فتحملهم للأذى لأجل الثواب يجعلهم أكثر صبرا وإقداما ، ويصير ثبات المسلمين على إيمانهم أهم مفاتيح النصر مهما طال الزمان .
المطلب الأول
استنفار المسلمين على المستوى الدولي لنصرة المستضعفين في دار الحرب
ففي قوله (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (96) هذه الآية دليل على أن جهاد الطلب فرض كفائي ، وليس بمتعين مثل جهاد الدفع ، قال ابن القيم (جهاد الدفع يقصده كل أحد ، ولا يرغب عنه إلا الجبان المذموم شرعا وعقلا ، وجهاد الطلب الخالص لله يقصده سادات المؤمنين)[1].
ذلك أن حماية دار الإسلام واجب على كل عين ، أما الجهاد في دار الحرب والكفر وغزوهم في ديارهم ففيه سعة ، لأنه يحتاج لتجهيز وعدة ، فيجوز أن ينتدب إليه البعض ويقعد عنه آخرون ليقوموا بباقي فروض الكفاية ، رغم ما بينهما من تفاوت في الثواب ، فيبادر أهل الهمم بالإقبال على جهاد الطلب متخففين من أعباء الدنيا .
وقد يقعد عن جهاد الطلب أصحاب الأعذار والمضرورين ، ورغم ذلك ينالون الأجر بالنية ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ بِالْمَدِينَةِ رِجَالًا مَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا وَلَا سَلَكْتُمْ طَرِيقًا إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ)[2] ، وفي رواية قَالَ رسول الله r ( إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ حَبَسَهُمْ الْمَرَضُ)[3] ، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r (رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنَا مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالَ إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ قَالَ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ)[4] .
أما من ينتدبهم ولي الأمر لأداء فروض أخرى مثل طلب العلم وتعليم الناس ، والاهتمام بالشئون الداخلية في دار الإسلام ، فهؤلاء كذلك فيستويان في الثواب مع المجاهدين ، كما قال رسول الله r (السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ)[5].
وقد روي في سبب نزولها إضافة استدراك (غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ) ، فعَنْ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r أَمْلَى عَلَيْهِ (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) ، (وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهْوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ وَكَانَ أَعْمَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ r وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ (غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ) [6] ، وكان النبي r ينتدب عبد الله بن أم مكتوم على المدينة عند الغزو ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ r اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ)[7]
أما من لم ينتدب لهذا ولا ذاك فقد تأخر عن هذا الفضل درجة ، وفاته الأجر العظيم ، فهي درجة في العمل ودرجات عند الله من المغفرة والرحمة في الثواب ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ يَا أَبَا سَعِيدٍ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ ، فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ فَقَالَ أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَفَعَلَ ثُمَّ قَالَ وَأُخْرَى يُرْفَعُ بِهَا الْعَبْدُ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ قَالَ وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[8].
قال ابن القيم الجوزية (جهاد الطلب الخالص – أي ليس فيه أي وجه من أوجه الدفع - فلا يرغب فيه إلا أحد رجلين ، إما عظيم الإيمان يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله ، وإما راغب في المغنم والسبي)[9].
المطلب الثاني
جهاد المستضعفين لنصرة أنفسهم واجب عليهم
وفيه أربع مسائل :-
- حكم بقاء المستضعفين في دار الكفر
- الهجرة في سبيل الله
- صلاة القصر عند السفر
- صلاة الخوف عند القتال
المسألة الأولى : حكم بقاء المستضعفين في دار الكفر
وفي قوله (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (97) هذه الآية تلقي باللوم على الأقليات المستضعفة أنهم ظلوا في استكانة واستضعاف ، وهم لم يعدموا الحيلة ولا القدرة أن ينكروا على الظالم أو يقاوموا ظلمه ، بيد أنهم ارتضوا الحياة الدنيا بصورة من الاستكانة والضعف وتجاهل لكافة ألوان الظلم والصد عن سبيل الله بلا مقاومة تذكر ، متناسين إخوانهم المجاهدين في دار الإسلام ، وتكاسلوا أن ينضموا لهم استجابة لنداء الشارع إليهم بالهجرة لأرضهم ، الوطن الجديد .
قال العلماء (الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت ، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية ، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر والخروج في طلب العلم والفرار بالدين من الفتن والنية في جميع ذلك) [10]، ذلك أن الأرض لله يورثها لمن يشاء ، وأينما يولوا فثم وجه الله ، لكن المستضعفين المستكينين تناسوا أن إنكار المنكر واجب على كل المسلم ، وكذا مقاومة كافة صور الظلم أينما كان ووقع .
قال رسول الله r (مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ بِيَدِهِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) [11] ، فأقل صور إنكار المنكر المستشري في دار الكفر أو الحرب أن يهجر المسلم منكرهم ، ولا يجالسهم ، قال رسول الله r (لا تساكنوا المشركين ، ولا تجامعوهم ، فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا)[12] ، وغايته من ذلك أن يفر بدينه إلى دار الإسلام متى ظن أن شرع الله وحدوده تطبق فيها ، قال رسول الله r (لَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ مُشْرِكٍ بَعْدَمَا أَسْلَمَ عَمَلًا أَوْ يُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ)[13]، فإن ضاقت الأرض – في ظنه- به ، فلم يجد أرضا واسعة يهاجر إليها ، فليعلم أنه أخطأ الظن لأن أرض الله واسعة بنص الآية ، لاسيما حيث تدور الحرب بين المسلمين ومع من يعيش في كنفهم من الكفار.
وقد يزداد الطين بلة أن يستعين أعداء الله بالمسلم على قتال المسلمين باعتباره مواطنا يسكن معهم ، ولا يُعفى المستضعف من هذا الحرج أن يكف يده عن إخوانه المسلمين ، وإن قُتل بسهمهم ، فإن ذلك ليس بكاف عند الله ، فعن ابْن عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ r يَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى بِهِ فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) الْآيَةَ [14] .
قال العلماء (هذه الهجرة باقية الحكم في حق من أسلم في دار كفر وقدر على الخروج منها)[15] ، فعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ r سَرِيَّةً إِلَى خَثْعَمٍ فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ فَأَسْرَعَ فِيهِمْ الْقَتْلَ قَالَ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ r فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ وَقَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ قَالَ لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا )[16] ، وقد جاء في الشرح (يعني: لجئوا إلى السجود وسجدوا ، قوله (فأسرع فيهم القتل) أي: قتلوهم وهم ساجدون .
قوله: (فبلغ ذلك النبي r فأمر لهم بنصف العقل) أي: أمر لهم بنصف الدية. قيل: إنهم كانوا مسلمين، ولكنهم بين الكفار، فقتلوا كما قتل الكفار، والنبي r أمر لهم بنصف العقل، أي: بنصف الدية، ولم يأمر بها كاملة لأنهم بمقامهم مع الكفار صاروا شركاء في حصول الجناية عليهم، فصاروا مثل الذي قتل بفعله وفعل غيره ، فالشيء الذي من فعله يسقط لأنه شارك في قتل نفسه ، وأما من شارك في قتله فيكون عليه نصف الدية ، فلا يتضمن القتل في هذه الحالة .
وقوله: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) ، يعني هؤلاء قتلوا بسبب وجودهم بين المشركين ، وظن المسلمون أنهم منهم ، وقيل: إن اعتصامهم بالسجود ليس دليلاً واضحاً على إسلامهم؛ لأنه يوجد منهم السجود لكبرائهم وكذلك السجود لغير الله عز وجل، فمجرد السجود من الكفار لا يكفي، وإنما الذي يعول عليه هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لكن لما كانوا مسلمين وكانوا بين الكفار وصار لهم مشاركة في أنهم قتلوا بتسبب أنفسهم وبفعل غيرهم صار على الذي حصل منه القتل نصف العقل وليس كله .
وقوله: (لا تراءى ناراهما) معناه الإشارة إلى التباعد بين المسلمين والكفار، وأن المسلم لا يكون مع الكفار، بل يكون بعيداً منهم بحيث لا ترى نارُه نارَهم ولا نارُهم نارَه، بمعنى أنهم إذا أوقدوا ناراً وهو أوقد ناراً فإن كلاً لا يرى نار الآخر، وذلك إشارة وكناية عن التباعد بين المسلمين والكفار ، وهذا يدل على البعد عن المشركين وعدم البقاء بين أظهرهم ، لكن إذا كان البقاء بين المشركين فيه مصلحة للدعوة إلى الله عز وجل ودعوتهم للإسلام فيكون سائغاً من هذه الناحية، أما إذا كان ليس كذلك، لا سيما إذا كان الإنسان يقيم بين المشركين ولا يتمكن من إظهار شعائر دينه فبقاؤه ضرر كبير عليه، وهو مستحق للوعيد الشديد، لكن إذا كان البقاء من أجل مصلحة تفوق هذه المفسدة، وهي كون بقائه فيه مصلحة للدعوة إلى الله عز وجل وهداية من يهدي الله عز وجل من الكفار على يديه وبسببه فإن هذا لا بأس به)[17].
وفي قوله تعالى (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) (99) استثنى الله من العتاب المستضعفين الذين لا حيلة لهم ، ولا استطاعة على الهجرة من ديارهم إلى دار الإسلام ، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ أَنَا مِنْ الْوِلْدَانِ وَأُمِّي مِنْ النِّسَاءِ )[18] ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَيْنَا النَّبِيُّ r يُصَلِّي الْعِشَاءَ إِذْ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ اللَّهُمَّ نَجِّ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) [19]
ونظير هذه الآية قوله (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) وقد أوردها البخاري في مصنفه ، وعلق عليها بقوله (فَعَذَرَ اللَّهُ الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَرْكِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ، وَالْمُكْرَهُ لَا يَكُونُ إِلَّا مُسْتَضْعَفًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ وَقَالَ الْحَسَنُ التَّقِيَّةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَنْ يُكْرِهُهُ اللُّصُوصُ فَيُطَلِّقُ لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ وَقَالَ النَّبِيُّ r الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ)[20] أي لا يؤاخذون بما صدر منهم حال الإكراه سواء في أحكام الدين أو الدنيا ، فإن طلق زوجته ردت إليه ، وإن كفر بالله لم يعتد بكفره طالما قلبه مطمئن بالإيمان .
قوله (لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً )أي (لا قدرة لهم على التحول والإِنتقال لضعفهم)[21] ، قال أبو حيان (الحيلة : لفظ عام لأنواع أسباب التخلص ، والسبيل هنا طريق المدينة قاله : مجاهد ، والسدي ، وغيرهما)[22] ، وعَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: " " لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً " قَالَ: نُهُوضاً إِلَى الْمَدِينَةِ"، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ: " " لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً " قَالَ: حِيلَةً فِي الْمَالِ"[23].
قوله (وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) نفي الحيلة ثم نفي الاهتداء للطريق ، فبما يعني أنهم عدموا كل وسيلة للهجرة سواء بأنفسهم أو محمولين ، لاسيما والطريق للمدينة محفوف بالمخاطر وقطاع الطرق وليس معهم دليل يرشدهم للطريق ، فعَنْ عِكْرِمَةَ قَوْلَهُ: " " وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا " قَالَ: طَرِيقاً إِلَيْهَا، يَعْنِي الْمَدِينَةَ". وَرُوِيَ عَنِ مُجَاهِدٍ، وَالسُّدِّيِّ مِثْلُ ذَلِكَ)[24].
وفي قوله (فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ) لم يقطع ويجزم بالعفو ولم ينفيه ، قال ابن عاشور (يقتضي أن الله يرجو أن يعفو عنهم، وإذ كان الله هو فاعل العفو وهو عالم بأنه يعفو عنهم أو عن بعضهم بالتعيين تعين أن يكون معنى الرجاء المستفاد من (عسى) هنا معنى مجازيا بأن عفوه عن ذنبهم عفو عزيز المنال ، فمثل حال العفو عنهم بحال من لا يقطع بحصول العفو عنه ، ولا مقصود من ذلك تضييق تحقق عذرهم ، لئلا يتساهلوا في شروطه اعتمادا على عفو الله ، فإن عذر الله لهم باستضعافهم رخصة وتوسعة من الله تعالى، لأن البقاء على إظهار الشرك أمر عظيم ، وكان الواجب العزيمة أن يكلفوا بإعلان الإيمان بين ظهراني المشركين ولو جلب لهم التعذيب والهلاك ، كما فعلت سمية أم عمار بن ياسر) [25] .
قال الرازي (القوم لما كانوا عاجزين عن الهجرة ، والعاجز عن الشيء غير مكلف به ، وإذا لم يكن مكلفاً به لم يكن عليه في تركه عقوبة ، فلم قال : (عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ) ؟ والعفو لا يتصور إلا مع الذنب ، وأيضاً (عَسَى) كلمة الإطماع ، وهذا يقتضي عدم القطع بحصول العفو في حقهم ؟ ، والجواب: (أن المستضعف قد يكون قادراً على ذلك الشيء مع ضرب من المشقة ، وتمييز الضعف الذي يحصل عنده الرخصة عن الحد الذي لا يحصل عنده الرخصة شاق ومشتبه ، فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز عن المهاجرة ولا يكون كذلك ، ولا سيما في الهجرة عن الوطن فإنها شاقة على النفس ، وبسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزاً مع أنه لا يكون كذلك ، فلهذا المعنى كانت الحاجة إلى العفو شديدة في هذا المقام)[26].
ولأجل ذلك شدد الصحابة على أنفسهم حتى يخرجوا من دائرة الحرج ، فهاجروا وضحوا بكل ما يملكون ، إذ فهم الصحابة العذر الوارد في هذه الآية بمفهوم ضيق ، فأخذ كل منهم بالعزيمة وخرجوا مهاجرين في سبيل الله ، مثل صهيب الرومي الذي قال له النبي ربح البيع أبا يحيى ، وغيره كثير كأم سلمة ، حتى الأعمى وعلى ما به من عجز خرج مهاجرا إلى رسول الله r
المسألة الثانية : الهجرة في سبيل الله
قوله (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ..) (100) قال ابن كثير (هذا تحريض على الهجرة ، وترغيب في مفارقة المشركين ، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم ملجأ يتحصن فيه)[27] .
قوله (يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا) ، هذا وعد من الله بأن المهاجر لوطنه وماله ودياره سوف يعوضه الله عما غرمه في سبيل الله ، أي أن في هذه الآية توسعة على المهاجرين وتأكيد لصحة بغيتهم وضمان لهم الوصول إليها ، ذلك أن المهاجر لا يعلم بعدما يفارق أرضه وداره ووطنه وعشيرته إلى أين أرض سوف يستقر به المقام ، وكم من المؤن والمتعلقات يحتاج في طريقه ، وهو لا يعلم مقدار الزاد الكافي لبلوغ وجهته ، لكن الشرع خفف عنه كل ذلك ، ليؤكد له أنه منصور بإذن الله ، فليستعن بالله ولا يعجز ، قال أبو حيان (ولما رغّب تعالى في الهجرة ذكر ما يترتب عليها من وجود السعة والمذاهب الكثيرة ، ليذهب عنه ما يتوهم وجوده في الغربة ومفارقة الوطن من الشدة)[28].
و"المراغم" جمع مرغم : (المذهب والمهرب)[29] ،(والرُّغمُ الذلُّ والهوانُ وأصلُه لصوقُ الأنفِ بالرَّغام وهو التراب)[30]، وذلك كناية على النصر على الأعداء بالفكاك منهم رغم أنفهم .
قال ابن عاشور أي (يجد مكانا يرغم فيه من أرغمه، أي يغلب فيه قومه باستقلاله عنهم كما أرغموه بإكراهه على الكفر)[31] ،فـ "المراغمة" تستعار للمنازعة .
وعن الحسن في قوله: (مُرَاغَماً) قال: (متحولا) [32]، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "الْمُرَاغَمُ" : (التَّحَوُّلُ مِنَ الأَرْضِ إِلَى الأَرْضِ)[33] ، أي (ملجأ ومحولا من الكفر إلى الإيمان)[34] ، فقوله (يجد في الأرض مراغما كثيرا) أي (مذهبا يذهب إليه إذا رأى منكرا يلزمه أن يغضب منه) [35] ، وقد أشار أبو السعود أن في ذلك (إشعار بكون ذلك المتحوَّلِ بحيث يصل فيه المهاجرُ من الخير والنعمةِ إلى ما يكون سبباً لرغم أنفِ قومِه الذين هاجرهم) [36].
وفي قوله: (وَسَعَةً) قال الماوردي فيه ثلاث تأويلات – وكلها جائزة - :
أحدها : سعة في الرزق وهو قول ابن عباس
والثاني : يعني من الضلالة إلى الهدى ومن العيلة إلى الغنى ، وهو قول قتادة
والثالث : سعة في إظهار الدين) [37].
قوله (.. وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (100) فعَنْ أَبِي ضَمْرَةَ بْنِ الْعِيصِ الزَّرْقِيِّ الَّذِي كَانَ مُصَابُ الْبَصَرِ وَكَانَ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: " إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً " فَقُلْتُ: إِنَّنِي لَغَنِيُّ وَإِنِّي لَذُو حِيلَةٍ، قَالَ: فَتَجَهَّزَ يُرِيدُ النَّبِيَّ r ، فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ بِالتَّنْعِيمِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: " وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ "[38].
ذلك ولما كان طريق الهجرة محفوف بالمخاطر ، فقد لا يصل المهاجر إلى بغيته ، وقد يباغته الموت في طريق هجرته ، فقطاع الطرق ومشقة السفر كل ذلك يجعل المهاجر يتردد عن الهجرة ظنا منه أنه يلقي بيديه إلى التهلكة المنهي عنها ، لكن الشرع بيَّن له أن الأمر خلاف ظنه ، فحضه على الهجرة وإن ظن فيها التهلكة ، تماما مثلما حض على الجهاد ، ومعلوم أنه فيه تهلكة ، أي أن الشارع ندب إلى الهجرة حتى ولو كانت المهلكة محيطة بالمهاجر ، وأخبره أن أجره على الله ، وقد كفله له ، تماما مثل الشهيد في سبيل الله ، فإنه لم ير نصرا ولا مغنما ولكنه رأى مقعده من الجنة .
ولعل خير مثال في هذا السياق قصة موت أبي بصير فقد روي أن النبي r رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ –بعد صلح احديبية - فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ فَقَالُوا الْعَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا فَاسْتَلَّهُ الْآخَرُ فَقَالَ أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ –مات- وَفَرَّ الْآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r حِينَ رَآهُ لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ r قَالَ قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِي –أي اللذين قاداني إلى مكة أسيرا -وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ – طلبا للقصاص - فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ قَالَ النَّبِيُّ r وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ قَالَ وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ – هربا من مشركي مكة - فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأْمِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ r تُنَاشِدُهُ بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ لَمَّا أَرْسَلَ فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ r إِلَيْهِمْ) [39] ، (فلما أرسلت قريش إلى النبي r في أمرهم كتب إلى أبي بصير وأبي جندل ليقدما عليه فيمن معهما فقرأ أبو جندل كتاب رسول الله r وأبو بصير مريض، فمات، فدفنه أبو جندل وصلى عليه)[40].
المسألة الثالثة : صلاة القصر حال السفر
قوله (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) (101) قال الشنقيطي (قال بعض العلماء: المراد بالقصر في قوله: (أَنْ تَقْصُرُوا) في هذه الآية قصر كيفيتها لا كميتها ومعنى قصر كيفيتها أن يجوز فيها من الأمور ما لا يجوز في صلاة الأمن، كأن يصلي بعضهم مع الإمام ركعة واحدة، ويقف الإمام حتى يأتي البعض الآخر فيصلي معهم الركعة الأخرى وكصلاتهم إيماء رجالا وركبانا وغير متوجهين إلى القبلة، فكل هذا من قصر كيفيتها ، ويدل على أن المراد هو هذا القصر من كيفيتها ، قوله تعالى بعده يليه مبينا له: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) الآية [النساء/102]، وقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً، وقال في آية البقرة: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) [البقرة/239]؛ لأن معناه فإذا أمنتم فأتموا كيفيتها بركوعها وسجودها وجميع ما يلزم فيها مما يتعذر وقت الخوف ، وعلى هذا التفسير الذي دل له القرآن ، فشرط الخوف في قوله: (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [النساء/101]، معتبر ) [41]
أما حكم القصر المتعلق بمقدارها ، فقد روي عن ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ r فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ)[42] ، وعن بن عباس قال قال رسول الله r "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه"[43]
أما شرط الخوف فقد سقط لما روي عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا) فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ فَقَالَ عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ r عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ)[44] ، ومن ثم أصبحت العلة السفر الشرعي والمذكور في الآية بقوله "إذا ضربتم في الأرض" وذلك بدلا من الخوف ، فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ r كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا إِلَى الْعَصْرِ فَيُصَلِّيَهُمَا جَمِيعًا وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ سَارَ وَكَانَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ الْمَغْرِبَ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْعِشَاءِ وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ عَجَّلَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا مَعَ الْمَغْرِبِ)[45]، يستفاد من الحديث أن علة القصر تتحقق بالشروع بالسفر فعلا لا بمجرد النية .
ومن جهة أخرى فقد روي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ الصَّلَاةَ أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ ، قَالَ الزُّهْرِيُّ فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ قَالَ إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ)[46] ، وقد اختلف فيما تأولا فقيل رأيا أنه r إنما قصر أخذا بالأيسر من ذلك على أمته فأخذا لأنفسهما بالشدة صححه ابن بطال وجماعة آخرهم القرطبي ، وروى ابن خزيمة أن عائشة كانت تتم فإذا احتجوا عليها تقول إن النبي r كان في حرب وكان يخاف فهل تخافون أنتم وروى البيهقي بسند صحيح عن عروة أن عائشة كانت تصلي في السفر أربعا فقلت لها لو صليت ركعتين فقالت يا ابن أختي إنه لا يشق علي ) [47]، وهذا يدل على أنها تأولت أن القصر رخصة وأن الإتمام لمن لا يشق عليه أفضل )[48] ،قال النووي (والصحيح الذي عليه المحققون أنهما رأيا القصر جائزا ، والاتمام جائزا ، فأخذا بأحد الجائزين وهو الاتمام) [49] .
المسألة الرابعة : صلاة الخوف
قوله ( وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ) (102) هذه الآية من أظهر الآيات وضوحا لشرح عقيدة الخوف من الله ، وعدم الخوف من غيره سبحانه ، ووجوب أن يكون الحذر والخوف هما مجرد أسباب يستعين بهما العبد وقلبه متوكل على الله ، مفوضا إياه في النتيجة دون اعتراض ، وأنه إذا لم يأخذ بهذه الأسباب فإنه مقصر في العبادة ، ذلك أن الاستعانة قرينة العبادة ، وكلاهما مطلوبان شرعا ، فلا عبادة مقبولة بلا استعانة ، ولا استعانة بلا عبادة ، ومن العبادة الأخذ بالأسباب المشروعة دون الاتكال عليها ، والمسلم حينما يتأمل ما شرعه الله من صلاة الخوف في هذه الحال يجد أن الشارع الحكيم شرع الصلاة ولم يسقطها عنهم ، وفي ذات الوقت شرع الحذر وحمل السلاح والأمتعة أثناء الصلاة والحذر ولم يسقط الأخذ بالأسباب وهم بين يدي الله تعالى في الصلاة وهم يجاهدون في سبيل الله ، بالرغم من ذلك وبالرغم من أنهم يباشرون عبادة هم أقرب إلى الله في غيرها من العبادات إلا أن النصر لا يكون حليف المسلمين إلا بعد أن تقترن العبادة بالاستعانة على النحو المأمور به شرعا ، فيأخذ المسلم بكافة الأسباب المشروعة دون أن يعتمد عليها مطلقا ويظل تعلق قلبه برب الأسباب .
فإذا تعلق القلب بالله فإن الله قادر على أن يعدل الأسباب ويزيدها قوة ، ويعدم أسباب العدو ويزيدها ضعفا ، وإنه ليحضرني في هذا المقام حديث النبي r قَالَ ( إِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ لِبَشَرٍ إِلَّا لِيُوشَعَ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ)[50]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله r يقول (إن نبيا من الأنبياء قاتل أهل مدينة حتى إذا كاد أن يفتتحها خشي أن تغرب الشمس فقال لها أيتها الشمس إنك مأمورة وأنا مأمور بحرمتي عليك ألا ركدت ساعة من النهار قال فحبسها الله حتى افتتحها) [51].
وأما عن كيفيتها ، فالاستطاعة مناط التكليف ، ولا تكليف إلا بما هو مستطاع ، فالأصل أنها رخصة حال التعذر ، بمعنى أنها تصلي بالكيفية المعروفة عند الحاجة ، ويجوز فيها ما لا يجوز في غيرها ، قال ابن كثير (صلاة الخوف أنواع كثيرة، فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة، وتارة يكون في غير صَوْبها، والصلاة تارة تكون رباعية، وتارة ثلاثية كالمغرب، وتارة ثنائية، كالصبح وصلاة السفر، ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة ، بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ورجالا وركبانا، ولهم أن يمشوا والحالة هذه ويضربوا الضرب المتتابع في متن الصلاة) [52].
وقد وردت كيفية صلاة الخوف قبيل نشوب الاقتتال ، وعند الاصطفاف للقاء العدو ما روي عن أَبُو هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ r نَزَلَ بَيْنَ ضَجْنَانَ وَعُسْفَانَ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ إِنَّ لِهَؤُلَاءِ صَلَاةً هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ هِيَ الْعَصْرُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ فَمِيلُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَأَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ r فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ أَصْحَابَهُ شَطْرَيْنِ فَيُصَلِّيَ بِهِمْ وَتَقُومُ طَائِفَةٌ أُخْرَى وَرَاءَهُمْ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ثُمَّ يَأْتِي الْآخَرُونَ وَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يَأْخُذُ هَؤُلَاءِ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ فَتَكُونُ لَهُمْ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ وَلِرَسُولِ اللَّهِ r رَكْعَتَانِ)[53] .
في هذه الصورة يصلي المسلمون تجاه القبلة والعدو ليس أمامهم ، فتكون الجماعة التي تحرس في مقابلة العدو
وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r قِبَلَ نَجْدٍ فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ فَصَافَفْنَا لَهُمْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ r يُصَلِّي لَنَا فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ تُصَلِّي وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ r بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ فَجَاءُوا فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ r بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ)[54]
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَامَ النَّبِيُّ r وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا مَعَهُ وَرَكَعَ وَرَكَعَ نَاسٌ مِنْهُمْ مَعَهُ ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَقَامَ الَّذِينَ سَجَدُوا وَحَرَسُوا إِخْوَانَهُمْ وَأَتَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا مَعَهُ وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِي صَلَاةٍ وَلَكِنْ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا)[55].
في هذه الصورة المسلمون يصلون تجاه القبلة والعدو أمامهم
نقل الرازي عن أبي على الجرجاني (صاحب النظم) في قوله تعالى : (وخذوا حذركم) قال (كان العدو بذات الرقاع مستقبل القبلة ، والمسلمون كانوا مستدبرين القبلة ، ومتى استقبلوا القبلة صاروا مستدبرين لعدوهم ، فلا جرم أمروا بأن يصيروا طائفتين : طائفة في وجه العدو ، وطائفة مع النبي r مستقبل القبلة ، وأما حين كان النبي r بعسفان وببطن نخل فإنه لم يفرق أصحابه طائفتين ، وذلك لأن العدو كان مستدبر القبلة ، والمسلمون كانوا مستقبلين لها ، فكانوا يرون العدو حال كونهم في الصلاة فلم يحتاجوا إلى الاحتراس إلا عند السجود ، فلا جرم لما سجد الصف الأول بقي الصف الثاني يحرسونهم ، فلما فرغوا من السجود وقاموا تأخروا وتقدم الصف الثاني وسجدوا وكان الصف الأول حال قيامهم يحرسون الصف الثاني) [56].
أما عند نشوب القتال فعلا فقد بوب البخاري بابا بعنوان (بَاب الصَّلَاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الْحُصُونِ وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ) وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ (إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الْفَتْحُ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ صَلَّوْا إِيمَاءً كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْإِيمَاءِ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ الْقِتَالُ أَوْ يَأْمَنُوا فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا لَا يُجْزِئُهُمْ التَّكْبِيرُ وَيُؤَخِّرُوهَا حَتَّى يَأْمَنُوا وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إِضَاءَةِ الْفَجْرِ وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ الْقِتَالِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ فَلَمْ نُصَلِّ إِلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى فَفُتِحَ لَنَا وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)[57] ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ فَقَالَ النَّبِيُّ r وَأَنَا وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ قَالَ فَنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَابَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَهَا) [58].
قوله (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً) هذه الآية أصل في وجوب أن يحتفظ المسلم بسلاحه ، ولا يساوم عليه أبدا ، فلا يقبل أحد حلول سياسية تتضمن نزع السلاح ، كما أن معناها يستوجب أن يتدرب المسلم على السلاح ، بل ويتعين على الأمة أن تنهض بنفسها في صناعة السلاح ، ولا تعتمد على الأسلحة المستوردة ، لاسيما إذا كانت تعمل بشفرات يسهل للبائعين اختراقها وتغيير انظمتها ، مما يؤدي إلى إسقاط الطائرات وغير ذلك ، بل لابد من السرية التامة في هذه الصناعة ، وألا يختلط بها إلا مجاهد .
كما أن الآية تشير إلى استخبارات العدو الدائمة في مسألة تسليح المسلمين ، وأن ثمة تقارير دورية ومتتابعة ترفع لقيادة العدو تقيس مستوى التسليح في البلاد المسلمة ، وأن أي تقرير يشير إلى ضعف التسليح في دولة معينة وليس ثمة تحالفات بجانبها فإنها لقمة سائغة في فم الخنزير ، ولذلك يميلون على هؤلاء المستضعفين ليقتلوهم مرة واحدة ، والتاريخ شاهد على ذلك في كثير من بقاع العالم الإسلامي ، ولذلك فإن مجرد الإعداد للجهاد والتسليح الكافي وحده يرهب العدو أن يتقدم لمثل هذا الغدر كما في قوله تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) (التوبة/60).
قوله (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ) تأكيد على ملازمة المسلم لسلاحه حال النوم والأكل والشرب والصلاة إلا لعذر بحيث لا يقدر على ذلك من مرض أو مطر يفسد الرصاص أو ما شابه ، ما يعني أن الشارع الحكيم يعلم المسلمين كيفية عبادته سبحانه بعبادة الجهاد في سبيله سبحانه بأخذ كافة الأسباب بحذر وبدقة شديدة ، وعدم التهاون فيها إلا لعذر ، فالإستطاعة مناط التكليف سواء في الأحوال العادية أو غير العادية ، وأن ذلك هو حقيقة التوكل ، فلا يصح التوكل مع التقصير في الأسباب ، بل يتعين استكمال الأخذ بها دون تقصير مع تفويض النتائج لله .
ووضع السلاح بغير عذر يعني بمفهوم المخالفة الغفلة ، ذلك أن الذي يضع سلاحه في أحوال القتال وليس به أذى من مطر أو مرض فهو آثم ، (فما بعد وضع السلاح إلا الإسار وما بعده ضرب الأعناق)[59] ، فوضع السلاح يغري العدو للتجرؤ ، ولو لم يتجرأ لعهد أو معاهدة ، فإنه يغري غيره للتجرؤ ، والذين قال الله عنهم (وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) ، فالمنافقون المندسون كثيرون .
قوله (وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) تكرر الأمر بأخذ الحذر مرة أخرى للتأكيد عليه في هذا الموضع ، وهو موضع دفاع ورباط ، والسابق هجوم ، قال بن الجوزي (ومن علم أن الإحتياط هكذا لا يقال أن التوكل عليه ترك ما عُلم لكن التوكل التفويض فيما لا وسع فيه ولا طاقة قال r : "اعقلها وتوكل" ولو كان التوكل ترك التحرز لخُص به خير الخلق r في خير الأحوال وهي حالة الصلاة)[60].
وفي قوله تعالى (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ...) (103) أي إذا قضيتم الصلاة على هذه الطريقة من الخوف والحذر ، فعليكم بأن تتموا الصلاة بالأذكار على كل حال ، ولعل الذكر يجبر ما تجبره السنن في الأحوال العادية ، وشرع الذكر على كل حال تيسيرا على العباد ، ولملازمته للمؤمن في كل أحواله [61].
وفي قوله تعالى ( فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) (103) أي في حال الاطمئنان فالواجب الاتمام وعدم القصر ، والصلاة جماعة كما في الأحوال العادية ، والمقصود بالاطمئنان رجوعهم إلى منازلهم[62] ، قال ابن عاشور (فالاطمئنان مراد به القفول من الغزو، لأن في الرجوع إلى الأوطان سكونا من قلاقل السفر واضطراب البدن، فإطلاق الاطمئنان عليه يشبه أن يكون حقيقة، وليس المراد الاطمئنان الذي هو عدم الخوف لعدم مناسبته هنا) [63] ، والواجب عندئذ إقامة الصلاة (أي أدُّوها بتعديل أركانِها ومراعاةِ شرائطِها)[64].
وفي قوله تعالى (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ) أي (لا تضعفوا في طلب الكفار)[65] ، والمعنى أن يكون للمسلمين كرة بعد فرة إن حصلت ، فيكون أسرع الناس إفاقة بعد المصيبة ، فذلك جيل الصحابة رضوان الله عليهم مهما أصابهم من جراحات بسبب الحرب فإنه يصبرون ويواصلون القتال حتى تكون كلمة الله هي العليا ، فتكون مواصلتهم أشد من قبلها ، وفي ذلك (تحريض على الجهاد, ونهي عن الونا والضعف)[66].
وقد حصل ذلك منه r بعد غزوة الأحزاب لما علم بخيانة يهود بني قريظة له ، فلم يتوان أن انتدب المسلمين إلى قتالهم ، روي الحاكم أن النبي r فقام فزعا فقال : هذا جبريل يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة فقال : قد وضعتم السلاح لكنا لم نضع قد طلبنا المشركين حتى بلغنا حمراء الأسد وذلك حين رجع رسول الله r من الخندق فقام النبي r فزعا فقال لأصحابه : عزمت عليكم أن لا تصلوا العصر حتى تأتوا بني قريظة)[67].
كما حصل ذلك -كذلك- بعد غزوة أحد (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) (ال عمران/ 139-141) ، فقد روي عن أبي سفيان أنه قَالَ بعد غزوة "أُحد" يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي الْقَوْمِ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ أُعْلُ هُبَلْ أُعْلُ هُبَلْ قَالَ النَّبِيُّ r أَلَا تُجِيبُوا لَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَقُولُ قَالَ قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ قَالَ إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ r أَلَا تُجِيبُوا لَهُ قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَقُولُ قَالَ قُولُوا اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ)[68]، فلما أصاب المسلمين الوهن بعد أحد نهاهم الله تعالى عن ذلك ، وندبهم ولا تزال بهم جراح إلى أن الذهاب لملاقاة المشركين مرة أخرى حتى لا يرتدوا إلى المسلمين مرة أخرى ، فعَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: "لَمَّا رَجَعَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أُحُدٍ قَالُوا: لا مُحَمَّداً قَتَلْتُمْ، وَلا الْكَوَاعِبَ أَرْدَفْتُمْ، بِئْسَ مَا صَنَعْتُمْ، ارْجِعُوا، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ r بِذَلِكَ، فَنَدَبَ الْمُسْلِمِينَ فَانْتَدَبُوا حَتَّى بَلَغَ حَمْرَاءَ الأَسَدِ أَوْ بِئْرَ أَبِي عُتْبَةَ , الشَّكُّ مِنْ سُفْيَانَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: نَرْجِعُ قَابِلَ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ r فَكَانَتْ تُعَدُّ غَزْوَةً)[69] ، قال الواقدي (لما انصرف رسول الله r من الصبح – بعد أُحد - أمر بلالاً أن ينادي: إن رسول الله يأمركم بطلب عدوكم، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس ، فخرج سعد بن معاذ راجعاً إلى داره يأمر قومه بالمسير. قال: والجراح في الناس فاشيةٌ، عامة بني عبد الأشهل جريحٌ، بل كلها، فجاء سعد بن معاذ فقال: إن رسول الله r يأمركم أن تطلبوا عدوكم. قال: يقول أسيد بن حضير، وبه سبع جراحات وهو يريد أن يداويها: سمعاً وطاعةً لله ولرسوله! فأخذ سلاحه ولم يعرج على دواء جراحه، ولحق برسول الله r ، وجاء سعد بن عبادة قومه بني ساعدة فأمرهم بالمسير، فتلبسوا ولحقوا ، وجاء أبو قتادة أهل خربى، وهم يداوون الجراح، فقال: هذا منادي رسول الله r يأمركم بطلب عدوكم. فوثبوا إلى سلاحهم وما عرجوا على جراحاتهم. فخرج من بني سلمة أربعون جراحات، وبكعب بن مالك بضعة عشر جرحاً، وبقطبة ابن عامر بن حديدة تسع جراحات، حتى وافوا النبي r بئر أبي عنبة إلى رأس الثنية الطريق الأولى يومئذٍ عليهم السلاح قد صفوا لرسول الله r فلما نظر رسول الله r إليهم والجراح فيهم فاشيةٌ قال: اللهم ارحم بني سلمة!) [70]فأنزل الله قوله تعالى (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح) .
وفي قوله (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (104) تعليل للنهي وتشجيع لهم أي ليس ما ينالكم من الآلام مختصاً بكم بل الأمر مشترك بينكم وبينهم)[71] ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلَهُ: " إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فإنهم يألمون كما تألمون " ، َقَالَ:"فَإِنْ تَكُونُوا تُوجَعُونَ مِنَ الْجِرَاحَاتِ، فَإِنَّهُمْ يُوجَعُونَ كَمَا تَتَوَجَّعُونَ" [72]، قال الشنقيطي (نهى الله تعالى المسلمين في هذه الآياة الكريمة عن الوهن, وهو الضعف فى طلب أعدائهم الكافرين وأخبرهم بأنهم إن كانوا يجدون الألم من القتل والجراح فالكفار كذلك, والمسلم يرجوا من الله من الثواب والرحمة ما لا يرجوه الكافر, فهو أحق باصبر على الآلام منه)[73] ، قال صاحب الظلال (فإذا أصر الكفار على المعركة ، فما أجدر المؤمنين أن يكونوا هم أشد إصراراً ، وإذا احتمل الكفار آلامها ، فما أجدر المؤمنين بالصبر على ما ينالهم من آلام ، وما أجدرهم كذلك أن لا يكفوا عن ابتغاء القوم ومتابعتهم بالقتال ، وتعقب آثارهم ، حتى لا تبقى لهم قوة ، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ، وإن هذا لهو فضل العقيدة في الله في كل كفاح ) [74].
[1] ) الفروسية ص 188
[2] ) رواه ابن ماجة ج8 ص 265 رقم 2755 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة 2 ص 123 رقم 2755
[3] ) رواه مسلم ج10 ص 21 رقم 3534
[4] ) رواه البخاري ج13 ص 334 رقم 4071
[5] ) رواه البخاري ج16 ص 429 رقم 4934
[6] ) رواه البخاري ج14 ص 96 رقم 4226
[7] ) رواه أبو داود ج8 ص 150 رقم 2642 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج3 ص 147
[8] ) رواه مسلم ج9 ص 466 رقم 3496
[9] ) الفروسية ص 188
[10] ) المباركفوري : تحفة الأحوذي في شرح سنن الترمذي ج5 ص 178 فتح الباري لابن حجر ج6 ص 39 مرعاة المفاتيح ج9ص462
[11] ) رواه الترمذي ج8 ص 79 رقم 2098
[12] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 154 رقم 2627 تعليق الذهبي في التلخيص : على شرط البخاري ومسلم ، والحديث له شواهد كثيرة ، انظر السلسلة الصحيحة للألباني المختصرة ج2 ص 227 المجلدات ج2 ص 135 صحيح وضعيف الترمذي ج4 ص 105
[13] ) رواه النسائي ج8 ص 352 رقم 2521 ورواه الحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه وابن ماجة ، وصححه الالباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج1 ص368 رقم 369 وصحيح وضعيف سنن النسائي ج1 ص 3 رقم 2568
[14] ) رواه البخاري ج14 ص 101 رقم 4230
[15] ) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج9 ص 462
[16] ) رواه أبو داود ج7 ص 237 رقم 2274
قال الألباني : (قلت: ورجاله ثقات كلهم رجال الشيخين؛ غير هَنادِ بن السرِي؛ فمن رجال مسلم / وقد توبع: عند البيهقي (8/131) وغيره ممن خرجتهم في "الإرواء" (1207) ، وذكرت له هناك بعض الطرق والشواهد، أحدها صحيح الإسناد، لكن ليس في شيء منها ذكر العقل؛ أي: الدية. وقد ذكر البيهقي عن الشافعي أنه قال:" إن كان هذا ثبت؛ فأحسب النبي- والله أعلم- أعطى من أعطى منهم متطوعاً ".)
(صحيح أبي داود ج7 ص 398)
[17] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج14 ص 166
[18] ) رواه البخاري ج5 ص 142 رقم 1269
[19] ) رواه البخاري ج14 ص 105 رقم 4232
[20] ) رواه البخاري ج21 ص 264
[21] ) أبو بكر الجزائري أيسر التفاسير ج1 ص 293
[22] ) البحر المحيط ج4 ص 257
[23] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 324
[24] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 324
[25] ) التحرير والتنوير ج4 ص 234
[26] ) تفسير الرازي ج5 ص 352
[27] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 390
[28] ) البحر المحيط ج4 ص 258
[29] ) المعجم الوسيط ج1 ص 358 ، والرغام هو التراب (انظر الزمخشري :أساس البلاغة ج1 ص 174) ، الصحاح في اللغة ص260 ، قال ابن منظور (الرَّغامُ دُقاق التراب ومنه يقال أَرْغَمْتُه أَي أَهَنْتُهُ وأَلزقته بالتراب) (لسان العرب ج12 ص 245)
[30] ) تفسير أبي السعود ج2 ص 146
[31] ) التحرير والتنوير ج4 ص 237
[32] ) عبد المجيد االشيخ عبد الباري : الروايات التفسيرية في فتح الباري ج1 ص383
فتح الباري 8/256 أخرجه عبد الرزاق 1/169 به سندا ومتنا. وأخرجه ابن جرير رقم10299 من وجه آخر عن معمر، به.
[33] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 325
[34] ) أبو الليث السمرقندي : بحر العلوم ج1 ص 417
[35] ) أبو القاسم الحسين بن محمد : المفردات في غريب القرآن ج1 ص 199 تحقيق محمد سيد كيلاني
[36] ) تفسير أبي السعود ج2 ص 146
[37] ) النكت والعيون ج1 ص 322 ، انظر كذلك هذه المعاني في تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 326
[38] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 329
[39] ) رواه البخاري ج9 ص 256 رقم 2529
[40] ) أسد الغابة لابن الأثير ج3 ص 146 – تاريخ الإسلام للإمام الذهبي ج2 ص 401 – الصفدي : الوافي بالوفيات ج3 ص 384 – المغازي للواقدي ج1 ص 252 – دلائل النبوة للبيهقي ج4 ص 256 رقم 1524
[41]) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج1 ص 248
[42] ) رواه البخاري ج4 ص 253 رقم 1038
[43] ) رواه ابن حبان ج2 ص 69 رقم 354 ورواه أحمد في مسنده والبيهقي عن ابن عمر ، قال الألباني صحيح انظر حديث رقم 1885 في صحيح الجامع (الجامع الصغير ج1 ص 277 رقم 2766)
[44] ) رواه مسلم ج3 ص 462 رقم 1108
[45] ) رواه أبو داود ج3 ص 456 رقم 1031 وصححه الالباني صحيح أبي داود ج 4 ص 381 رقم 1106
[46] ) رواه مسلم ج3 ص 461 رقم 1107
[47] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج3 ص 143 رقم 5215 ، قال الألباني (وهذا إسناد صحيح كما قال الحافظ في "الفتح" (2/ 571)) انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة ج9 ص 158
[48] ) شرح الزرقاني ج1 ص 422
[49] ) شرح النووي على مسلم ج5 ص 195
[50] ) رواه أحمد ج17 ص 6 رقم 7964 وانظر ج2 ص 325 رقم 8298 : تعليق شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط البخاري
[51] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 151 رقم 2618 ، ومثله عند النسائي ج5 ص 277 رقم 8878 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج1 ص 201 رقم 202
[52] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 398
[53] ) رواه الترمذي ج10 ص 297 رقم 2961
[54] ) رواه البخاري ج3 ص 491 رقم 890
[55] ) رواه البخاري ج3 ص 495 رقم 892
[56] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 1546
[57] ) رواه البخاري ج3 ص 496
[58] ) البخاري ج3 ص 497 رقم 893
[59] ) كلمة قالها جحدم من بني جذيمة لخالد بن الوليد قبل أن يقتله
[60] ) أبو فرج الجوزي : تلبيس إبليس ج1 ص 249
[61] ) في هذا المعنى تفسير الطبري ج9 ص 164 قال (يعني بذلك جل ثناؤه: فإذا فرغتم، أيها المؤمنون، من صلاتكم وأنتم مواقفو عدوِّكم= التي بيّناها لكم، (1) فاذكروا الله على كل أحوالكم)
[62] ) أبو الليث السمرقندي : بحر العلوم ج1 ص 419
[63] ) التحرير والتنوير ج4 ص 244
[64] ) تفسير أبي السعود ج2 ص 151
[65] ) التسهيل للتنزيل لابن جزي ج1 ص 301 وقال الضحاك انظر تفسير ابن ابي حاتم ج4 ص 340
[66] ) أحكام القرآن لكيا الهراسي ج2 ص 163
[67] ) رواه الحاكم في المستدرك ج3 ص 37 رقم 4332
[68] ) روه البخاري ج10 ص 243 رقم 3812
[69] ) تفسير ابن أبي حاتم ج3 ص 266 ومثله عند النسائي في سننه ج6 ص 317
[70][70] ) المغازي ج1 ص 127
[71] ) تفسير الألوسي ج4 ص 214
[72] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 341
[73] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج1 ص 306
[74] ) في ظلال القرآن ج2 ص 230
-
الاحد PM 04:55
2026-01-18 - 114



