المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1474596
يتصفح الموقع حاليا : 3011

البحث

البحث

عرض المادة

وجوب التريث قبل قتل الحربي لاسيما إذا أعلن إسلامه ولو تقية

د / احمد نصير

المطلب الثالث

 وجوب التريث قبل قتل الحربي لاسيما إذا أعلن إسلامه ولو تقية

 

قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (94)

 

فعَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنْ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ أَسْلَمْتُ لِلَّهِ أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَا تَقْتُلْهُ ، قَالَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا أَفَأَقْتُلُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَا تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ)[1]، (يَعْنِي أَنَّهُ بِمَنْزِلَتِك حَرَامُ الدَّمِ , وَأَنْتَ إنْ قَتَلْتَهُ بِمَنْزِلَتِهِ كُنْت مُبَاحَ الدَّمِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الَّذِي قَالَ)[2]، قال النووي (أحسن ما قيل فيه وأظهره ما قاله الامام الشافعى وبن القصار المالكى وغيرهما أن معناه فإنه معصوم الدم محرم قتله بعد قوله لا إله الا الله كما كنت أنت قبل أن تقتله وإنك بعد قتله غير معصوم الدم ولا محرم القتل كما كان هو قبل قوله لا إله الا الله)[3]

 

قَالَ الشَّافِعِيُّ ( وَفِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ r فِي الْمُنَافِقِينَ دَلَالَةٌ عَلَى أُمُورٍ مِنْهَا , لَا يُقْتَلُ مَنْ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ مِنْ كُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ , وَمِنْهَا أَنَّهُ حَقَنَ دِمَاءَهُمْ وَقَدْ رَجَعُوا إلَى غَيْرِ يَهُودِيَّةٍ , وَلَا نَصْرَانِيَّةٍ , وَلَا مَجُوسِيَّةٍ , وَلَا دِينٍ يُظْهِرُونَهُ إنَّمَا أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ , وَأَسَرُّوا الْكُفْرَ، فَأَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ r فِي الظَّاهِرِ عَلَى أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ ، فَنَاكَحُوا الْمُسْلِمِينَ وَوَارَثُوهُمْ وَأُسْهِمَ لِمَنْ شَهِدَ الْحَرْبَ مِنْهُمْ , وَتُرِكُوا فِي مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ)[4]

 

هكذا تستبين غاية الإسلام من قتال الكفار ، التي تخلو من الانتقام للنفس ، فهذا الصحابي أُمر بكف يده عن من قطع يده لمجرد أنه أسلم ، فلم يجز له أن يقتص لنفسه ، فالإسلام يهذب النفس البشرية فلا تنتقم إلا لله ، والظن أنه أسلم لينجي نفسه ، أسلم تقية ، أي الظن أنه  أسلم كارها ، ولكن الله يقبل إسلامه وإن كان كارها ، كما تقدم في حديث النبي r قال (أَسْلِمْ وَإِنْ كُنْتَ كَارِهًا) [5]، وكما قال في الذين اشترطوا قبل إسلامهم ألا يتصدقوا ولا يجاهدوا (يَقُولُ سَيَتَصَدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا) ، أي أسلم بالكلمة التي قالها أي تلك الكلمة لينجي نفسه من القتل في الدنيا ،" لا إله إلا الله ومحمد رسول الله" ، وكذلك ينجي بها نفسه في الآخرة ، تلك الكلمة التي ألح بها النبي r على عمه كي ينطق بها فقال (أَيْ عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ)[6]، فبهذا التسامح في حق النفس استبان كيف أن الإسلام يحض على السلام والإسلام ، فالكافر لا يدخل الإسلام إلا إذا استشعر السلام ، بأن المسلمين لا ينتقمون لأنفسهم.

 

ففي قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا...) (94) فالمقصود بالضرب في الأرض الخروج للجهاد في سبيل الله ، وغزو الكفار في ديارهم ، قال المفسرون والمعنى (إذَا كُنْتُمْ تُجَاهِدُونَ فِي أَرْضِ الأَعْدَاءِ فَتَبَيَّنُوا ، وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُسَلِّمُ عَلَيكُمْ ، وَيُظْهِرَ لَكُمْ إِسْلاَمَهُ ، لَسْتَ مُسْلِماً ، وَتَقْتُلُونَهُ رَغْبَةً مِنْكُمْ فِي الاسْتِحْواذِ عَلَى المَغْنَمِ مِنْهُ ، فَعِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِمَا رَغِبْتُمْ فِيهِ مِنْ عَرَضِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ، الذِي حَمَلَكُمْ عَلَى قَتْلِ مِثْلِ هَذَا الرَّجُلِ الذِي أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ ، وَأَظْهَرَ لَكُمُ الإِيمَانَ ، فَتَغَافَلْتُمْ عَنْهُ وَاتَّهَمْتُمُوهُ بِالمُصَانَعَةِ وَالتَّقِيَّةِ لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ، فَمَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرِّزْقِ الحَلاَلِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ مَالِ هَذَا)[7]، قال ابن تيمية (لا خلاف بين المسلمين أن الحربي إذا أسلم عند رؤية السيف وهو مطلق أو مقيد يصح إسلامه ، وتقبل توبته من الكفر ، وإن كانت دلالة الحال تقتضي أن باطنه خلاف ظاهره)[8] .

 

فعن أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُحَدِّثُ قَالَ بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ r إِلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ قَالَ فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ ، قَالَ وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ ، قَالَ فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" قَالَ فَكَفَّ عَنْهُ الْأَنْصَارِيُّ فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ ، قَالَ فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ r قَالَ فَقَالَ لِي يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا قَالَ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ)[9] ، وفي رواية قَالَ رسول الله r (لِمَ قَتَلْتَهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ وَقَتَلَ فُلَانًا وَفُلَانًا وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r أَقَتَلْتَهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي قَالَ وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ فَجَعَلَ لَا يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[10].

 

ويستفاد من الحديث أن الإسلام يجب ما قبله من جرائم ارتكبها في حال الحرب ، فيسقط القصاص عما ارتكبه في الحرب لا في السلم ، لقول النبي  r (إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) [11]، قال ابن تيمية “الحربي إذا أسلم لم يؤخذ بشيء مما عمله في الجاهلية، لا من حقوق الله ولا من حقوق العباد، من غير خلاف نعلمه، لقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)، فعن عمرو بن العاص قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ r يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ الذُّنُوبِ)[12]، وعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ (مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ)[13].

 

ولكن يجب أن يعاقب بالأسر ، حيث كان الواجب على أسامة بن زيد أن يأسره لا أن يقتله ولا أن يسالمه ، فيفدي نفسه كما فدى العباس نفسه ، فهذا هو حكم أسير الحرب وإن كان مسلما ، فعن عائشة قالت : لما جاءت أهل مكة في فداء أسراهم .. وقال العباس : يا رسول الله إني كنت مسلما-أي كان يسر إسلامه في مكة[14]ـ - فقال رسول الله r أعلم بإسلامك ، فإن يكن كما تقول فالله يجزيك فافد نفسك وابني أخويك نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب وحليفك عتبة بن عمرو بن جحدم أخا بني الحارث بن فهر فقال : ما ذاك عند يا رسول الله قال : فأين المال الذي دفنت أنت وأم الفضل فقلت لها إن أصبت فهذا المال لبني الفضل وعبد الله وقثم؟ فقال : والله يا رسول الله إني أشهد أنك رسول الله إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل ، فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي فقال رسول الله r : افعل ، ففدى العباس نفسه وابني أخويه وحليفه ، وأنزل الله عز وجل (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم) فأعطاني مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبدا كلهم في يده مال يضرب به مع ما أرجو من مغفرة الله عز وجل)[15].

 

ويجوز قتل الأسير في أحوال معينة لاسيما مجرمي الحرب ، فهو الذي يصدر الحكم عليه قبل أسره بأنه مجرم حرب يجب قتله علي أي حال فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r  دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ اقْتُلُوهُ)[16]، وقد أورد أبو داود هذا الحديث تحت باب قَتْلِ الْأَسِيرِ وَلَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ ، فهذا يخص مجرمي الحرب الذين ثبت جرمهم قبل القبض عليهم وأسرهم ، أما الأسير العادي فإن الإمام ينظر في أمره إما المن أو الفداء أو القتل بحسب الأحوال .

 

وفي قتل النبي r أسيرين يوم بدر عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث ، لم يثبت الحديث من الناحية العلمية[17] ، وإن ثبت حديث قتلهr لابن خطل لسبب أنه مجرم حرب ، انظر فتوى القرضاوي في قصر ذلك على مجرمي الحرب[18] ، لكن ثبت أنه r أمر  بقتل الأسرى من بني قريظة لثبوت خيانتهم للنبي r في غزوة الأحزاب ، فعاملهم تلك المعاملة فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ هُوَ ابْنُ مُعَاذٍ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ r وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُ فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ فَلَمَّا دَنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ لَهُ إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ قَالَ فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ قَالَ لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ)[19]

 

 

قال ابن قدامة (وأما القتل فإن النبي r قتل رجال بني قريظة [20]، وقتل يوم بدر النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط صبرا ، وقتل أبا عزة يوم أحد ، قال تعالى (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) (محمد 4) ، ولأن كل خصلة من هذه الخصال – أي ضرب الرقاب أو المن أو الفداء - قد تكون أصلح في بعض الأسرى ، فإن فيهم من له قوة ونكاية في المسلمين فقتله أصلح، ومنهم الضعيف الذي له مال كثير ففداؤه أصلح ، ومنهم حسن الرأي في المسلمين يرجى إسلامه أو معونته للمسلمين بتخليص أسراهم أو الدفع عنهم ، فالمن عليه أصلح ، ومنهم من يُنتفع بخدمته ويؤمن شره ، فاسترقاقه أصلح كالنساء والصبيان ، والامام أعلم بالمصلحة ففوض ذلك إليه، فإذا ثبت ذلك فان هذا تخيير – بين القتل والأسر والفداء والمن)- مصلحة واجتهاد لا تخيير شهوة ، فمتى رأى المصلحة في خصلة لم يجز اختيار غيرها لأنه يتصرف لهم على سبيل النظر لهم،  فلم يجز له ترك ما فيه الحظ كولي اليتيم)[21].

 

وقال (ومتى حصل عنده تردد في هذه الخصال فالقتل أولى قال مجاهد في اميرين (احدهما) يقتل الاسرى وهو افضل وكذلك قال مالك وقال اسحاق الاثخان احب إلى إلا ان يكون معروفا يطمع به في الكثير )

فابن تيمية يبني رأيه حال تردد الإمام في استبيان وجه المصلحة العامة الشرعية المعتبرة  على تحريره لمعنى الأسير في ضوء تقييد هذا المعنى بالإثخان في الأرض كما في قوله (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ..) (الأنفال 67) ، وقوله (حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ) أي أن شد الوثاق يكون بعد الإثخان في القتل ، أي (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) فلا يكون للعدو شوكة بعد هنا يتحقق معنى الأسير الذي يجب إحسان المعاملة له ، أما إذا كانت الحرب دائرة بين الفريقين ولم تضع أوزارها فالإمام مخير بين القتل أو الفداء والمبادلة أو المن بحسب الأحوال لا على سبيل التشهي كما ذكر بل على سبيل  تحقيق المصلحة المعتبرة.

 

إذن أسامة عندما فعل ما فعل فإنه فوت على رسول الله r التخيير في أمر هذا الأسير المسلم ، ونطلق عليه لفظ المسلم لأنه نطق بالشهادتين حتى ولو كانت على سبيل التقية كما أخبر النبي r بذلك ، وإنما يجوز لأسامة قتله إذا استمرت المبارزة أو امتنع عن الأسر أو حاول الهروب قال ابن قدامة (وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ قَتْلُهُ ، حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامَ ، فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَارَ أَسِيرًا ، فَالْخِيرَةُ فِيهِ إلَى الْإِمَامِ )[22]

(.. فَإِنْ امْتَنَعَ الْأَسِيرُ أَنْ يَنْقَادَ مَعَهُ ، فَلَهُ إكْرَاهُهُ بِالضَّرْبِ وَغَيْرِهِ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إكْرَاهُهُ ، فَلَهُ قَتْلُهُ ، وَإِنْ خَافَهُ أَوْ خَافَ هَرَبَهُ ، فَلَهُ قَتْلُهُ أَيْضًا ، وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الِانْقِيَادِ مَعَهُ ، لِجُرْحٍ أَوْ مَرَضٍ ، فَلَهُ قَتْلُهُ أَيْضًا .

وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ قَتْلِهِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ ، كَمَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ ، وَلِأَنَّ تَرْكَهُ حَيًّا ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَتَقْوِيَةٌ لِلْكُفَّارِ ، فَتَعَيَّنَ الْقَتْلُ ، كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ إذَا أَمْكَنَهُ قَتْلُهُ ، وَكَجَرِيحِهِمْ إذَا لَمْ يَأْسِرْهُ)[23] .

ولهذا لم يقتص النبي r من أسامة فلم يقتله لقتل أسيره المسلم ، لأنه لا يزال دمه موقوف على تخيير الإمام ، ولو كان معصوم الدم لقاد أسامة به ، وقد قيل أنه درأ الحد باجتهاده الخاطئ ، فيما استبان من قوله r له (هلا شققت عن قلبه) ، كذلك لم يوجب النبي r دية القتل الخطأ على عاقلة أسامة ، لأن المقتول كان حربيا من قوم محاربين ، لاسيما وأنه لم يهاجر فلم فتلحقه ولاية المؤمنين ، إذن بقيت الكفارة على أسامة .

 

ففي قوله (..وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا..) (94) قال العلماء (فمن أقر بالشهادتين بلسانه فقد دخل في الإسلام، وأجريت عليه أحكام المسلمين، وإن كان كافرا بقلبه، لأنا أمرنا أن نحكم بالظاهر، وأن نكل إلى الله السرائر)[24].

 

 ويستفاد من ذلك على وجه العموم - عند أهل الفقه والأثر أهل السنة والجماعة - النهي عن أن يُكفِّر المسلم أخاه المسلم بذنب أو بتأويل لا يخرجه من الإسلام عند الجميع ، فورد النهي عن تكفير المسلم)[25] ، ولهذا قال رَسُول اللَّهِ r قَالَ (أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا)[26] قال ابن حجر: (إن الخوارج لما حكموا بكفر من خالفهم؛ استباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذمة فقالوا: نفي لهم بعهدهم، وتركوا قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين، وهذا كله من أثار عبادة الجهال الذين لم تنشرح صدورهم بنور العلم، ولم يتمسكوا بحبل وثيق من)[27]

 

(فأهل السنة والجماعة لا يكفرون بالمعاصي , ولو كانت من الكبائر ، وهذا ما أجمع عليه علماء أهل السنة والجماعة)[28] ، فمن أصول عقيدة أهل السنة والجماعة؛ أنهم لا يخرجون أحدا من الإسلام فعل فعلا مكفرا ، إذا كان جاهلا أو متأولا أو مكرها-طالما أن قلبه مطمئن بالإيمان-)[29]، فإن لم يكن له عذر ، فيجب إقامة الحجة عليه ببينة ، وهذا الأمر يترك تقديره لولي الأمر ، وليس لآحاد الناس أن يفعل ذلك .

 

وفي قوله (..تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا..) (94) روي في سبب نزولها عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ [30]لَهُ ، فَلَحِقَهُ الْمُسْلِمُونَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) تِلْكَ الْغُنَيْمَةُ قَالَ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ السَّلَامَ)[31].

 

وفي ذلك بيان لسبب الوقوع في هذه الغفلة والتسرع في تكفير الناس بغير بينة ، وذلك لاستعلاء أهل التكفير بالإيمان على البشر ، فهم لا يقاتلون لأجل إعلاء كلمة الله لتكون هي العليا ، وإنما قصدهم من اتباع المسلمين في الجهاد الحصول على غرض من أغراض الدنيا ، ولو أنهم كانوا وقَّافين على حدود الله لما تجاوزوها بقتل امرئ مسلم يعلن الشهادتين ، ولو ظنوا أنه نطق بها وأعلن إسلامه تقية ومخافة القتل ، وقد أضحى معصوم الدم بمجرد النطق بها .

 

فعن النَّبِيَّ r قَالَ (سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)[32] ، ذلك أن من يبتغي الدنيا ينتهي به المطاف إلى أن يقتل أخيه المسلم ليسلب ماله ، وبذلك يرجع الناس إلى الكفر بقتل بعضهم بعضا ، فعن النبي r قال (أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)[33] ، وإنما  كان النبي r يجاهد لتكون كلمة الله هي العليا ، وأن يظهر دين الإسلام على الدين كما وعد الله ، لا لأجل الغنيمة ، فعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[34] ، وبذلك يتجرد المجاهد في سبيل الله من كل غرض من أغراض الدنيا لتخلص نيته في الجهاد لله تعالى .

 

والغنيمة كانت قبل الإسلام لا تحل لأحد من المجاهدين لأجل ألا يشوب الإخلاص في جهاده شائبة ، فيخلص المجاهد جهاده لله ، قال رسول الله r (لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس قبلكم كانت تجمع فتنزل نار من السماء فتأكلها فلما كان يوم بدر أسرع الناس في الغنائم فأنزل الله عز وجل (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا")[35].

 

  لكن هذا الحكم قد نسخ في شريعة الإسلام فأحلت الغنائم تخفيفا على هذه الأمة ، فعن النبي r قال  (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي) ، وذكر منها (وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ)[36] ، وفي ذلك دليل على أن الجهاد في الإسلام ليس لأغراض دنيوية ، أي ليس الجهاد لأجل المغنم  ، وهكذا جازت الغنيمة لسببين :-

السبب الأول : كتعويض عما خسره المسلمون في القتال مع المشركين ، مثلما حصل للمهاجرين لما أرادوا أن يعوضوا خسارتهم لديارهم وأموالهم عند الهجرة من مكة من قافلة أبي سفيان لكنه لحق ذلك  وغير طريق القافلة .

والسبب الثاني : أن الجهاد في هذه الأمة ماض إلى يوم القيامة ، والمجاهد إذا تفرغ للجهاد لن يجد وقتا للعمل والسعي للرزق ، من هنا جازت لهذه الأمة الغنيمة حتى لا يترك الجهاد لأجل تحصيل الرزق.

 

قال أبو رجب الحنبلي (فيحصل له الرزق تبعا لعبادته وجهاده في الله ، فجعل الله له رزقه ميسراً في ضمن ذلك من غير أن يقصده ولا يسعى إليه)[37] ، وهذا هو معنى ما رواه ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ r قال (جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي)[38]، يعني (الغنائم وكان سهم منها له r خاصة ، والمراد أن معظم رزقه كان منه)[39]،ولا منافاة بين أن يكون معظم رزقه من الغنيمة ، وأنه يجاهد لأجل الله سبحانه لا لأجلها ، ولا غرض له في الغنيمة ، وإنما تأتيه الغنيمة دون طلب منه لها .

 

 قال ابن رجب الحنبلي (فيه إشارة إلى أن الله لم يبعثه بالسعي في طلب الدنيا ، ولا بجمعها واكتنازها ، ولا الاجتهاد في السعي في أسبابها وإنما بعثه داعيا إلى توحيده –وإن لزم الأمر -بالسيف ، ومن لازم ذلك – أي مقتضاه - أن يقتل أعداءه الممتنعين عن قبول التوحيد – لصدهم عن سبيل الله- ، ويستبيح دماءهم وأموالهم – متى استباحوا دماءنا وأموالنا - ، ويسبي نساءهم وذراريهم – رحمة بهم من أهلهم الذين يحاربون المسلمين - ، فيكون رزقه مما أفاء الله من أموال أعدائه – كنتيجة تبعية حتمية - ، فإن المال إنما خلقه الله لبني آدم ليستعينوا به على طاعته وعبادته ، فمن استعان به على الكفر بالله والشرك به سلط الله عليه رسول واتباعه ، فانتزعوه منه وأعادوه إلى من هو أولى به من أهل عبادة الله وتوحيده وطاعته ، ولهذا يسمى الفيء لرجوعه إلى من كان أحق به ولأجله خلق)[40] .

 

وفي قوله (..فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ..) (94) أي ليس المال الذي يتم تحصيله بالقتل هو المغنم ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ"  قَالَ: فَإِنَّ عِنْدِي مَغَانِمَ كَثِيرَةً، فَالْتَمِسُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ"، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: "فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ "هِيَ أَحَلُّ لَكُمْ مِنْ هَذَا"[41].

 

بل  هناك منافع كثيرة يمكن تحصيلها بدون ذلك ، فخير مغنم للمجاهد إيصال كلمة لا إله إلا الله ، قال رسول الله r لعلي بن أبي طالب لما قال له (فَقَالَ نُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا) فَقَالَ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ)[42].

 

قال ابن عاشور أي (لم يحصر الله مغانمكم في هذه الغنيمة) [43]، أي أنه لفت انتباههم إلى مغانم أخرى غير تلك الغنيمة التي تأتي من القتل ليصرف أبصارهم عنها حتى لا يتسرعوا في القتل لأجلها ، فالقرآن يشير هنا للمغانم المعنوية التي يغتنمها المجاهدون من الجهاد في سبيل الله ليضعوا نصب أعنيهم عليها ويزهدوا في الغنيمة المخلفة من الحرب ، فلا يكترثوا بها ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ)[44] ،  وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ لَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّهَا أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا وَلَا أَنَّ لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلَّا الشَّهِيدُ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ فِي الدُّنْيَا لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ) [45].

 

وقد فهم الصحابة هذا المعنى فزهدوا في الغنيمة واستحيوا أن يأخذوا منها حقهم ، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ r فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ ثُمَّ قَالَ أُهَاجِرُ مَعَكَ فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ r بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ غَنِمَ النَّبِيُّ  r سَبْيًا فَقَسَمَ وَقَسَمَ لَهُ ، فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا قِسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ النَّبِيُّ r فَأَخَذَهُ فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ مَا هَذَا قَالَ قَسَمْتُهُ لَكَ قَالَ مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى إِلَى هَاهُنَا وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ فَأَمُوتَ فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَقَالَ إِنْ تَصْدُقْ اللَّهَ يَصْدُقْكَ فَلَبِثُوا قَلِيلًا ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ r  يُحْمَلُ قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ فَقَالَ النَّبِيُّ r أَهُوَ هُوَ قَالُوا نَعَمْ قَالَ صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ ثُمَّ كَفَّنَهُ النَّبِيُّ r فِي جُبَّةِ النَّبِيِّ r ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ شَهِيدًا أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ)[46].

 

 ولذلك قيل (قد يرتقى شعور المسلم المتجرد فيرى أن كل ما سوى الله باطل ، وكل ما عداه زائل ، فمن وجده فقد وجد كل شيء ، ومن فقد شعوره بربه فقد فقد كل شيء: (هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الحديد:3] , فهو لهذا لا يرى أحدا غيره حتى يولى إليه وجهه ، أو يصرف نحوه حقه وخيره: (فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الذاريات:50), (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى) [لنجم:42] , أو لأنه يعلم أن هذه الدنيا فانية زائلة ، وكل ما فيها عرض حقير ، وخطر يسير ، من ورائه حساب عسير ، وأن الآخرة هي دار القرار ، فهو يزهد كل الزهادة في الجزاء في هذه الدنيا ، ويرجوه في الأخرى) [47] .

 

وفي قوله (..كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ..)(94) قال ابن تيمية (فقد يكون مؤمنا يكتم إيمانه كما كنتم أنتم من قبل مؤمنين تكتمون إيمانكم ، فإذا ألقى المسلم السلام فذكر أنه مسالم لكم لا محارب فتثبتوا وتبينوا لا تقتلوه ولا تأخذوا ماله حتى تكشفوا أمره هل هو صادق أو كاذب) [48] .

 

مثال ذلك العباس بن عبد المطلب كان يقوم بدور حيوي في نقل المعلومات بين النبي محمد r وأهل مكة، خاصة قبل فتح مكة، حيث قام بتوجيه أبي سفيان وإقناعه بملاقاة النبي للحصول على الأمان، وقدم معلومات مهمة ساعدت في تسهيل دخول المسلمين وتأمين أهل مكة، كما كان يراقب ردود أفعال وفد الأنصار ويبث الطمأنينة في قلوب المسلمين تجاههم بصفته عم النبي. 

 

وقد منَّ الله على الصحابة بالنصر والعزة فجهروا بإسلامهم ، ورفعوا الأذان بل ودخلوا مكة فاتحين ليقيموا شعائر الله ، وقد كانوا من قبل يسرون إسلامهم ويجتمعون برسول الله r سرا في دار الأرقم بن أبي الأرقم ، وجعلوا بيوتهم قبلة .

 

وفي قوله (..فَتَبَيَّنُوا.. )(94) كرر الأمر بالتبين لأهميته ، ولدرء التسرع في القتل ، قال النسفي (كرر الأمر بالتبين  فلا يتهافتوا في القتل ويكونوا محترزين محتاطين في ذلك)[49].

 

فعن ابن عباس قال  : بعث رسول الله r سرية فيها المقداد بن الأسود فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير لم يبرح فقال : أشهد أن لا إله إلا الله فأهوى إليه المقداد فقتله فقال له رجل من أصحابه : قتلت رجلا قال لاإله إلا الله والله ليذكرن ذلك للنبي r فلما قدموا على النبي r قالوا : يارسول الله إن رجلا شهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد فقال : ( أدعوا لي المقداد - فقال - يامقداد قتلت رجلا قال : لا إله إلا الله فكيف لك بلا إله إلا الله ؟ ) قال : فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم) فقال رسول الله r (كان رجلا مؤمنا يخفي إيمانه مع قوم كفار فقتلته وكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة)[50].

 

 قال ابن تيمية (فأمرهم بالتبين والتثبت في الجهاد ، وأن لا يقولوا للمجهول حاله لست مؤمنا يبتغون عرض الحياة الدنيا ، فيكون إخبارهم عن كونه ليس مؤمنا خبرا بلا دليل بل لهوى أنفسهم ليأخذوا ماله ، وإن كان ذلك في دار الحرب إذا ألقى السلم ، وفي القراءة الأخرى السلام)[51].

 

وفي قوله (..إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)(94) ذلك أن مرتبة الإخلاص والتجرد لا يصل إليها المسلم بمجرد النطق بالشهادتين ، وإنما يحتاج لكثير من الفهم والعمل والجهد في الطاعات ليصل إليها ، حتى أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يصلوا إلى ما هذه المرتبة إلا بكثرة الصحبة والعمل ، فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هِشَامٍ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ r وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ r (لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ r الْآنَ يَا عُمَرُ) [52] ، قال أبو سليمان الخطابي (لم يرد به حب الطبع ، بل أراد به حب الاختيار ، لأن حب الإنسان نفسه طبع ، ولا سبيل إلى قلبه ، فمعناه : لا تصدق في حتى تفدي في طاعتي نفسك ، وتؤثر رضاي على هواك ، وإن كان فيه هلاكك)[53]

 

 وتلك هي مرتبة التجرد التي تلت مرتبة الإخلاص ، وأخص منها ، حيث يتجرد المخلصون من كل شيء سوى الله تعالى ، فالصبر الصبر على الناس حتى يصدق إيمانهم وترقي نياتهم وتتجرد رغباتهم وأهوائهم ، بلا عجل ، فإن من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه .

 

[1] ) رواه مسلم ج1 ص 257 رقم 139

[2] ) علي بن نايف الشحود : المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه ج2 ص 69

[3] ) شرح النووي على مسلم ج2 ص 106

[4] ) الأم ج1 ص 259

[5] ) رواه أحمد ج24 ص 164 رقم 11618

[6] ) رواه البخاري ج12 ص 268 رقم 3595

[7] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 587

[8] ) الصارم المسلول ج1 ص 336

[9] ) رواه البخاري ج21 ص 161 رقم 6364

[10] ) رواه مسلم ج1 ص 260 رقم 142

[11] ) رواه أبو داود ج8 ص 306 رقم 2665 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج7 ص 67 رقم 3067

[12] ) رواه أحمد ج36 ص 238 رقم 17159 وصححه الألباني : إرواء الغليل ج5 ص 121

[13] ) رواه البخاري ج21 ص 239 رقم 6410

[14] ) فقد حضر معه بيعة العقبة الثانية وكان ينصره ويمنعه من إيذاء قومه

عن كعب بن مالك قال (فَلَمَّا جَلَسْنَا كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَوَّلَ مُتَكَلِّمٍ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ قَالَ وَكَانَتْ الْعَرَبُ مِمَّا يُسَمُّونَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ الْأَنْصَارِ الْخَزْرَجَ أَوْسَهَا وَخَزْرَجَهَا إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِنْ قَوْمِنَا مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِنَا فِيهِ وَهُوَ فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ قَالَ فَقُلْنَا قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ فَتَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَخُذْ لِنَفْسِكَ وَلِرَبِّكَ مَا أَحْبَبْتَ قَالَ فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ r فَتَلَا وَدَعَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ قَالَ أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ قَالَ فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ نَعَمْ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ

رواه أحمد ج25 ص 92 رقم 15798 ، فقه السيرة للغزالي ج1 ص 146 تحقيق الألباني : وصححه الألباني

[15] ) رواه الحاكم في المستدرك ج3 ص 366 رقم 5409 وقال الذهبي في التلخيص على شرط مسلم

[16] ) رواه البخاري ج10 ص 253 رقم 2817

[17] ) https://www.hurras.org/vb/node/830902

[18] ) https://www.al-qaradawi.net/node/3808

[19] ) رواه البخاري ج10 ص 251 رقم 2816

[20] ) وهذا صحيح كما رواه البخاري فيما تقدم

[21] ) الشرح الكبير لابن قدامة ج10 ص 407

[22] ) المغني ج20ص  471

وقال : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدْ كَلَامٌ يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ قَتْلِهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا يَقْتُلُ أَسِيرَ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَالِي ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّ لَهُ قَتْلَ أَسِيرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَالِي ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ ابْتِدَاءً ، فَكَانَ لَهُ قَتْلُهُ دَوَامًا ، كَمَا لَوْ هَرَبَ مِنْهُ أَوْ قَاتَلَهُ

هذا محمول على أنه لو كان حربي كافر لعموم الأيات (اقتلوا المشركين كافة) ، وقوله (أينما ثقفتموهم) ، أما لو أسلم كما في حديث أسامة فعليه أن يتوقف حتى يرجع للإمام فيحدد وجه المصلحة في كل أسير كما بينا .

[23] ) المغني ج20ص  471

[24] ) أحمد محمد بوقرين - التكفير : مفهومه وضوابطه ج1 ص22

[25] ) يوسف بن عبد الله النمري القرطبي (المتوفى : 463هـ) : التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ج17 ص 14

[26] ) رواه البخاري ج19 ص 59 رقم 5639

[27] )  فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن حجر ج12 ص 301

[28] ) أحمد محمد بوقرين - التكفير : مفهومه وضوابطه ج1 48

[29] ) أحمد محمد بوقرين - التكفير : مفهومه وضوابطه ج1 48

[30] ) تصغير غنم وهو مؤنث سماعي ولذلك صغرت بالتاء والمراد قطعة غنم (تحفة الأحوذي ج5 ص 239 )

[31] ) رواه البخاري ج14 ص 94 رقم 4225

[32] ) رواه البخاري ج1 ص 84 رقم 46

[33] ) رواه البخاري ج13 ص 314 رقم 4054

[34] ) رواه البخاري ج22 ص 470

[35] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج6 ص 290 رقم 12488 ، والنسائي ج6 ص 290 رقم 11209

[36] ) رواه البخاري ج2 ص 218 رقم 419

[37] ) أبي فرج ابن رجب الحنبلي : الحكم الجديرة بالإذاعة ج1 ص 13

[38] ) رواه البخاري ج10 ص 54 رقم 2698

[39] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج1 ص 882

[40] ) الحكم الجديرة بالإذاعة ج1 ص 12

[41] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 313

[42] ) رواه البخاري ج10 ص 94 رقم 2724

[43] ) التحرير والتنوير ج4 ص 226

[44] ) رواه البخاري ج1 ص 63 رقم 35

[45] ) رواه مسلم ج9 ص 456 رقم 3488

[46] ) رواه النسائي ج7 ص 38 رقم 1927 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج5 ص 97 رقم 2097

[47] ) http://www.saaid.net/aldawah/449.htm

[48] ) الجواب الصحيح ج6 ص 456

[49] ) تفسير النسفي ج1 ص 247

[50] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج12 ص 30 رقم 12409

[51] ) الجواب الصحيح ج6 ص 456

[52] ) رواه البخاري ج20 ص 314 رقم 6142

[53] ) شرح السنة للإمام البغوي ج1 ص 51

  • الاحد PM 04:20
    2026-01-18
  • 122
Powered by: GateGold