ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
حكم سفك دماء المعصومين في حالة الخطأ
د / احمد صير
حكم سفك دماء المعصومين في حالة الخطأ
قوله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (93)
لا شك أن تطبيق الأحكام السابق ذكرها في شأن المنافقين لاسيما المختلطين منهم بدار الكفر الذين لم تبد سريرتهم للناس قد يوقع بعض المسلمين في الغلط ، فيقع القتل في شأن من آمن منهم على سبيل الخطأ ودون قصد ، فعن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش قال قال لي القاسم بن محمد بن أبي بكر : نزلت هذه الآية "وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ" في جدك عياش بن أبي ربيعة ، وفي الحارث بن زيد أخي بني معيص ، وكان – أي الحارث- يؤذيهم بمكة وهو على شركه ، فلما هاجر أصحاب رسول الله r إلى المدينة أسلم الحارث ، ولم يعلموا بإسلامه فأقبل مهاجرا حتى إذا كان بظاهرة بني عمرو بن عوف لقيه عياش بن أبي ربيعة ، ولا يظن إلا أنه على شركه ، فعلاه بالسيف حتى قتله ، فأنزل الله فيه وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ إلى قوله "وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن" فتحرير رقبة مؤمنة يقول تحرير رقبة مؤمنة ولا يرد الدية إلى أهل الشرك على قريش وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق يقول من أهل الذمة "فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله"[1]
ولا شك أن عظم دية القتل الخطأ وكفارته تدلان على وجوب التريث قبل تنفيذ القتل والتثبت من حالة وصفة المجني عليه حتى لا يُقتل برئ بغير حق ، أما إن كان الجاني يعلم عصمة المجني عليه ورغم ذلك أقدم على القتل ، فإنه يعاقب جنائيا ، وفي الآخرة يخلد في النار ، وذلك على التفصيل التالي : -
وفي قوله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً..) (92) حيث ينتفي القصد الجنائي لإحداث واقعة "القتل" ، فعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَوْلَهُ: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلا خَطَاً" وَذَلِكَ أَنَّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّ وَكَانَ حَلَفَ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ لِيَقْتُلَنَّهُ ، وَكَانَ الْحَارِثُ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكاً ، وأسلم الحارث ولم يعلم به عياش، فلقيه بالمدينة فقتله وكان قتله ذلك خطأ"[2]، ففي مثل هذا الفرض تنهار المسئولية الجنائية ، لكن المسئولية المدنية لا تسقط ، فالعمد ليس من أركانها.
وفي قوله (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ..) (92) ، تفصيل لحكم المسئولية المدنية الناشئة عن القتل الخطأ في ثلاثة حالات :-
الحالة الأولى : أن يقع القتل على "مؤمن" و"أهله مؤمنون" في "دار الإسلام" فيجب في هذه الحالة كفارة ودية ، أي تجب الكفارة وهي تحرير رقبة مؤمنة كفارة عن الذنب الحاصل من الرعونة والتسرع وعدم الاحتراز المؤدي لفعل القتل الخطأ ، كما تجب دية تسلم إلى أهل القتيل كتعويض مدني جبرا للأضرار المعنوية التي أصابتهم عن فقد المتوفى بالقتل . ..
يقول قطب (فالدية تسكين لثائرة النفوس ، وشراء لخواطر المفجوعين ، وتعويض لهم عن بعض ما فقدوا من نفع المقتول . . ومع هذا يلوح الإسلام لأهل القتيل بالعفو - إذا اطمأنت إليه نفوسهم - لأنه أقرب إلى جو التعاطف والتسامح في المجتمع المسلم) [3].
والحالة الثانية : أن يقع القتل على مؤمن و"أهله محاربون" للإسلام في "دار الحرب" . . وفي هذه الحالة يجب تحرير رقبة مؤمنة لتعويض النفس المؤمنة التي قتلت خطأ ، ولا يتجب الدية ، إذ لا تجوز دية لقومه المحاربين ، كي لا يستعينون بها على قتال المسلمين! فأهل القتيل محاربون ، أي أعداء للمسلمين .
والحالة الثالثة : أن يقع القتل على مؤمن "قومه معاهدون" - عهد هدنة أو عهد ذمة – فتجب هنا الكفارة والدية ، ولا يشترط أن يكون المقتول مؤمناً لإيجاب الدية ، فالنص على إطلاقه ، أي يجب تحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله المعاهدين ، ولو لم يكن المقتول مؤمنا .
والدية هي : (مال تدفعه عاقلة الجاني– أي أقاربه من العصبات)[4] لأهل القتيل - في القتل الخطأ - وجوبا ما لم يتصالحوا عليها ) ، وتدفع حالة في العمد للتنازل عن القصاص وعفو أهل القتيل عن القاتل بقبول الدية .
والحكمة من فرض أداء الدية على العاقلة وليس علي الجاني ، هو استعجال الوفاء بالدين لأجل حقوق ورثة المقتول ، لكي يتخلص الجاني من عبئها بسرعة فتحقن الدماء ، ثم ينشغل بعد ذلك بسداد دينها على مهل لعاقلته ، ويجوز تأجيلها ثلاث سنوات تيسيرا على العاقلة ، فيؤدى فى آخر كل حول ثُلثها ، وذلك بالنظر على عظم التعويض المقدر فيها ، ولهم التصالح علي مدة تزيد على ذلك .
ومقدارها بحسب الأصل مائة ناقة ، فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أُمَرَاءِ الأَجْنَادِ : (إِنَّ الدِّيَةَ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ r مِئَةَ بَعِيرٍ)[5]، مِنْهَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، (وَإِنَّ فِي النَّفْسِ الدِّيَةَ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ)[6] .
أما أسنان الإبل الواجبة في دية الخطأ فقد ورد فيها حَدِيث ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ (قَضَى رَسُولُ اللَّهِ r فِي دِيَةِ الْخَطَإِ عِشْرِينَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرِينَ بَنِي مَخَاضٍ ذُكُورًا ، وَعِشْرِينَ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِشْرِينَ جَذَعَةً ، وَعِشْرِينَ حِقَّةً)[7]، وهو حديث يستأنس به فيما جرى عليه العمل بالرغم من تضعيف الألباني له .
والجمهور اتفقوا على أن الأصل في الديات هو الإبل، واختلفوا في غيرها من البقر إلى آخره ، هل هو أصل عند فقد الإبل أو هو من باب القيمة؟) ، قال ابن قدامة ( أجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْإِبِلَ أَصْلٌ فِي الدِّيَةِ ، وَأَنَّ دِيَةَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ ، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ)[8] .
وأصل هذا الخلاف ما روي عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ إِنَّ مِنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ r أنه (قَضَى فِي دِيَةِ الْكُبْرَى الْمُغَلَّظَةِ ثَلَاثِينَ ابْنَةَ لَبُونٍ وَثَلَاثِينَ حِقَّةً وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً ، وَقَضَى فِي دِيَةِ الصُّغْرَى ثَلَاثِينَ ابْنَةَ لَبُونٍ وَثَلَاثِينَ حِقَّةً وَعِشْرِينَ ابْنَةَ مَخَاضٍ وَعِشْرِينَ بَنِي مَخَاضٍ ذُكُورًا ثُمَّ غَلَتِ الْإِبِلُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ r وَهَانَتْ الدَّرَاهِمُ ، فَقَوَّمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِبِلَ الْمَدِينَةِ سِتَّةَ آلَافِ دِرْهَمٍ حِسَابُ أُوقِيَّةٍ لِكُلِّ بَعِيرٍ ثُمَّ غَلَتِ الْإِبِلُ وَهَانَتْ الْوَرِقُ ، فَزَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَلْفَيْنِ حِسَابَ أُوقِيَّتَيْنِ لِكُلِّ بَعِيرٍ ثُمَّ غَلَتِ الْإِبِلُ وَهَانَتْ الدَّرَاهِمُ ، فَأَتَمَّهَا عُمَرُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا حِسَابَ ثَلَاثِ أَوَاقٍ لِكُلِّ بَعِيرٍ ، قَالَ فَزَادَ ثُلُثُ الدِّيَةِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَثُلُثٌ آخَرُ فِي البَلَدِ الْحَرَامِ ، قَالَ فَتَمَّتْ دِيَةُ الْحَرَمَيْنِ عِشْرِينَ أَلْفًا ، قَالَ فَكَانَ يُقَالُ يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ مِنْ مَاشِيَتِهِمْ لَا يُكَلَّفُونَ الْوَرِقَ وَلَا الذَّهَبَ وَيُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ قَوْمٍ مَا لَهُمْ قِيمَةُ الْعَدْلِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ)[9] ، ما يعني أن تقدير تقويم الدية موكول لتشريعات ولي الأمر بحسب ظروف الزمان والأحوال الاقتصادية في ضوء الأساس الذي يتم التقدير عليه وهي مائة من الإبل ، فيكون التقويم على هذا الأساس .
من الحديث المذكور نجد أن عدد الإبل لا يزيد ولا ينقص عن مائة ، فلا يتأثر بالسبب الموجب من عمد أو شبهه أو خطأ، ولكنه في حالة العمد تغلظ الدية من الإبل ، على اختلاف بين الفقهاء في سبب التغليظ ونوعه ، فقيل : (تدفع مثلثة في بطون أربعين منها أولادها ، كالتالي : 30 حقة و30 جذعة، و40 خلفة في بطونها أولادها ، أو مربعة (25 بنت مخاض 25 بنت لبون 25حقة 25جذعة) [10] لحديث عبادة بن الصامت السابق ذكره .
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، قال كانت قيمة الدية على عهد رسول الله r ثمانمائة دينار ، ثمانية آلاف درهم ، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين قال : فكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر ، فقام خطيبا فقال : « إن الإبل قد غلت قال ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار ، وعلى أهل الورق-أي الفضة- اثني عشر ألفا ، وعلى أهل البقر مائتي بقرة ، وعلى أهل الشاء ألفي شاة ، وعلى أهل الحلل مائتي حلة قال : وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية »[11].
قال ابن قدامة ( وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْإِبِلُ ، فَإِنَّ إيجَابَهُ لِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى سَبِيلِ التَّقْوِيمِ ، لِغَلَاءِ الْإِبِلِ ، وَلَوْ كَانَتْ أُصُولًا بِنَفْسِهَا ، لَمْ يَكُنْ إيجَابُهَا تَقْوِيمًا لِلْإِبِلِ ، وَلَا كَانَ لِغَلَاءِ الْإِبِلِ أَثَرٌ فِي ذَلِكَ ، وَلَا لِذِكْرِهِ مَعْنًى)[12] ، فالعلماء عملوا بالمصلحة المرسلة في تقويم الدية لتعذر العمل بالأصل في كل الأحوال.
وفي قوله (..فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (92) لما كانت كفارة القتل الخطأ عتق رقبة مؤمنة ، وهذا قد يتعذر الإتيان به ، فإن الشرع خفف الحكم ببديل وهو صيام شهرين متتابعين ، بدلا من عتق الرقبة – أي حال التعذر - وليس هذا الحكم بديلا عن أداء الدية عند الإمكان .
فالدية تكون على العاقلة ، أما الكفارة فهي على الجاني نفسه ، فإذا لم يقدر الجاني على تحرير رقبة ، وهو فعل إيجابي ، فإن الكفارة التي تحل محلها هي صيام شهرين متتابعين ، وهو فعل سلبي بهذا تتهذب النفس وتزكو .
والعلة من كفارة القتل الخطأ هي تحقيق "التوبة" ، فإنه ولئن كانت النتيجة الإجرامية غير مقصودة إلا أن الفعل المؤدي إلى هذه النتيجة ينم عن صفة في الجاني تدل على أنه لم يأخذ الحيطة والحذر ، وأنه تصرف بشيء من الرعونة والإهمال ، ففي قصة مقتل الحارث خطأ على يد عياش ما يدل على أن عياش قتله قبل أن يعرض عليه الإسلام ، إذ لو عرض عليه الإسلام قبل القتل لعلم أنه قد أسلم ، ولكن الذي دفعه على الاستعجال ما حمله في صدره منه بسبب أنه كان يعذبه في مكة ، مثلما حصل مع موسى عليه السلام لما قتل القبطي الذي من عدوه خطأ دفاعا عن الإسرائيلي المستضعف الذي من شيعته ، فحملته العداوة أن ضربه فقتله دون أن يقصد قتله .
في قوله (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ) أي أنه وإن كان القتل الخطأ معفو عنه بشأن ما ترتب على الفعل من نتيجة القتل إلا أنه غير معفو عن الفعل الخاطئ ذاته بصرف النظر عن نتيجته ، حيث تجب الكفارة أي " عتق رقبة " كأصل أو التزام البديل " صيام شهرين متتابعين " إذا لم يقدر على أداء الإلتزام الأصلي .
قال السعدي (هذه الكفارات التي أوجبها الله على القاتل توبة من الله على عباده ورحمة بهم، وتكفير لما عساه أن يحصل منهم من تقصير وعدم احتراز، كما هو واقع كثيرًا للقاتل خطأ ، ومن علمه وحكمته أن أوجب على القاتل كفارة مناسبة لما صدر منه، فإنه تسبب لإعدام نفس محترمة، وأخرجها من الوجود إلى العدم، فناسب أن يعتق رقبة ويخرجها من رق العبودية للخلق إلى الحرية التامة، فإن لم يجد هذه الرقبة صام شهرين متتابعين، فأخرج نفسه من رق الشهوات واللذات الحسية القاطعة للعبد عن سعادته الأبدية إلى التعبد لله تعالى بتركها تقربا إلى الله ، ومدها تعالى بهذه المدة الكثيرة الشاقة في عددها ووجوب التتابع فيها، ولم يشرع الإطعام في هذا الموضع لعدم المناسبة ، بخلاف الظهار، ومن حكمته أن أوجب في القتل الدية ولو كان خطأ، لتكون رادعة وكافة عن كثير من القتل باستعمال الأسباب العاصمة عن ذلك ، ومن حكمته وعلمه أن جبر أهل القتيل عن مصيبتهم بالدية التي أوجبها على أولياء القاتل)[13].
المطلب الثالث
جزاء القتل العمد وشبه العمد والتفرقة بينهما
وفي قوله (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (93) روي في سبب نزولها عن ابن عباس قال : أن مقيس بن ضبابة وجد أخاه هشام بن ضبابه مقتولا في بني النجار وكان مسلما فأتى رسول الله r فذكر ذلك له فأرسل إليهم رسول الله r رسولا من بني فهر وقال له : ائت بني النجار فأقرئهم مني السلام وقل لهم : إن رسول الله r يأمركم إن علمتم قاتل هشام أن تدفعوه إلى أخيه فيقتص منه وإن لم تعلموا له قاتلا أن تدفعوا إليه ديته ، فأبلغهم الفهري ذلك عن النبي r فقالوا سمعا وطاعة لله ولرسوله والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي إليه ديته قال : فأعطوه مائة من الإبل ثم انصرفنا راجعين نحو المدينة وبينهما وبين المدينة قريب فأتى الشيطان مقيس بن ضبابة فوسوس إليه فقال : أي شيء صنعت؟ تقبل دية أخيك فيكون عليك سبة أقتل الذي معك فيكون نفس مكان نفس وفضل بالدية قال : فرمى إلى الفهري بصخرة فشدخ رأسه ثم ركب بعيرا منها وساق بقيتها راجعا مكة كافرا فجعل يقول في شعره (قتلت به فهرا وحملت عقله سراة بني النجار أرباب قارع - وأدركت ثاري واضطجعت موسدا وكنت إلى الأوثان أول راجع) قال فنزلت فيه هذه الآية (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم)[14].
وفي رواية عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: " وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ " قَالَ: نَزَلَتْ فِي مَقِيسِ بْنِ ضَبَابَةَ الْكِنَانِيِّ. وَذَلِكَ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَأَخُوهُ هِشَامُ بْنُ ضَبَابَةَ، وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ فَوَجَدَ مَقِيسُ أَخَاهُ هِشَاماً ذَاتَ يَوْمٍ قَتِيلا فِي الأَنْصَارِ فِي بَنِي النَّجَّارِ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ r ، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ r رَجُلا مِنْ قُرَيْشِ مِنْ بَنِي فِهْرٍ وَمَعَهُ مَقِيسٌ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ وَمَنَازِلُهُمْ يَوْمَئِذٍ بِقُبَاءٍ أَنِ ادْفَعُوا إِلَى مَقِيسٍ قَاتِلَ أَخِيهِ أَنْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ وَإِلا فَادْفَعُوا إِلَيْهِ الدِّيَةَ، فَلَمَّا جَاءَهُمُ الرَّسُولُ، قَالُوا: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ، وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ لَهُ قَاتِلا وَلَكِنْ نُؤَدِّي الدِّيَةَ فَدَفَعُوا إِلَى مَقِيسٍ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ دِيَةَ أَخِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ مَقِيسٌ وَالْفِهْرِيُّ رَاجِعِينَ مِنْ قُبَاءٍ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَيْنَهُمَا سَاعَةً، عَمَدَ مَقِيسٌ إِلَى الْفِهْرِيِّ رَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ r فَقَتَلَهُ، وَارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ وَرَكِبَ جَمَلا مِنْهَا وَسَاقَ مَعَهُ الْبَقِيَّةَ وَلَحِقَ بِمَكَّةَ وَهُوَ يَقُولُ فِي شِعْرٍ لَهُ: قَتَلْتُ بِهِ فِهْراً وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ سَرَاةَ بَنِي النَّجَّارِ أَرْبَابَ فَارِعِ وَأَدْرَكْتُ ثَأْرِي وَاضْطَجَعْتُ مُوَسَّداً وكُنْتُ إِلَى الأَوْثَانِ أَوَّلَ رَاجِعٍ فَنَزَلَتْ فِيهِ) [15].
ففي هذه الآية ثلاثة مسائل :-
المسألة الأولى : القتل العمد من كبائر الذنوب ولا كفارة له : -
فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سُئِلَ النَّبِيُّ r عَنْ الْكَبَائِرِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ)[16] ، وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)[17] ، وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ)[18] .
ولم تتحدث الآية عن عقوبة القتل العمد في الدنيا ، اكتفاءً بما ذكر في موضع آخر في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ... إلى قوله تعالى (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة/179) ، وقوله تعالى (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) (الإسراء/33) .
والقتل العمد ليس له كفارة إلا أن يقبل الله توبة الجاني ، فإن لم يقبلها فلا يتاب عليه ، فليس فيه حد يسقط الكفارة ، كما في الحديث (الحدود كفارات) ، فالقصاص ليس بحد ، لأنه حق لأهل المجني عليه ولولي الدم أن يسقطه أو يقود الجاني به ، أما حق الله فإنه يستوفى في الآخرة ، فالقصاص بهذه المثابة ليس له كفارة مثل سائر الحدود ، لأن الحدود ليس فيها إسقاط أو عفو وحق الله فيها أظهر ، وعليه يبقى على الجاني ذنبه ، يستوفيه منه في الآخرة
فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ r كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا نَسْرِقَ وَلَا نَزْنِيَ وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا وَلَا يَعْضَهَ بَعْضُنَا بَعْضًا فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ)[19] جاء في شرح الهيتمي (وَأَكْبَرُ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الْكُفْرِ الْقَتْلُ ظُلْمًا ، وَبِالْقَوَدِ أَوْ الْعَفْوِ لَا تَبْقَى مُطَالَبَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ ، وَمَا أَفْهَمَهُ بَعْضُ الْعِبَارَاتِ مِنْ بَقَائِهَا مَحْمُولٌ عَلَى بَقَاءِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِتَوْبَةٍ صَحِيحَةٍ ، وَمُجَرَّدُ التَّمْكِينِ مِنْ الْقَوَدِ لَا يُفِيدُ إلَّا إنْ انْضَمَّ إلَيْهِ نَدَمٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْصِيَةُ وَعَزَمَ أَنْ لَا عَوْدَ)[20] ، وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ (وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْقَتْل يَتَعَلَّقُ بِهِ ثَلاَثَةُ حُقُوقٍ :-
- حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى
- وَحَقُّ الْمَقْتُول
- وَحَقُّ الْوَلِيِّ الْوَارِثِ لِلْمَقْتُول
فَإِذَا سَلَّمَ الْقَاتِل نَفْسَهُ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا إِلَى الْوَلِيِّ نَدَمًا عَلَى مَا فَعَل وَخَوْفًا مِنَ اللَّهِ وَتَوْبَةً نَصُوحًا سَقَطَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّوْبَةِ ، وَحَقُّ الأْوْلِيَاءِ بِالاِسْتِيفَاءِ أَوِ الصُّلْحِ أَوِ الْعَفْوِ عَنْهُ ، وَبَقِيَ حَقُّ الْمَقْتُول يُعَوِّضُهُ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ عَبْدِهِ التَّائِبِ وَيُصْلِحُ بَيْنَ الْقَاتِل التَّائِبِ وَبَيْنَ الْمَقْتُول) [21].
المسألة الثانية : التحقق من الركن المادي لجريمة القتل (علاقة السببية)
لابد وأن يكون لكل فعل نتيجة ، فالأحداث لا تولد إلا بأسبابها ، هكذا خلق الله الكون ، فجعل لكل شيء سببا ، قال تعالى (” إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأرض وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا”) ، فإذا تحققت العلاقة القوية بين الفعل والنتيجة دل ذلك على أن هذا الفعل هو سبب تحقيق هذه النتيجة ، والعكس كذلك صحيح ، فإن لم توجد هذه العلاقة ، فلا يمكن أن تنسب النتيجة لهذا الفعل .
ونظرا لأن الأحداث قد تتشابك في جريمة القتل ، فيقع القتل نتيجة لعدة عوامل ، حيث تتداخل الأسباب ، فلا يعرف بدقة الفعل المؤثر أو المتسبب في تحقق القتل ، فقد اختلفت نظريات الفقهاء في تحديد الفعل المكون للركن المادي لجريمة القتل ، ومن هنا ولدت نظرية أخرى تسمى بنظرية القتل شبه العمد ، لكن بالرجوع إلى جريمة القتل ذاتها ، فإن الفقهاء فرقوا بين بالقاتل المباشر ، بالقاتل المتسبب [22]: -
فالقاتل المباشر " هو من فعل القتل بنفسه بلا واسطة ، ولا خلاف في أنه يحاسب على جريمة القتل العدوان .
بينما القاتل المتسبب : فهو من كان فعله سببًا في وقوع القتل دون أن يباشره ، مثل من يحفر بئرًا فيسقط فيه آخر)، فإذا اجتمع المباشر والمتسبب معا في إحداث النتيجة اعتد بالمباشر لا بالمتسبب ، كمن يدفع أحد في حفرة فيقع فيها فيموت ، فتكون الدية أو القصاص بحسب الأحوال على المباشر وليس على المتسبب ، لكن المتسبب يضمن إذا كان متعديًا أو إذا لم يكن المباشر مكلفًا أو مميزًا كصبي.
وهناك نظريتان اعتمد عليهما الفقهاء في توصيف علاقة السببية بين الفعل الإجرامي والنتيجة الاجرامية في جريمة القتل ويتفرع منهما نظرية ثالثة وهي القصد الاحتمالي ، وتكمل بعضها بعضا :-
النظرية الأولى (السببية الكافية) أو الملائمة : أي عدوان الجاني علي المجني عليه أفضي لموته دون أن يقصد قتله ، متى كان كافيا بذاته لتحقيق الوفاة ، كأن يضربه ضربة شديدة بعصا غليظة على رأسه فيموت وهو لا يقصد قتله ، فيعتبر هذا سببا كافيا لتوجيه الاتهام له بالقتل العمد ، وليس شبه العمد .
مثل أن يجرح شخص آخر جرح غائر غير مميت ، لكنه يموت بسبب تلوث هذا الجرح ، هنا يسأل الجاني عن القتل بسبب أنه اعتدي وأصاب ، ومن المتوقع أن يحدث مثل هذه العوامل الخارجية التي تؤدي إلى الموت ، ولم يبال الجاني بها عند العدوان ، وفقا للقصد المحتمل للجاني .
نظرية القصد الاحتمالي : حيث يمكن القول بأن الشريعة الإسلامية تعتد كذلك بالقصد الاحتمالي ، أي : قبول الجاني لنتائج إجرامية محتملة قد لا يقصدها مباشرة، وإن اختلف الفقهاء في الأخذ بها وعدم الاعتداد بها ، كمن يطلق أعيرة نارية في الهواء دون مبالاة فيقتل أحدا في الشرفة أو يقود سيارته بسرعة فائقة في طريق مزدحم ولا يبالي بالمارة ، فأمثال هؤلاء يعلمون جيدا أن تصرفهم قد يؤدي إلى قتل أحد ، لكنهم يعتمدون على مهارتهم في تفادي الخطأ ، فلا يحترزون ولا يبالون بما يفعلون فيقع فعل القتل ، هنا اختلف الفقهاء في هذه الجريمة هل يعتد بقصده الإحتمالي لمعاقبته على القتل العمد ، أم يعاقب على جريمة شبه العمد ، رغم أن الفعل الذي أتاه كافيا لتحقيق النتيجة الإجرامية ، لكنه من جهة أخرى لا يقصد القتل ، فكان الفقهاء إزاء هذا الفرض علي رأيين :-
الرأي الأول : الاعتداد بالقصد الاحتمالي في تقرير المسئولية الجنائية على الجاني عن القتل العمد
أي أنهم يأخذون بنظرية القصد الاحتمالي ، فيعتبرون استخدام الجاني لوسيلة كافية بذاتها لتحقيق النتيجة الإجرامية قرينة علي توافر القصد الاحتمالي لدي الجاني وتوقعه وفاة المجني عليه بفعله حتى ولو لم يقصد هذه النتيجة فعلا طالما كان في الإمكان تحققها أو توقعها وفقا لمنطق الرجل المعتاد .
الرأي الثاني : عدم الاعتداد بالقصد الاحتمالي للجاني في تقرير مسئوليته عن القتل العمد ، وتقرير مسئولية عن القتل شبه العمد ، رغم أن الوسيلة كافية لإحداث القتل .
النظرية الثانية (تعادل الأسباب) : أي عدوان الجاني علي المجني عليه بالضرب الذي أفضي لوفاة القتيل ولو يكن فعله كافيا بذاته لتحقيق ذلك ، حتى لو تضافرت عوامل أخرى مع فعل الجاني لتتحقق الوفاة ، مثل سوء صحة المجنى عليه أو الإهمال في علاجه ...الخ ، فوقعت الوفاة نتيجة لهذه الأسباب مجتمعة دون أن يستقل سبب منها بذاته بها ، كأن يضربه برصاصة في كتفه فيقع من الشرفة على الشارع فتصدمه سيارة مارة في الطريق فتحدث الوفاة نتيجة لهذه الأسباب مجتمعة ، أما لو انفردت واستقلت عن بعضها البعض قد تحدث الوفاة وقد لا تحدث .
وأغلب الظن أن النظريتين تكمل بعضهما بعضا ، وذلك بحسب الواقعة المعروضة على القاضي ، فإن لم تسعفه النظرية الأولى عمل بالثانية بحسب ظروف كل دعوى على حدة ، ولذلك توسع بعض الفقهاء في تحديد دائرة جرائم القتل المعاقب عليها بالقصاص ، فيدخلون فيها جرائم القتل التي لا تتوافر فيها لدي الجاني نية القتل طالما أن فعله الإجرامي كافيا– بذاته - لتحقيق النتيجة الإجرامية التي هي القتل ، فلا يتطرقون لبحث النوايا طالما تحققت النتيجة الإجرامية لأن النوايا لا يعلمها إلا الله .
وحاصل ما تقدم أن القتل العمد الموجب للقصاص في اصطلاح الفقهاء لهم فيه ثلاثة آراء :-
الأول : (نظرية تعادل الأسباب) وأصحابها الظاهرية والمالكية : ما قصد به الضرب وأدى إلي موت المجني عليه ،بغض النظر عن وسيلة القتل ، حتى لو قتله بإبرة .
الثاني: (نظرية (السببية الكافية) ويدخل ضمنها "القصد الاحتمالي": أي ما قصد به الضرب بوسيلة كافية بذاتها لتحقيق القتل ومات المجني عليه بسببها ، أخذا بقصده الاحتمالي في ذلك [23].
الثالث : (نظرية السببية الملائمة) منسوبة للشافعية : وهي ما قصد به القتل وكان فعل الجاني سببا مؤثرا وملائما في تحقق القتل ، ولو لم يكن بذاته سببا كافيا ، بأن اقترنت عوامل أخرى تسببت في القتل [24] .
المسألة الثالثة : التفرقة بين جريمة القتل العمد وشبه العمد [25]
نظرا لأن القاعدة الفقهية المستقرة هي أن الحدود تدرأ بالشبهات ، ولأن جريمة القتل العمد من الحدود المؤجل العقاب عليها للآخرة وأن القصاص هو حق أهل المجني عليه فقط ، ونظرا لخطورة هذه الجريمة فإن الفقهاء عمدوا إلى التفرقة بين جريمة العمد وشبه العمد من حيث نية الجاني أي تحقق القصد الجنائي للقتل ، مع ثبوت العدوان في كل الأحوال ، فجعلوا من استخدام الجاني وسيلة لا تقتل غالبا قرينة على انتفاء القصد الجنائي لديه ، أي قصد القتل ، مع ثبوت قصد العدوان في حقه ، هنا تكون الجريمة المعاقب عليها ليست القتل العمد لانتفاء القصد الجنائي ، ولا القتل الخطأ لتحقق العدوان ، وإنما هي شبه العمد وتستوجب التعزير .
ومستند هذه التفرقة ما روي عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (قَتِيلُ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَرْبَعُونَ مِنْهَا خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا)[26] ، حيث جعل الشارع القتل بالعصا والسوط قرينة على أنه أراد فعل العدوان ، وأنه لم يقصد القتل لأن العصا والسوط ليستا أداتين للقتل غالبا ، فإذا حصل بهما القتل دل ذلك على تعمد الإيذاء ، وليس تعمد القتل ، وإن جاز أن يكون في تعمد القتل شبهة ، لكن لا يؤخذ بها لأن الحدود تدرأ بالشبهات ، ولذلك سمي بالقتل شبه العمد في الشريعة الإسلامية ،ويسمى في القوانين الوضعية بضرب أفضى إلى موت.
وعن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ r فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ وَقَضَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا)[27]
ويستفاد من الحديث الأحكام الفقهية التالية : -
ثبوت دية الجنين: إذا أُسقط بفعل جناية، وتكون الغرة (عبد أو أمة، تقدر بخمس من الإبل)
القتل شبه العمد يكون بما لا يقتل غالباً (كالحجر الصغير)، وحكمه تغليظ الدية لا القصاص.
مسؤولية العاقلة عن دية شبه العمد ودية الخطأ تكون على عاقلة القاتل (ذكور العصبة)، وليس على القاتل مباشرة.
توارث الدية: دية الجنين تُورَّث لورثة الجنين، وليس للعاقلة نصيب فيها، لأنها بدل نفسه.
وجمهور الفقهاء - من الشافعية والأحناف - يأخذون بالقتل شبه العمد ، ويرون أن القتل شبه العمد هو ضرب أفضى إلى موت ، سواء بآلة أو بغير آلة - مع اختلافهم في التفاصيل – حيث ينتفي عن الجاني قصد القتل ، وهذا ما لا يمكن معرفته إلا بالنظر إلى القرائن المحيطة بالحادث ، ومن ثم يحققون في آلة الضرب وكيفيته ، فإذا كانت الآلة المستعملة في القتل لا تقتل غالبا كالعصا أو ما شابه ذلك ، يمكن أن يتخذ ذلك كقرينة لنفي العمد عن القاتل ، فتصير جريمته شبه عمد ، أما إن كانت تقتل - كالسكين- واستعملها الجاني في توجيه الضرب للمجني عليه ، ففي هذه الحالة تكون الجريمة عمدية ، حتى وإن لم يقصد القتل لأن العلاقة السببية في هذا الفرض واضحة بين الفعل والنتيجة الإجرامية ، فضلا عن أنه يتعذر على الجاني أن يثبت انتفاء نيته في القتل في مثل هذا الفرض .
وأما المالكية والظاهرية فإنهم لا يعتدون بنظرية شبه العمد[28] ، قال مالك : (شبه العمد باطل لا أعرفه، وإنما هو عمد أو خطأ)[29] ، فالقتل عندهم إما عمد أو خطأ ، وحجتهم لو كان ثمة قسم ثالث لذكر في القرآن ، فالعمد - عندهم - هو أن تتوافر نية القتل لدي الجاني وأن يكون الضرب كافيا للقتل [30]، وعلي ذلك تكون نظرية تعادل الأسباب هي أقرب النظريات لرأيهم ، أي أنهم يتوسعون في مفهوم العمد ، حيث رجح المالكية إلحاق شبه العمد بالعمد متى كان قاصدا للفعل وإن لم يكن قاصدا للقتل ، طالما فعله سببا كافيا للقتل ،ولذلك قالوا لو غرزه بإبره فقتله يقاد به متى كان قاصدا للفعل ، دونما نظر لتدخل عوامل أخرى كإصابته بمرض القلب أو كبر السن...الخ ، فإن لم يجتمع الشرطان ، كان القتل عندهم خطأ .
مما تقدم يمكن القول بأن الأركان المادية المميزة لجريمة القتل شبه العمد - عند الجمهور الفقهاء الذين يأخذون به - ركان [31] :-
الأول : أن يأتى الجانى فعلاً يؤدى لوفاة المجنى عليه .
الثاني : أن يأتى الجانى الفعل بقصد العدوان .
إذ يكاد ينصب إجماع الفقهاء على هذين الركنين ، بينما يختلفون في إثبات علاقة السببية بين الفعل الجنائي والنتيجة الإجرامية (موت المجني عليه) للتفرقة بين العمد وشبه العمد [32].
وقد ورد في نفي القصاص عن القتل شبه العمد عدة أحاديث منها ، ما روي عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ أَوْسٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ r أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ قَالَ أَلَا وَإِنَّ كُلَّ قَتِيلِ خَطَإِ الْعَمْدِ أَوْ شِبْهِ الْعَمْدِ قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا)[33].
وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ وَذَلِكَ أَنْ يَنْزُوَ الشَّيْطَانُ بَيْنَ النَّاسِ)[34] .
من هذه الأحاديث يتبين أن شبه العمد ليس فيه قصاص ، وإنما فيه دية مغلظة ، هذا بالنسبة لحقوق العباد – أي ورثة المجني عليه – أما عقوبته الجنائية فإنها تعزيرية أي دون الحد ، فهي عقوبة يقررها ولي الأمر ويقدرها قاضي الموضوع نتيجة فعل التعدي الصادر من الجاني .
[1] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج8 ص 131 رقم 16250
[2] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 295
[3] ) في ظلال القرآن ج2 ص 214 مع بعض التصرف
[4] ) ، يقال عقلت فلانا إذا أديت ديته وعقلت عن فلان إذا غرمت عنه ديته وأصله من عقل الإبل وهي الحبال التي تثنى بها أيديها إلى ركبها ، وقيل من العقل وهو المنع لأنهم يمنعون عن القاتل، وقيل لأنهم يتحملون العقل وهو الدية سميت بذلك لأنها تعقل لسان ولي المقتول و ( العاقلة من غرم ثلث فأكثر بسبب جناية غيره ) وهو تعريف بالحكم فيدخله الدور فلذلك رفعه بقوله ( فعاقلة الجاني ذكرا كان أو أنثى ذكور عصبته نسبا ) كالآباء والأبناء والأخوة لغير أم والأعمام
(البهوتي : كشاف القناع ج6 ص 59 )
وقيل هم "العاقلة" العصبات الأربعة : الأب ، والجدّ وان علا ، والابن ، وابن الابن وإن سفل ، وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة وأصحابه : هم أهل ديوانه دون أقربائه ، فإن لم يكن القاتل من أهل الديوان فرضت على عاقلته الأقرب فالأقرب ، ويضم إليهم أقرب القبائل في النسب.
(أبو حيان الأندلسي : البحر المحيط ج4 ص 240)
[5] ) رواه ابن أبي شيبة ج9 ص 128
[6] ) رواه النسائي ج15 ص 13 رقم 4770 وحسنه لغيره الألباني : انظر صحيح وضعيف سنن النسائي ج 10 ص 425 رقم 4853 وقال أكثر فقراته لها شواهد
أما الحكم على الحديث فقد تلقاه العلماء بالقبول ، وحكموا بصحته ، وأكثر الأحكام التي فيه متفق عليها بين العلماء ، مما يقوي الظن بصحة هذا الكتاب ، ونسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم .قال الحافظ بن حجر رحمه الله :" وقد صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعة من الأئمة ، لا من حيث الإسناد ، بل من حيث الشهرة ". انتهى من" التلخيص الحبير " (4/58) .وقال الإمام الشافعي رحمه الله :" فلما وجدنا كتاب آل عمرو بن حزم فيه أن رسول الله قال : ( وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل )، ولم يقبلوا – يعني الصحابة الكرام - كتاب آل عمرو بن حزم والله أعلم حتى يثبت لهم أنه كتاب رسول الله ". انتهى من" الرسالة " (ص/422) .وقال ابن عبد البر رحمه الله :" لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث بهذا الإسناد ، وقد روي مسندا من وجه صالح ، وهو كتاب مشهور عند أهل السير ، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة تستغني بشهرتها عن الإسناد ؛ لأنه أشبه التواتر في مجيئه ، لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة .....وكتاب عمرو بن حزم معروف عند العلماء ، وما فيه فمتفق عليه إلا قليلا ، وبالله التوفيق ". انتهى باختصار من" التمهيد " (17/338-339) .وقال أيضا :" وكتاب عمرو بن حزم هذا قد تلقاه العلماء بالقبول والعمل ، وهو عندهم أشهر وأظهر من الإسناد الواحد المتصل " انتهى من" الاستذكار " (2/471) .وقال أيضا :" وفي إجماع العلماء في كل مصر على معاني ما في حديث عمرو بن حزم دليل واضح على صحة الحديث ، وأنه يستغني عن الإسناد لشهرته عند علماء أهل المدينة وغيرهم ". انتهى من " الاستذكار " (8/37) .وقال يعقوب بن سفيان الفسوي رحمه الله :" لا أعلم في جميع الكتب كتابًا أصح من كتاب عَمْرو بن حزم ، وقَال : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعون يرجعون إليه ويَدَعون آراءهم ". انتهى من" المعرفة والتاريخ " (2/217) تحقيق د. أكرم العمري .
رابعا :وأما الشيخ الألباني رحمه الله فقد ضعف الحديث من جهة السند ، ولكنه كان يصح كثيراً من فقراته لأن لها شواهد ، ولهذا قال في " ضعيف سنن النسائي " (4853) : " أكثر فقراته لها شواهد " انتهى .
https://islamqa.info/ar/answers/155117
[7] ) رواه الترمذي ج5 ص 261 رقم 1307 وضعفه الألباني
[8] ) المغني ج19 ص 35
[9] ) رواه أحمد ج46 ص 261 رقم 21714
[10] ) الحقّة : الناقة التي أتمت ثلاث سنوات ودخلت في الرابعة، واستحقت أن يُركب عليها وتُطرق.
الجذعة: الناقة التي أتمت أربع سنوات ودخلت في الخامسة.
خلفة: الناقة التي تحمل في بطنها جنينها.
بنت مخاض: الناقة التي أتمت سنة ودخلت في الثانية (أمها حملت بعد ولادتها).
بنت لبون: الناقة التي أتمت سنتين ودخلت في الثالثة (أمها صارت ذات لبن لولادة أخرى).
https://www.islamweb.net/ar/fatwa/14696
[11] ) رواه البيهقي في السنن الصغرى ج6 ص 449 رقم 2432 وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح ج2 ص 296 رقم 3498
[12] ) المغني ج19 ص 36
[13] ) تفسير السعدي ج1 ص 192
[14] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج1 ص 276 رقم 296
[15] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 305
[16] ) رواه البخاري ج9 ص 135 رقم 2459
[17] ) رواه البخاري ج9 ص 315 رقم 2560
[18] ) رواه البخاري ج21 ص 160 رقم 6363
[19] ) رواه مسلم ج9 ص 90 رقم 3224
[20] ) شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي: تحفة المحتاج في شرح المنهاج للنووي ج36 ص 219
[21] ) الجواب الكافي ج1 ص 102
[22] ) عبد المجيد الدبياني : علاقة السببية وآثارها في الفقه الجنائي الإسلامي ص 18 وما بعدها
[23] ) نظرية الأحناف و من تبعهم في ذلك
[24] ) نظرية الشافعية إن ثبتت كما ذكرها ابن رشد
[25] ) يراجع في هذه المسألة بحثنا : مقاصد العقوبات في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي ، المقدم لجائزة الملك نايف وزير الداخلية للمملكة العربية السعودية في دورته الأولى - الذي كان ضمن البحوث المرشحة لنيل هذه الجائزة عام 2004-2003
[26] ) رواه ابن ماجة ج8 ص 60 رقم 2617 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 94 رقم 2125
[27] ) رواه البخاري ج21 ص 220 رقم 6399
[28] ) بداية المجتهد: 390/2، 393 وذلك كأن يحذف الأب ابنه بسيف أو عصا، فيقتله، كما فعل رجل من بني مدلج بابنه، ففرض عمر على الأب دية مغلظة مثلثة: 30 حقة و 30 جذعة، و 40 حوامل. (2) البدائع: 251/7.
[29] ) أبو سعيد القيرواني : تهذيب المدونة ج4 ص 16
[30] ) حسن الشاذلي : كتاب الجنايات في الفقه الإسلامي (دراسة مقارنة) ص 350
[31] ) التشريع الجنائي للإسلامي ص 210 ، للمستشار عبد القادر عودة
[32] ) وفي تحديد رابطة السببية عدة نظريات هي محل البحث في المسألة الثالثة –إحالة -
[33] ) رواه النسائي ج14 ص 444 رقم 4714 وصححه الالباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج10 ص 369 رقم 4797
[34] ) رواه أحمد ج13 ص 469 رقم 6431
-
الاربعاء PM 12:04
2026-01-14 - 51



