المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1058361
يتصفح الموقع حاليا : 6351

البحث

البحث

عرض المادة

سياسة الشرعية في تمييز معسكر الخائنين عن المحايدين

د / احمد نصير

سياسة الشرعية في تمييز معسكر الخائنين عن المحايدين

المبحث الثاني

المرحلة الثانية من الجهاد

 

 

قال تعالى ( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91)

 

 وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)

 

 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94)

 

وفيه ثلاثة مطالب  :-

الأول : عصمة دماء المحايدين عسكريا والمعاهدين ، ومقاتلة المنضويين تحت لواء دار الحرب والخائنين .

الثاني : حكم سفك دماء المعصومين بالخطأ وفي حالة العمد .

الثالث : الاحتراز من قتل من أعلن إسلامه تقية .

 

وتأتي مفترضات تطبيق هذه المرحلة من مراحل القتال بعد كف بأس الذين كفروا ، حيث ينقسم العالم إلى دارين ، دار إسلام ودار حرب ، وهناك دار موادعة أو مهادنة بعقد دائم أو مؤقت لها أحكام خاصة ، وتتميز كلا الدارين الأولين بأحكامهما ، فإذا حصل ذلك لابد وأن يُعرف ولاء الناس لأي منهما ، فمن أعلن ولاءه لدار الإسلام لا يجوز أن يمكث في دار الحرب بغير إذن الإمام ولمصلحة شرعية معتبرة ، وعليه أن يهاجر إلى دار الإسلام لتنطبق عليه أحكام الإسلام ، فيكون معصوم الدم ، فإن لم يهاجر إلى دار الإسلام وظل قابعا في دار الحرب فإنه تنطبق عليه أحكام دار الحرب ولا يكون معصوم الدم حتى وإن كان مسلما ، هذا هو الأصل وترد عليه بعض الاستثناءات ، أما أهل دار المعاهدة ، فيستفيدون من العهد الممدود لهم سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين ، وكذلك من يدخل في عهدهم باعتبار أن عهود الأمان في الإسلام شارعة ، على النحو الوارد في هذا البحث .

واستثناء من هذا التقسيم استظهرت الآيات حالة من وقف على الحياد ، أي استشعر حرجا أن يقاتل قومه ، وكذلك استشعر ذات الحرج في قتال المسلمين ، فكف يده عن المسلمين وعند قومه المحاربين للمسلمين ، فوقف موقفا وسطا بين الفريقين ، فحكم هؤلاء تخلية سبيلهم وحفظ دمائهم متى احتفظوا بحالة الحياد هذه وأمكن تمييزهم عن معسكر الكافرين ، لكن الآيات حذرت من الخائنين من بين هؤلاء الذي يعلنون الحياد وليسوا كذلك ، حيث بسطت عليهم أحكام غير معصومي الدم الذين يحاربون المسلمين أو ينضوون تحت لواء دولة محاربة .

 

والمفترضات التي تعالجها هذه الآيات تأت في مرحلة بعدما تجاوز المسلمون المرحلة الأولى من الجهاد وكسروا شوكة دار الحرب حيث استطاعوا بفضل الله تحقيق غايتهم من المرحلة الأولى بكف بأس الذين كفروا عن المسلمين ، وتحييدهم ، وأضحت لهم دولة قوية تستطيع أن تصالح الناس والبلاد حولها على التحية وتبادل المصالح والمنافع فيما بينهما ، فهؤلاء الذين تصالحوا مع المسلمين دارهم دار موادعة أو هدنة ، فلم يبق غير الالتفات إلى بعض الخلايا التي تبث الفتنة بين الدارين ، وتوقع هؤلاء في هؤلاء ، حيث يجب على النبي r أن ينتبه لعمل هؤلاء ، ويوجه جهاده لمن يلونهم من المنافقين غير المسالمين ، وكذلك من بقي من الكفار الذين مازالوا يستضعفون فئة من المؤمنين .

 

 فالآيات في هذا المقطع من السورة عالجت على وجه الخصوص إشكالية إقامة بعض المنافقين في دار الحرب بغير إذن الإمام ، لتبين أحكام التعامل معهم ، فدعت إلى توفير طاقة الدعاة عن استيعابهم ، ناهية لهم عن موالاتهم حتى يتبين صدقهم بالانضمام للدولة الإسلامية والانخراط في صفوف المسلمين مؤدين ما عليهم من واجبات والتزامات العسكرية ، فإن أبوا فلا أمان لهم ويجب محاربتهم ، متى لم ينضووا تحت رعاية الدولة الإسلامية ، إلا من التحف منهم بميثاق دولة معاهدة – حيث يجوز أن تدخل الدولة المحاربة في عهد بعد ذلك - فيكونون بأمان طالما ظل الأمان لها قائم مع المسلمين ، أو ظلوا محايدين لا يرغبون في قتال المسلمين ولا في قتال قومهم الذين ليس لهم مع المسلمين أمان ، فمن ظل على هذا الحياد ، فإنه يكون معصوم الدم ، أما إذا انكشف خداعهم ومكرهم وخيانتهم فانقلبوا على المسلمين كلما لاحت فتنة ، فليسوا بمعصومي الدم ، ويجب قتلهم وأسرهم .

 

وعند تطبيق هذه الأحكام المتشابكة والتي يكسوها الضباب أحيانا ، من الممكن بل وكثير الحدوث أن يقع بعض المسلمين في بعض الأخطاء عند التطبيق ، ولذلك تناولت الآية 97 حكم القتل الخطأ فاستظهرت حكم وقوع القتل الخطأ بين المسلمين ومعصومي الدماء ، بأن هذه الحادثة لا تنتمي لمنهج الإسلام ، بل هي وقائع فردية لا تمت صلة لمنهج الإسلام ، والشريعة الإسلامية عالجتها في ضوء الأحكام المدنية وأخرجتها من دائرة الأحكام الجنائية أو العقابية لانتفاء القصد الجنائي، فبينة دية القتل الخطأ في كل الأحوال ،وكذلك كفارته حال أن يكون المقتول مسلما.

أما في حالة القتل العمد فإنها تدخل في دائرة التشريع الجنائي الإسلامي ، فنبهت على عظم هذه الجريرة وأنها من أكبر الكبائر .

وأخيرا وليس بآخر أمرت - الآيات - بالتثبت والتبين قبل قطع الرأس وإراقة الدم متى كان ظاهر الحال يُشِكل على المجاهد ، فحذرت من التسرع في القتل رغبة في مغنم ، وحذرت من التوسع في تكفير الناس بلا بينة تيئسا لهم من رحمة الله الواسعة متى  نطقوا بالشهادتين حتى وإن كان الظن أنها علي سبيل التُقْية .


المطلب الأول

عصمة دماء المحايدين عسكريا والمعاهدين ، ومقاتلة المنضويين تحت لواء دار الحرب والخائنين .

 

قال تعالى (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91)

 

تقف القوانين المقارنة إزاء مسألة التجنيد الإجباري موقفا حاسما ، وتعتبرها دليلا قاطعا علي الانتماء والرعوية ، وكذلك الإسلام دون أن يتخذ أسلوب التجنيد الإجباري ، فالإسلام دين ودولة ، وشعائر تعبدية وجيش منظم ، أما في الفرض حيث يسلم أناس في غير دار الإسلام ، ولا يزالون يساكنون غير المسلمين ، فإنهم يخضعون –تبعا لذلك- لقوانينهم وتشريعاتهم ، وقد يتم تجنيدهم إجباريا وفقا لقوانين هذه البلاد ، لأنهم بحكم إقامتهم كمواطنين بينهم يخضعون لقانون دار الحرب ، فيضطروا أن يحارب مع الكفار ضد المسلمين ، مما يتعارض مع ولائهم للمسلمين ودولة الإسلام ، هنا يثور التساؤل لماذا يظل المسلم تابعا ومنتميا لدولة لا تطبق شرع الله ولا تحرم ما يحرمه وتدين بدينه ؟ إلا أن يكون مضطرا ، ففي غير حالة الضرورة يبدو التناقض ظاهرا فيما يعتقده بقلبه ، وما يرتضيه بتبعيته.

 

وهذه الحالة حصلت في عهد النبي r لما أمر بالهجرة من دار الكفر (مكة وقتها) إلى دار الإسلام (المدينة المنورة) لأن لا يقع المسلم في مثل هذا الحرج ، فلم يتغاضى المهاجرون عن الانخراط في صفوف المجندين في دار الإسلام  كمجندين صالحين ، فأطاعه المسلمون وهاجروا من مكة بنية نصرة الإسلام في المدينة المنورة ، بيد أن طائفة منهم تأخرت عن الهجرة ، إما لتأخر إسلامهم أو لتلكئهم عن الهجرة ، فاضطروا لمحاربة المسلمين مع المشركين في بدر ، فقتلهم المسلمون ، ولذلك قال رسول الله r (إني بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين) قالوا : يا رسول الله ولم ؟ قال : (لا تراءى ناراهما) ، قال الألباني (نزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين ، وهو قادر على الهجرة ، وليس متمكنا من إقامة الدين ، فهو ظالم لنفسه ، مرتكب حراما بالإجماع)[1] ، وفي رواية الترمذي (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِمَ قَالَ لَا تَرَايَا نَارَاهُمَا)[2] ، قال ابن الأثير أي (يلزَمُ المُسْلم ويَجبُ عليه أن يُبَاعِد مَنْزِلَه عن مَنْزل المُشرك ولا يَنْزل بالموضع الذي إذا أُوقِدَت فيه نارُه تلُوحُ وتظهرُ لنارِ المُشْرِك إذا أوقَدها في منزله ولكنه ينزلُ مع المسلمين في دَارِهم ، وإنما كره مُجَاورَة المشرِكين لأنَّهم لا عهد لَهُم ولا أمان وحثَّ المسلمين على الهِجْرة)[3] ، لأجل ذلك كان لابد من توضيح موقف هؤلاء الذين يسميهم القانون الدولي (بمزدوجي الجنسية) أو الرعوية عند من يعترضون على مصطلح (الجنسية)[4] .

 

والإسلام لا يعترف بمصطلح مزدوجي الجنسية أو الرعوية ، ولا يقره ، فإما أن تكون رعوية الفرد تابعة للدولة الإسلامية ويخضع عندئذ للتجنيد بها طواعية ، وإما أن تكون رعويته تابعة لدولة محاربة أو معاهدة بحسب الأحوال ، ولكل واحد من ذلك أحكامه على التفصيل الذي سوف نذكره ، بيد أنه ثمة أناس يترددون في الاختيار بين الأمرين ، وقد سمتهم الآية بصراحة مطلقة منافقين ، (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ) وأوجبت مخاصمتهم في الله ، ذلك أنهم لا يزيدون المسلمين إلا ضعفا بعدم تحديد وجهتهم وتوضيح موقفهم ، أملا منهم في ردة المسلمين عن دينهم كما ارتدوا فيتساويا في الركس والانتكاس ، وهؤلاء لن يثبت صدق إيمانهم إلا بعد أن ينضموا لصفوف المجاهدين في سبيل الله تعالى طواعية منهم واختيارا .

 

 وقد قيل أن هذه الآيات نزلت بمناسبة تخلف بعض المنافقين عن الجهاد مع النبي r في غزوة أحد ، فبعدما خرجوا معه ارتكسوا وانسحبوا قبل أن تبدأ المعركة ، فلما اقتربوا من عدوهم تركوه وتخلفوا عنه ، ولم يرجعوا إلى المدينة خوفا من أن يحاسبهم النبي r على ذلك ، فارتدوا ولحقوا بالمشركين ، فعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ r إِلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ r فِرْقَتَيْنِ :-

  • فِرْقَةً تَقُولُ نُقَاتِلُهُمْ
  • وَفِرْقَةً تَقُولُ لَا نُقَاتِلُهُمْ

فَنَزَلَتْ (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) ، وَقَالَ (إِنَّهَا طَيْبَةُ تَنْفِي الذُّنُوبَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ)[5].

 

قال العلماء (فدل هذا على أن ذلك الاختلاف في أمرهم ، إنما كان لتركهم رسول الله r بعد خروجهم معه إلى قتال أعدائه بـ "أحد" ورجوعهم إلى ما سواها ، فحل بذلك قتلهم ورجعوا إلى غير المدينة) [6]، ما يعني أنه رغم أن التجنيد في الإسلام طوعي وليس إجباري ، إلا أنه إذا التحق الجندي بصفوف المجاهدين ، فلا يجوز له أن يخالف الأحكام العسكرية المقررة وإلا عقوب على مخالفته بالجزاءات الجنائية العسكرية التي قد تصل إلى القتل ، فهؤلاء حكمهم –كذلك - في القوانين الوضعية أنهم متهمون بارتكاب جريمة الهروب من أداء الواجب العسكري وقت الحرب ، أو الهروب في ميدان المعركة ، وتلك الجريمة معاقب عليها في القوانين العسكرية بعقوبة "الإعدام" .

 

قال الطحاوي (فعقلنا بذلك أن رجوعهم كان إلى غيرها –إلى غير المدينة - لا إليها)[7]، وقيل (هم قوم خرجوا من مكة حتى جاؤوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون ثم ارتدوا بعد ذلك ، فاستأذنوا النبي r إلى مكة ليأخذوا بضائع لهم يتجرون فيها ، فاختلف فيهم المؤمنون ، فقائل يقول هم منافقون ، وقائل يقول هم مؤمنون ، فبين الله عز وجل نفاقهم وأمر بقتالهم)[8] ، أي نزل الحكم من الله تعالى (فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، أي سقطت عنهم رعوية الدولة المسلمة متى انضموا تحت لواء رعوية دولة غيرها ، فإن حصل ذلك فإنهم يأخذون حكمهم كذلك ، أي إن كانت هذه الدولة معادية فإنهم يُقاتلون مثلهم وإن أعلنوا أسلامهم (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (89) ، ثم استثنت الدولة المعاهدة التي انضموا إليها فإنهم يَسلمون مثلما سلم أتباع ورعايا هذه الدولة المعاهدة سواء بسواء (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ) ثم فصلت وبينت سبب هذا الاستثناء (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) ثم انتقلت لبيان وصف أناس آخرون من المنافقين التزموا الحياد التام في الظاهر لكنهم لا يترددون عن الخيانة كلما سنحت لهم الفرصة ، فبينت أن قتالهم واجب أينما ثقفوا (سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) (91) .

 

قوله تعالى (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) (88) أي صرتم في أمرهم فرقتين : فرقة تذب عنهم ، وفرقة تباينهم وتعاديهم ، فنهى الله الفرقة الذين يذبون عنهم وأمر المؤمنين جميعا أن يكونوا على منهاج واحد في التباين لهم والتبرئ منهم)[9].

 

 قال ابن عاشور (هو تفريع عن قوله (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) [النساء:87] ، وإذ قد حدَّث الله عنهم بما وصف من سابق الآي ، فلا يحق التردد في سوء نواياهم وكفرهم)[10] ، فعَنْ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ r إِلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَتْ فِرْقَةٌ نَقْتُلُهُمْ وَقَالَتْ فِرْقَةٌ لَا نَقْتُلُهُمْ فَنَزَلَتْ (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ) ، وَقَالَ النَّبِيُّ r (إِنَّهَا تَنْفِي الرِّجَالَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)[11].

 

فعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r خَطَبَ النَّاسَ- لما ثبتت براءة عائشة رضي الله عنها بشأن حادثة الإفك واستمر كلام بعض الناس في الأمر - ، فَقَالَ: "كَيْفَ تَرَوْنَ فِي الرَّجُلِ يُخَاذِلُ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، وَيُسِئُ الْقَوْلَ لأَهْلِ رَسُولِ اللَّهِ، وَقَدْ بَرَّأَهَا اللَّهُ، ثُمَّ قَرَأَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي بَرَاءَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي حَدِيثٍ، فَنَزَلَ الْقُرْآنُ فِي ذَلِكَ: " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا "  فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ يَنْطِقُ وَلا يَتَكَلَّمُ فِيهِ أَحَدٌ"[12]، أي لم يشفع أحد لهذا المنافق الذي أساء القول لأهل رسول الله r ، وهو ما جعل الناس يكفوا عن الكلام في أمر الإفك ، ما يعني أنه كلما حاول الخروج من دائرة النفاق بدر منه ذنب عاد بسببه مرة أخرى للركس .

 

وفي قوله (وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) قال الفراء أركسهم (ردهم إلى الكفر)[13] ، ذلك أن بعضهم ارتد عن الإسلام بعدما انخزل عن الجيش ، وبعضهم ارتد بعد الهجرة للمدينة ولحق بالكفار كما ذكر الطحاوي وغيره .

 

 قال ابن القيم (القلب المنكوس وهو المكبوب إلى قلب المنافق ،كما قال تعالى : (والله أركسهم بما كسبوا) [ النساء : 88] أي نكسهم وردهم في الباطل الذي كانوا فيه بسبب كسبهم وأعمالهم الباطلة ، وهذا شر القلوب وأخبثها فإنه يعتقد الباطل حقا ،ويوالي أصحابه ،والحق باطلا ،ويعادى أهله فالله المستعان)[14] .

 

 وقد بين المهلب العلة من أن الله نقى المدينة منهم ، لحاجة المؤمنين لأهل المدينة بعد وفاة النبي r أكثر من حاجتهم لها وهو حي بين أظهرهم ، فقال (كان المنافقون الساكنون بالمدينة قد ميزهم الله كأنهم بارزون عنها بقوله : (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ الْقَوْلِ) [ محمد : 30 ] فكانوا معروفين معينين ، وأبقاهم r لئلا يقول الناس : إن محمدًا يقتل أصحابه أو ينفيهم ، والنفى كالقتل ، وقد حكم الله أنهم لا يجاورونه فيها إلا قليلا ، فنفتهم المدينة بعده عليه السلام لخوفهم القتل ، قال الله تعالى : (مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً) [ الأحزاب : 61 ] فلم يأمنوا فخرجوا ، فصح إخبار الرسول r إنها تنفى خبثها ، لكن ليس ذلك ضربة واحدة ، لكن الشىء بعد الشىء حتى يخلص أهلها الطيبين الناصعين وقت الحاجة إليهم فى العلم ؛ لأنهم فى حياته عليه السلام مستغنى عنهم ، فلما احتيج إليهم بعده فى العلم حفظتهم بركة المدينة فنفت خبثها)[15].

 

وفي قوله (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ..) (88) توبيخ لشفاعتهم السيئة في المنافقين ، وقد تبين خذلانهم النبي r في أمر الجهاد ، وإساءتهم القول في أهله ، فأنى لهم أن يشفعوا لهم عنده بعد ذلك وقد تبين نفاقهم وضلالهم ، قال الخازن والطبري وغيرهما (هذا خطاب للفئة التي دافعت عن المنافقين)[16].

 

قال العلماء (ولا وجه لإنكار هذه الارادة إلا تعلقها بما لا يقع في العلم)[17] فهم لا يعلمون مآل المنافقين عند الله ليحملهم الطمع في إيمانهم للشفاعة لهم للتجاوز عن أخطائهم ، أي من تكشف نفاقه يجب الإغلاظ عليه ، لا الشفاعة له تحببا وتوددا طمعا في هدايته ، فليس حال المنافق كحال المؤلفة قلوبهم ، فشتان بين الحالين ، فالواجب مجاهدتهم متى تبينت خيانتهم ، كما في قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التوبة 73).

 

قال سيد قطب (ولعله كان في قول الفريق . . المتسامح!! . . ما يشير إلى إعطائهم فرصة ليهتدوا ..! فاستنكر الله هذا في شأن قوم استحقوا أن يوقعهم الله في شر أعمالهم وسوء مكاسبهم)[18].

 

قوله (..وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) (88) فيه دليل على أن الله تعالى لا يهدي الكاذبين ، لأن النفاق لا ملة له ، ولو صدقوا الله لكان خيرا لهم ، فالله سبحانه يضلهم لأنه يعلم إسرارهم ، وما تضمره قلوبهم ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ)[19] أي (إلى طهارة قلوبكم التي هي محل التقوى وأوعية الجواهر وكنز المعارف)[20]، قال ابن الأثير (معنى النَّظَر ها هنا الاخْتِيار..، فجَعَل نَظَره إلى ما هو السِّرُّ واللُّبُّ وهو القلب والعَمل)[21]، فقوله (وأعمالكم) يقصد به عمل القلب ابتداءً (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا)[22].

 

والمعنى لأن الله تعالى يعلم ما في القلوب فيضل من فسد قلبه ، قال رسول الله r (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)[23]، وقال الملا القاري (بين القلب والأعضاء تعلقا عجيبا وتأثيرا غريبا بحيث أنه يسري مخالفة كل إلى الآخر ، وإن كان القلب مدار الأمر إليه ، ألا ترى أن تبريد الظاهر يؤثر في الباطن وكذا بالعكس)[24] .

 

قوله (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) هذا هو حقيقة دين المنافقين ، يحسدون الناس على إسلامهم ، ويودون لو يكفر الناس كما كفروا ، فيتقربون إليه بسيء العمل ، ويسعون لفتنة المسلمين في دينهم ، وهكذا تجاوز المنافق مراحل الحسد الثلاثة ، التي تتدرج من كره النعمة في النفس إلى تمني زوالها، ثم السعي الفعلي لزوالها عن المحسود، ، فهم لا يكرهون نعمة الإسلام وحسب ، بل يتمنون زوالها كذلك ، ويعملون على ذلك بالدعوة والسعي لأن يرتد المسلمون عن دينهم ، فيكونون سواء في عبادة الشيطان .

 

ما أبلغ التعبير فى جانب محاولة المؤمنين بالإِرادة فى قوله ( أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله) وفى جانب محاولة المنافقين بالود في قوله (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا) ؛ لأن الإِرادة لا يلزم أن ينشأ عنها الفعل ، فالفعل الحسن منتظر من المنافقين ، أي هو المأمول منهم ، فالمؤمنون يستقربون حصول الإِيمان من المنافقين ، لأن الإِيمان قريب من فطرة الناس ، لكن حال المنافقين بخلاف المؤمنين ، قال الشيخ علي الشحود (لأن المنافقين يعلمون أن المؤمنين لا يرتدون عن دينهم ، بل هم متمسكين به غاية التمسك ، فلم يكن تمنيهم كفر المؤمنين إلا ميئوسا ، فهو لون من التمنى الذى لا أمل فى تحققه ، فعبر عنه بالود المجرد ، أى ودوا ذلك ولكنه ود بعيد عن التحقق)[25] أي حتى لو تضافرت جهودهم في حصولهم فأنى للمؤمن بالله حقا أن يرتد عن إيمانه ، وقد علم هذه الحقيقة هرقل ملك الروم .

وهذا الود له ترجمة عملية من المنافقين حيث تراهم يدعون ضعاف المسلمين للهجرة إلى دار الكفر ، ويغرونهم بالأموال والنساء ليقعوا معهم في معصية الله ثم التحلل من الإسلام بالتدريج ثم بالكلية ، فيقعوا في الكفر وإن لم يعلنوا ردتهم ، كما هو معلوم (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ)[26] .

وقد ينجحون في استقطاب ضعاف النفوس من دار الإسلام إلى دار الكفر ، ليقيموا مع الكافرين ، ويجارونهم ، وعندئذ يجدون من أخلاقهم وعاداتهم وتقاليدهم ما هو بخلاف الإسلام ، وقد تحصل  منهم بعض المقاومة مؤقتا لتلك الأخلاق ، ولكن مع الاستهجان المستمر من المجتمع الكافر لهم ، يبدأ المنافقون بالتنازل عما ألفوه من أخلاق وعادات إسلامية إرضاء للكافرين ، كخلع الحجاب ، والاختلاط بالنساء دون استحياء ثم المصافحة ثم الخلوة ..... الخ ، ولا يبالون بمعاصيهم ، أو التعامل بالربا ...الخ ، فيحصل إلف للمعصية ولا يحصل استنكار لها ، فإذا تغير القلب تغيرت العادات ونُسيت التقاليد وقلت المروءة وهجرت العبادات ، فينخلع المنافق من دينه بالكلية .

 

وهنا يشرع المنافقون في الترويج للحياة في غير بلاد الإسلام ، وهو ما يتعمد الغرب الترويج إليه من خلال اتباع سياسة الإبهار للقادمين إليهم ، وترويج فكرة انفصال الدين عن الدولة ، وأن ذلك مبدأ أساسي لنشر السلام الدولي ، وأن تطور الدولة لابد وأن يكون بعيدا عن الأفكار الدينية ، ويستشهدون لذلك بالزعم بأن سبب التطور المذهل في الاتصالات والتقنيات الحديثة التخلي عن الدين لأجل البحث العلم المجرد من الأفكار الدينية ، لإقناع الناس أن التقدم الذي يعيشه الكفار سببه الانفصال عن الدين ، أو بمعنى آخر فصل الدين عن الدولة ، لينحصر لدين في بعض الطقوس التعبدية تؤدى في المسجد وحسب ، ولو فتشت في سبب التطور التكنولوجيعندهم لوجدت أن كثير من العلماء المسلمين كانوا يعملون لديهم ، فأنشتاين عالم النسبية اثنى علي أبحاث زميله مصطفى مشرفة بعد اغتياله أو موته ، فقال ("اليوم مات نصف العلم" أو "لا أصدق أن مشرفة قد مات، إنه حيٌّ بفضل أبحاثه" ، ما يؤكد أن علي مصطفى مشرفة هو ما صنع العلم الذي يتباهى به انشتاين ، ويتباهى به العلماء إلى اليوم ...وهكذا الأمثلة كثيرة .

 

يقول بعض الباحثين في مقارنة الأديان : من هنا (تلعب الفلسفة العملية البراغماتية دوراً رئيساً في تشكيل العقل الجمعي المُجبَر على الانصياع للواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي السائد في العالم الغربي، بما يصب أساساً في مصلحة النخبة المتنفذة، وهو الأمر الذي يتم تعميمه في مجتمعات العالم كافة مع تزايد وطأة العولمة وفق صياغة «عالم القطب الواحد»[27] .

 

 والله تعالى يقول (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (يونس/24) .

 

قوله (فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فإذا كان ذلك هو حال المنافقين ، وتلك هي سريرتهم ، أفيليق بالمسلمين أن يتخذوهم أولياء من دون المؤمنين ، وقد كفروا بالله عملا ، وإن لم يظهروا ذلك قولا ، ولذلك فإنهم وإن لم يظهروا الكفر وتمسكوا بظاهر الإسلام ، فإن باب التوبة مفتوح لهم إذا ما أرادوا أن ينضووا تحت لواء المسلمين ، بيد أنه ولكي تصدق توبتهم لابد أن يتجردوا من شواغل الدنيا التي اعترضت طريقهم في سبيل الله ، وآية هذا التجرد أن يغادروا دار الكفر ويهاجروا لينضموا إلى المسلمين ، ويجاهدوا معهم في سبيل الله ، وإن كانت الهجرة وحدها كفيلة بأن تلحقهم ولاية المؤمنين ونصرتهم ورعايتهم وإن لم يجاهدوا بعد ، حيث تسري في حقهم أحكام الإسلام ، ومنها طاعة الإمام إذا استنفروا ، والإمام بسياسته الشرعية له أن يخفف عنهم ويترأف بحالهم حتى يستقر الإيمان في قلوبهم .  

 

 قال ابن عاشور (تعين تأويل المهاجرة بالجهاد في سبيل الله، فالله نهى المسلمين عن ولايتهم إلى أن يخرجوا في سبيل الله في غزوة تقع بعد نزول الآية لأن غزوة أحد، التي انخزل عنها عبد الله بن أبي وأصحابه ، قد مضت قبل نزول هذه السورة)[28]، يعني تعليق ولايتهم لدار الإسلام على الهجرة ، ولا معنى للهجرة والرسول في حرب دائمة مع الكفار إلا أن ينصروه بأن ينخرطوا في صفوف المجاهدين ، وإن كانت الهجرة وحدها كافية لأن يتمتعوا بتلك الولاية .

 

 فالهجرة إلى المدينة كانت لنصرة النبي r ، وكانت هي الواجبة أول الإسلام حتى قال النبي r " لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا "[29] ، قال القرطبي (وهجرة من أسلم في دار الحرب فإنها واجبة) [30]، أي نسخ الأمر بالوجوب بعد فتح مكة وانتشار الإسلام في ربوع الجزيرة العربية لانتفاء علته ، أي لا داعي للهجرة لنصرة الإسلام ، بل يثبت كل مسلم في موقعه وينصر الإسلام من مكانه ، وسوف يثاب بنيته ، وذلك لما تعددت دور الإسلام ، وكثرت الفتوحات .

 

 لكن هناك إجماع على وجوب هجرة من أسلم في دار الحرب إذا كان مستضعفا [31]، لأنه لا يأمن على دينه في بلاد الكفر ، لا سيما إذا أشركوه في تأييد منكر أو المشاركة في العدوان على المسلمين ، وسبب هذا الوجوب قوله تعالى (الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيه فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ") ، وفي ذلك دليل على عدم جواز الانقلاب على أهل هذه الديار ، فليس ذلك هو طريقة الإسلام في تغيير منكرهم ، فلا يجوز تغيير المنكر بمنكر أشد وهو سفك دماء القلة المؤمنة ، وإنما يقوم بتغيير هذا المنكر المؤهلون لذلك ، وهم جيوش دار الإسلام ، وعلى المسلمين الجدد أن ينحازوا لمعسكرهم فحسب متى لم يأمنوا على أنفسهم ودينهم هناك .

 

فالمقصود بالهجرة -في هذا السياق وتلك الظروف التي تعيشها المدينة -الهجرة لأجل النصرة ، أي لأجل الجهاد في سبيل الله ، لأن معسكر المؤمنين في المدينة كان في جهاد دائم مع الكافرين ، فليس ثمة معنى للهجرة إلى معسكر المجاهدين إلا لأجل الانخراط في صفوفهم ومشاركتهم في أمر الجهاد في سبيل الله ، وهذا أمر طوعي كما ذكرنا ، ولكن المنافقون كانوا يخشون الهجرة لأجل ألا يشاركوا في قتال ، لاسيما وأنه كلما انقضت غزوة أو سرية خلفتها غزوة أو سرية أخرى ، فإذا تخلفوا عن كل السرايا والغزوات عُرف أنهم منافقون ، فكانت الهجرة مرتبطة من حيث الواقع بالجهاد في سبيل الله .

   

 وبالرغم من ذلك فقد استثنى المولى سبحانه من هؤلاء المنافقين الذين لم يهاجروا وينخرطوا في صفوف المجاهدين من وجوب مخاصمتهم ثلاثة فئات ذكرهم قال القرطبي : أي (اقتلوا المنافقين الذين اختلفتم فيهم إلا أن يهاجروا، وإلا أن يتصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق ، فيدخلون فيما دخلوا فيه فلهم حكمهم، وإلا الذين جاؤوكم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم فدخلوا فيكم فلا تقتلوهم) [32]:-

الأولى : من اتصل منهم بحماية قوم أو دولة لها عهد مع المسلمين أو ميثاق أمن وأمان ، حيث يستفيدون من هذا العهد وذلك الأمان ليمتد لهم فيشملهم لتبعيتهم لهذه الدولة المعاهدة أو القوم المعاهدون

الثانية : من عجزوا -بظاهر حالهم- عن قتال المسلمين أو تأليب الكفار والمشركين على المسلمين ، كالعجزة والفقراء والمساكين والنساء ..الخ

الثالثة : من التمسوا عذرا لدي المسلمين فتخلفوا عن أن يلحقوا بهم لما بينهم وبين قومهم – وإن كانوا كافرين – من الولاية والمحبة شريطة أن يأمن المسلمون غدرهم ويثقوا في عهدهم (أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ) أو خرجوا مكرهين اضطرارا ، قال ابن كثير : (وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال وهم كارهون، كالعباس ونحوه)[33].

 

وفي قوله (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (89) عن ابن عباس:"فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم"، فإن تولوا عن الهجرة "فخذوهم واقتلوهم"[34] ، لأن الذي لم يهاجر لدار الإسلام حكمه هو حكم الدار التي يقيم بها ، فإن كانت دار حرب فإنه يُحارب ويُقتل ، وإن كانت دار عهد وآمان تمتع بآمانهم وعهدهم لمدته .

 

قال الشيخ طنطاوي في هذه الآية (بيان لحكم الله - تعالى - فى هؤلاء المنافقين إذا ما استمروا فى غيهم وضلالهم ، والمعنى : فإن أعرض هؤلاء المنافقون عن الهجرة فى سبيل الله - تعالى - فلا تعتبروا إسلامهم ، بل خذوهم فى الأسر ، وضيقوا عليهم)[35] .

وقال الشعراوي (ولا يصح أن يتخذهم المؤمنون أولياء أو نصراء؛ لأن الواحد من المنافقين يكون دسيسة على المؤمنين ، ويحاول أن يعرف أمور وأحوال المسلمين ، ويطلع خصوم الإسلام على ما يمكن أن ينفذ منه العدو إلى المسلمين ، ويستميت ليعرف ما يبيت المسلمون للكافرين)[36] .

 

لكن لابد قبل تطبيق هذا الحكم عليهم إعذارهم به حتى لا يعاقبون بجهلهم ، قال ابن عاشور (إذ المعنى: فأبلغوهم هذا الحكم ، فإن أعرضوا عنه ولم يتقبلوه فخذوهم واقتلوهم، وهذا يدل على أن من صدر منه شيء يحتمل الكفر لا يؤاخذ به حتى يتقدم له ، ويُعرَّف بما صدر منه ، ويعذر إليه ، فإن التزمه يؤاخذ به ، ثم يستتاب ، وهو الذي أفتى به العلماء)[37] .

ولا يخفى أن الآية انطوت على إنذار شديد ، ونظير ذلك قوله تعالى (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة/24)  .

 

وهذا الحكم -أي أسرهم وقتلهم- لابد أن نقف عليه هوينة لمعرفة تفاصيله وشروط تطبيقه في هذا الفرض ، وبيان مفترضاته حتى لا يلتبس على البعض أن الإسلام يجيز قتل المسلمين بالشبهة ، فمفترضات الحالة التي نحن بصددها هو التهرب من الجهاد في غزوة أحد ، ومن ثم قامت البينة والحجة على أنهم متخلفين عن الجهاد في سبيل الله ، لاسيما وقت الحرب ، ومثل هذه الجريمة في معظم القوانين الوضعية عقوبتها الإعدام ، لاسيما إذا هاجر لدولة معادية ، أو ظل قابعا فيها بعدما قامت الحرب ، هذا من جهة .

ومن جهة أخرى فإن الآية نزلت –كذلك - في حكم من أسلم من أهل مكة لكنه يداهن الذين كفروا من قريش ، ويظاهرهم على المسلمين ، بل وينضم إلي صفوفهم ليقاتل المسلمين معهم كما حصل في معركة "بدر" ، فهؤلاء ليس لهم مفر من أن يعاملهم المسلمون معاملة "الحربي" إلا أن يهاجروا من دار الكفر وينضووا تحت لواء الإسلام ، فإن أبوا أن يفعلوا ذلك فقد اختاروا الدنيا على الآخرة - حتى وإن أسلموا - فإنهم يصنفون في معيار الشريعة أنهم قوم "محاربون" متى رفعوا السلاح على المسلمين ضمن صفوف الكافرين ، ومن ثم يجب أسرهم وقتلهم ، مثلهم مثل غيرهم من المحاربين ضد المسلمين ، والله تعالى يتولى سرائرهم ، وحسابهم على الله .

 

والدليل على ذلك قول رَسُول اللَّهِ r (يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ قَالَتْ قُلْتُ – عائشة - يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ قَالَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ)[38]، فقوله (وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ) أي أن من الذين خرجوا في هذا الجيش أناس يرفضون ذلك ، ولكنهم مساقون بالقهر ، وليسوا منضمين لهذا الجيش عن  اختيار وطواعية ، فإن الله لم يستثنهم من الخسف ، ويوم القيامة يحاسبهم على ما فعلوا بحسب نياتهم واستطاعتهم .

 

قوله (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ... ) (89) استثناء ممن يجب قتالهم ومحاربتهم ممن لم ينضووا تحت لواء دولة الإسلام ، وظلوا مع قومهم ولم يستبن موقفهم من دار الإسلام ، ولكنهم دخلوا في عهد أمان مع قوم مدت لهم الدولة المسلمة الأمان ، فصاروا داخلين في أمان الإسلام ، وصاروا معصومين الدم بذلك .

 

قَالَ الْحَسَنُ : (فَاَلَّذِينَ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ بَنُو مُدْلِجٍ , فَمَنْ وَصَلَ إِلَى بَنِي مُدْلِجٍ مِنْ غَيْرِهِمْ كَانَ فِي مِثْلِ عَهْدِهِمْ)[39]، أي من دخل في عهد بني مدلج امتد له عهد رسول الله r وأمانه إليه مثل بني مدلج ، وهو ما يسمى بالاتفاقية الشارعة ، حيث ينضم إليها من يريد أن ينضم دون حاجة لاتفاق جديد ، ما يعني أن اتفاق السلم ممدود لمن يريد السلم لا الحرب .

 

وأصل القصة ما روي عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال : « فَلَمَّا قَدِمَ – أي النبي r - الْمَدِينَةَ –أي بعد الهجرة من مكة - ، وَظَهَرَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ وَأُحُدٍ ، وَأَسْلَمَ النَّاسُ وَمَنْ حَوْلَهُمْ ، قَالَ سُرَاقَةُ : بَلَغَنِي أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إِلَى بَنِي مُدْلِجٍ –أي قومه- ، قَالَ : فَأَتَيْتُهُ ، فَقُلْتُ لَهُ : أَنْشُدُكَ النِّعْمَةَ ، فَقَالَ الْقَوْمُ : مَهْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ r  : دَعُوهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ r : مَا تُرِيدُ ؟

 فَقُلْتُ : (بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَبْعَثَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إِلَى قَوْمِي –أي علم أنه بعث خالد بن الوليد لقتالهم- , فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تُوَادِعَهُمْ , فَإِنْ أَسْلَمَ قَوْمُهُمْ أَسْلَمُوا مَعَهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا لَمْ تَخْشُنْ صُدُورُ قَوْمِهِمْ عَلَيْهِمْ )

وهذا يدل على الحكمة واللين في دعوة الناس، وتجنب إثارة العداوة أو النفور، وإعطاء فرصة للتعايش السلمي حتى لو لم يسلموا في الحال، مما يفتح بابًا لترقب إسلامهم لاحقًا.

فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ r بِيَدِ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ ، فَقَالَ لَهُ : (اذْهَبْ مَعَهُ ، فَاصْنَعْ مَا أَرَادَ).

فَذَهَبَ إِلَى بَنِي مُدْلِجٍ , فَأَخَذُوا عَلَيْهِمْ أَنْ لاَ يُعِينُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ r ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ أَسْلَمُوا مَعَهُمْ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ : (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا) حَتَّى بَلَغَ : (إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ، أَوْ جَاؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ ، أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ)[40].

وفي رواية (فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله r » [41]، يعني لا يساعدوا عدوه على حربه بالمال أو السلاح أو العتاد والجند أو أي وسيلة من وسائل الإعانة العسكرية أو نقل التكنولوجيا وتوظيفها في الحرب كما هو الحال في زمننا المعاصر ، وذلك مادامت الحرب قائمة بين النبي r وعدوه ، ولم تضع أوزارها .

 

 قوله (..أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ.. ) (89) في الفرض السابق دار الحديث حول حالة حياد أقوام معينين لحقوا بعهد دولة معاهدة فتكون دماءهم معصومة لدخولهم في عهد تلك الدولة ، أما الفرض حيث يتعذر تمييزهم ، باعتبار أنهم من بين أقوام محاربين أي من رعايا دولة محاربة ، ولكنهم رفضوا أن يقاتلوا المسلمين معهم ، وفي ذات الوقت رفضوا أن يقاتلوا قومهم مع المسلمين ، أي وقفوا على الحياد بين الطرفين ، فهؤلاء إذا نجحوا في تحييد أنفسهم ، وأمكن تمييزهم ، فقد عُصمت دماءهم متى ظلوا على هذا الحياد السلبي بين الفريقين ، قال ابن عاشور (ولذلك أمر المؤمنين بكف أيديهم عن هؤلاء إن اعتزلوهم ولم يقاتلوهم)[42] ، كالعباس عم النبي r أُخرج مكرها ، ولم يقاتل وأمكن تمييزه عن المشركين ، (ولهذا نهى النبي r يومئذ عن قتل العباس وعبّر –أي أمر - بأسره)[43].

 

مفترضات تطبيق هذا الاستثناء تتمثل في قوم محايدين ، لكن قومهم محاربين ، فبحسب القواعد العامة يجري عليهم ما يجري على قومهم من جواز إهدار الدم ، لما بين قومهم والمسلمين من عداوة وحرب ، وليس بينهما عهد ولا سلم ، ولكن هناك مسألة عالقة في المنتصف غيرت من وجوب تطبيق هذا الحكم ، وهي مسألة داخلية تتعلق بقلوبهم ، ولا يعلمها إلا الله ، وهي أن صدورهم تأبى قتال المسلمين ، بهذا يمكن تحصين دماءهم ، لكنهم في ذات الوقت يأبون قتال قومهم ، هنا يخرجون من دائرة الولاية أي النصرة لهذا السبب ، ولعل ما في صدورهم قد تكشف للمسلمين ، وإن استطاعوا إخفاءه عن قومهم مثلما حصل للعباس بن عبد المطلب عم النبي r ، فعن ابن عباس في قوله  (حصرت صدورهم)  قال : عن هؤلاء ، وعن هؤلاء[44] ، أي كرهوا أن يقاتلوا المسلمين وكرهو كذلك قتال قومهم المحاربين للمسلمين ، أي ضاقت صدورهم عن فعل ذلك ، قاله السدي[45]، قال قتادة أي كارهة صدورهم[46] ، أي كارهة أن تمتد إيديهم لسفك دماء أحد الفريقين، فعَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: " " أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ "  أَنْ يُقَاتِلَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ يُقَاتِلَ قَوْمَهُ"[47]  .

وتأمل قوله (أو جاؤكم) يعني جاءوا إلى دار الإسلام وكأنهم جاءوا مكرهين هذا فرض كما في حال العباس ، وهناك فرض آخر أن يأتوا مهاجرين لكنهم يشترطون ألا يجاهدوا قومهم ، يعني استطاعوا هجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ، لكنهم لم يستطيعوا أن يعلنوا ولاءهم بالكامل لدار الإسلام ، فعَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: "أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ "  يُرِيدُونَ: هِلالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ وَهُوَ الَّذِي حُصِرَ صَدْرُهُ أَنْ يُقَاتِلَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ يُقَاتِلَ قَوْمَهُ"[48].

 

ففي الفرض الأول - أي جاؤوا مكرهين - مثال لحالة تحييد العدو الذي يرجى فيه خير في المستقبل ، فهم يصنفون كأعداء لأنهم لا يزالون منضمين للكافرين المحاربين ولا يمكن تمييزهم عنهم ، فلو أجبروا على الخروج لمقاتلة المسلمين فلا عذر لهم ، ويُقتلون تبعا لذلك مثلما حصل مع قتلى بدر من قريش الذي أخرجوا مكرهين ، وفيهم نزل قوله (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (97) ،وقد تبرأ النبي r من دماء قتلهم في بدر ، لتعذر تمييزهم ، يعني لا تطبق عليهم دية القتل الخطأ .

 

 لكن هؤلاء يرجى فيهم خير لأنهم يأبون مقاتلة المسلمين ، فإن كان بعض الناس لا يريدون أن يقاتلون المسلمين مثل قومهم ، وفي ذات الوقت يراعون حق قومهم ، فيقفون على مسافة واحدة بين الفريقين ، فهؤلاء لم يحتسبهم الإسلام على قومهم ، فلم يهدر دماءهم مثل قومهم المحاربين ، بل نظر لهم نظرة تفريد بعين بصيرة ، أي نظر إلى حالة الحياد التي يتحلون بها ، فاستثناهم من حكم قومهم ، أي مد لهم السلام خلافا للأصل بأن يقاتلوا كما أن قومهم يُقاتلون أينما ثقفوا ، لاسيما إذا كانوا في دار حرب ، فلا يمكن تمييزهم عن غيرهم من المحاربين ، والاستطاعة مناط التكليف ، ولا تكليف إلا بما هو مقدور ، لكن إن أمكن فإنهم يستفيدون من الاستثناء الوارد في هذا الآية .

 

وهناك مثال آخر لهذا الاستثناء ، وهو الفرض الثاني ، أي قوم هاجروا ، يعني انضووا تحت لواء الإسلام ، فكان من المفترض أن ينصروا رسول الله r بمجرد انضمامه تحت لوائه ، ولكن قلوبهم لا تزال في حرج أن يقاتلوا قومهم ، أي أنهم ولأسباب خاصة يمتنعون عن نصرة المسلمين ضد قومهم ، قال ابن عاشور (هم قوم جاءوا إلى المدينة مهاجرين ولكنهم شرطوا أن لا يقاتلوا مع المؤمنين قومهم فقبل منهم -  النبي r- ذلك ، وكانت رخصة لهم أول الإسلام، إذ كان المسلمون قد هادنوا قبائل من العرب تألفا لهم، فلما قوي الإسلام صار الجهاد مع المؤمنين واجبا على كل من يدخل في الإسلام ، أما المسلمون الأولون من المهاجرين والأنصار ومن أسلموا ولم يشترطوا هذا الشرط فلا تشملهم الرخصة، وهم الذين قاتلوا مشركي مكة وغيرها)[49].

 

وأحداث السيرة النبوية تدل على أن النبي r كان يرخص لبعض الناس أشياء ولا يرخص لغيرهم من باب التفريد الدعوي ، كالمؤلفة قلوبهم ، ويدخل فيهم المستجدون في الإسلام ، فعَنْ وَهْبٍ قَالَ سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ شَأْنِ ثَقِيفٍ إِذْ بَايَعَتْ قَالَ (اشْتَرَطَتْ عَلَى النَّبِيِّ r أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلَا جِهَادَ وَأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ r بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ سَيَتَصَدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا)[50] ، أي أنه قبل إسلامهم الشكلي ، وعول على أنهم سوف يسلمون قلبا وقالبا بعدما يتعرفوا على الإسلام أكثر وأكثر ، وحكمة التشريع ، وعندئذ سيفعلون كل ما يأمرهم به الإسلام ، ولذلك قبل النبي r إسلام من لم يقبل الإسلام بالكلية ليكون ذلك توطئة لأن يلين قلبه بعد ذلك ، فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ لِرَجُلٍ (أَسْلِمْ قَالَ أَجِدُنِي كَارِهًا قَالَ أَسْلِمْ وَإِنْ كُنْتَ كَارِهًا)[51]، قال ابن كثير "أسلم وإن كنت كارهًا فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص"[52].

 

فهذه الأحاديث تدل على سعة الإسلام ورحمته ، فهو لا يرد أحدا عن بابه ، ويتدرج بالناس حتى يلتزموا بالتكاليف الشرعية رويدا رويدا ، ولا غرو في التقصير في بعض الفروض في أول الأمر ولو كانت تمثل أركان هذا الدين كالصلاة ، لعله حين يستشعر الرحمة والطمأنينة يأتي الفروض كلها والنوافل جميعا ،  فعَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ r فَأَسْلَمَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلِّي إِلَّا صَلَاتَيْنِ فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ)[53]، وهكذا يريد الإسلام أن يُقبل الناس عليه حتى وإن لم يلتزموا بعمود الدين ، ولذلك قال العلماء (يصح الإسلام على الشرط الفاسد، ثم يلتزم شرائع الإسلام كلها، ولا يخفى أن هذا فيمن يراد تأليفه على الإسلام من غير المسلمين)[54].

 

 وتلك هي قوة الإسلام أنه يتقبل الناس جميعا بكل مستوياتهم الإيمانية ليتدربوا على الإيمان ، فيزيد رويدا رويدا حتى يصير من كان كافرا مضطهدا للمسلمين من أشد المناصرين له والمؤيدين كخالد بن الوليد ، فيتوب الله على المنافقين حين يدخلون الإسلام كارهين ولكن يصدق فيهم وعد رسول الله فيلتزمونه بالكلية وبحب .

 

 وربما تشدد النبي r مع بعض المسلمين خلافا لتساهله مع غيرهم لما اشتراطوا التخلي عن بعض الفروض قبل الإسلام ، فلم يقبل النبي r من وفد ثقيف أن يشترطوا عليه ألا يصلون ، وقبل منهم ما دون ذلك ، فهو خبير بحالهم ، والنبي r يفرد الحالة الدعوية فيقبل من هذا ولا يقبله من غيره ، فعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ r أَنْزَلَهُمْ الْمَسْجِدَ لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهِمْ فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُحْشَرُوا وَلَا يُعْشَرُوا وَلَا يُجَبَّوْا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَكُمْ أَنْ لَا تُحْشَرُوا وَلَا تُعْشَرُوا وَلَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ)[55].

أي أن تلك السياسة الدعوية تحتاج لفهم حال المدعو واستطاعته ومدى استيعابه وفهمه للإسلام ، قال ابن تيمية (وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ ، فَفِي حَالٍ أُخْرَى يَجِبُ إظْهَارُ النَّهْيِ : إمَّا لِبَيَانِ التَّحْرِيمِ وَاعْتِقَادِهِ وَالْخَوْفِ مِنْ فِعْلِهِ أَوْ لِرَجَاءِ التَّرْكِ أَوْ لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ ؛ وَلِهَذَا تَنَوَّعَ حَالُ النَّبِيِّ r فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَجِهَادِهِ وَعَفْوِهِ ؛ وَإِقَامَتِهِ الْحُدُودَ وَغِلْظَتِهِ وَرَحْمَتِهِ)[56] .

 

وفي قوله (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ) أي لولا سياسة الشريعة الإسلامية في تحييد ما أمكن من الأعداء وقبول سلمه وانحصار صدره لانضم هؤلاء لقومهم المحاربين إذا لم تقبلوا أعذارهم فاستقوى العدو بهم فقاتلوكم ، ولم يصيروا على الحياد كما هي سياسة الشريعة في هذه الحالة .

 

فحكم الله بمعاملة هؤلاء كما سلف أن ذكرنا وقد بينا أن الحكمة من ذلك تأليف قلوبهم للإسلام ، هذا من الناحية الدعوية ، أما من ناحية السياسة الشرعية فإنه من العسير أن يدخل المقاتل معارك كثيرة في جهات متعددة في آن واحد ، لاسيما وأن الجبهة الداخلية إذا ما منيت بصدع فعلي الإمام رأبه قبل أن يستفحل .

 

 ففي الآية إيماءة إلى أن نفوس بعض المسلمين قد لا ترضى هذا الحكم أو كانت لا تتمناه ، وأن الحماسة والغيرة لدين الله قد تأخذهم لمسلك آخر يميل نحو المواجهة والضغط على هذه الفئة التي تخلت عن النصرة ، وقد زعمت أنها مسلمة حتى تتخلى عن حيادها السلبي ، فتحدث المواجهة بينهما ، لكن الله تعالى لا يرضى ذلك ، ويذكرهم بأنهم دعاة قبل أن يكونوا مجاهدين .

 

يقول صاحب الظلال (وهكذا يلمس المنهج التربوي الحكيم نفوس المسلمين المتحمسين ، الذين قد لا يرضون هذا الموقف من هذا الفريق ، يلمسه بما في هذا الموقف من فضل الله وتدبيره؛ ومن كف لجانب من العداء والأذى كان سيضاعف العبء على عاتق المسلمين ، ويعلمهم أن يأخذوا الخير الذي يعرض فلا يرفضوه ، ويجتنبوا الشر الذي يأخذ طريقه بعيداً عنهم ، فلا يناوشوه . . طالما أنه ليس في هذا كله تفريط في شيء من دينهم ، ولا تمييع لشيء من عقيدتهم ؛ ولا رضى بالدنية)[57].

 

وفي قوله (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) (90) قال النيسابوري (أي حجة في قتالهم ، فأمر الله رسوله بالكف عن هؤلاء)[58]، فهذه هي الحالة التي تستهدفها السياسة الشرعية في الذين أسلموا نفاقا أو -أسلموا لم يفقهوا بعد شيئا من الإسلام- فلم ينضووا تحت لواء الدولة الإسلامية ، (فهذه الآية أصل في فقه الموادعة) [59]، وبيان لحكم من التزم الحياد التام ، وأعلن مسالمته للمسلمين واعتزل السلاح ضدهم بأنه معصوم الدم ، فليس للمسلمين أن يغزوهم ، (فدلالة هذه الآيات أن الله جل وعلا أمر نبيه r والمسلمين أن يقاتلوا من قاتلهم وأن يكفوا عمن اعتزل القتال)[60] .

 

 وبذلك يتأكد على سبيل القطع واليقين أن الإسلام لا يبدأ بالعدوان على من سالمه ، ولا يهاجم معسكر المحايدين ، وأن كل جهاده ينصب على القوم الظالمين المعتدين الصادين عن البلاغ في كل أرجاء الأرض ، بدليل أن   هذا الحكم لا ينطبق فقط على معسكر المحايدين المسلمين ، بل إنه ليتعدى ذلك ليستفيد منه المحايديين ولو كانوا غير مسلمين بذات الشروط والقواعد ، فالعلة في الحالتين واحدة  متى تحققت مفترضات تبليغ الدعوة على أرضهم بسلام

 يقول الشيخ محمد الصادق عرجون[61] : "فهو قتال مأمور به لرد الاعتداء، والدفاع عن النفس، ومقاومة الظلم، والقضاء على عوامل الفتنة ورد المؤمنين عن دينهم، وتخليص المستضعفين من النساء والولدان وعجزة الشيوخ من الرجال، والمرضى والضعفاء، وإنقاذهم من وطأة الاستبداد والظلم وتحريرهم من نير الطغيان، وربقة الفجور، وتأمين الطريق أمام كلمة الحق والهدى، وهي تسري إلى العقول والقلوب دون أن يعوق سيرها بإقامة العقاب بين يديها

فإذا لم يكن بدء قتال من المشركين للمؤمنين, وإذا لم يكن منهم اعتداء عليهم, وإذا لم يكن منهم ظلم لهم, وإذا لم تكن فتنة للمؤمنين عن دينهم بالإيذاء والتعذيب, وإذا لم يكن تعويق لسير الدعوة إلى الله تعالى, وإذا لم يكن صد عن الحق والهدى والخير والنور, وإذا ترك المستضعفون في أرض الله يتنسمون نسائم الحرية في تفكيرهم وعقائدهم وما يختارون لأنفسهم من عقيدة ودين لا تُمتهن في ظله العقول الإنسانية, وإذا كف أعداء الله وأعداء دينه أيديهم عن قتال المؤمنين وألقوا إليهم السلم، وكان الدين كله لله؛ وجب على المؤمنين حينئذٍ أن يكفوا أيديهم عن القتال وأن يدخلوا في السلم ويشغلوا أنفسهم بطاعة الله وذكره، والدعوة إلى دينه بالحجة النيرة والبرهان الواضح والموعظة الحسنة"[62].

 

وفي قوله (سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا..)(91) تمييز لمعسكر الخائنين ممن ادعوا الحياد العسكري وليسوا كذلك ، ذلك أن ثمة منافقين يريدون أن يستفيدوا من أحكام الحياد التي ذكرت آنفا حتى لا ينضووا تحت لواء دولة الإسلام ، وفي ذات الوقت لا يريدون أن ينضووا تحت لواء قومهم حتى لا تكون الدائرة عليهم إذا ما انتصر المسلمون ، لكنهم سرعان ما تنكشف خدعتهم وحقيقتهم ، فينقلبون على أحد الفريقين إذا ما مالت الكفة إلى الطرف الثاني ، وهؤلاء حذرنا الله منهم كي لا ننخدع بظاهر حالهم فنطبق عليهم أحكام الحياد التي ذكرتها الآية السابقة ، وهم ليسوا أهلا لعصمة الدم  ، فلا يستفيدون من هذا الاستثناء ، فعَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: "-  " يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ "  أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَأْتُونَ النَّبِيَّ r  فَيُسْلِمُونَ رِيَاءً، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى قُرَيْشٍ، فَيَرْتَكِسُونَ فِي الأَوْثَانِ، يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ هُنَا وَهَا هُنَا، فَأُمِرَ بِقِتَالِهِمْ إِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوا وَيُصْلِحُوا"[63].

 

قيل وهؤلاء أمثال غطفان وبنو أسد ممن كانوا حول المدينة قبل أن يخلص إسلامهم، وبنو عبد الدار من أهل مكة ، كانوا يأتون المدينة فيظهرون الإسلام ويرجعون إلى مكة فيعبدون الأصنام) [64]، وقد ذكرهم الله في قوله (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) والله أعلم بمن نافق على وجه التعيين .

 

قَوْلَهُ: (..كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا..) (91) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: "كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا"[65]، أي عادوا إليها مرة أخرى ، قال النيسابوري (وهذه استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين ، لأن من وقع في حفر منكوساً تعذر خروجه)[66] ، أي من يقع فيه يتعذر أن يخرج منه ، فيظل يهوي في الخيانة ، ذلك أن من يخون مرة يضطره أعداء الإسلام لأن يخون أكثر من مرة ، من خلال ابتزازه وتهديده بكشفه وفضحه ، كالجاسوس لا يستطيع أن يخرج من بئر الخيانة ، فيظل في الخيانة حتى يموت خائنا .

 

وفي توصيف هؤلاء وتحديدهم قال ابن عاشور (هؤلاء فريق آخر لا سعي لهم إلا في خويصتهم - أي مصالحهم الخاصة - ، ولا يعبأون بغيرهم، فهم يظهرون المودة للمسلمين ليأمنوا غزوهم، ويظهرون الود لقومهم ليأمنوا غائلتهم، وما هم بمخلصين الود لأحد الفريقين، ولذلك وصفوا بإرادة أن يأمنوا من المؤمنين ومن قومهم، فلا هَمَّ لهم إلا حظوظ أنفسهم، يلتحقون بالمسلمين في قضاء لبانات لهم فيظهرون الإيمان، ثم يرجعوا إلى قومهم فيرتدون إلى الكفر)[67].

 

ولذلك قيل  : (متقلب الود لا يُؤتمن، وفاضح السر لا يُؤتمن، وناكر الجميل لا يؤتمن، وكاسر الخواطر لا يُؤتمن، ومن يأتيك وقت فراغه لا يؤتمن، وإن لم تتخذ الحذر مما سبق، فأنت على نفسك لا تُؤْتَمَن..) .

 

وفي قوله (فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) (91) بيان لحكم من ادعى الحياد العسكري وليس كذلك ، حيث يجب معاملتهم على ظاهر حالهم حتى يتبين لنا خرقهم لهذه الحالة بأفعالهم المادية التي تؤكد أنهم ليسوا على هذا الحال .

 

 وفي توصيف خرقهم لهذه الحالة استعملت الآيات ثلاثة ألفاظ " لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ" ، " وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ " ، " وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ " فإذا صدر منهم خلاف ذلك ، فحكمهم مثل حكم من ذكروا من قبل وهم المنضمون تحت لواء دولة محاربة أيا ما كانوا وإن أعلنوا إسلامهم وأظهروا مودتهم للمؤمنين ، فقد قامت الحجة على خيانتهم ، وقامت الأدلة على ترديهم في الفتنة وارتكاسهم فيها ، وذلك متى رفعوا السلاح على المسلمين ، أو أعانوا على المسلمين أعداءهم .

 

 فعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ (مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا)[68] ، والآية ظاهرة الدلالة على أن من تكلم بالإسلام ولم يعتزل أهل الكفر وصار معهم في قتال أهل التوحيد لغرض من أغراض الدنيا ، فإنه لا يستقيم إيمانه إلا بعد أن يعتزل قتال المسلمين ، ويلقي السلام إليهم بالانقياد ويكف يده عن قتالهم ، ومتى لم يحصل منهم ذلك ولم ينقادوا للمسلمين ، فقتالهم واجب أينما ثقفهم المؤمنون ، فهذا الحكم هو الثابت بصريح الآية ونصها .

 

 فهؤلاء المنافقون – وإن ادعوا الإسلام ظاهرا – فخطرهم  ليس بأقل من خطر من أظهروا عداوتهم ووقفوا في صفوف المعادين ، وهنا -إذن- يتحدد مفهوم الجهاد في الإسلام ، ويتبين أنه لا يتخذ معيارا شكليا ، فالإسلام وإن اتخذ المعيار الشكلي سببا لتحصين الدم - في المقام الأول- وذلك بتحصين دم من أعلن إسلامه ، فإنه اتخذ المعيار الموضوعي سببا للجهاد في سبيل الله ، فعول في ذلك على من أعلن مسالمته للمسلمين ، ومن عاهد المسلمين صراحة على السلم ، ولم يكتف بتلك المعاهدة المسطرة علي الأوراق ، بل إنه ليدقق في هذا المعيار ، وينظر للأمور بموضوعية شديدة ، فيفرق بين من وفى بعهده وسلمه ، ومن ليس كذلك ممن ارتكس في الفتنة ، حتى وإن كان صاحب عهد وسلم ، فكل من رفع السلاح على المسلمين سواء جهرا أو خفية ليس بمعصوم الدم ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْفَ فَلَيْسَ مِنَّا)[69] .

 

 

[1] ) رواه الطبراني : المعجم الكبير ج6 ص 356 رقم 2857 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج6 ص 356

[2] ) رواه الترمذي ج6 ص 138 رقم 1530 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج7 ص 397 ، السلسلة 2/227

[3] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 447

[4] ) د عنايت : أستاذ ورئيس قسم القانون الدولي الخاص بكلية الحقوق جامعة القاهرة

[5] ) رواه البخاري ج12 ص 444 رقم 3744

[6] ) المعتصر من المختصر من مشكل الآثار ج2 ص 30

[7] ) بيان شكل الآثار للطحاوي ج13 ص 97

[8] ) مشكل الآثار للطحاوي ج11 ص 324 رقم 4506

[9] ) ابو العلا المباركفوري : تحفة الأحوذي ج8 ص 304

[10] ) التحرير والتنوير ج4 ص 209

[11] ) رواه البخاري ج6 ص 443 رقم 1751

[12] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 285

[13] ) شفاء العليل ج1 ص 101 التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 175

[14] ) إغاثة اللهفان ج1 ص 13

[15] ) ابن بطال : شرح صحيح البخاري ج4 ص 553

[16] ) تفسير الخازن ج2 ص 144 تفسير الطبري ج8ص16

[17] ) محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني القاسمي : إيثار الحق على الخلق ج1 ص 250

[18] ) في ظلال القرآن ج2 ص 209

[19] ) رواه مسلم ج12 ص 427 رقم 4651

[20] ) المناوي : التسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 537

[21] ) النهاية في غريب الأثر ج5 ص 171

[22] ) المناوي : التسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 537

[23] ) رواه البخاري ج1 ص 90 رقم 50

[24] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج4 ص 198

[25] ) المفصل في أحكام الهجرة ج2 ص 53 مع شيء من التصرف

[26] ) رواه أبو داود ج11 ص 48 رقم 3512

[27] ) أحمد دعدوش : أساليب الدعاية المعاصرة :  مجلة البيان ج26 ص 227 العدد 238

[28] ) التحرير والتنوير ج4 ص 212

[29] ) رواه البخاري ج9 ص 345 رقم 2575

[30] ) تفسير القرطبي ج5 ص 308

[31] ) نقل ذلك الإجماع الإمام أحمد بن يحيى الونشريسي (المتوفى 914ه)، في رسالة له بعنوان - أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر وما يترتب عليه من العقوبات والزواجر - "المتضمنة في مؤلفه القيم: - "المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقيا والأندلس والمغرب - ،

[32] ) تفسير القرطبي ج1 ص 1028

[33] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 372

[34] ) تفسير الطبري ج8 ص 18

[35] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1026

[36] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1741

[37] ) التحرير والتنوير ج4 ص 212

[38] ) رواه البخاري ج7 ص 314 رقم 1975

[39] ) رواه ابن أبي شيبة ج14 ص 332

[40] ) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ج 14 ص 332

[41] ) أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل

[42] ) التحرير والتنوير ج4 ص 214

[43] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 372

[44] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 288

[45] )

[46] )

[47] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 288 رقم 5798

[48] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 288

[49] ) التحرير والتنوير ج4 ص 213

[50] ) رواه أبو داود ج8 ص 261 رقم 2630 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج7 ص 25

[51] ) رواه أحمد ج24 ص 164 رقم 11618

[52] ) تفسير ابن كثير ج1 ص 683

[53] ) رواه أحمد ج41 ص 238 رقم 19404

[54] )

[55] )  رواه أبو داود ج8 ص 262 رقم 2631 وضعفه الألباني :

[56] ) مجموع الفتاوى ج35 ص 32

[57] ) في ظلال القرآن ج2 ص 212

[58] ) الكشف والبيان ج3 ص 357

[59] ) الدكتور محمود الديك : المعاهدات ص 298 – مجلة مجمع الفقه الإسلامي ج7 ص 1691 التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي بجدة

[60] ) مجلة البحوث الإسلامية ج41 ص 24 مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد – المشرف العام : الشيخ بن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية - رئيس التحرير د. محمد بن سعد الشويعر

[61] ) ولد الشيخ محمد صادق عرجون في سنة1903م الموافق1321هـ في بلدة إدفو محافظة أسوان بصعيد مصر , و تخرج في الأزهر على نظامه القديم قبل إحداث نظام الكليات , ونال شهادة العالمية النظامية في سنة 1929م . ثم لتحق بقسم التخصص و نال شهادته في عام 1935م , و كان أبرز أساتذته الذين تأثر بهم الشيخ محمد الخضر حسين و الشيخ إبراهيم حسن الجبالي رحمهم الله , ثم عين مدرسًا بكلية اللغة العربية ثم كلية أصول الدين . ثم  عميدًا لكلية أصول الدين ,ثم تولى منصب مدير معهد الدراسات العليا للدعوة الإسلامية بجامعة أم درمان الإسلامية بالسودان , ثم عمل أستاذًا بالجامعات الإسلامية في الكويت و المدينة المنورة , وكان أخر منصب تولاه هو أستاذ الدراسات العليا للحديث بجامعة أم القرى بمكة المكرمة , وقد تقاعد من هذا المنصب و تفرغ بالقاهرة لإتمام كتبه حتى وافته المنية و نتقل لرحمة ربه في 9 نوفمبر سنة 1980م الموافق1400 هــ.

[62] ) مجلة مجمع الفقه الإسلامي ج7 ص 1679 التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة

[63] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 291 رقم  5804

[64] ) التحرير والتنوير ج4 ص 214 

[65] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 291

[66] ) تفسير النيسابوري ج3 ص 48

[67] ) التحرير والتنوير ج4 ص 214 

[68] ) رواه مسلم ج1 ص 262 رقم 143

[69] ) رواه مسلم ج1 ص 263 رقم 144

  • الثلاثاء PM 12:59
    2026-01-13
  • 57
Powered by: GateGold