ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
الجهاد مع ولاة الأمور لحماية المستضعفين في كل مكان
د / احمد نصير
الجهاد مع ولاة الأمور لحماية المستضعفين في كل مكان
وفي ذلك ثلاثة مباحث تناولت مراحل الجهاد وفقا لأغراضه الاستيراتيجية : -
المرحلة الأولى : الجهاد لكف بأس الذين كفروا وإحلال السلام
المرحلة الثانية : الجهاد لتمييز معسكر الخائنين عن المحايدين
المرحلة الثالثة : " التضامن الدولي العسكري" لحماية الأقليات المستضعفة
التفتت الآيات من (71-136) من سورة النساء لتحذر المؤمنين من أعداءهم سواء من الخارج ، وهم " المشركون من أهل الكتاب" أو من الداخل ، وهم "المنافقون" ، أولئك الذين يبطئون المؤمنين عن الجهاد في سبيل الله متى كان الجهاد مغرمًا ، ويتحسرون على فواته متى كان مغنمًا ، بينما لا ينشغل أهل الجهاد حقا بمغنم ، بل يبيعون دنياهم لله ، وغايتهم أن تكون كلمة الله هي العليا نصرة للمستضعفين ، وإذلالا للظالمين ، أما المنافقون فقد كانوا يتشدقون بهذه الكلمات التي لم تتجاوز حناجرهم ، فلما كتب عليهم القتال صاروا أسرع الناس خزلانا وانصرافا عنه ، حبا للدنيا وكراهية للموت .
ولذلك بينت الآيات أن الله تعالى كتب على كل نفس أجلها ، فلا الجهاد في سبيل الله يقدم ساعتها ، ولا المبالغة في حفظ النفس ولو في بروج مشيدة بمانع لحظة خروجها ، وليتهم يفقهون ، بل ظل حالهم بعد القتال كما كان قبله ، فلا ينفكون عن نشر المعاني السلبية بين صفوف المسلمين ، وإظهار روح التشاؤم والتطير ، فلا ينسبون الفضل لله ، ولا يحتسبون الأجر- عند المصيبة - على الله ، فهم بين فرح المذهول ، وتشاؤم المحزون .
ولذلك أرشدت الآيات إلى أن واجب إرجاع كل الأمور لله طاعة له ولرسوله ، لكنهم يزعمون الطاعة ، ثم يبيتون النية للمعصية ، ولذلك جاء الأمر من الله بالإعراض عنهم ، فلا يستعان بهم في قتال ، فالمسلمون لا يزيدون بهم ، ولا ينقصون بنقصانهم ، (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) وإنما يزداد المؤمنون بقدر توكلهم على الله تعالى وكفى به نصيرا ، من هنا تعين الجهاد على النبي r وأتباعه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين ، ولو قل الناصرون أو عدموا ، فإن النصر سوف يأتي قريبا (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا) وهكذا يتحقق أول هدف استيراتيجي للقتال ، وهذا ما فعله أبو بكر رضي الله عنه حينما قال (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله r لقاتلتهم على منعه) ، وقد بوب البخاري هذا الحديث تحت عنوان الاقتداء بسن رسول الله r .
كما أشارت إلى أن تحريض النبي r أصحابه على القتال في سبيل الله تعالى هو من قبيل الشفاعة الحسنة ، التي بها ينتشر مفهوم الإسلام الحركي بين الناس ليخرج عن حدود المحراب إلى ميدان المقلاع ، تلك الآلة البسيطة التي تقذف الأعداء ولا يملك المجاهد لدفعهم شيئا غيرها ، ولا يعينه على الجهاد أحد غير الله ، في حين أن المثبطين والمبطئين ينشرون ثقافة الخزلان والانهزامية بين المؤمنين ليقذفوا في قلوبهم الوهن ، وتلك هي أسوء شفاعة يشفعون بها ليكون لهم منها نصيب من الخزي والإنهزام .
وقد حدد الله تعالى لهؤلاء المؤمنين الصادقين موعدا يلاقوا فيه أعدائهم مهما كثرت محاولات المثبطين وحلولهم السياسية وشفاعاتهم ووساطاتهم لتأجيل هذا اللقاء ، وحتى يحين هذا الموعد فإن المولى سبحانه يأمرنا أن نحسن معاملة الغير ولتكن معاملتهم بالمثل في الإحسان وليس بأقل من ذلك ، فإذا ما قدموا لنا تحية وجب علينا أن نردها بأحسن منها وليس بأقل منها ، لأن معيار الإسلام في التعامل مع الآخر إذا لم يرق إلى الإحسان فإنه لا يقل عن العدل الذي هو مقصود الشرع ، وهذا كله إعجاز من القرآن الكريم في إصلاح شأن الأمة المسلمة في الدنيا لأجل إصلاح شأن آخرتها بإقرار كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) والتي بها يصدق كل حديث عن الله تعالى في الدارين (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) .
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74) وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75) الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83) فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (84) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87)
قال الرازي (اعلم أنه تعالى عاد بعد الترغيب في طاعة الله وطاعة رسوله إلى ذكر الجهاد الذي تقدم لأنه أشق الطاعات ، ولأنه أعظم الأمور التي بها يحصل تقوية الدين فقال (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا) [1]
وقال أبو حيان (مناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر طاعته وطاعة رسوله ، وكان من أهم موضوعات الطاعة إحياء دين الله ، وقد أمر الله بإحياء دينه ، وإعلاء دعوته ، فأمرهم أن لا يقتحموا على عدوهم على جهالة فقال (خذوا حذركم) ، وعلمهم مباشرة الحروب ، ولما تقدم ذكر المنافقين ، ذكر في هذه الآية تحذير المؤمنين من قبول مقالاتهم وتثبيطهم عن الجهاد)[2].
وقال ابن عاشور في ذلك (وهذه الآية تشير لا محالة إلى تهيئة غزوة من غزوات المسلمين، وليس في كلام السلف ذكر سبب نزولها، ولا شك أنها لم تكن أول غزوة لأن غزوة بدر وقعت قبل نزول هذه السورة، وكذلك غزوة أحد التي نزلت لأجلها سورة آل عمران، وليست نازلة في غزوة الأحزاب لأن قوله (فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ) يقتضي أنهم غازون لا مغزوون، ولعلها نزلت لمجرد التنبيه إلى قواعد الاستعداد لغزو العدو، والتحذير من العدو الكاشح، ومن العدو الكائد، ولعلها إعداد لغزوة الفتح، فإن هذه السورة نزلت في سنة ست، وكان فتح مكة في سنة ثمان، ولا شك أن تلك المدة كانت مدة اشتداد التألب من العرب كلهم لنصرة مشركي قريش والذب عن آلهتهم ، ويدل لذلك قوله بعد (وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ) [النساء:75] الخ، وقوله (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ) [النساء:141] فإن اسم الفتح أريد به فتح مكة في مواضع كثيرة كقوله (فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً) [الفتح:27][3].
في ذلك تسع مسائل : -
- المسألة الأول الحذر أول قواعد الاقتتال
- المسألة الثاني : التنبيه لمحاولات المنافقين تثبيط المؤمنين معنويا
- المسألة الثالث تذكير المجاهدين بالثواب يشحذ عزيمتهم ويصحح نيتهم
- المسألة الرابع : دافع الاقتتال عند الفريقين
- المسألة الخامسة : انزعاج المنافقين من فرض القتال مخافة المصيبة
- المسألة السادسة : فهم مراد الله من فرض القتال يعين على طاعة الله ورسوله
- المسألة السابعة : تدابير إذاعة الأخبار وقت الحرب
- مسألة الثامنة : كف بأس الذين كفروا هو الغرض الرئيسي من القتال
- المسألة التاسعة : إحلال السلام وتبادل الهدايا بين الأمم .
المسألة الأول : الحذر أول قواعد الاقتتال :
ففي قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) (71) الأخذ بالحذر أكبر قواعد القتال لاتقاء خداع العدو ولذلك بدأ الأمر بها [4] ، فلا يغتروا بما بينهم وبين العدو من هدنة صلح الحديبية ، فإن العدو وأنصاره يتربصون بهم الدوائر، ومن بينهم منافقون هم أعداء في صورة أولياء ، وهم الذين عُنوا بقوله (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ..)[5].
والحذر من العدو يقتضي الاستعداد له ، والاستعداد يتطلب التمرين والتدريب والرياضة والتجهيز ، وكل ذلك نوع من الرباط في سبيل الله، قال النيسابوري (جاهدوا بالرياضات)[6] ،قال بعض المفسرين( فتكون الرياضة بالمسابقة والرهان في الخيل من أعمال الجهاد)[7].
وهو ما يعني كذلك أن الخطط العسكرية لابد وأن تبنى على الحذر ، والاتفاقات والتحالفات العسكرية لابد وأن لا تخلو من الحذر ، فالحذر قاعدة أساسية من قواعد العسكرية الإسلامية ، وهو ما يعني توقع الأسوأ ، بأن يبني القادة حساباتهم العسكرية علي الأسوء ، فيتحسبوا لكل فعل ، ويستعدوا لرد الفعل ، وهذا كله لا يعدم أنهم متوكلون على الله ، ولكنهم مأمورون بالحذر ، فالأخذ بالحذر عبادة ، وتفويض النتائج لله هو الاستعانة ، وذلك بأن يوقن القلب أنه لا يغني حذر من قدر ، قال رسول الله r (لا يغني حذر من قدر)[8] .
وفي قوله (فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا) (71) فالنفور: (الخروج في اندفاع)[9] ، وقوله "ثُبَات" أي (مُتَفَرِّقِينَ سَرِيَّة بَعْد أُخْرَى) ، وقوله "أَوْ انْفِرُوا جَمِيعًا" أي مُجْتَمِعِينَ[10] ، وتلك من استيراتيجيات القتال والحرب .
وتخير أحد تكتيكات الحرب (تفريع على أخذ الحذر لأنهم إذا أخذوا حذرهم ، عرفوا كيف يتخيرون أسلوب القتال المناسب لحال أعدائهم)[11] ، وذلك بحسب الأحداث والظروف والمناسبات ، وتقدير ذلك للقادة العسكريين ، فقد يدخر القائد بعض جنوده لأجل أعداء في الداخل ، وقد يجد الفرصة سانحة لأن يهجم بكل قوته على عدوه ليقضي عليه مرة واحدة ، وهكذا تتغير الخطط بين لحظة وأخرى ..
قال القرطبي (الجهاد تقرر فرض على الكفاية، فمتى سد الثغور بعض المسلمين أُسقط الفرض عن الباقين ، والصحيح أن الآيتين جميعا محكمتان، إحداهما قوله: (فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً) في الوقت الذي يحتاج فيه إلى تعين الجميع ، والأخرى عند الاكتفاء بطائفة دون غيرها وقوله: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً)[12].
قال صاحب الظلال (نجد هذا الكتاب يرسم للمسلمين - بصفة عامة - الخطة العامة للمعركة وهي ما يعرف باسم «استراتيجية المعركة» ، فيرسم الخطة العامة للحركة الإسلامية ..كما في هذه الآية (خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً) فهي تبين ناحية من الخطة التنفيذية أو ما يسمى «التاكتيك» وهكذا نجد هذا الكتاب لا يعلم المسلمين العبادات والشعائر فحسب؛ ولا يعلمهم الآداب والأخلاق فحسب! إنما هو يأخذ حياتهم كلها جملة ... وها هو ذا كتاب الله يرسم للمسلمين جانباً من الخطة التنفيذية للمعركة؛ المناسبة لموقفهم حينذاك ، ولوجودهم بين العداوات الكثيرة في الخارج ، والمنافقين وحلفائهم اليهود في الداخل ..)[13].
المسألة الثانية : التنبيه لمحاولات المنافقين تثبيط المؤمنين معنويا
وفي قوله (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) (73) انتقال للحديث عن المنافقين بعد الحديث عن الحذر ، ليكون الحذر موجها إليهم كأولوية ، وقبل الحذر من الأعداء الخارجين ، لأن الخيانة التي تكون منهم ، قد تبدو في صورة التعبير عن الرأي بحرية ، ولكنها في الحقيقة تفتيت للشئون المعنوية للجند ، فيثبطون زملاءهم عن الجهاد ، ويبطئونهم في اتخاذ القرارات ، وفي الحركة والزحف على العدو ، فإذا قيل لم يفعلون ذلك ولا ينضمون لصفوف الكفار ، أجيب بأنهم عالقين بين الفريقين ، ولذلك تراه حالما تصيب المسلمين مصيبة يحمدون الله أنهم لم ينضموا لصفوف المؤمنين فلم يصيبهم ما أصابهم ، وحين ينالون فضل من الله ونصر يتحسرون أنهم لم يكونوا في صفوف المسلمين ليشاركونهم فرحة النصر لينالوا شرف أنهم اشتركوا في صنعه معهم ، إذن الآية توضح أنهم لم يكونوا أبدا في صفوف المسلمين حالما يقاتلون أعداءهم ، وهذا يعني بمفهوم المخالفة أن الصف المؤمن تطهر من المنافقين ، ولم يكن ينخدع بهم ليضمهم إلي جنوده المقاتلين في سبيل الله ، لكنهم لا يزالون يحومون حول المؤمنين يبثون روحا انهزامية لتثبيطهم عن سعيهم في سبيل الله .
قوله " وَإِنَّ مِنْكُمْ" أي من بين صفوف مجتمع المدينة منافقين ، من هنا استبان ممن يحذر المؤمنون ، قال الرازي (تقديره يا أيها الذين آمنوا إن منكم لمن ليبطئن ، جعل المنافق قسما من المؤمن وذلك من حيث الجنس والنسب والاختلاط وبحسب الظاهر لأنهم كانوا في الظاهر متشبهين بأهل الايمان)[14].
وفي قوله (مِنْكُمْ لَيُبَطِّئَنَّ) قال ابن كثير (المراد أنه يتباطأ هو في نفسه، ويبطئ غيره عن الجهاد، كما كان عبد الله بن أبي بن سلول يفعل[15]، يتأخر عن الجهاد، ويُثَبّط الناس عن الخروج فيه، وهذا قول ابن جُرَيْج وابن جَرِيرٍ) [16] .
فلربما استغرب البعض من لفظ (ليبطئن) منسوبا إلى (منكم) أي من جماعة المؤمنين الذي خاطبهم الله بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) فكان الجواب أنهم من أهل دينكم لكن أريد بهم ضعفة المؤمنين يتثاقلون عن الخروج إلى أن يتضح أمر النصر.
وفي قوله (فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا) (72) استظهار للشخصية النفعية المحضة للمنافق ، إذ لا يخلِص للفئة التي يندس بينها ، بل ينقلب عليها في أول فتنة ، قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الحج/11) فاستبان من لحن حاله عند الجهاد أنه ليس من المؤمنين حقا ، ففي قوله " مُصِيبَةٌ " قال مُقَاتِلٍ "مِنَ الْعَدُوِّ وَجَهْدٌ مِنَ الْعَيْشِ"[17]، والذي حمله على ذلك أن له بطانة دون المؤمنين يستظهر بها ويتفاخر بولائه لها لاسيما عند تصيب المسلمين مصيبة ، فينأى بنفسه عنها وكأنه ليس منهم ، ولا يحزن لهم ولا يئن ولا يشتكي الوجع ، فهو لم يكن يوما جزءً في جسد الأمة .
وفي قوله (وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) (73) أي إنه ليتحسر على ما فاته من مغنم الذي غنمه المجاهدون ، يتحسر على فوات منفعة مادية محضة خاب ظنه في إدراكها ، قال تعالى (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا) (الفتح/15) ،
فهؤلاء لا يتبعون المسلمين في جهاد أو صلاة إلا إذا لاحت لهم منفعة من منافع الدنيا ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r فَقَدَ نَاسًا فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْهَا فَآمُرَ بِهِمْ فَيُحَرِّقُوا عَلَيْهِمْ بِحُزَمِ الْحَطَبِ بُيُوتَهُمْ وَلَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا لَشَهِدَهَا يَعْنِي صَلَاةَ الْعِشَاءِ)[18] ، وفي رواية (لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ[19] لَشَهِدَ الْعِشَاءَ)[20] ، وهكذا لا ينضبط هؤلاء المنافقون في الصف المسلم إلا إذا لاحت لهم منفعة مادية تشرئب لها نفوسهم ، فإن لم يروها كانوا أبعد الناس عن المسلمين ، بل ويحمدون الله على ذلك .
وفي قوله (كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) جملة اعتراضية ، قصد بها التهكم لحالهم وقد بهتوا من رؤية النصر قد لحق بالمؤمنين ، فدموا على عدم مشاركتهم ، فيبكتهم الله على ما مضى منهم قبل الجهاد من تثبيط المؤمنين ، وكان الأولى بهم مشاركة المؤمنين قبل الغزو في المودة ، وكذلك مشاركتهم في المصائب والأحزان ، بيد أنهم لم يفعلوا ذلك ، فكان نتيجة ذلك أن تبدو حسرتهم عندما يعلموا بما أصاب المسلمين من فضل الله عليهم بالنصر ، وقد ظنوا غير ذلك.
قال القشيري (يعني طرحوا حشمة الحياة فلم يراعوا حرمتكم)[21]، ذلك أن (المنافقين كانوا يُوادُّون المؤمنين في الظاهر ، وإن كانوا يبغون لهم الغوائلَ في الباطن ، والظاهر أنه تهكمُ لأنهم كانوا أَعْدَى عدوٍّ للمؤمنين وأشدَّهم حسداً لهم ، فلا يُوصَفُون بالمودةِ إلا على وجه العكس والتهكم؟ )[22] .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ (إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ) [23]، (وُصِفَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهِ التَّوَدُّدِ إِلَيْهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَالرِّضَا عَنْ قَوْلِهِمْ وَفِعْلِهِمْ فَإِذَا زَالَ عَنْهُمْ وَصَارَ مَعَ مُخَالِفِيهِمْ لَقِيَهُمْ بِوَجْهِ مَنْ يَكْرَهُ الْأَوَّلِينَ وَيُسِيءُ الْقَوْلَ فِيهِمْ وَالذَّمَّ لِفِعْلِهِمْ وَقَوْلِهِمْ )[24]، قال النووي : (هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها ، فيظهر لها أنه منها ومخالف لضدها وصنيعه نفاق ، ومحض كذب ، وخداع وتحيل على الاطلاع على أسرار الطائفتين وهي مداهنة محرمة ، فأما من يقصد بذلك الإصلاح بين الطائفتين فهو محمود) [25].
وفي قوله (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) إظهار لحسرته وندمه لا لأجل فوات الطاعة ، وإنما لأجل فوات المصلحة الدنيوية المرتبطة بها ، إذ لا طاعة إلا ولها جائزة في الدنيا ، وهذا يدل على أمرين الحرص الشديد على فوات دنيا ، والإندفاع للقتل والقتال دون مبالاة بمن قتل ولأجل من يقتل سعيا لتحصيل هذه المنفعة .
لكن المسلم لا يبتغي الدنيا من وراء القتال ، بل إنه ليقاتل لكي يموت في سبيل إرضاء ربه ، كما في قوله (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ) (74) ، فليس للمسلم همٌ في الدنيا ، بل إنه ليبيع الدنيا لأجل ما عند الله في الآخرة .
قَالَ رسول الله r (مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنْ الْآخِرَةِ وَيَبْقَى لَهُمْ الثُّلُثُ وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ) [26]، (معناه أنهم حصلوا أجراً في الدنيا وأجراً في الآخرة وحصلوا ثواباً في الدنيا وثواباً في الآخرة .. وأنهم إذا لم يتعجلوا شيئاً في الدنيا حصلوا الثواب والأجر كاملاً في الآخرة ؛ لأنهم لم يحصلوا شيئاً من المغنم الدنيوي فكانت غنيمتهم أخروية ، وكانت مكاسبهم أخروية بحتة ليس فيها شيء من الدنيا ، وهذا فيه دليل على أن تحصيل الأجر الكامل في الآخرة إنما يكون بعدم تحصيل شيء من الدنيا في الغزو، وأنه إذا حصل شيء من المغانم في الغزو فإنهم تعجلوا شيئاً من أجرهم، فهذا فيه تسلية للذين لم يحصلوا شيئاً؛ لأن الثواب الجزيل أمامهم وأنهم سيحصلون الأجر الكامل)[27].
المسألة الثالث : تذكير المجاهدين بالثواب يشحذ عزيمتهم ويصحح نيتهم
وفي قوله (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ..) (74) أسلوب قصر تضمن تحريضا للمؤمنين أن يجاهدوا في سبيل الله ، دون التفات إلى الدنيا ، والتخلي عنها – بالكلية – لاسيما إذا ما اعترضت طريقهم ، فالله تعالى لا يريد أجساد تقاتل أعداءه ، بل يريد قلوبا تذب عن هذا الدين ظلم المعتدين ، فالعبرة ليست بكثرة الجند ولا العتاد ، وإنما بنصاب الصابرين من المؤمنين الصادقين ، فالله يستعمل من عباده أخلصهم له ليقاتل بهم الذين كفروا وصدوا عن سبيله ، كما في قوله (الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (النساء 76).
وفي قوله (.. وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (74) فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (أَعَدَّ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهَادٌ فِي سَبِيلِي وَإِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ تَخْرُجُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً فَيَتَّبِعُونِي وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ فَيَتَخَلَّفُونَ بَعْدِي وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنْ أَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلَ ثُمَّ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ ثُمَّ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ) [28]، وفي رواية مسلم قَالَ (تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهَادًا فِي سَبِيلِي ..الحديث)[29] .
في ضوء ما تقدم استبان أن الأجر يناله المجاهد على فعل القتال لا على النتيجة ، فلا اعتبار في تقديره سبحانه لنتيجة الفعل ، متى صح الفعل وأتى أركانه وشروطه وآدابه ، سواء تحصلت النتائج المرجوة أو تحصل عكسها ، فكلا النتيجتان مرجوة في غاية المؤمن ، بأن ينال النصر أو الشهادة ، أي ينال من أعداء الله فيقتل منهم ويغلبهم ، وأن يقتل شهيدا في سبيل الله .
فالمسلمون يقاتلون لأجل الموت لا لأجل الحياة ، وهذا هو سر قوتهم المعنوية على أعداء الله ، بل إنهم ليتأسفون في كل معركة انتصروا فيها أنهم لم ينالوا شرف الموت في سبيل الله ، ولذلك قال خالد بن الوليد لملك الفرس في رسالة بعثها له (فوالذي لا إله غيره لأبعثن إليكم قوما يحبون الموت كما تحبون الحياة) ، كما بعث برسالة مثلها لملك الروم فقال (وإن أبيتم فقد جئناكم بقوم يحبون الموت كما تحبون أنتم شرب الخمر) ، فقالوا لاحاجة لنا في حربك فصالحهم على تسعين ومائة ألف درهم ، قال الطبري (فكانت أول جزية حملت إلى المدينة من العراق) [30].
ولذلك تأسف خالد بن الوليد على حاله حينما حضره الموت وهو على فراشه ، فقال (لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية وها أنا أموت على فراشي كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء وما من عمل أرجى من " لا إله إلا الله " وأنا متترس بها) [31]، قال ابن كثير يعني: (أنه يتألم لكونه ما مات قتيلا في الحرب ويتأسف على ذلك ويتألم أن يموت على فراشه)[32].
المسألة الرابعة : دوافع الاقتتال عند الفريقين
وفي قوله (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) (75) تحفيز معنوي للمسلمين لينهضوا بواجب الجهاد في سبيل الله عندما يثير في قلوبهم حبهم لنصرة الضعفاء والمستضعفين ، وكرههم للظلم والظالمين ، قال ابن عاشور (والتعداد لقصد التنبيه على أن من الرجال مستضعفين، فلذلك ابتدئ بذكرهم ثم ألحق بذكرهم النساء والصبيان لأن وجودهم في العائلة يكون عذرا لوليهم إذا كان لا يجد حيلة)[33].
وفي ذلك استنهاض لهممهم وتصحيح لنيتهم ، تعليمهم مقاصد القتال في سبيل الله ،وغاية رسالة الإسلام ، وأن هذا الدين جاء لرفع الظلم عن الناس ، فالإسلام ضد الظلم وهو دين يحارب الظالمين ، وينصر المستضعفين ، فمن أسلم وآمن لابد وأن يحمل هم هذه الدعوة بهذا المعنى ، فالواجب على كل مسلم مكلف أن ينصر أخاه المسلم في أي مكان أو حال يجده فيه ، فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا قَالَ تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ)[34] ، و في رواية (فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ قَالَ تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ)[35].
فإذا ما أحب المسلمون الدنيا وهنت قواهم ، ولم يهابهم أعداؤه ، ولاشتبكوا معه واجترأ عليهم ، كما قال النبي r (وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ)[36]
من هنا يأتي خذلان المسلم لأخيه المسلم ، وهو من أشد مواطن التحريم دنيا ودين [37]، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ)[38] ، قال العلماء (وهذه عقوبة للذي لا يذب عن المسلم في حال إيذائه وفي حال النيل من عرضه، وكذلك في حال التعدي عليه، بل عليه أن ينصره) [39].
وعَنْ النَّبِيِّ r أَنَّهُ قَالَ (مَنْ أُذِلَّ عِنْدَهُ مُؤْمِنٌ فَلَمْ يَنْصُرْهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْصُرَهُ أَذَلَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[40]، فأقل شيء أن ينصره ولو بكلمة إن لم يقدر على أكثر من ذلك ، قال رسول الله r (أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أَوْ أَمِيرٍ جَائِرٍ)[41].
قوله (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) هذا القول الصادر منهم دليل على شعورهم بالضعف وقلة الحيلة ، فأضحوا يتمنون مجرد النجاة ولو بالهجرة إلى غير ذي وجهة ، فهم لا يملكون شيئا غير الدعاء إلى الله ، والتضرع له ، وقد ظُلموا ، ولا يتمنون شيئا من هذه الدنيا غير أن يلجأوا لقرية لا يظلمون فيها ، وأن يسخر الله لهم من يوالهم وينصرهم ، فهم لا يملكون نصر أنفسهم ، وهم أعجز عن أن يدفعوا العدوان أن أنفسهم وتلك هي غاية دعائهمـ، فعن ابن عبَّاسٍ قال: (يريدون : اجعل علينا رجُلاً من المُؤمنين يُوَالينا ، ويقوم بِمَصالِحِنا ، ويحفظ عَلَيْنَا دِيننا وشرْعَنا) [42]؛ فأجَابَ اللهُ دعاءَهُم؛ لأن النَّبِيَّ r ، لما فَتَح مكَّة ، جعل عتَّاب بن أسَيْد وَالِياً عليهم ، فكان يُنْصِف الضَّعيفَ من القويِّ ، والمَظْلوم مِنَ الظَّالِم) [43]، نقل النيسابوري عن ابن عباس قال: (كان ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعزّ بها من الظلمة)[44] ، (وكان عمره حين استعمل نيفا وعشرين سنة)[45].
وذكر الولدان ضمن المستضعفين يبين مدى ضعفهم واستضعافهم ، فالعدو لا يخجل أن يقتل الولدان والنساء ، بل يستقوى أمام الناس بقتلهم ، قال الزمخشري أن تعداد المستضعفين (تسجيلاً بإفراط ظلمهم ، حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين ، إرغاماً لآبائهم وأمهاتهم)[46] .
وصور الاستضعاف كثيرة ، ومنها الحصار الاقتصادي الذي حصل للنبي r في شعب بن أبي طالب وقد دام ثلاث سنوات منذ السنة السادسة للنبوة ، وكان الصحابة يأكلون أوراق الشجر والعشب الجاف، وحتى حشرات مثل البعض قالوا إنهم أكلوا الأَرَضَة (وهي دابة الأرض)، وذلك بعد أن منع المشركون عنهم الميرة (الطعام) والمواد الغذائية بشكل كامل خلال حصار شعب أبي طالب، مما أدى بهم إلى الجوع الشديد
وعن سعد بن وقاص قال : " كنا قوماً يصيبنا ظلف العيش بمكة مع رسول الله r وشدته ، فلما أصابنا البلاء اعترفنا لذل ومَرَنَّا عليه وصبرنا له ، ولقد رأيتني مع رسول الله r بمكة خرجت من الليل أبول ، وإذا أنا أسمع بقعقعة شيء تحت بولي فإذا قطعة جلد بعير ، فأخذتها فغسلتها ثم أحرقتها فوضعتها بين حجرين ثم استففتها وشرب عليها الماء فقويت عليها ثلاثاً " [47].
ومنها الخوف من الجهر بالصلاة أمام الناس ، وأداء الصلاة سرا في البيت ، قال ابن حجر (من كان بمكة من المستضعفين لم يكونوا يُصَلُون إلا سرا) [48].
ومنها الوقوع في الأسر ، فعن ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ (كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ أَنَا مِنْ الْوِلْدَانِ وَأُمِّي مِنْ النِّسَاءِ)[49] ، وعَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ تَلَا (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ) قَالَ (كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ)[50] .
ومنها التعذيب ، وكل ذلك قد حصل للصحابة رضوان الله عليهم في مكة حتى فُتن بعضهم في دينه وأُجبر على النطق بكلمة الكفر لكن قلبه كان مطمئن بالإيمان ، قال الواقدي وهم قوم لا عشائر لهم بمكة ولا منعة ولا قوة كانت قريش تعذبهم في الرمضاء ، مثل عمار بن ياسر رضي الله عنه يعذب حتى لا يدري ما يقول ، وصهيب كذلك وفكيهة كذلك وبلال وعامر بن فهيرة ،وفيهم نزل قوله تعالى (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا) (النحل 110) [51].
وفي قوله (الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ..) (76) استظهار للبون الشاسع لنية الفريقين ، فأهل الحق هم أهل الله وخاصته يقاتلون أولياء الشيطان ، والله ناصر عبيده وجنده ، أما أولياء الشيطان فهمأ أهل الباطل ، والشيطان يخذل أولياءه وليس بناصرهم ، قال تعالى (ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا) ، قال الرازي (من كان غرضه في فعله رضا غير الله فهو في سبيل الطاغوت ، لأنه تعالى لما ذكر هذه القسمة ، وهي أن القتال إما أن يكون في سبيل الله أو في سبيل الطاغوت وجب أن يكون ما سوى الله طاغوتا)[52]
قال سيد قطب (جعل هنالك سبباً واحداً للقتال- حيثما لا يكون بد من القتال- هو الجهاد في سبيل الله ، وحدد هدف المؤمنين وهدف غير المؤمنين تحديداً حاسماً صريحاً)[53]، قال أبو حيان الأندلسي (بيَّن للمؤمنين فرق ما بينهم وبين الكفار ، ليقويهم بذلك ويشجعهم ويحرضهم)[54].
وفي قوله (..وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ..) (76) قال قتادة أي (في سبيل الشيطان)[55] ، سمي بالطاغوت لأنه تجاوز الحد ، فجذر اللفظ كلمة "طغى" ، واللفظ على إطلاقه ذكر الإمام مالك ، وغير واحد من السلف ،أن الطاغوت " كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت "[56]، وقال التستري (والنفس أكبر الطواغيت)[57] .
فإذا كان هَمُّ أولياء الله إرضاء الله ، فالسؤال ما همُّ أولياء الشيطان في قتال المؤمنين ؟ أيقاتل الإنسان أخوه الإنسان إرضاء للشيطان؟ فالآية قاطعة الدلالة على أن الكافرين الذين يقاتلون ليسوا منساقون في قتال المسلمين ، بل هم يعلمون جيدا أنهم يقاتلون في سبيل الطاغوت ، (وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا) (الفرقان 55) .
قال الإمام سليمان بن سحمان (الطاغوت ثلاثة أنواع :- طاغوت الحكم ،وطاغوت العبادة ،وطاغوت الطاعة والمتابعة) [58]، قال ابن القيم (الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله فهذه طواغيت العالم)[59] ، قال الشاطبي (رأس الطواغيت كلها النفس الأمارة بالسوء)[60]، ، وهكذا يبدو الكبر المانع من الجنة هو سبب قتالهم للمسلمين .
فقوله (..فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ) أي أن القتال شرع باعتبارهم أولياء الشيطان ، ولذلك قال العلماء (القتال لدفع الفتنة ليس مادي الغاية ، وإنما هو دفاع عن الإنسان ، لمنع الطواغيت أن تختنق قلبه وتكرهه على معتقداتها وفلسفاتها بالبطش والنكال)[61] .
وقد نعتهم الله بأنهم أولياء الشيطان لأنهم كذلك على الحقيقة لا المجاز ، لأنهم يتقربون إلى الشيطان بذبح المسلمين ، ويتقربون بدمائهم للشياطين ، ولذلك تجد في التوراة المحرفة عند اليهود حكم العماليق ففي الكتب العبرية يصفون شعباً معادياً، عدَّهم فبنو إسرائيل يهدون أي شعب من أعدائهم يجب أن يطبق فيهم حكم العماليق ، يقصدون ذلك ما جاء في توراتهم : «فالآن إذهب واضرب عماليق، وحرموا كل ماله، ولا تعفُ عنهم، بل اقتل رجلاً وامرأة، طفلاً ورضيعاً، بقراً وغنماً، جملاً وحماراً» (صموئيل الأول 15)[62] ، وهكذا يبررون قتل المرأة والطفل والرضيع حتى الحيوانات بلا ذنب ، في مخالفة صريحة لكل الاتفاقيات الدولية التي تجرم قتل المدنيين .
وقد علمنا أن الشيطان تلاعب باليهود فجعلهم يتبعون السامري ويعبدون عجلا من ذهب ، وأنهم سوف يتبعون الدجال لما معه من ذلك ، وأن فتنة الدجال تطال المسلم فيحاول قتله فيعجز عن ذلك فيلقيه في النار فتكون جنة ، وهكذا .
قال ابن تيمية (مَنْ رَأَى مِنْ رَجُلٍ مُكَاشَفَةً أَوْ تَأْثِيرًا فَاتَّبَعَهُ فِي خِلَافِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَانَ مِنْ جِنْسِ أَتْبَاعِ الدَّجَّالِ فَإِنَّ الدَّجَّالَ يَقُولُ لِلسَّمَاءِ : أَمْطِرِي فَتُمْطِرُ وَيَقُولُ لِلْأَرْضِ : أَنْبِتِي فَتُنْبِتُ وَيَقُولُ لِلْخَرِبَةِ أَخْرِجِي كُنُوزَك فَيَخْرُجُ مَعَهُ كُنُوزُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَيَقْتُلُ رَجُلًا ثُمَّ يَأْمُرُهُ أَنْ يَقُومَ فَيَقُومُ وَهُوَ مَعَ هَذَا كَافِرٌ مَلْعُونٌ عَدُوٌّ لِلَّهِ... وَهَؤُلَاءِ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ الشَّيَاطِينُ وَتُوحِي إلَيْهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ)[63].
قال أبو حيان (وهنا محذوف ، التقدير : "فقاتلوا أولياء الشيطان فإنكم تغلبونهم لقوتكم بالله" ، ثم علل هذا المحذوف وهو غلبتكم إياهم بأنّ كيد الشيطان ضعيف ، فلا يقاوم نصر الله وتأييده ، وشتان بين عزم يرجع إلى إيمان بالله وبما وعد على الجهاد ، وعزم يرجع إلى غرور وأماني كاذبة)[64] .
قوله (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) قال السيوطي (الكَيْد : إرَادَة متضمِّنة لاستتار ما يُرَاد عمَّن يُرَاد به)[65]، يعني التدبير في خفاء لمن يراد إلحاق الأذى به دون أن يتخذ حذره .
والكَيْد (وأكثر ما يُسْتَعمَل ذلك في الشَّرِّ، ومتى قُصِد به الشَّرُّ فمذموم) ، (ومتى قُصِد به خيرٌ فمحمود) ، وعلى الوجه المحمود قال - عزَّ وجلّ (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ) (يوسف: 76) .
قال الخازن (ويعني بكيده-على وجه الخصوص- ما كاد المؤمنين به من تخويفه أولياءه الكفار يوم بدر) ، (وكونه ضعيفاً لأنه خذل أولياءه الكفار لما رأى الملائكة قد نزلت يوم بدر وكان النصر لأولياء الله وحزبه على أولياء الشيطان) [66]، وذلك ثابت في قوله تعالى (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال /48) .
قال ابن القيم (ومن مكايده -الشيطان- أنه يسحر العقل حتى يكيده ، ..كم فتن بهذا السحر من إنسان ..وكم جلا الباطل وأبرزه في صورة مستحسنة وشنع الحق وأخرجه في صورة مستهجنة ، وكم بهرج من الزيوف على الناقدين وكم روج من الزغل على العارفين)[67]
ومن كيد الشيطان أن يوقع بين المرء وزوجه لينشغل عن الجهاد في سبيل الله ، (ذلك بإيقاعهم بالفاحشة، والتنفير بين الزوجين، وتحطيم الأسرة)[68] ، قال تعالى (وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ ..) .
ومن كيد الشيطان أن يصرف المسلمين عن الجهاد ،ويجعلهم ينظرون إلى الدين الإسلامي ، وقد خلت منه هذه الفريضة ،ولذلك قيل أن (من سمات العلمانية صناعة إسلام يعيشه أهله كطقوس منزوعةِ المعنى، بعيدةٍ عن الجهاد، فيصير الإسلام مستأنسا ، مجرد فكرة جميلة المبادئ يعيشها المسلم دون التزام بنصرة هذه الفكرة التي يحياها كعاشق حالم ،وتصير شخصية المسلم ممسوخة ليس عندها أدنى استعداد لتقديم أي شيء في سبيل نُصرة قضايا دينها وأمتها) [69].
وكيد الشيطان كان ضعيفا لأنه حقود حسود ، ولا يستطيع أن يمكر -حال قتال المسلمين وجهادهم له ولأوليائه - لتملك الغضب منه ، فالقوة الغضبية لا تمكنه من التمهل وتدبيره أمره والتخطيط لأوليائهم ، وإنما ينفذ بطشه وغضبه وتلك هي نقطة ضعفه ، فيضلهم .
قال الألوسي (وفائدة (كَانَ) التأكيد ببيان أن كيده مذ كان ضعيف)[70] ، وفي ذلك دليل على سرعة زواله وأن كيده شيء في الماضي ، فتأثير كيد الشيطان أشبه بالمرض الذي يزول بسرعة ، حيث يعاني منه المريض لفترة لكنه يشفى بإذن الله ، وكأن الاستضعاف انقلب على الشيطان ذاته ، فبعد أن كان المؤمنون هم المستضعفين ، أضحى الشيطان هو المستضعف ، كالفيروس مع محاصرته يتم طرده من جسد المريض .
وكيد الشيطان يدفع بالذكر والاستعاذة بالله والصبر على البلاء ، قال رسول الله r (لا تسبوا الشيطان وتعوذا بالله من شره)[71] ، أي لا تنشغلوا بسبه فهو ضعيف ، ويكفي الاستعاذة بالله من شره .
المسألة الخامسة : انزعاج المنافقين من فرض القتال مخافة المصيبة التي هي من قدر الله :
وفي قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (77) كشفت هذه الآية حقيقة الذين يتشدقون بحقوق الإنسان ، وينادون للدفاع عن المستضعفين وهم في الحقيقة أبعد الناس عن ذلك ، ونظير هذه الآية قوله (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نزلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةُ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونُ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فِإِذَا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ) [محمد: 20، 21] .
قال ابن كثير (كان المؤمنون في ابتداء الإسلام -وهم بمكة -مأمورين بالصلاة والزكاة وإن لم تكن ذات النُّصُب، لكن كانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبا لأسباب كثيرة، منها: قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء لائقا. فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة، لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار، ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودونه جَزع -بعضهم - منه وخافوا من مواجهة الناس خوفا شديدا (وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) أي: (لو ما أخرت فرضه إلى مدة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، ويُتْم الأبناء، وتأيّم النساء) [72]
فالجهاد في سبيل الله موطن ابتلاء يميز الله به الخبيث من الطيب ، وفرصة للتائبين - من المنافقين – ليصححوا طريقهم إلى الله تعالى ، ولتصدق توبتهم ، وقبل ولوجهم هذا الطريق فإن صدقهم في التوبة مشكوك فيه ، بل إن توبتهم موقوفة على ذلك ، لقوله r (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ) [73]، فهؤلاء المنافقون لم يصرفهم عن الجهاد إلا أن الدنيا زينت في قلوبهم ففتتنوا بزينتها ، وأضحى لها مكانة عندهم تفوق رغبتهم في الآخرة ، ولذلك جاء تبكيتهم بأن متاع الدنيا قليل .
قوله (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) عاتبهم الله تعالى على حب الدنيا وكراهية الموت ، إذ لو كان الذي يصرفهم عن الجهاد في سبيل الله والمستضعفين هو متاع الدنيا ، فإنه قليل بالنسبة لمتاع الآخرة ، قال المناوي (فكما لا يجدي وجود ذلك لواجده ولا يضر فقده لفاقده فكذا الدنيا)[74]، فمتاع الدنيا محدود .
ولن ينعم الإنسان منها بأكثر مما كتبه الله له ، حتى وإن كان حلالا ، فإنه حظه منه قليل ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ r اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ r وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ r قَدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ ، وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ)[75].
وفي قوله (..وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى) تذكير بخير تعويض لما يفوت المجاهد من متاع الدنيا لو سلكوا طريق الجهاد في سبيل الله ، قال رسول r (وفي مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ)[76] ، وقال رسول r (وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ)[77] ، وفي رواية (فَلْيَنْظُرْ بِمَاذَا يَرْجِعُ)[78].
وقوله (..وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) تأكيد على أنهم لم يفتهم شيء من متاع الدنيا لو تركوه لأجل الجهاد في سبيل الله ، أي (وهذه تسلية لهم عن الدنيا ، وترغيب لهم في الآخرة، وتحريض لهم على الجهاد)[79]، فالجهاد في سبيل الله لن ينقص المجاهد شيئا من أرزاقهم ولا من آجالهم فهي مكتوبة عند الله ، وتلك هي عقيدة المؤمن بالله ، فما كتب له أن يعمله فسوف يعمله ولا يمنعه الجهاد العمل ، كالزواج أو البناء أو الزراعة ، كما قال ابن كثير أي (لا تظلمون من أعمالكم بل توفونها أتم الجزاء).
والتعبير بلفظ "فتيلا" بليغ في الدلالة على أنه لن يُنقصهم الجهاد في سبيل الله شيء من الدنيا مهما صغر ، قال ابن عباس يَعْنِي: (الَّذِي فِي الشِّقِّ الَّذِي فِي بَطْنِ النَّوَاةِ)[80].
بل إن ما لا يدرك فواته هو نعيم الآخرة والذي لا يدرك إلا بالجهاد في سبيل الله ، قال رسول الله r (رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا)[81].
وفي قوله (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) تعليم لهؤلاء عقيدة الإسلام ، بأنه لن يغني حذر من قدر ، وأن أسباب الموت وإن تعددت فإنها لا تقدم موعده ، فالموت أجل محتوم ، واجتناب أسباب الموت لن يمنع الموت ولن يؤخر أجله ، فإذا كان الأمر كذلك فعلام التردد والتلكؤ عن الجهاد في سبيل الله .
بل إن الأجل هو الذي يحمي الإنسان من الموت ، فطالما أن الأجل لم يحن فإن الموت لن يصادفه ، فانتهاء الأجل هو السبب الوحيد للموت ، وإن تضافرت معه أسبابه أخرى فليس هي إلا أسباب ظاهرة غير مؤثرة ، فالسبب الحقيقي لحصول الموت هو انتهاء الأجل ، قال تعالى (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا) (آل عمران/145) .
والتعبير بالبروج المشيدة تهكم من المبالغة في الحرص على حفظ النفس ، والتخاذل عن نصرة المظلومين ، وترك الجهاد مخافة الموت ، (فالموت له أجل محدد ولا علاقة له بالحرب والسلم)[82] .
وليس معنى هذا ألا يأخذ الإنسان حذره وحيطته وكل ما يدخل في طوقه من استعداد وأهبه ووقاية . . فقد سبق أن أمرهم الله بأخذ الحذر ، وفي مواضع أخرى أمرهم بالاحتياط في صلاة الخوف ، وفي سور أخرى أمرهم باستكمال العدة والأهبة . .)[83] ، كما أنه مدح التحرف في القتال والتحيز لفئة لطلب العون نافيا عن ذلك الفعل أن يكون فرارا من الزحف ، واعتبره من استيراتيجيات الحرب وخداع العدو.
وفي قوله (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) (78) (ولا شَكَّ أنَّ هذا من كَلاَم المُنَافِقِين)[84]، حيث ينطق المنافقون بهذا الكلام حين يمُنِي المؤمنون بالهزيمة كما حصل في معركة "أُحد" فانتهزوا هذه المصيبة للطعن في صدق النبي r ، وشمولية رسالته ، يظنون أن ما يفعله الرسول وما يأمرهم به من الجهاد في سبيل الله هو محض تقدير بشري ، قابل للإصابة والخطأ ، ويستندون في ذلك إلى هزيمة المسلمين في أحد ، وغايتهم من إثارة هذه المسألة أن يبطلوا فريضة الجهاد في الإسلام ، يريدون أن يخرجوها من دائرة الدين ليلقوا بها لأرباب السياسة .
فهذا كانت المصيبة التي أصابت النبي r وأصحابه في أحد تقدير بشري ، فهذا معناه جواز إعادة النظر في كل ما يأمر به الرسول r ، من هذا المدخل يستطيع المنافقون التفريق بين حكم القرآن وحكم رسول الله r ، توطئة لأن يفرقوا بين أوامر الله وأوامر رسوله ، زعما منهم أن الاقتصار على القرآن كاف في دين الله ، ورغبة منهم في تقليص المنهج العملي للإسلام ليقتصر على الصلاة والصوم والزكاة وتخليته من الجهاد في سبيل الله ، يدعون لإهمال السنة ابتغاء هدم الشريعة برمتها .
والصواب أن ما أمر به رسول الله r من الجهاد هو تنفيذ لوحي الله وما أمره الله به ، لكن اختيار الوقت وترتيب الأوليات وتحديد مكان المعركة هو اجتهاد من رسول الله r ، والناس مأمورون بطاعة رسول الله كما أنهم مأمورون بطاعة الله سواء أكان الذي صدر عنه وحي أم اجتهاد ، والسيرة شاهدة على ذلك روي أن النَّبِيَّ r شَاوَرَ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْمُقَامِ وَالْخُرُوجِ فَرَأَوْا لَهُ الْخُرُوجَ فَلَمَّا لَبِسَ لَأْمَتَهُ وَعَزَمَ قَالُوا أَقِمْ فَلَمْ يَمِلْ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْعَزْمِ ، وَقَالَ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ يَلْبَسُ لَأْمَتَهُ فَيَضَعُهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ)[85] أي أنه شاورهم في الخروج من المدينة لملاقاة جيش قريش القادم لمحاربته ، أو المقام في المدينة وانتظار قدومه لعلهم ينحرفون عن السير ، فلما فتردد الصحابة ما بين الخروج في بادئ الأمر والمقام بالمدينة ، عزم النبي r على الخروج فسمعوا له وأطاعوا .
وفي قوله (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ..)(78) أي (تقديراً وخلقاً وإيجاداً)[86] ، وفي ذلك إعادة تأصيل للعقيدة الإسلامية وإحلالها محل عقيدة المنافقين المتفسخة ، يقول الغنيمان (في هذه الآية نفي تعلق القلب بغير الله في جلب نفع أو دفع ضر وهذا هو التوحيد ، وهو دعاء مناسب لمن وقع في قلبه شيء من الطيرة، وتصريح بأنها لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضراً، ويعد من اعتقدها سفيهاً مشركاً)[87] .
فليس ثمة شيء بعيد عن قضاء الله وقدره ، فلم تكن شهادة المسلمين في غزوة "أحد" إلا أجل حدده الله للشهداء أي أجل للقائه وبلوغ رضوانه ، فما أصاب المسلمين من القرح بتلك الهزيمة فذلك من ابتلاء الله لهم لعدم إطاعة –بعضهم- رسوله في ميدان المعركة ،ولحكمة هو يعلمها ، قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا)(آل عمران) ..
فكل ما يصيب الإنسان من خير أو شر فهو بإذن الله تعالى ، قال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء/35) ، فالاعتقاد في القضاء والقدر لا يقتصر على اعتقاد أن الموت بإذن الله وفقط، بل يتعدى ذلك ، ليقر في قلب المؤمن أن كل صغيرة وكبيرة تحصل له في هذا الكون هي بقدر الله وقدرته وحكمته ، فسقوط ورقة الشجر على رأسه بعلم الله وبحكمته ، وكل ما يصادفه من أحداث تشتمل على أفعال حسنة وأخرى سيئة تحصل له إنما تحصل له من باب الابتلاء والاختبار .
وقد بيَّن الشيخ محمد بن صالح العثيمين أن الناس حال المصيبة على مراتب أربع [88]: -
المرتبة الأولى : التسخط ، وهو على أنواع (إما بالقلب كأن يتسخط على ربه ، فيغتاظ مما قدَّره الله عليه ، وهذا حرام ، وقد يؤدي إلى الكفر ، والثاني باللسان ، كالدعاء بالويل ، والثبور ، وما أشبه ذلك ، وهذا حرام ، والثالث بالجوارح ، كلطم الخدود ، وشق الجيوب ، ونتف الشعور ، وما أشبه ذلك ، وكل هذا حرام مناف للصبر الواجب).
المرتبة الثانية : الصبر ، فيرى أن هذا الشيء ثقيل عليه لكنه يتحمله وهو يكره وقوعه ، ولكن يحميه إيمانه من السخط ، فليس وقوعه وعدمه سواء عنده ، وهذا واجب لأن الله تعالى أمر بالصبر فقال: (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) ، وهو كما قال الشاعر : والصبر مثل اسمه مر مذاقته ... لكن عواقبه أحلى من العسل.
المرتبة الثالثة : الرضا ، بأن يرضى المؤمن بالمصيبة بحيث يكون وجودها وعدمها سواء فلا يشق عليه وجودها ، ولا يتحمل لها حملًا ثقيلًا ، وهذه مستحبة وليست بواجبة على القول الراجح ، والفرق بينها وبين المرتبة التي قبلها ظاهر لأن المصيبة وعدمها سواء في الرضا عند هذا أما التي قبلها ، فالمصيبة صعبة عليه لكن صبر عليها.
المرتبة الرابعة : الشكر ، وهو أعلى المراتب ، فالشكر على المصيبة أعلى مراتب الإيمان بالقدر ، وذلك بأن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة حيث عرف أن هذه المصيبة سبب لتكفير سيئاته وربما لزيادة حسناته ، قال r «ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها»[89] .
قوله (..فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا)(78) وقد استبان عدم فقه هؤلاء المنافقين - فيما ادعوه وقالوه – وعجزهم الحديث في عقيدة الإسلام بمراد الله سبحانه ، فهم أبعد الناس عن فقه مراده –سبحانه- في خلقه ، قال رسول الله r (خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ حُسْنُ سَمْتٍ وَلَا فِقْهٌ فِي الدِّينِ)[90] ، فهؤلاء المنافقون لو تدبروا فريضة الجهاد لعلموا أنها شرعت نصرةً للمستضعفين ، وأنها سبب حفظ هذا الدين ، فالدين أساس والسلطان حارس ، ومالا أساس له فمهدوم وما لا حارس له فضائع.
قوله (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ..)(79) أي بتقدير الله وتوفيقه لك ، والمقصود بالحسنة في هذه الآية كل ما يناله الإنسان من خير ونعمة في دينه ودنياه، سواء كان ذلك الصحة أو الرزق أو النصر أو أي أمر يسعده، وكل هذه عطاء من فضل الله ورحمته.
عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَوْمَ الْأَحْزَابِ يَنْقُلُ التُّرَابَ وَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ وَهُوَ يَقُولُ (لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا)[91]
قال الغنيمان (كل ذلك مقدر من الله جل وعلا تقديراً وجزاءً، وأما سببها فهو إما طاعة وإما معصية، إن كانت حسنة فسببها الطاعة ، والله جل وعلا هو الذي تفضل بها على العبد ، فزين في قلبه الإيمان وكره إليه المعصية ، فإن عمل الطاعة كان فضلاً، ثم إذا نال ثوابها وجزاؤها فصار فضلاً آخر، وهذا كله من الله)[92].
قوله (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) كقوله (وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ) ، قال رسول الله r عن ربه (يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ) [93]، أي (إذا كانت سيئة (مصيبة) فإن سببها المعصية وهي من الله جزاءً ، وجزاء السيئة عدل ، فكون المسيء يجزى على سيئته هذا عدل وحكم حق)[94]
قال تعالى (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (آل عمران/165) ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ)[95] ، وذلك رحمة من الله ، فعن قتادة (لا يصيب ابن آدم خدش عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر)[96] .
وفي قوله (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) نفي لأن يكون لرسول الله r شأن في القدر ، فليس بيده أن يغلب الكافرين وليس بيده أن يدفع ما أصابه في حربه معهم كيوم أُحُد، فذلك كله بيد الله ، والواجب هو فهم أن ما يفعله رسول الله r من تشريع فعلي وسنة عملية وما يأمر به من سنة قولية ليس إلا تبليغ عن الله ، وما ترتب علي ذلك من نتائج سواء تلك التي أصاب المسلمين منها خير أو نالهم منها ضر فإنه بتقدير الله ، والله شهيد على أن الرسول لم يقصر في أداء الأمانة وبلاغ الرسالة .
المسألة السادسة : فهم مراد الله من فرض القتال يعين على طاعة الله ورسوله
وفي قوله (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ..) (80) احتراز من شبهة التفريق بين القرآن والسنة ، أي على المسلمين أن يحذو حذو رسول الله ، ويتبعوا سنته ، لاسيما في فريضة الجهاد والتي ليست محببة للنفس ، فعَنْ رَسُولِ اللَّهِ r قَالَ (أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ)[97] ، قال ابن عاشور (فأثبت أن الرسول في تبليغه إنما يبلغ عن الله، فأمره أمر الله، ونهيه نهي الله، وطاعته طاعة الله)[98].
قوله (.. وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (80) أي الذين أظهروا مخالفتك والإعراض عنك ـ، خاصة الرافضين للقتال معك ، فليس عليك شيء إزاءهم ، بل هي أفعالهم وسوف يحاسبون عليها ، ونظير ذلك قوله (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) (الشورى/6) ، ويكفي في شأن الجهاد تحريض النبي r المؤمنين على القتال دون أن يكون عليهم مسيطرا أو حفيظا ، فمن أطاعه فله الخير ، ومن عصاه فهو الخاسر.
وفي ذلك دليل على عدم جواز التجنيد الإجباري ، وإن جاز تقييد التعيين في الوظائف العامة بانهاء الخدمة العسكرية الإلزامية ، فليس ذلك بتجنيد إجباري ، لأن المكلف بالخيار في أن يلتحق بالوظيفة العامة أو يلتحق بالقطاع الخاص .
وفي قوله (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ) أي أن المنافقين يزعمون طاعتهم لك أيها النبي r ، والانصياع لأوامرك ، وليس ذلك هو حقيقتهم ، فالحديث مستأنف عن طاعة النبي r في أمر الجهاد في سبيل الله وتلبية النداء ، وقد بدا استجابتهم له في الظاهر ، لكن عند العمل تخلف عنه المنافقون
قال القرطبي (مجرد القول لا يفيد شيئا ؛ فإنهم قالوا: طاعة، ولفظوا بها ولم يحقق الله طاعتهم ، ولا حكم لهم بصحتها؛ لأنهم لم يعتقدوها ، فثبت أنه لا يكون المطيع مطيعا إلا باعتقادها مع وجودها) [99] ، أي أنهم لا يعتقدون فرضية الجهاد في سبيل الله ، فعلام ينطقون بالطاعة له في أمر الجهاد ، وهم لا يؤمنون به .
قوله (فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ[100]طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ) فهؤلاء لا يجاهرون النبي r بما في أنفسهم من كرههم للجهاد ، ولو صارحوا بما يضمرون لصارحهم النبي r بقوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة/216) ، فلا أحد يحب القتال ، لأنه أمر شاق على النفس لا محالة ، والإنسان جُبل على حب السلام وترك النزاع والشقاق ، بيد أنه لو لم يكن في قتال الظالمين خيرٌ لما شرعه الله تعالى ، ويكفي أن به تصان الأنفس وتحفظ الأعراض والأموال ، وبه تحرس مقاصد الدين ، ولولاه لتجبر المتجبرون ، ولتغطرسوا على خلق الله ، فلا يسلم من ظلمهم وتكبرهم أحد من المستضعفين .
ولكنهم يعمدون إلى تغيير ما قاله النبي r من ندبهم للجهاد وانتداب قومهم ، فينقلون لقومهم غير ما قاله النبي r حتى لا يذهب معه أحد ، عن ابن عباس ( بيت طائفة منهم غير الذي تقول ) يغيرون ما قال النبي r [101](والله يكتب ما يبيتون) يغيرون ، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك (بيت طائفة منهم) قال : هم أهل النفاق)[102] .
قوله (وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ) أي لو خفي ذلك عن النبي r وأصحابه فإنه لا يخفى عن الله ، فالله يعلم نيتهم في كتمان أمر النبي r وعدم إخبارهم بما أمر به من النهوض للقتال واستنفار قومهم ، ولكنهم يغيرون القول ،ويحترفون الكذب ، وتعمية الأمر ، والاعتذار بأعذار واهية ، كأنهم لم يفقوا مراده ، أو سمعوه خطأ على خلاف ما قال ...وهكذا .
وذلك مثل اليهود حينما أمرهم الله بدخول القرية قائلين حط عنا يا رب خطايانا ، فغيروا كلمة (حطة) وقالوا بدلا منها (حنطة) أي القمح استهزاء بأمر الله لهم أن تواضعوا عند دخول قرية الجبارين .
قوله (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)(81) قال أبو حيان (أي لا تحدث نفسك بالانتقام منهم ، وليس المعنى فأعرض عن دعوتهم إلى الإيمان ، وعن وعظهم)[103] ، وفي ذلك تأكيد لسياسة تحييد الخصوم التي حضت الشريعة الإسلامية النبي r على اتباعها مع المنافقين خصوصا ، قال الضحاك (معنى أعرض عنهم لا تخبر بأسمائهم فيجاهروك بالعداوة بعد المجاملة في القول ، ثم أمره بإدامة التوكل عليه ، هو ينتقم لك منهم) [104].
يقول الدكتور علي الصلابي (يجب أن يكون الهدف الإستراتيجي للقيادة المسلمة تحييد من تستطيع تحييده)[105] ، وليس ذلك لتقليل الخصوم وحسب ، باعتبار أن ذلك تكتيك استيراتيجي ، حيث قيل أن سبب خسارة هتلر للحرب أنه فتح على نفسه عدة جبهات في آن واحد ، ولم يستطع تحييد خصومه ، وإنما غاية الإسلام أكبر من ذلك ، فالدعوة الإسلامية تفتح ذراعها لكل من يريد أن يصحح خطأه وينضم إليها ، فتعطي له الفرصة بهذا الإعراض لأن يراجع نفسه .
والنبي r التزم سياسة الإعراض عن المنافقين طوال دعوته ولم يحد عن ذلك ، ولذلك أعرض كثيرا عن أخطاء عبد الله بن أبي بن سلول ، قَالَ جَابِرٌ وَكَانَتْ الْأَنْصَارُ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ r أَكْثَرَ ثُمَّ كَثُرَ الْمُهَاجِرُونَ بَعْدُ فَقَالَ "عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ" -المنافق- أَوَ قَدْ فَعَلُوا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ قَالَ النَّبِيُّ r (دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ)[106].
وفي قوله (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ..) (82) قال أبو حيان (بكتهم في عدم تأملهم ما جاء به الرسول من القرآن الذي فيه كتب عليهم القتال)[107] ، قال تعالى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص/29) ... فهو يحضهم على فهم مراد الله من أحكامه التكليفية بالتأمل في مستندها من القرآن ، كما في قوله (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُم) (البقرة/216) ، وقوله (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ) .
فالقرآن علاج للقلب من الآفات ، وللنفاق ، وكافة الأمراض ، لأنه إذا كان يخرج الناس من الظلمات إلى النور ، ومن الضلال إلى الهدى ، وأنه شفاء للناس فكذلك يطهر القلوب من النفاق والأمراض النفسية كالحقد والحسد والغل والغيرة والرياء ، لما لا وقد مايز الله في التشبيه بين نوعين من المنافقين أحدهما يقرأ القرآن ، والآخر لا يقرؤه ، قال رسول الله r (وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا)[108] .
ولو تدبر هؤلاء القرآن لفقهوا حكمة الله في فرض القتال ، وخيرية الجهاد في سبيل الله ، كما قال (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة 216) ، وقد عللت سورة البقرة لماذا فرض الله القتال ؟ بأن القتال مفروض ابتداء لدفع الكفار عن قتال المسلمين ، وأنهم لن ينتهوا عن قتال المسلمين حتى يفتنونهم عن دينهم ، كما قال تعالى (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ) (البقرة 217) فهو أمر محتم لابد منه ، ومن ينكره ينكر الحقيقة فهو خائن من هذا الوجه أي منافق .
قوله (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) يقول الدكتور ميلر عن هذه الآية : " من المبادئ العلمية المعروفة في الوقت الحاضر هو مبدأ إيجاد الأخطاء أو تقصي الأخطاء في النظريات إلى أن تثبت صحتها Falsification test... والعجيب أن القرآن الكريم يدعوا المسلمين وغير المسلمين إلى إيجاد الأخطاء فيه ، ولن يجدوا"، ويقول أيضا عن هذه الآية : لا يوجد مؤلف في العالم يمتلك الجرأة ويؤلف كتابا ثم يقول هذا الكتاب خالي من الأخطاء ولكن القرآن على العكس تماما يقول لك لا يوجد أخطاء بل ويعرض عليك أن تجد فيه أخطاء ولن تجد)[109].
أما إذا وجد اختلاف في كتاب الله ، فذلك نابع من الجهل في فهمه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (معلوم أن نفي الاختلاف عنه لا يكون إلا بتدبره كله ، وإلا فتدبر بعضه لا يوجب الحكم بنفي مخالفه ما لم يتدبر لما تدبر)[110].
قَالَ رَسُولُ اللهِ r (دَعُوا الْمِرَاءَ فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّ الأُمَمَ قَبْلَكُمْ لَمْ يُلْعَنُوا حَتَّى اخْتَلَفُوا فِي الْقُرْآنِ ، فَإِنَّ مِرَاءً فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ)[111]، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) الْآيَةَ)[112] .
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال (ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول الله r مغضبا قد احمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول مهلا يا قوم بهذا أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض أن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا بل يصدق بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه)[113] ، قال المناوي (المراء في القرآن إن أدى إلى اعتقاد تناقض حقيقي فيه أو اختلال في نظمه فهو كفر حقيقي)[114]، وقال الحرالي : (والامتراء مجادلة تستخرج السوء من خبيئة المجادل)[115].
مما تقدم ينبغي أن نعي ونفهم أن قلة التدبر تؤدي –حتما- إلى عدم فهم كلام الله ، وقلة تلاوته مع قلة تدبره يؤديان إلى المجادلة في كتاب الله ، ولذلك جاء عقب الأمر بالتدبر نفي الاختلاف فيه ، والعكس كذلك صحيح ، قال رسول الله r (لا تجادلوا بالقرآن ولاتكذبوا كتاب الله بعضه ببعض ، فوالله إن المؤمن ليجادل بالقرآن فيغلب ، وإن المنافق ليجادل بالقرآن فيغلب)[116] .
قال الطباطبائی فی تفسيره [117]: «إنّ الطريق لفهم القرآن يمرّ من خلال منهجين أحدهما مقبول والآخر مرفوض :-
فأما المرفوض : أن نبحث بحثاً علمياً أو فلسفياً أو غير ذلك عن مسألة من المسائل التی تتعرّض لها الآية حتّى نقف على الحقّ فی المسألة ثمّ نأتی بالآية ونحملها عليه ، وهذه طريقة يرتضيها البحث النظری، غير أنّ القرآن لا يرتضيها .
ثانيهما: أن نفسّر القرآن بالقرآن ونستوضح معنى الآية من نظيرتها بالتدبّر المندوب إليه فی القرآن ، ونشخّص المصاديق ونتعرّفها بالخواصّ التی تعطيها الآيات كما قال تعالى (وَنَزَّلْنَا عَلَیْكَ الْكِتَابَ تِبْیَاناً لِكُلِّ شَیْء) (النحل: 89) ، وحاشا أن يكون القرآن تبياناً لكلّ شیء ولا يكون تبياناً لنفسه ، وقال تعالى: (هُدىً لِلنَّاسِ وَبَیِّنَات مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: 185) وقال تعالى (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبـِينٌ) (المائدة: 15) وكيف يكون القرآن هدى وتبياناً وفرقاناً ونوراً مبيناً للناس فی جميع ما يحتاجون ولا يكفيهم فی احتياجهم إليه وهو أشدّ الاحتياج ! .
وأما الوجه المحمود في الاختلاف ، بأن يكون اختلاف تنوع وليس تضاد كما قال السيوطي (ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة وربما تكلموا في بعض ذلك بالإستنباط والإستدلال ، والخلاف بين السلف في التفسير قليل ، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى إختلاف تنوع لا إختلاف تضاد ، وذلك صنفان :-
أحدهما أن يعبر واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى كتفسيرهم الصراط المستقيم بعض بالقرآن أي إتباعه وبعض بالإسلام ، فالقولان متفقان لأن دين الإسلام هو إتباع القرآن ، ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر..
الثاني أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل ، .. مثاله ما نقل في قوله تعالى ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا . . الآية ، فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للحرمات ، والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات ، والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات ، فالمقتصدون أصحاب اليمين والسابقون السابقون أولئك المقربون )[118] .
المسألة السابعة : تدابير إذاعة الأخبار وقت الحرب
وفي قوله (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ)(83) قال العلماء (هذه الآية إنما نزلت في شأن الوقائع المتعلقة بالحروب والجهاد)[119] ، ذلك أن تشريع الجهاد والإيذان به يجعل المنافقين يضطربون ، ويبث في قلوبهم الرعب ، لاسيما إذا ما تطلب تضحية بالمال والنفس اللذين هما عزيزان على المنافق .
وليتهم يخبئون ما في قلوبهم من خور وجبن ، ولكنهم يذيعون بين المسلمين كل خبر يؤثر في معنوياتهم بالسلب ، ليُخذِلُّونهم عن الجهاد في سبيل الله ، قال رسول الله r (كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)[120] ، ولذلك سموا بالمرجفين ، يَقُولُ النَّبِيَّ r (إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا قِيلَ وَقَالَ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ)[121].
وفي قوله (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) ذلك أن كل مسألة تتعلق بأمن المسلمين وجهادهم لابد وألا تتداول بين الناس لتلوكها الألسنة دون تثبت وتبصر لعواقب نشرها بينهم ، كما أن توقيت الجهاد متروك لاختيار ولي الأمر ، فهو أعلم الناس به ، قال ابن قدامة رحمه الله" وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده ، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك" [122]، فإذا ما أعلن الجهاد وجب ألا يتأخر عنه مسلم .
ولذلك ترى المنافقين حين يستنفرهم النبي r للجهاد وإن كانوا يقولون "طاعة"، فقد أضمروا نية التخاذل عن متابعته ، ولذلك تراهم يبثون روح الخوف والفزع من أعدائهم ليثنوا المسلمين عن المضي في الجهاد ، ولو علموا حقيقة مخالفتهم لما خالفوا ، ففي اتباعهم للإمام مصلحة معتبرة لدينهم ودنياهم ، ذلك أن الشرع جاء بمقاصد ضرورية ، وعمارة الدنيا أحد مقاصده ، فتشريع الجهاد وإن كان في ظاهره تهديد بفوات الدنيا وتحقق القتل وضيق العيش ، إلا أنه إذا بوشر مع ولي الأمر بفقه سديد وفق مقاصد الشرع يحصل الخير ، فالخير قرين طاعتهم للإمام ، فطاعة ولاة الأمور من طاعة الله ، يقول النبي r (مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي)[123] .
ولذلك فإن تقدير مسألة لزوم الجهاد ووجوبه وتحديد جهته وأولوياته وتوقيته ، كل ذلك ليس في أيدي عامة الناس ، وإنما يقدره ولي الأمر ، لكن المنافقون يشاكسون في هذه المسائل رغبة منهم في إبطال الجهاد ، أي يطعنون فيما يتضمنه القرآن من منهج وتشريع يحض على الجهاد ، فالطعن في الجهاد طعن في القرآن والسنة بطريق اللزوم ، آية ذلك أن لفظ (الجهاد) ورد في القرآن الكريم في واحد وأربعين موضعاً، ولفظ (القتل) ورد في القرآن في نحو سبعة وثمانين موضعاً باشتقاقاته المختلفة، إذن إنكار فريضة الجهاد يفتح بابا للمراء والجدال في القرآن .
وقد تكلم الرازي في إيكال مسائل الجهاد إلى أولي الأمر ، وذكر أن المقصود بـ (أُوْلِى الأمر) قولان :-
أحدهما : إلى ذوي العلم والرأي منهم
والثاني : إلى أمراء السرايا
والترجيح الأول أن العلماء إذا كانوا عالمين بأوامر الله ونواهيه ، وكان يجب على غيرهم قبول قولهم لم يبعد أن يُسمُّوا أولي الأمر من هذا الوجه ، والذي يدل عليه قوله تعالى (لّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدين وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة : 122] فأوجب الحذر بإنذراهم وألزم المنذرين قبول قولهم ، فجاز لهذا المعنى إطلاق اسم أولي الأمر عليهم) [124] ، وقال كذلك (فثبت أن الله أمر المكلف برد الواقعة إلى من يستنبط الحكم فيها ، ولولا أن الاستنباط حجة لما أمر المكلف بذلك ، فثبت أن الاستنباط حجة)[125] .
وقد أعاد أبو حيان ما قاله أبو بكر الرازي بأسلوبه فقال : (في هذه الآية دلالة على وجوب القول بالقياس واجتهاد الرأي في أحكام الحوادث ، لأنه أمر بردّ الحوادث إلى الرسول في حياته إذ كانوا بحضرته ، وإلى العلماء بعد وفاته والغيبة عن حضرته ، والمنصوص عليه لا يحتاج إلى استنباطه ، فثبت بذلك أنَّ من الأحكام ما هو مودع في النص قد كلف الوصول إلى علمه بالاستدلال والاستنباط)[126].
مما تقدم يتبين أن مسألة تقدير وقت الجهاد ، ومن تجاهد ، ومع من تجاهد ، وأولويات الجهاد ،... كل ذلك من المسائل التي يستعصي تقديرها وتنظيمها لآحاد الناس ، ولابد لأناس متخصصين من ذوي الرأي والعلم والدولة أن يقوموا على تقديرها ، فعن رَسُولُ اللهِ r قَالَ "المراء في القرآن كفر ثلاثا ما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه"[127] .
وليت هذه الأمور التفصيلية في فقه الجهاد منصوص عليها في القرآن والسنة ، لكنهما اكتفيا بذكر القواعد العامة والأصول الفقهية لهذه فيما يتعلق بالجهاد ، وتفصيل الأمور متروك لأولي الأمر ، فحيث المصلحة فثم شرع الله ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ لَمَّا حَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ r الطَّائِفَ فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا ، قَالَ إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا نَذْهَبُ وَلَا نَفْتَحُهُ ، وَقَالَ مَرَّةً نَقْفُلُ ، فَقَالَ اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ ، فَغَدَوْا فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ ، فَقَالَ إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَأَعْجَبَهُمْ ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ r ) [128].
ومن جهة أخرى فإن تقدير المسألة وفقا لحسابات النصر والخسارة هو باب من أبواب الرجم بالغيب ، وهذه الأمور لا يجوز التخرص بها أو التكهن ، فهي مما استأثر الله بعلمه، فلا أحد يعلم إلا الله متى يأتي النصر ومتى يتحقق السلم ، وإلى متى يظل الجهاد ماضيا ليميز الله الخبيث من الطيب ، ولكن إذا اجتهد ولي الأمر وحدد وقتا لقتال العدو التماسا للنصر فعلى الأمة طاعته .
ولذلك قال العلماء (التقدير في قوله "أفلا يتدبرون القرآن"، ولو تدبروه لعلموا أنه من كلام الله ، والمشكل عليهم من متشابهه لو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ، لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، يعني : لعلم معنى ذلك المتشابه الذين يستنبطونه منهم من أهل العلم بالكتاب إلا قليلاً ، وهو ما ستأثر الله به من علم كتابه ومكنون خطابه)[129] ، أي أنهم لا يقطعون بمراد الله في تحين وقت القتال ، ولكنهم يجتهدون وحسب ، فإن وفَّقهم الله صادف اجتهادهم تحقيق مراد الله منهم ، والله أعلم .
وفي قوله (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) (83) قال ابن عطية (هذا خطاب للمؤمنين باتفاق من المتأولين ، والمعنى : لولا هداية الله لكم وإرشاده لبقيتم على كفركم ، وهو اتباع الشيطان)[130] .
فهو الذي جعل فيهم رسول الله r ليهديهم إلى الجهاد في سبيل الله ، فهو صراط الله المستقيم ، ولو لم يتبعوه في أمره بالجهاد في سبيل الله لم يبق لهم طريق غير طريق الشيطان ليتبعوه ، فلا طريق ثالث ، يقول النبي r (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ فَقَالَ تُجَاهِدُ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ وَيُقْسَمُ الْمَالُ فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ)[131] .
المسألة الثامنة : كف بأس الذين كفروا هو الغرض الرئيسي من القتال
وفي قوله (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) (84) قال أبو بكر الجزائري (ما زال السياق في السياسة الحربية)[132] ، قال ابن الجزي (لما تثاقل بعض الناس عن القتال قيل هذا للنبي r ؛ أي إن أفردوك فقاتل وحدك فإنما عليك ذلك "وَحَرِّضِ المؤمنين" أي ليس عليك في شأن المؤمنين إلاّ التحريض)[133]
ففي صلح الحديبية قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمْ الْحَرْبُ وَأَضَرَّتْ بِهِمْ فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ فَإِنْ أَظْهَرْ فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي[134] وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ )[135]
قال ابن بطال أى : (حتى أنفرد فى قتالهم وحدى)[136] ، قال ابن حجر ( أي ينقطع عنقي لأن السالفة أعلي العنق ، وقيل للإنسان سالفتان وهما جانبا العنق)[137] أي (تزول عن جسدي)[138]، قال الألوسي (وفيه دلالة على أن ما فعلوه من التثبيط والتقاعد لا يضره r ولا يؤاخذ به)[139] ، فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ r أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَكَانَ النَّبِيُّ r سَبَقَهُمْ عَلَى فَرَسٍ ، وَقَالَ وَجَدْنَاهُ بَحْرًا)[140] ، معنى قوله (وجدناه بحرا) أي واسع الجري ، وفيه جواز سبق الانسان وحده في كشف أخبار العدو مالم يتحقق الهلاك)[141] .
وفي قوله (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ) (84) (المعنى أن الواجب عليه r إنما هو الجهاد وتحريض الناس في الجهاد ، فإن أتى بهذين الأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركا للجهاد شيء)[142]، والنبي r كان يحرض المؤمنين على القتال ببيان فضله ، فعن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ قَالَ لَا أَجِدُهُ قَالَ هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ قَالَ وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ) [143] ، وفي رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قِيلَ لِلنَّبِيِّ r مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لَا تَسْتَطِيعُونَهُ قَالَ فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَا تَسْتَطِيعُونَهُ وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى) [144] .
كما كان يحرضهم على القتال ببيان شجاعته ودنوه من العدو ، فعن على رضي الله عنه قال : (كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله r -أي تترسنا به وأخذناه درعا لنا- فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه)[145] ، وعَنْ عَلِيٍّ قَالَ لَمَّا حَضَرَ الْبَأْسُ يَوْمَ بَدْرٍ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ r وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ مَا كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْهُ)[146]، وعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r لَمْ يَفِرَّ إِنَّ هَوَازِنَ كَانُوا قَوْمًا رُمَاةً وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ فَانْهَزَمُوا فَأَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْغَنَائِمِ وَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ r فَلَمْ يَفِرَّ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا وَالنَّبِيُّ r يَقُولُ (أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ)[147]
وفي قوله (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا) (84) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: " عَسَى " قَالَ: عَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ"[148] ، أي أنه بمجرد أن يقوم النبي r بواجب الجهاد بنفسه ودون انتظار أن يعضده وينصره أحد ، وأنه بمجرد قيامه بتحريض المؤمنين على ذلك ، فإن ذلك –وحده-كاف – كسبب- لمنع الذين كفروا من أن يظهروا عليه أو يؤذوه والمسلمين في دينهم ، قال جَلَّ وَعَزَّ (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ) ، وقال رسول الله r (نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ)[149]، (أى لم يتعرّض لقتال أحد إِلا كان ذلك العدو خائفا منه مَهُولا لقذف اللّه الرعب فى قلوب أَعدائه)[150].
معنى ذلك أن مجرد الإعداد والاستعداد للجهاد وتحريض المؤمنين كاف لإخافة العدو ، فينتصر المسلمون سياسيا دون حاجة لقتال عسكري ، ويحققوا أهدافهم المرجوة ، في حين أن التقصير في ذلك الأمر يحمل العدو على مواجهتهم عسكريا بالقتال ، فيشق ذلك على المسلمين اضطرارا ، وقد كان بأيديهم أن يكفوا بأس الذين كفروا بدون قتال لو لم يتخلوا عن السلاح والرباط والجهاد في سبيل الله .
قال ابن جزي (والذين كفروا هنا قريش ، وقد كفهم الله بهزيمتهم في بدر وغيرها وبفتح مكة) [151]، قال النيسابوري (الآية إن كان ظاهرها العموم فالمراد منها الخصوص ،.. ولذلك قيل ذلك في القوم الذين قذف الله في قلوبهم الرعب وأخرجهم من ديارهم وأموالهم بغير قتال من المؤمنين لهم وهذا بأس قد كفّه الله عن المؤمنين ، وقيل : إنه أراد به اليهود والنصارى وهم يعطون الجزية وتركوا المحاربة ، وقد كف بأسهم عن المؤمنين إذا صاروا يؤدّون الجزية صاغرين)[152].
المسألة التاسعة : إحلال السلام وتبادل الهدايا بين الأمم .
وفي قوله تعالى (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا) (85) تثمير لمفهوم التحريض على الجهاد ، وتبشيع لمن خذَّل الناس عنه ، قال أبو حفص (والغَرَض مِنْه : أنه r يستَحِقُّ بالتَّحْرِيضِ على الجِهَاد أجْراً عَظِيماً ، فكان يوصِيهم بالقِتَال ، ويبالِغُ في تَحْرِيضهم عليه) [153] ، قال ابن عاشور (التحريض على القتال في سبيل الله من الشفاعة الحسنة، وأن سعي المثبطين للناس من قبيل الشفاعة السيئة، فجاءت هذه الآية إيذانا للفريقين بحالتهما، والمقصود مع ذلك الترغيب في التوسط في الخير والترهيب من ضده)[154] .
والنصيب هو الحظ من الشيء [155]، والكفل هو الضعف[156] ، فمن يحرض المؤمنين على القتال قد تشفَّع شفاعة حسنة وله نصيب من الأجر والثواب الذي ينالهم ، باعتبار أن من سن في الإسلام سنة حسنة له أجرها وأجر من عمل بها ، وأما الذي يحرضهم على عدم الطاعة ويثبطهم عن القتال فقد شفع شفاعة سيئة ، فجعلهم آثمون بذلك ونال هو ضعف الإثم الذي أخذوه ، لأن من سن في الإسلام سنة سيئة له وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيء ، فعن النبي r قال (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) [157].
وقد ذكر الشيخ أبو بكر الجزائري أمثلة للشفاعة الحسنة فقال (بأن يضم صوته مع مطالب بحق أو يضم نفسه إلى سريّة تقاتل في سبيل الله ، أو يتوسط لأحد في قضاء حاجته فإن للشافع قسطاً من الأجر والمثوبة)[158]، وذكر أبو حفص أمثلة الشفاعة السيئة فقال (كان بَعْضُ المُنَافِقِين يَشْفَع إلى النَّبي r في أن يأذَن لَهُم في التَّخَلُّف عن الغَزْوِ ، مَعْصِيَةٍ ، كانت مُحَرَّمَة) [159].
ولكن هذه الأمثلة لا يروقني بعضها ، فالشفاعة تعني التوسل أو التحريض ، فالفاعل ليس الشفيع ، بل المشفوع له ، ولذلك فإن أفعال الشفيع تتمثل في أنه وسيط بين المشفوع له والمشفوع عنده ، ليحرض المشفوع عنده قبول شفاعته ، ويحرض المشفوع له أن يفعل الشئ الذي يسر المشفوع عنده ليقبل الشفاعة ، وهذا هو دور زعماء القوم في أن يشفعوا عند قومهم ليقبلوا خطة النبي r في الجهاد ، أو يشفعوا عندهم في أن يحرضوهم على عدم طاعة رسول الله r
والأمر على العموم وإن كان السياق بخصوص بالجهاد في سبيل الله ، قال ابن جرير الطبري (الآية في شفاعة الناس بعضهم لبعض ، وغير مستنكر أن تكون الآية نزلت فيما ذكرنا، ثم عُمَّ بذلك كل شافع بخير أو شر) أي قوله (فيشفعهم في جهاد عدوهم وقتالهم في سبيل الله ، وهو"الشفاعة الحسنة" ومن يشفع وتر أهل الكفر بالله على المؤمنين به ، فيقاتلهم معهم، وذلك هو"الشفاعة السيئة" )[160] .
ومن الأمثلة على عموم الشفاعة ، التوسط في قضاء حوائج الناس ، قَالَ رسول الله r (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَكَانَ النَّبِيُّ r جَالِسًا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَوْ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ)[161]
وعَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ r أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ قَالَ اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ)[162]، قال ابن بطال (فى هذا الحديث الحض على الشفاعة للمؤمنين فى حوائجهم ، وأن الشافع مأجور وإن لم يشفع فى حاجته ، وقال أهل التأويل فى قوله تعالى (من يشفع شفاعة حسنة) يعنى فى الدنيا (يكن له نصيب منها ) فى الآخرة ، وقال مجاهد وغيره : (نزلت هذه الآية فى شفاعة الناس بعضهم لبعض)[163] .
وفي قوله (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) (86) فإفشاء السلام هو المقصود بالتحية، قال أبو حيان (الظاهر أن التحية هنا السلام)[164] ، قال رسول الله r (أفشوا السلام تسلموا)[165] ، قال الطبرسي : المراد بالسلام المسالمة التي هي ضد الحرب.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ r (أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفْ)[166]، ففي ذلك إتاحة الفرصة لفتح أبواب من العلاقات الدبلوماسية بين الأمم لتقوية السلام بينهم لا سيما تبادل الهدايا ، ذلك أنه بعدما يكف الذين كفروا أيديهم عن المؤمنين ينفتح هذا الباب ، ليكون مجال الدعوة في سبيل الله هو ما يبذل فيه المؤمنون طاقتهم ووسعهم قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ)[167].
قوله (..فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا..) (86) القصد من الإثابة على الهدية التحبب والتقارب دون لغو أو تفاخر وتباهي ، وعن ثابت قال : (كان أنس يقول يا بنى تباذلوا بينكم فإنه أود لما بينكم)[168]
ولا يخفى ما في تبادل الهدايا من شرح للصدور وتهدئة للأمزجة وتطييب للنفوس وتأليف للقلوب ، يقول النبي r (تهادوا تحابوا)[169] ، وعنه r قال (يا معشر الأنصار تهادوا فإن الهدية تسل السخيمة[170])[171] ، وفي رواية (تذهب السخيمة)[172] ، أي (يعني: تذهب الضغائن التي في القلب)[173]
فإن لم يحصل ذلك فعدم قبولها أولى – خصوصا في بعض الحالات لاسيما أصحاب الولايات - لسد هذه المفسدة ، فعن أبى هريرة قال : أهدى رجل من بنى فزارة للنبي r ناقة فعوضه فتسخطه فسمعت النبي r على المنبر يقول (يهدى أحدهم فأعوضه بقدر ما عندي ثم يسخطه ، وأيم الله لا أقبل بعد عامى هذا من العرب هدية إلا من قرشي أو أنصارى أو ثقفى أو دوسى)[174]، لأنهم أعرف بمكارم الاخلاق)[175] ، ولذلك قال العلماء (يترتب على ذلك جواز المنع من قبول الهدية أو الهبة إذا كانت للثواب ، وليس عند العبد ما يثيب به عليها)[176].
ومناط التفرقة بين الصدقة والهدية هو أن الهدية ترد بمثلها أو بأحسن منها ، أما الصدقة فلا يثاب عليها ، فعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ)[177] ، وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا)[178] ، فعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ (وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ r بَغْلَةً بَيْضَاءَ وَكَسَاهُ بُرْدًا)[179].
وفي قوله تعالى ..(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) (86) احتراز من أن تكون الهدية أو التحية لغرض غير شرعي ، فتدخل الشبهة ، وإنما يجب العمل بشروطها ، فلا يجوز تقديم الهدايا لأصحاب الولايات لشبهة التقرب إليهم لتحقيق مصلحة ، فتكون أشبه بالرشوة المخبأة في صورة هدية .
فعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ r رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْأُتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي قَالَ فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا)[180]
وفي قوله تعالى (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) (87) تذكير المؤمنين بأنهم راجعون إلى الله بعدما ذاقوا النصر ، كما أنه واجب عند المصيبة فهو كذلك واجب عند الفضل والنعمة ، ففي ذلك تأكيد على صدق النوايا ، واحتساب الشهداء عند الله ، وتأكيد على التزام السنة في الجهاد وفي قبول الهدايا.
والاسترجاع يكون بالقلب كما باللسان ، وهو بالقلب أولى ، وذلك (بأن يَتصوَّرَ ما خُلق له وأنه راجِعٌ إلى ربه ويتذكرَ نِعمَ الله تعالى عليه ، ويرى أن ما أبقى عليه أضعافُ ما استردّ منه)[181] .
وذكر كلمة التوحيد في ختام هذا السياق يؤكد على أن الله تعالى لم يشرع الجهاد في سبيله إلا لإعلاء كلمة التوحيد " لا إله إلا الله " ولإخبار الناس باليوم الآخر " يوم القيامة " ، وبالتالي فإذا كانت هذه الكلمة هي غاية الجهاد ، فإن العمل عليها بعد النصر على الكفار وبعد أن كف الله بأسهم أوجب ، حيث يسعى المجاهدون إلى استكمال عملهم الدعوي بأن يمهدوا للعلماء والدعاة الطريق لأن يشرحوا الإسلام للأمم التي يفتتحونها ، وليبدأوهم بالهدايا والتحية ، وخير هدية يهديها المسلمون لغير المسلمين كتاب الله تعالى ، حيث يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله ، بل إنها لخير الصدقات والهدايا ، روى البخاري معلقا عَنْ النَّبِيِّ r (الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ)[182]، وخير الكلام كلام الله وخير الله هدي النبي محمد r ، من هنا كانت خير الهدايا كتاب الله وكتب السنن عن رسول الله r .
قوله تعالى (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) استفهام على سبيل الإنكار [183]، أي إنكار لمن يبحث عن الصدق والحق في غير دين الإسلام .
ولذلك كان الناس يهتدون للإسلام بحسن المعاملة والكلمة الطيبة بالرغم من أن القتال قد دار بينهم ونشبت بينهم العداوة فيما سبق ، قال تعالى (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الممتحنة7) ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) قَالَ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ) [184] .
[1] ) مفاتيح الغيب ج10 ص 141
[2] ) البحر المحيط ج 4 ص 198
[3] ) التحرير والتنوير ج4 ص 183
[4] ) في هذا المعنى ابن عاشور التحرير والتنوير ج4 ص 183
[5] ) التحرير والتنوير ج4 ص 183
[6] ) تفسير النسيابوري ج3 ص 34
[7] ) محاسن التأويل للقاسمي : سورة النساء الأية 71
[8] ) رواه الحاكم في المستدرك ج1 ص 669 رقم 1813 وحسنه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 1370 رقم 13697
[9] ) أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 280
[10] ) تفسير الجلالين ج2 ص 71 تفسير الخازن ج2 ص 130
[11] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 995
[12] ) تفسير القرطبي ج5 ص 275
[13] ) في ظلال القرآن ج2 ص 178
[14] ) مفاتيح الغيب ج10 ص 142
[15] ) قاله الكلبي ، انظر أبو حيان : البحر المحيط ج4 ص 199 ، الرازي : مفاتيح الغيب ج10 ص 142
[16] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 357
[17] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 238 الوجيز للواحدي ج1 ص 130
[18] ) رواه مسلم ج3 ص 379 رقم 1040
[19] ) وهما ما بين أظلاف الشاة أو ما بين أضلاعها يعني شيء زهيد من اللحم لأتى إلى الصلاة ولكن حرموا الأجر والثواب والخير لان إيمانهم إما مفقود بالكلية كالمنافقين أو ضعيف – انظر الشرح المختصر على بلوغ المرام ج3 ص 217 للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين في الجامع الكبير في مدينة عنيزة - مؤسسة الاستقامة الإسلامية للإنتاج والتوزيع في عنيزة -
[20] ) رواه البخاري ج3 ص 32 رقم 608
[21] ) تفسير القشيري ج2 ص 1
[22] ) السمين الحلبي : الدر المصون في علم الكتاب المكنون ج1 ص 1159
[23] ) رواه البخاري ج22 ص 107 رقم 6643
[24] ) المنتقى شرح الموطأ ج4 ص 459 رقم 1573
[25] تحفة الأحوذي للمباركفوري ج6 ص 144 ، عون المعبود ج13 ص 150
[26] ) رواه مسلم ج10 ص 11 رقم 3528
[27] شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج13 ص 375
[28] ) رواه ابن ماجة في سننه ج8 ص 248 رقم 2743 وصححه الألباني : صحيح سنن ابن ماجة ج 2 ص 121 رقم 2224
[29] ) رواه مسلم ج9 ص 451 رقم 3484
[30] ) تاريخ الطبري ج2 ص 308
[31] ) أسد الغابة ج1 ص 313 ، وفي ذات المعنى ( تهذيب الكمال ج8 ص 189 ، صفة والصفوة ج1 ص 654 ، ابن قتيبة : المعار ج1 ص 60 ، ابن كثير ن رواية الواقدي : البداية والنهاية ج7 ص 129 )
[32] ) تفسير ابن كثير ج1 ص 662
[33] ) التحرير والتنوير ج 4 ص 234
[34] ) رواه البخاري ج8 ص 312 رقم 2264
[35] ) رواه البخاري ج21 ص 283 رقم 6438
[36] ) رواه أبو داود ج11 ص 371 رقم 3745
[37] ) المناوي : التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 760
[38] ) رواه أبو داود في سننه مرفوعا ج13 ص 28 رقم 4240
[39] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج28 ص 132
[40] ) رواه أحمد في مسنده ج25 ص 361 رقم 15985 قال الألباني الحديث رواه ابن لهيعة وهو ضعيف
وقال فيه المحدث عبد الله السعد : (عبدالله بن لهيعة الحضرمي المصري من كبار أهل العلم في بلاد مصر في زمانه، وكان قاضي مصر (رحمه الله)، وكان مكثراً جداً من الحديث والرواية، فهو من أهل العلم والفضل، ولكنه رحمه الله لم يكن بالمتقن ولم يكن أيضاً بالحافظ (رحمه الله)، وخاصةً في حديثه المتأخر، فلذلك وقعت أحاديث منكرة في حديثه ووقع في أوهام في روايته، وهذا مرجعه إلى أشياء منها:
1) - عدم إتقانه وحفظه 2- أنه ما كان يحدث من كتابه، هو حدث قديماً فيما سبق من حياته حدث من كتابه ثم بعد ذلك لم يحدث من كتابه، وإنما يقرأ من كتب الناس أو يأتي إليه أناس ويقولون هذا من حديثك فيقرؤون عليه، ثم بعد ذلك يروون هذه الأحاديث، فلا شك أن مثل هذا أوقعه في أوهام وأخطاء 3- تدليسه: فكان يدلس، وأحياناً كان يسقط راويين، فهذا أيضاً من الأسباب التي أدت إلى أن يقع في حديثه ما وقع من المنكرات والأخطاء ، والخلاصة في حديثه رحمه الله أنه على ثلاثة أقسام: القسم الأول: وهو أصح حديثه وهو ما حدث به قديماً، القسم الثاني من حديث عبدالله بن لهيعه: هو ما حدث به قديماً، وما رواه قبل أن تحترق كتبه ، والقسم الثالث. والسبب في هذا القسم هو أن ابن لهيعة (رحمه الله) احترقت كتبه، فزاد ضعفه بعد احتراق هذه الكتب.
[41] ) رواه أبو داود ج11 ص 419 رقم 3781 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج9ص344 صحيح ابن ماجة ج2 ص 369 رقم 3240
[42] ) اللباب في علوم الكتاب ج5 ص 250، الألوسي ج4 ص 134
[43] ) ، أبو السعود ج2 ص 202 ، الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ج4 ص 128 ، البداية والنهاية لابن كثير ج7 ص 41 .
[44] ) غرائب القرآن ورغائب الفرقان ج2 ص 448
[45] ) الإصابة في تمييز الصحابة (7/ 61) ، تقريب التهذيب (1/ 656(
[46] ) الكشاف للزمخشر ج1 ص 433
[47] ) أخرجه أبو نعيم في الحلية ج1 ص93
[48] ) فتح الباري ج2 ص 50
[49] ) رواه البخاري ج5 ص 142 رقم 1269
[50] ) رواه البخاري ج14 ص 87 رقم 4222
[51] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج2 ص 29
[52] ) تفسير الرازي ج5 ص 286
[53] ) هذا الدين ج1 ص 1
[54] ) تفسير البحر المحيط ج4 ص 196
[55] ) الدر المنثور ج3 ص 167
[56] ) شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للغنيمان ج5 ص 2 المحرر الوجيز ص 310 تفسير الثعالبي ص155 والليث ، وأبو عبيدة ، والواحدي ، والكسائي ، وجماهير أهل اللغة
[57] ) تفسير التستري ج1 ص 107
[58] ) https://ketabonline.com/ar/books/96859/read?page=48&part=1#p-96859-48-1
[59] ) إعلام الموقعين ج1 ص 50
[60] ) الموافقات للشاطبي ج4 ص 248
[61] ) للشيخ أحمد مختار بزرة المدرس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة : مقومات النصر في حروب الإسلام ص 448 مجلة الجاعة الإسلامية بالمدينة المنورة
[62] ) عقيدة القتل عند اليهود علي محمد زينو
https://www.alukah.net/culture/0/5126/
[63] ) مجموع الفتاوى ج25 ص 314
[64] ) البحر المحيط ج4 ص 206
[65] ) جلال الدين السيوطي : معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم ج1 ص 207
[66] ) تفسير الخازن ج2 ص 131
[67] ) إغاثة اللهفان ج1 ص 110
[68] ) محمد أمين شيخو كشف خفايا علوم السحرة ج1 ص 104
[69] ) رضا أحمد صمدي : طريقة خدمة الدين ص 17
[70] ) تفسير الألوسي ج4 ص 138
[71] ) جامع الأحاديث للسيوطي ج16 ص 157 أخرجه الديلمي 11/5 رقم 7290 ، السلسلة الصحيحة للألباني ج5 ص 547
[72] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 359
[73] ) رواه مسلم ج10 ص 19 رقم 3533
[74] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 652
[75] ) رواه مسلم ج13 ص 139 رقم 4814
[76] ) رواه البخاري ج9 ص 350 رقم 2579
[77] ) رواه مسلم ج 14 ص 14 رقم 5101
[78] ) رواه الترمذي ج8 ص 304 رقم 2245
[79] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 360
[80] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 194
[81] ) رواه البخاري ج10 ص 19 رقم 2678
[82] ) علي بن نايف الشحود : المفصل في أحكام الهجرة ج2 ص 193
[83] ) المفصل في أحكام الهجرة ج2 ص 193
[84] ) اللباب في علوم الكتاب ج5 ص 252
[85] ) رواه البخاري ج22 ص 367
[86] ) شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للغنيمان ج123 ص 13
[87] شرح فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد لعبد الله الغنيمان ج80 ص 5 دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
[88] ) " مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " ( 2 / 110)
[89] ) " مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " ( 2 / 110)
[90] ) رواه الترمذي ج9 ص 298 رقم 2608 ، وصححه الالباني صحيح وضعيف سنن الترمذي ج6 ص 184 رقم 2684
[91] ) رواه البخاري ج9 ص 428 رقم 2625
[92] ) شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للغنيمان ج92 ص 8
[93] ) رواه مسلم ج12 ص 455 رقم 4674
[94] ) شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للغنيمان ج92 ص 8
[95] ) رواه البخاري ج17 ص 374 رقم 5210
[96] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج7 ص 153 رقم 9815 في تفسير قوله تعالى (و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم و يعفو عن كثير)
[97] ) رواه أبو داود ج12 ص 208 رقم 3988 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داودى ج10 ص 104 وصحيح ابن ماجة ج2ص88 رقم 2104
[98] ) التحرير والتنوير ج4 ص 198
[99] ) تفسير القرطبي ج5 ص 289
[100] ) {بيت} هنا بمعنى قدر أمرا في السر وأضمره، لأن أصل البيات هو فعل شيء في الليل، والعرب تستعير ذلك إلى معنى الإسرار، لأن الليل أكتم للسر، (التحرير والتنوير لابن عاشور ج4 ص 198)
[101] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 265
[102] ) الدر المنثور ج3 ص 172
[103] ) تفسير البحر المحيط ج4 ص 207
[104] ) تفسير البحر المحيط ج4 ص 207 تفسير السمعاني ج1 ص 452 تفسير البغوي ج2 ص 254 المحرر الوجيز لابن عطية ج2 ص 160 القرطبي ج5 ص290 فتح القدير للشوكاني ج2 ص 178 معاني القرآن للنحاس ج2 ص 139
[105] ) السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث ج3 ص 335 ، الأساس في السنة ج2 ص 687
[106] ) رواه البخاري ج15 ص 195 رقم 4527
[107] ) البحر المحيط ج4 ص 221
[108] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 249 رقم 210 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 42 رقم 177
[109] ) أرشيف ملتقى أهل التفسير 2 ج1 ص 1535 أعده أبو محمد المصرى www.aldahereyah.net
[110] ) ابن تيمية : الإكليل في المتشابه والتأويل ج1 ص 32
[111] ) مصنف ابن أبي شيبة ج10 ص 528
[112] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 55 رقم 47 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 14 رقم 45
[113] ) رواه أحمد في مسنده ج2 ص 181 رقم 6702 وصححه الألباني : في تخريج شرح الطحاوية لابن أبي العز ج1 ص 218
[114] ) فيض القدير ج6 ص 344
[115] ) فيض القدير ج6 ص 344
[116] ) روا الطبراني في مسند الشاميين ج2 ص 74 رقم 942 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج15 ص 23 رقم 3447
[117] ) (( الميزان في تفسير القرآن )) التعريف بالمؤلِف والمؤلَف : المؤلف هو محمد بن حسين الطباطبائي ، وقد وصف بالعلامة والسيد – عند الشيعة العراقية والإيرانية - ، ولد سنة 1321هـ في تبريز ، وبها أكمل تعليمه الابتدائي ثم انتقل إلى النجف في العراق حيث واصل دراسته وغادرها بعد أن نال درجة الاجتهاد إلى إيران وتصدر للتدريس في مدينة " قم " ) ، وتوفي سنة 1402هـ . وقد خلف ثروة من الكتاب ، ومن أهمها الكتاب الذي نحن بصدده ، المسمى بـ ((الميزان في تفسير القرآن )) ، وهو يقع في عشرين مجلداً ، وقد طبع الكتاب عدة طبعات ، ومنها الطبعة التي طالعت فيها ، وهي من منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم . وقد فرغ المؤلف من تأليفه كما يقول (( في ليلة القدر المباركة الثالثة والعشرين من ليالي شهر رمضان من شهور سنة 1392هـ ))
( أرشيف ملتقى أهل التفسير ج1 ص 3208 )
الحكم العام على الكتاب : الكتاب يعد موسوعة علمية في تفسير كتاب الله تعالى ، وذلك لشموليته ، واستطراده في ذكر المباحث والمسائل المتعلقة بالآية ، ولتفسيره كتاب الله كاملاً آية آية .. ويمكن أن يقال فيه ما قيل في تفسير الكشاف ، أنه من أحسن التفاسير لولا ما فيه من الاعتزال ، أما هذا التفسير فهو من أحسن التفاسير في العصر الحديث لولا ما فيه من التشيع المتطرف .
ولا يمنع - مما سبق - أن يستفيد طلبة العلم منه ، ويرجعوا إليه خاصة من المتخصصين ، مع الانتباه والحذر من المزالق التي وقع فيها ، وإن كان في الكتب الأخرى غنية عنه .
(انظر: اتجاهات التفسير1/249) لمؤلفه فهد بن سليمان الرومي : أستاذ الدراسات القرآنية كلية المعلمين – الرياض
[118] ) الإتقان في علوم القرآن ج2 ص 469
[119] ) تفسير الرازي ج5 ص 303
[120] ) رواه مسلم ج1 ص 15 رقم 6
[121] ) رواه البخاري ج5 ص 328 رقم 1383
[122] ) المغني ج20 ص 422 – الشرح الكبير لابن قدامة ج10 ص 372
[123] ) رواه البخاري ج22 ص 42 رقم 6604
[124] ) تفسير الرازي ج5 ص 302
[125] ) تفسير الرازي ج5 ص 303
[126] ) أبو حيان : البحر المحيط ج4 ص 219
[127] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج1 ص 275 والألباني في السلسلة الصحيحة المجلدات ج4 ص 96 رقم 1522
[128] ) رواه البخاري ج13 ص 220 رقم 3981
[129] ) الشيخ جمال الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان بن النقيب وهو جامع كتاب التحرير والتحبير لأقوال أئمة التفسير
[130] ) المحرر الوجيز لابن عطية ج2 ص 163
[131] ) رواه النسائي ج10 ص 193 رقم 3083 والبخاري في التاريخ الكبير ( 2 / 2 / 187 - 188 ) ، وصححه الألباني : انظر المجلدات ج6 ص 478 رقم 2979
[132] ) أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 286
[133] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 287
[134] ) السالِفَة : صَفْحة العُنُق وهما سالِفَتان من جانِبَيه . وكَنَى بانفرَادِها عن الموت لأنها لا تَنْفرد عمَّا يليها إلا بالموت ، ابن الأثير : النهاية في غريب الأثر ج2 ص 981
[135] ) رواه البخاري ج9 ص 256 رقم 2529
[136] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج8 ص 134
[137] ) فتح الباري لابن حجر ج1 ص 133
[138] ) فتح الباري لابن حجر ج1 ص 166
[139] ) تفسير الألوسي ج4 ص 156
[140] ) رواه البخاري ج9 ص 401 رقم 2608
[141] ) شرح النووي على مسلم ج15 ص 68
[142] ) تفسير الرازي ج5 ص 308
[143] ) رواه البخاري ج9 ص 347 رقم 2577
[144] ) رواه مسلم ج9 ص 458 رقم 3490
[145] ) رواه أحمد في مسنده ج1 ص 156 رقم 1346 قال شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح
[146] ) رواه أحمد في مسنده ج2 ص 307 رقم 1042
[147] ) رواه البخاري ج9 ص 473 رقم 2652
[148] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 272
[149] ) رواه البخاري ج2 ص 58 رقم 323
[150] ) الفائق في غريب الحديث والأثر ج4 ص 24
[151] ) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ج1 ص 287
[152] ) الكشف والبيان ج3 ص 352
[153] ) اللباب في علوم الكتاب ج5 ص 278
[154] ) التحرير والتنوير ج4 ص 205
[155] ) لسان العرب ص 761 الصحاح 225
[156] ) لسان العرب ج11 ص 589 ومنه قوله (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِه)
[157] ) رواه مسلم ج5 ص 198 رقم 1691
[158] ) أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 286
[159] ) اللباب علوم الكتاب ج5 ص 278
[160] ) تفسير الطبري ج8 ص 581
[161] ) رواه البخاري ج18 ص 450 رقم5567
[162] ) رواه البخاري ج18 ص 452 رقم 5568
[163] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج9 ص 228
[164] ) تفسير البحر المحيط ج4 ص 213
[165] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 340 رقم 979 وحسنه الألباني : صحيح الادب المفرد ج1 ص 283 رقم 979/754
[166] ) رواه البخاري ج19 ص 252 رقم 5767
[167] ) رواه مسلم ج1 ص 180 رقم 81
[168] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1ص208 رقم 595 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج 1ص236 رقم 595/464 وقال صحيح الإسناد
[169] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1ص208 رقم 594 وحسنه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج 1ص235 رقم 594/463
[170] ) السخيمة : الحقد ، الفائق في غريب الحديث والأثر ج1 ص 55 لمحمود بن عمر الزمخشري
[171] رواه البزار في مسنده ج2 ص 364 رقم 7529 ، قال ابن حجر العسقلاني : ، وهو وإن كان ضعيف المسند فهو أحد شواهد الحديث السابق(تهادوا تحابوا) انظر بلوغ المرام من أدلة الأحكام ج1 ص 361
[172] ) مصنف ابن أبي شيبة ج6 ص 554 – كنز العمال ج6 ص111 رقم 15060
[173] ) شرح عمدة الأحكام ج54 ص 5
[174] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 208 رقم 596 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج 1 ص 235 رقم 594/463
[175] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 575
[176] ) أحمد بن يحيى النجمي : تأسيس الأحكام في شرح عمدة الأحكام ج4 ص 88
[177] ) رواه أحمد في مسنده ج36 ص 90 رقم 17028
[178] ) رواه البخاري ج9 ص 36 رقم 2396
[179] ) رواه البخاري ج5 ص 333 رقم 1387
[180] ) رواه البخاري ج9 ص 53 رقم 2407
[181] ) تفسير أبي السعود ج1 ص 227
[182] ) رواه البخاري ج18 ص 444
[183] ) اللباب في علوم الكتاب ج5 ص 285 – تفسير الرازي ج5 ص 320
[184] ) رواه البخاري ج14 ص 28 رقم 4191
-
السبت PM 03:42
2026-01-10 - 86



