المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1897092
يتصفح الموقع حاليا : 310

البحث

البحث

عرض المادة

درس في الاستدلال والتحقيق قبل الاتهام والإدانة

د / احمد نصير

 

درس في الاستدلال والتحقيق قبل الاتهام والإدانة

 

قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (6)

 

هذا الدرس له مضمون قوي ومؤثر في بناء حياة واقعية قائمة على معلومات مؤكدة ، خالية من الظنون والأوهام ، نائيا بالمجتمع المسلم أن ينزلق في الشائعات ويغث في الاتهامات الباطلة ، ومؤكدا أن الأساس الطبيعي ، والأصل الذي يجب أن تبنى عليه العلاقات الاجتماعية ، هو ظاهر الحال ، ودون تخوين إلا بدليل قاطع ، فلا يكتفى بمجرد القرائن ما لم تعزز الأدلة والبراهين ، فالأصل في الإنسان أنه مولود بريء من كل ذنب ، وأن الخطيئة طارئ عليه ، فلا يزول هذا الأصل – بأي حال – عنه إلا بدليل قطعي ، ولا تكفي القرائن لزعزعة هذا الأصل ، وإنما الواجب استصحاب أصل البراءة حتى يأتي الدليل بعكس ذلك .

 

فالقرآن بهذه الآية سطر للمسلمين أعظم ميثاق لحقوق الإنسان ، ليتباهوا به إزاء جميع المواثيق الوضعية التي لم تصل ولن تصل إلى عظمة القرآن في تقرير حمايته للإنسان في سمعته وشرفه ، وذلك سواء في مراحل الاتهام أو التحقيق أو المحاكمة ، ولم تصل القوانين الوضعية إلى ما وصل إليه الإسلام من ضمانات لتحقيق العدالة ، وإعلاء لحقوق الإنسان .

 

فالواجب على كل مسلم – علي وجه الخصوص - التماس العذر –في المقام الأول - للعلماء وذوي الهيئات وإحسان الظن بهم, والتثبت مما يُنْقلُ ويشاع عنهم, لا سيما في حال الفتن والشرور ، ففيها يكثر الكذب والافتراء والطعن في العلماء, يقول السبكي (فإذا كان الرجل ثقة مشهوداً له بالإيمان والاستقامة, فلا ينبغي أن يحمل كلامه, وألفاظ كتاباته على غير ما تعود منه, ومن أمثاله, بل ينبغي التأويل الصالح وحسن الظن الواجب به وبأمثاله)[1].

 

ذلك أن الطَّعنَ في حامِلِ العِلمِ يحصل كثيرا من المنافقين ، مثلما حصل منهم لما قالوا عن أهل القرآن (مَا رَأَيْتُ مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلاءِ لا أَرْغَبَ بُطُونًا، وَلا أَكْذَبَ أَلْسِنَةً، وَلا أَجْبَنَ عِنْدَ اللِّقَاءِ)[2] ، فأنزل اللهُ عزَّ وجَلَّ (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) (التوبة 65، 66) ، وقال ابن تيمية من كلام السائر القول بأن (لُحومُ العُلَماءِ مَسمومةٌ)[3]، وقال مالِكُ بنُ دينارٍ: (كفى بالمَرءِ شَرًّا ألَّا يكونَ صالِحًا، وهو يَقَعُ في الصَّالِحينَ)[4].

وقال عبدُ اللهِ بنُ المبارَكِ) استخفَّ بالعُلَماءِ ذَهَبَت آخِرَتُه، ومن استخَفَّ بالأُمَراءِ ذَهَبَت دُنياه، ومن استخَفَّ بالإخوانِ ذهَبَت مروءتُه) [5]، قال الشيخ أحمد النقيب (ولذلك كان منهج أهل السنة الدعاء للحكام)[6]

 

إذن الواجب على المجتمع المسلم أن يحفظ الأعراض ، لاسيما أعراض العلماء وذوي الهيئات ، يقول رسول الله r (أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم)[7] قال ابن الأثير (هُمُ الَّذين لا يُعْرَفُون بالشَّرِّ فَيَزِلُّ أحَدُهم الزَّلَّة ، والهَيْئَةُ : صُورَةُ الشَّيء وشَكْلُه وحَالَتُه ، ويُريدُ به ذَوي الهَيْئاتِ الحَسَنَةِ الذَيِن يَلْزَمُون هَيْئةً واحدة وسَمْتاً واحداً ولا تَخْتَلفُ حَاَلاتُهم بالتَّنَقُّل من هَيْئَة إلى هَيْئَةٍ )[8]، ما يعني عدم تصديق كل ما يقال عنهم مما ينال من كرامتهم وشرفهم ، هذا ابتداء ما لم تكن ثمة أدلة على ذلك ، فإن قيل عنهم شيء يشينهم ، فالواجب دفع التهمة التي خلت من الدليل –أولا – ثم البحث عن مصدر الاتهام وحقيقة الواقعة ، وهو ما تفعله جهة التحقيق عندما تقرر بألا وجه لإقامة الدعوى ، أو حفظ التحقيق لعدم كفاية الأدلة ، وذلك هو تطبيق لقول النبي r (مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[9]، قال المناوي "أخيه" أي في الدين (الإسلام) أي رد على من اغتابه وشان من أذاه وعابه ، وذلك بظهر الغيب أفضل منه بحضوره ، وإذا رد عن عرضه ، فأحرى أن لا يتولى ذلك فيغتابه بل ينبغي أن يكاشفه فيما ينكر منه لكن بلطف فذلك من نصره له كما دل عليه خير انصر أخاك ظالما أو مظلوما)[10].

 

فإذا ثبت الإدعاء في حقهم ، وكان الجرم أو الخطأ بسيطأ ، ولا ينبغي فضحهم ، وتعليق المشانق لهم ، بل الواجب التماس العذر لهم ، فإن لم يكن لهم عذر فالأنسب العفو عنهم ، لأنها أول مرة يقعون في مثل ذلك الجرم بسبب الرعونة أو الخطأ ، فلا أحد معصوم من الخطأ ، وهذا يعرف في القانون الوضعي بإيقاف تنفيذ العقوبة لمن ثبت ارتكابه الجرم أول مرة ، وارتأى القاضي من ظروف الواقعة أن هذا ليس حاله عادة ، وإنما ارتكب هذه الجريمة في ظروف حملته على ذلك ، وهو ما نسميه في علم الإجرام "مجرم بالصدفة" أو وتصحيحا لهذه التسمية "مجرم عرضي" ، واستشف القاضي بعينه البصيرة أنه لن يعود ، فإن عاد تضاعفت عقوبته في المرة الثانية.

 

لكن ما تقدم له ضابط ينضبط به ، ففي رواية عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُودَ)[11] ، قال الإمام النووي (عثراتهم) أي ارفعوا عنهم العقوبة على زلاتهم فلا تؤاخذوهم بها  قوله (إلا الحدود) أي إذا بلغت الإمام وإلا حقوق الآدمي ، فإنّ كلا منهما يقام ، فالمأمور بالعفو عنه هفوة أو زلة لا حدّ فيها)[12]، فإذا وجب الحد بالأدلة المعتبرة فلا عفو ولا إقالة عنه .

 فالحد لا يسمى حدا إلا إذا ثبت بالأدلة الشرعية المعتبرة ، تلك التي لا يملك القاضي وزنها ولا تقديرها ، مثل ثبوت حد الزنا بأربعة شهود يعرفون بالعدالة ، فإذا تقدم للقاضي أربعة شهود عدول بإثبات الواقعة المجرمة في حق المتهم ، هنا يجب الحد ولا يجوز إقالته منه ، وإنما يستقل القاضي بتقدير عدالة الشهود أو عدم عدالتهم في ضوء كل دعوى على حدة.

 

والخبر إن لم تأت معه البينة فهو كالإشاعة سواء بسواء ، ولكن تأثيره عند غالب الناس عكس ذلك ، وهذا خطأ ، ولذلك اشتهر القول بأن (الجماهير أسرع دائماً إلى إساءة الظن من إحسانه.. فلا تصدق كل ما يقال, ولو سمعته من ألف فم, حتى تسمعه ممن شاهده بعينه, ولا تصدق من شاهد الأمر بعينه حتى تتأكد من تثبته فيما يشاهد، ولا تصدق من تثبت فيما شاهد حتى تتأكد من براءته وخلوه عن الغرض والهوى, ولذلك نهانا الله عن الظن واعتبره إثماً لا يغني من الحق شيئاً)[13].

 

قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا..) (6) الأمر بالتبين للمؤمنين ، أي ولاة الأمور على وجه الخصوص ، وقد ورد في سبب نزول الآية قصة الوليد بن عقبة بن أبي معيط لما بعثه النبي r ليأتيه بأموال الزكاة من بني المصطلق،  ذهب وقطع بعض الطريق- ثم- رق قلبه وخشي أن يؤذوه – أي ظن أنهم سوف يقتلوه - فرجع للرسول r وأخبره أنهم منعوه الزكاة وأرادوا قتله ، فبعث النبي r إلى الحارث – المسئول عن جمع الزكاة من بني المصطلق وتسليمها لرسول رسول الله r – ليأتيه فلما أتاه ، أخبره منعت الزكاة ؟ – أي أمنعت الزكاة؟ - وأردت قتل رسولي ؟ قال لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني ، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول رسول الله r خشيت أن تكون كانت سخطة من الله عز وجل ورسوله ، قال فنزلت الحجرات (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا....الآية) [14] .

 

وتفصيل القصة كما رواها ابن أبي حاتم عن الْحَارِثَ بْنَ ضِرَارٍ الْخُزَاعِيَّ، يَقُولُ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَدَعَانِي إِلَى الْإِسْلامِ، فَدَخَلْتُ فِيهِ وَأَقْرَرْتُ بِهِ، وَدَعَانِي إِلَى الزَّكَاةِ فَأَقْرَرْتُ بِهَا، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فَأَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلامِ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، مِمَّنِ اسْتَجَابَ لِي جَمَعْتُ زَكَاتَهُ، وَيُرْسِلُ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ رَسُولًا لِإِبَّانِ كَذَا وَكَذَا لِيَأْتِيَكَ مَا جَمَعْتُ مِنَ الزَّكَاةِ، فَلَمَّا جَمَعَ الْحَارِثُ الزَّكَاةَ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لَهُ، وَبَلَغَ الْإِبَّانَ الَّذِي أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ r أَنْ يُبْعَثَ إِلَيْهِ، احْتَبَسَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ فَلَمْ يَأْتِهِ، فَظَنَّ الْحَارِثُ أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ فِيهِ سُخْطَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسَولِهِ، فَدَعَا بِسَرَوَاتِ قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r كَانَ وَقَّتَ لِي وَقْتًا يُرْسِلُ إِلَيَّ رَسُولَهُ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدِي مِنَ الزَّكَاةِ، وَلَيْسَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r الْخُلْفُ، وَلا أَرَى حَبَسَ رَسُولَهُ إِلا مِنْ سُخْطَةٍ كَانَتْ، فَانْطَلِقُوا فَنَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ r ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ r الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ عَلَى الْحَارِثِ لِيَقْبَضَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِمَّا جَمَعَ مِنَ الزَّكَاةِ، فَلِمَا أَنْ سَارَ الْوَلِيدُ حَتَّى بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقِ فَرَقَّ، أَيْ خَافَ فَرَجَعَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ r ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْحَارِثَ مَنَعَنِي الزَّكَاةَ وَأَرَادَ قَتْلِي، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ r الْبَعْثَ إِلَى الْحَارِثِ، وَأَقْبَلَ الْحَارِثُ بِأَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا اسْتَقْبَلَ الْبَعْثَ، وَفُصِلَ عَنِ الْمَدِينَةِ، لَقِيَهُمُ الْحَارِثُ، فَقَالُوا: هَذَا الْحَارِثُ، فَلَمَّا غَشِيَهُمْ، قَالَ لَهُمْ: إِلى مَنْ بُعِثْتُمْ؟ قَالُوا: إِلَيْكَ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r كَانَ بَعَثَ إِلَيْكَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، فَزَعَمَ أَنَّكَ مَنَعْتَهُ الزَّكَاةَ وَأَرَدْتَ قَتْلَهُ، قَالَ: لا وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُهُ بَتَّةَ، وَلا أَتَانِي، فَلَمَّا دَخَلَ الْحَارِثُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ r ، قَالَ:"مَنَعْتَ الزَّكَاةَ وَأَرَدْتَ قَتْلَ رَسُولِي؟"، قَالَ: لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُهُ وَلا أَتَانِي وَمَا أَقْبَلْتُ إِلا حِينَ احْتُبِسَ عَلَيَّ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ r خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ سُخْطَةٌ، قَالَ: فَنَزَلَتِ الْحُجُرَاتُ:  " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ " ، إِلَى قَوْلِهِ:  " حَكِيمٌ " [15] .

  

قوله (..إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا ..) (6) تتحدث هذه الآية عن تحريك الدعوى الجنائية بدء من مرحلة الاتهام ثم التحقيق ثم المحاكمة ، مؤكدة أن الاتهام لو صدر من فاسق فإنه لا يهمل ، بل يجب فيه التحقيق ، فليس بشرط أن يصدر الاتهام من أهل الثقة أو أصحاب الهيئات ، فكل مواطن له الحق في أن يتهم غيره ، لكن لا يكون اتهامه بحجة إلا بالإتيان بالدليل بعد التبين والتحقيق ، فالإسلام يقيم ميزان العدل في مرحلتي الاتهام والتحقيق قبل أن تبدأ المحاكمة ، فلا اتهام إلا بقرينة ولا إدانة إلا بدليل ، وهذا يعني أنه يكفي في إلقاء التهمة مجرد الشك المبني على القرائن والشبهات ، أما الإدانة فلا تؤسس إلا على القطع واليقين وهذا لا يتحقق إلا بالأدلة .

 

ففي مرحلة الاتهام لا يقبل اتهام الناس بدون تحري –أي اتخاذ اجراءات الاستدلال التي تسبق اجراءات التحقيق - إلا إذا كان مصدر الإتهام شخص معروف بالعدالة ، فإذا لم يُعرف صاحب الاتهام بالعدالة بأن كان مجهول الحال  أو كان معروفا بالفسق ، فهنا لا يعتد باتهامه للناس إلا بعد التحري والاستدلال ، فإن لم يكشف التحري عن وجود قرائن فلا يتم توجيه اتهام للمدعي عليه ، حتى لا ينزعج الناس باتهامات كيدية ، فيتركوا أعمالهم ومشاغلهم ويشرعوا في الدفاع عن أنفسهم ، فلا تستقيم حياتهم ولا تستقر في ظل مطاردة أصحاب الأهواء لهم ، وانشغالهم بالرد عليهم ، قال ابن كثير (ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال لاحتمال فسقه)[16]، ورد رواية مجهول الحال لا تمنع من استكمال اجراءات الاستدلال-السري- بوجوه كثيره ، فقد تثبت الرواية من طريق آخر أو بشواهد أخرى .

 

قال ابن باز (والجاهل والمجهول حكمه حكم الفاسق فلا بد من التثبت.., أما إذا كان ثقة معروفا بالإيمان والتقوى يؤخذ بخبره لكن على الطريقة الإسلامية , كما نقبل الحديث من رواة الأخبار الثقات عن النبي r ومن المصلحين , ومن المؤذن على من سمع إجابة الدعوة , فالدعاة إلى الخير الموثوق بهم يؤخذ بأخبارهم وينتفع بأخبارهم وتوضع أخبارهم على الطريقة السليمة على الوجه الشرعي مع التثبت في كل شيء .... أما المجهول والفاسق فيتثبت في خبره ولا يعمل بخبره حتى تقوم الدلائل على صحته وصدقه)[17]

 

 قال العلماء (والذي يظهر أن المراد من الآية لا يعني أن كل من نقل نبأً يعتبر فاسقا،ً وإنما يراد بها التثبت عند سماع الخبر قبل القطع بصدقه مادام أن ناقله مجهول الحال أو كان فاسقاً) [18]

قال ابن تيمية في قوله (فتبينوا) وفي القراءة الأخرى (فتثبتوا) فأمر بالتبين والتثبت إذا أخبر الفاسق بخبر ولم يأمر بتكذيبه بمجرد إخباره لأنه قد يصدق أحيانا فلما أمر سبحانه بالتبين والتثبت في خبر الفاسق دل ذلك على أنه لا يجوز تصديقه بمجرد إخباره إذ كان فاسقا قد يكذب ولايجوز أيضا تكذيبه قبل أن يعرف أنه قد كذب وإن كان فاسقا لأن الفاسق قد يصدق)[19] ، وذلك تماما مثل حجية قول أهل الكتاب فيما يحدثون به مما ليس لنا خبر به ، كما في الحديث (مَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ)[20].

 

أما إذا جاء الخبر ممن هو معروف بين الناس بالعدالة والضبط فهذا يؤخذ خبره من حيث كفايته لإلقاء التهمة ، لا من حيث إثبات التهمة ، فقوله ليس بدليل قطعي ، وإنما عليه أن يأتي بالدليل ، وذلك هو دور سلطات التحقيق ، فيتم توجيه الاتهام بناء على شكواه أو بلاغه لثبوت عدالته ، قال تعالى (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ) [ السجدة : 18 ] لكن لا تكفي شكواه للإدانة .

 

 قال الشيخ الحويني (فإن جاءك عدل بنبأ فليس عليك أن تتبين – هذا إذاً  مفهوم الكلام أن الفاسق نتبين من خبره ، وعكس الكلام -بطنه- إن العدل لا نتبين منه، بل نأخذ منه)[21] ، ونزيد على كلام الشيخ بأن هناك حالتين يجب فيهما أن نحقق في كلام العدل ولا نلقي التهمة قبل التحقق من صحة اتهامه  .

الأولى : إذا ألقى العدل التهمة على عدل مثله هنا لابد من أن نتبين قبل اتهامه .

الثانية : إذا قدم الفاسق أدلة على نفي التهمة ، هنا وجب كذلك أن نتبين ونحقق في خبر العدل الذي نقله عنه

 أما إذا كان المتهم فاسقا ، وقد عجز عن تقديم أدلة النفي للواقعة المتهم بها ، فهنا يكفي لاتهامه أن يصدر الاتهام ممن هو معروف بالعدالة ، حتى يستبين من التحقيق صحة الاتهام أو عدم صحته .

 

 ولا يكفي الاتهام للإدانة في كل الأحوال ، بل يجب التحقق والتثبت في كل الأحوال حتى مرحلة المحاكمة ، فإقرار المتهم علي نفسه بارتكاب الجريمة لابد وأن يتبعه تثبت وتحقق ، فقد يكون مدفوعا للإقرار بإكراه أو غير ذلك مما يعيب الإرادة ، فالنبي r لم يصدر حكما بمجرد إقرار المتهم بجريمة ، وإنما قام بالتحري والتثبت والتبين بسؤاله عن هذه الجريمة ، وإيضاح أركانها المادية له حتى يستبين له حقيقة ما فعله .

 

 فإذا ما أصر المتهم على إقراره واعترافه بارتكاب الجريمة ، وبانت الأدلة واتضح الأمر ، فلا حاجة لتأجيل الحكم ، وإنما يصدر الحكم في ذات الجلسة ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أتى ماعز بن مالك النبي r قال له (لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت) ، قال لا يا رسول الله قال (أنكتها) ، لا يكني قال فعند ذلك أمر برجمه [22].

 

وقوله(..فَتَبَيَّنُوا..) أمر تكليفي موجه إلى الذين آمنوا بتبين الأمر واستيضاح الحقائق ، ما يعني أن الذي يقوم بإجراءات التثبت والتحري والتبين لابد وأن يتصف بالعدالة ، أي الضبط والأمانة في الدين ، ولا يجوز أن يوكل هذا الأمر لمن ليس بأهله ، يقول النبي r (إِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِذَا أُسْنِدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ)[23]، فكان واجبا على ولي الأمر أن يستعمل لوظيفة التحقيق من هم أهل لهذه الأمانة .

 

  ومن جهة أخرى فإن القصة المشار إليها سلفا ترسخ في نفوس المسلمين أدب تلقي الآخبار من الرسل ، وعدم التعجل والتسرع في اتهام الناس بالباطل ، فأينما ورد اتهام لأحد بسوء وهو من أهل الستر ، ولم يجرب عليه سوء من قبل ، فالأصل التوقف وعدم تصديق من جاء بالخبر الذي تضمن إلقاء التهمة عليه ولا تكذيبه حتى يتم التحقيق في المسألة ، يقول النبي r (لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ)[24]، أي أن المدعي عليه يجب أن يُستجوب لينفي التهمة عن نفسه ، ويكفي أن الحلف بأنه لم يفعل ،وعندئذ ينقل عبء الإثبات على المدعي.

 

 فإذا أخفق المدعي في إثبات التهمة بالدليل فهو فاسق حتى يثبت عكس ذلك لقوله تعالى (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ) أو حتى يدفع عن نفسه جريمة الشكوى الكيدية بإثبات أنه أخطأ في الوصف أو التقدير، قال ابن فرحون (مَنْ قَامَ بِشَكِيَّةٍ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ ادَّعَى بَاطِلًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَدَّبَ وَأَقَلُّ ذَلِكَ بِالْحَبْسِ ، لِيَنْدَفِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْبَاطِلِ وَاللَّدَدِ عَنْ ذَلِكَ)[25]، وجاء في فقه الإمام أحمد (إذا ظهر كذب المدعي في دعواه يؤذى به المدعى عليه عزر لكذبه وأذاه)[26]

 

وعليه يظل المتهم – إن جاز اتهامه- بريئا حتى تثبت إدانته –استصحابا للأصل- بإقامة الحجة عليه بالأدلة القاطعة الدلالة على ثبوت الفعل المؤثم ، فإذا حصل ذلك فعندئذ يُعرض الأمر على القضاء ليرجح بين أدلة الثبوت وأدلة النفي وفق ما استقر في عقيدته واطمأن وجدانه ، ما يعني أن جهة التحقيق تتوقف عن السير في إجراءات الدعوى إذا لم تملك دليلا صحيحا قاطعا تقدمه للمحكمة ، فإذا بدأت المحاكمة وصدر حكم بإدانة المتهم هنا يصير مدانا وتجب عقوبته ، لأن الحكم عندئذ يكون عنوانا للحقيقة ، ولا يقبل المجادلة ، هذا في أحكام الدنيا ، وأما الآخرة فالله هو الحاكم العدل ، كما قال النبي r (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا)[27].

 

أما إن لم يصدر الحكم بالإدانة ، وثبتت البراءة ، فيجب محاكمة من ألقى التهمة لجريمة الكذب ما لم يثبت أن دعواه ليست بكيدية ، وإنما حصلت بناء على خطأ أو غلط في الفهم أو التوصيف للوقائع كما هو حال (الوليد بن عقبة بن أبي معيط)[28] ، فلم يثبت أن النبي r عاقبه ، لأنه من الممكن أن يكون ،قد سيطر عليه الخوف فقال ما قال ، لسوء التقدير أو الظن ، فقوله (أرادوا قتله) هو ظن منه مبني على حدس خاطئ بنيتهم قتله ، وليس له شاهد مادي حكاه لتصديق حدسه ، ورغم ذلك حقق النبي r في المسألة واستدعى الحارث .

 

وفي كل الأحوال تجب المسئولية المدنية بالتعويض سواء أكانت الشكوى المبنية على أخبار غير حقيقية أو على الكذب ، أي سواء أكانت الشكوى كيدية أو غير عمدية ، وذلك لثبوت تعويض النبي r زيد بن سعنة لما أصابه الروع من تهديد عمر بن الخطاب له حمية لرسول الله لما أساء الطلب من رسول الله r فغضب عمر لذلك  ، فقال رسول الله r (اذهب به يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعا من غيره مكان ما رُعته" قال زيد: فذهب بي عمر فقضاني حقي وزادني عشرين صاعا من تمر فقلت: ما هذه الزيادة قال: أمرني رسول الله r أن أزيدك مكان ما رعتك)[29].

 

قوله (أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ ..) استظهار للعلة من وجوب التثبت والتبين ، وهي تحقيق العدالة ودرء المفسدة من الخطأ في وقوع ظلم على برئ ، وهو ما أكدته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إذ قالت (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله ، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة)[30] ، فقيل (أن هذا الخطاب لعامة المسلمين ، فيدخل فيه الولاة كذلك ، كما حصل في قصة ماعز فيكون الخطاب للأمة لقوله للرجل أبك جنون ثم قوله أحصنت ولماعز أبه جنون ثم قوله أشرب لأن كل هذا تنبيه على أن للإمام أن يدرأ الحدود بالشبهات).

 

ذكر البخاري أنه لَا يَجُوزُ مِنْ إِقْرَارِ الْمُوَسْوِسِ ، وروي أنه قَالَ النَّبِيُّ r لِلَّذِي أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَبِكَ جُنُونٌ) [31]

وَقَالَ عَلِيٌّ بَقَرَ حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ فَطَفِقَ النَّبِيُّ r يَلُومُ حَمْزَةَ فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي فَعَرَفَ النَّبِيُّ r أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ وَقَالَ عُثْمَانُ لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ)[32]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ r وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِيُّ r فَقَالَ أَبِكَ جُنُونٌ قَالَ لَا قَالَ فَهَلْ أَحْصَنْتَ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ النَّبِيُّ r اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ)[33]

ففي الحديث عدة فوائد فقهية منها :-

  • أنه يشرع للحاكم أو القاضي ستر المقر على نفسه أول الأمر ، فالستر عليه أولى من التشهير به، لقوله: "فأعرض عنه"
  • وجوب تكرار الإقرار حتى يأتي بنصاب الشهادة على نفسه :  فلا يقام الحد في الزنا إلا بإقرار أربع مرات في أوقات متفرقة، دلالة على شدة الحيطة، لقوله: "حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات"
  • وجوب التحقيق مع المقر بسؤاله عن عقله وإحصانه (أبك جنون؟ فهل أحصنت؟)
  • ينبغي للحاكم أن يبحث عن عذر للمقر ليُدرأ عنه الحد، كالسؤال عن الجنون أو الإكراه.
  • التوبة إذا حصلت قبل أن يُرفع أمره للإمام ،وقد ستره الله، تسقط العقوبةَ في الدارين الدنيا والآخرة ، لحديث النبي r قَالَ (أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ اللَّهِ مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ)[34].

 

وقيل أن الخطاب للمتخاصمين ، كما في قول النبي r " تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب"[35] أي: (هذا الخطاب أمر لغير الولاة، وهو للجاني والمجني عليه، فالتسامح والتعافي يكون فيما بينهم قبل أن تبلغ السلطان، فإذا وصلت إلى السلطان فإنه لا مجال لعفو صاحب المجني عليه، ولا مجال للشفاعة أيضاً في ترك الحد، وليس للسلطان أن يترك ذلك بعد ثبوته، وإنما عليه أن يقيم الحد)[36] ، ولهذا قال: (ما بلغني من حد فقد وجب) يعني: وجب تنفيذه ، (فالإمام لا يجوز له العفو عن حدود الله إذا رفع الأمر إليه)[37] ، أما التسامح والتعافي والشفعة إنما هو قبل بلوغه السلطان، (كأن يدعي المسروق أنه وهب السارق الشيء المسروق ليعفيه من العقوبة) [38].

 

والمعنى المستفاد من الحديث-كذلك- أن الاتهامات التي يلقيها الناس على بعض لابد وأن تضبط بضابط التحقيق والتحري والتثبت والتبين ، فإذا ما انتهت مرحلة التحقيق بتأكيد الاتهام حينئذ يجب أن يرفع الأمر للقاضي ، فإذا رفع الأمر للقاضي فإنه يعيد التأكد من الأدلة المطروحة وله أن يعيد التحقيق ليستجلب أدلة أخرى ، فإذا تهيأت القضية للفصل فيها وجب إنزال الحكم على الجاني متى ثبتت إدانته ، أما قبل أن تتأكد جهة التحقيق من الأدلة والإثباتات فلا يجوز أن يرفع الأمر للقاضي ، وإنما يجب أن يصدر الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى وامتناع جهة التحقيق عن رفع الأمر للقاضي.

 

فقوله (..بِجَهَالَةٍ..) يفيد بأن الضلال في إيقاع الناس في الاتهام من غير دليل وظلمهم ليس إلا جهالة ممن يفعلون ذلك ، فلو اتسموا بالعلم لما وقعوا فيما وقعوا فيه من الجهالة ، ذلك أنه من لم يعتمد على الأدلة اليقينية في الاتهام ولم يتبين ولم يتثبت قبل توجيه الاتهام وإقامة الدعاوى على الناس فإنه يعتمد على جهالته بالحقائق ، ولا شك في ذلك ، فإن لم يستمسك بالأدلة اليقينية فإنه حتما يبني حكمه أو اتهامه على الظن ، وقد قال المولى سبحانه في الظن (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) (يونس/36) ، فلو قطعوا الشك باليقين لما وقعوا في الجهالة والضلال ولما أصابوا الناس بظلم ثم ندموا بعد ذلك على ظلمهم عندما تتكشف الحقائق فيما بعد ، ولذلك ذكر النبي r أن من القضاة الذين في النار قاضي حكم بجهالته ، فقال (الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِي النَّارِ ، وَقَاضٍ لَا يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ ، وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ)[39] وفي رواية (وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ)[40]

 

والقاضي إذا قضى بين الناس بجهل فهو غير معذور؛ لأن كونه يقضي بين الناس وهو جاهل لا يسوغ له ذلك، حتى ولو أصاب الحق فهو آثم؛ لأن إصابته الحق كما يقولون: رمية من غير رامٍ، ولأنه ليس عالماً وإنما هو جاهل، فكونه صادف الحق ووافق الحق لا يفيده ذلك شيئاً؛ لأنه إنما قضى بجهل)[41].

 

ونجد مفارقة عندما نرى أن القوانين الوضعية تكتفي بالأدلة الظنية لإقامة الدعوى ، ولا تجيز للقاضي أن يقيم حكمه إلا على أدلة قطعية ، بمعنى أن قاعدة الشك يفسر لصالح المتهم يتم تطبيقها في ساحات المحاكم ، أما عند سلطات التحقيق والإدعاء فإن الشك يفسر ضده ، فهو تناقض عجيب أن نجد أن بعض جهات الإدعاء العام أو جهة التحقيق- بحسب الأحوال – تملك الحق في أن ترفع الدعاوى الجنائية بمجرد إمساكها بأدلة ظنية لا قطعية ، ثم ينيط المشرع الوضعي بالمحكمة إصدار الأحكام على الأدلة القطعية ، وعدم الاعتماد على الأدلة الظنية التي قدمت إليها من جهة التحقيق المختصة ، لكن الإسلام يعالج هذه الإشكالية من أول مرحلة من مراحل الدعوى الجنائية ، وهي مرحلة الاتهام ، وقبل البدء في التحقيق ، فلا يترك الأمور تعتمد على الظن في تلك المراحل جميعا ، فإنه يشترط لتأكيد الاتهام ثبوت الاتهام بأدلة قطعية ، وليست ظنية ، ويظل على هذا الحال أثناء التحقيق حتى انتهاء المحاكمة بإجراءات عادلة .

 

 فالتحقيق في النظام القضائي الإسلامي وإن كان إجراء يسبق الإحالة للمحاكمة ، إلا أنه يجب أن يبنى على القطع بناء على أدلة مؤكدة ، حيث يكاد يقتصر دور القاضي في مرحلة المحاكمة – في هذا النظام - على إصدار الحكم المناسب للمتهم المحال إليه ، ولا يضطر إلى إعادة التحقيق مرة أخرى إلا إذا اكشفت هيئة المحكمة خطأ ما وقعت فيه جهة التحقيق سواء في تقدير الأدلة أو في فهم الوقائع أو أمور استجدت فيما بعد أثرت على مسار الدعوى القضائية ، أو حصل التباس على المحكمة من تعارض الأدلة ، فدور جهات التحقيق في الإسلام لا يقل إطلاقا عن دور القضاة في مرحلة المحاكمة فيما يتعلق بضرورة التثبت والتبين وعدم التسرع في توجيه الاتهام أو إدانة المتهمين ، والقول بغير ذلك يؤول إلى اتهام بعضنا بعضا بمجرد القرائن والظنون ودون تحري وتثبت ، فيكون الجميع محل شك واتهام ، وتقع الفتن ويسهل الاقتتال بين طوائف المؤمنين لأنها لم تتبع منهج الله تعالى في التحري والتثبت .

 

ولو قامت جهات التحقيق بدورها في التثبت والتبين على النحو السالف بيانه لما استغرقت الدعاوى القضائية وقتا طويلا أمام المحاكم لينظرها القضاة ، إذ يكاد يقتصر دوره في هذه المرحلة على إصدار الحكم المناسب فحسب للجريمة المرتكبة طالما أن جهة التحقيق قد كفته البحث والتثبت والتبين ، وقد استغني بما قامت به جهات التحقيق عن إعادة التثبت والتبين مرة أخرى ، ما لم يُستجد جديد في الوقائع والأحداث والأدلة ، وبذلك نكاد نجزم أن النظام القضائي الإسلام هو أسرع نظام قضائي وأنجز نظام عرفته البشرية ، ولذلك لم تكن الجرائم التي تصل إلى النبي r تحتاج لأكثر من جلسة واحدة حتى يصدر الحكم في ذات مجلس القضاء ، فكان قضاءً عادلا وسريعا وناجزا ، لأنه استوفى حقه في مرحلة التحقيق والتبين ، وكفل حق المتهم في الدفاع عن نفسه حال مواجهته بالأدلة ومنحه الفرصة للرد عليها ، فإن آل الأمر إلى موازنة أقوال المتهم أو أدلة النفي بأدلة الإثبات ، هنا يرفع الأمر للقاضي ليقرر الحق الذي يجريه الله تعالى على لسانه بتوفيق من الله وإرشاد إن كان من أهل الحق والرشاد .

 

قوله (..فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (6) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ كَانَ جُرَيْجٌ يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَةٍ فَجَاءَتْ أُمُّهُ .. قَالَ وَكَانَ رَاعِي ضَأْنٍ يَأْوِي إِلَى دَيْرِهِ ، قَالَ فَخَرَجَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْقَرْيَةِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا الرَّاعِي ، فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلَامًا ، فَقِيلَ لَهَا مَا هَذَا ؟ قَالَتْ مِنْ صَاحِبِ هَذَا الدَّيْرِ ، قَالَ فَجَاءُوا بِفُؤُوسِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ فَنَادَوْهُ فَصَادَفُوهُ يُصَلِّي فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ قَالَ فَأَخَذُوا يَهْدِمُونَ دَيْرَهُ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَزَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُ سَلْ هَذِهِ قَالَ فَتَبَسَّمَ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَ الصَّبِيِّ فَقَالَ مَنْ أَبُوكَ ؟ قَالَ أَبِي رَاعِي الضَّأْنِ ، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ ، قَالُوا نَبْنِي مَا هَدَمْنَا مِنْ دَيْرِكَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، قَالَ لَا وَلَكِنْ أَعِيدُوهُ تُرَابًا كَمَا كَانَ ثُمَّ عَلَاهُ)[42] ، فالشاهد من القصة قولهم لجريج العابد (نَبْنِي مَا هَدَمْنَا مِنْ دَيْرِكَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) كناية عن الندم على اتهامهم له زورا بناء على دعوى المرأة بدون دليل ودون تثبت وتبين وتحقيق ، ولكن الله برأه بكرامة أن أنطق الغلام الرضيع على يديه .

 

ويتحقق الندم كذلك بإصابة دعوة المظلوم الظالم ، فيندم ولا ينفعه الندم ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعَزَلَهُ [43]، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا ، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ – يعني سعد يناديه بكنيته - إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ r مَا أَخْرِمُ عَنْهَا أُصَلِّي صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِي الْأُولَيَيْنِ وَأُخِفُّ فِي الْأُخْرَيَيْنِ ، قَالَ ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا إِلَى الْكُوفَةِ ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلَّا سَأَلَ عَنْهُ وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَ ، قَالَ أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ قَالَ سَعْدٌ أَمَا وَاللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَأَطِلْ عُمْرَهُ وَأَطِلْ فَقْرَهُ وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ)[44]، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ (فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنْ الْكِبَرِ وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ) [45].

 

فلم يعزل عمر بن الخطاب سعد بن وقاص وهو من العشرة المبشرين بالجنة عقوبة له ، بل كان ذلك منه من باب السياسة الشرعية ، وولى عليهم عمارا ، لينظر هل تستمر شكواهم أم لا ، وكان يحسن الظن بسعد ، ففي التحقيق قال له (ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ)، بل وأرسل معه رجلين ليسألا الناس عنه ، فأثنوا عليه عدا أبو سعد وهو أسامة بن قتادة وهو الذي أصابته دعوة سعد ، فندم ، ولم ينفعه الندم .

 

 

[1] ) تاج الدين عبد الوهاب السبكي : قاعدة في الجرح والتعديل ص93.

[2] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 313

[3] ) الصارم المسلول ج1 ص 171 وهو مروِيَ عن أحمَدَ

[4] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج5 ص 316 رقم 6780

[5] ) أبو عبد الرحمن السلمي : آداب الصحبة ص 62 ، أبو البركات الغزي : آداب العشرة وذكر الصحبة ص3 ، سير أعلام النبلاء ج8ص408 ، الحافظ بن عساكر : تاريخ دمشق ج32 ص 444

[6] ) شرح مقدمة القيرواني ج15 ص 10 دروس مفرغة الشبكة الإسلامية

[7] ) رواه البخاري ج1 ص 165 رقم 465 في الأدب المفرد ، وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج 1ص 191رقم 362

[8] ) النهاية في غريب الأثر ج5 ص 667

[9] ) رواه الترمذي ج7 ص 172 رقم 1854 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة ج1 ص 177

[10] ) فيض القدير ج6 ص 176

[11] ) رواه أبو داود ج11 ص 447 رقم 3803 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج9 ص 375

[12] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 396

[13] ) أرشيف ملتقى أهل التفسير ج1 ص 1257

[14] ) رواه أحمد ج 4 ص 279 رقم 18482 ، قال شعيب : حسن بشواهده ـ وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج 8 ص 95 رقم 3088 ، ومدرج فيه شرح من عندي

[15]) تفسير ابن ابي حاتم ج 12 ص 236 وقد رد هذه القصة أبو بكر بن العربي في كتابه العواصم من القواسم ، وقال كيف يفسر رجل من أصحاب رسول الله r ص 102

قال العلماء (واعلم أن ليس الآية ما يقتضي وصف الوليد بالفاسق تصريحا ولا تلويحا ، وقد اتفق المفسرون على أن الوليد ظن ذلك كما في الإصابة عن ابن عبد البر وليس في الروايات ما يقتضي أنه تعمد الكذب. قال الفخر: إن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد شيء بعيد لأنه توهم وظن فأخطأ والمخطئ لا يسمى فاسقا.)

انظر : الملتقى العلمي للتفسير وعلوم القرآن

[16] ) تفسير ابن كثير ج7 ص 370

[17] ) مجموع فتاوى ابن باز ج9 ص 271

[18] ) سلمان بن عبدالله المهيني القاضي بوزارة العدل السعودية ،  فتاوى الإسلام اليوم ج13 ص 128-  1/6/1424هـ

[19] ) الجواب الصحيح ج6 ص 455

[20] ) رواه أبو داود ج10 ص 52 رقم 3159  وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج6 ص 303 رقم 2800

[21] ) شرج كتاب العلم من صحيح البخاري للحويني ج1 ص 3

[22] ) رواه البخاري ج 6 ص 2502 رقم 6438

[23] ) رواه البخاري ج20 ص 149 رقم 6015

[24] ) رواه مسلم ج9 ص 97 رقم 3228

[25] ) ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي الْأَحْبَاسِ ، انظر : تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام ج1 ص 108

[26] ) شرف الدين الحجاوي : الإقناع في فقه أحمد بن حنبل ج4 ص 273

البهوتي : كشف القناع عن متن الإقناع ج20 ص 497

[27] ) رواه البخاري ج9 ص 176 رقم 2483

[28] ) https://mtafsir.net/threads/40379       الأحاديث-المرفوعة-الواردة-في-ذم-الصحابي-الوليد-بن-عقبة-بن-أبي-معيط-تخريجا-ودراسة. /

   ملتقى أهل التفسير - الدكتور أحمد بن محمد بن حميّد عميد كلية الشريعة وأصول الدين بجامعة الملك خالد في أبها 

 جاء في خاتمة دراسة الدكتور : -

1- أنه لم يثبت شيء من الأحاديث الواردة في حق الوليد بن عقبة، فجلها منكر واه ، وبعضها ضعيف لا تقوم به حجة .
2 ـ أن الوليد حاز على شرف الصحبة ، وهذه منـزلة جليلة توجب محبته ، والترضي عنه والكف عن ذكر مساوئه ، لو صحت ، فكيف إذا لم تصح ؟!.
3 ـ تبين لنا أثر الخلاف السياسي والمذهبي في ترويج هذه الأحاديث المنكرة وروايتها ، فإن جل ما سبق من أحاديث خارجة من الكوفة وجلهم من المتشيعة وخلافهم معروف للوليد .
4 ـ أن هذه الأحاديث لو كانت ثابتة لكانت سبيلاً للإنكار على عثمان رضي الله عنه لتوليته الوليد بن عقبة على الكوفة من قبل الصحابة الذين شهدوا التنزيـــــــل وعاصــــروا الوحـــي ، ومثلهم لا يسكت على مثل هذا لتضمن الحديث والآيات قدحاً يوجب سقوطه وفسقه ولم نر أحداً من الصحابة تفوه بشيء من هذا سواء كانوا ممن هم في المدينة أو الكوفة ، بسند صحيح يثبت هذا عنهم ، والخبر إذا توفرت دواعي شهرته أو تواتره ولم يحصل له هذا كان أدعى إلى تكذيبه لا إلى تضعيفه.
5 ـ وجوب التثبت في التصحيح والتضعيف ، وخصوصاً التحسين الذي توسع فيه كثير من المعاصرين دون نظر لطريقة أهل الصنعة فيه فيغر بعضهم كثرة الطرق للحديث، وكذلك إهمال جانب التفرد في الرواية وأهلية ذلك الراوي للتفرد .​/

[29] ) صحيح ابن حبان ج1 ص 523 رقم 288

[30] ) رواه الترمذي ج 4 ص 33 رقم 1424 - ورواه الدارقطني ج 3 ص 84 رقم 8 - ضعفه الألباني مرفوعا ، وقال الصحيح وفقه على عائشة رضي الله عنها - الجامع الصغير ج 1 ص 128 رقم 1272 – انظر تلخيص الحبير ج 4 ص 56 – انظر نضي الراية ج 3 ص 321 -

[31] ) صحيح البخاري ج16 ص 315

[32] ) صحيح البخاري ج16 ص 315

[33] ) رواه البخاري ج21 ص 86 رقم 6317

[34] ) رواه مالك في الموطأ ج5 ص 1205 رقم 3048 ، وصححه الألباني : غرواء الغليل ج5 ص 1205 رقم 3048

[35] ) رواه أبو داود ج 2 ص 538 وصححه الألباني

[36] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج25 ص 280 شرح عمدة الأحكام لابن جبرين ج69 ص 10

[37] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج11 ص 188 ، عون المعبود ج12 ص 27

[38] ) يوسف أبو عمر النمري : التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ج11 ص224 ، تحفة الأحوذي ج4 ص 573

[39] ) رواه الترمذي ج5 ص 155 رقم 1244 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج2 ص 258 رقم 2195

[40] ) رواه ابن ماجة ج7 ص 104 رقم 2306 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج7 ص 104 رقم 2306

[41] ) شرح عبد المحسن العباد لسنن أبي داود ج19 ص 101

[42] ) رواه مسلم ج12 ص 393 رقم 4625

[43]

[44] ) ابن عباس ومسائل ابن الأزرق ج1 ص 6 ، ورواه البخاري في صحيحه ج3 ص 203 رقم 713

[45] ) ابن عباس ومسائل ابن الأزرق ج1 ص 6 ، ورواه البخاري في صحيحه ج3 ص 203 رقم 713

  • السبت AM 11:36
    2026-04-04
  • 67
Powered by: GateGold