المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 422035
يتصفح الموقع حاليا : 114

البحث

البحث

عرض المادة

القول بالزيادة بين المثبتين والمانعين .

قال ابن جني :  ( أبو الفتح عثمان بن جني ( تـ392هـ )) : ( وزيادة الحروف كثيرة ، وإن كانت على غير قياس ، كما أن حذف المضاف أوسع وأفشى وأعم وأوفى ... ثم قال : وأما زيادتها فلإرادة التوكيد بها. )([1])

وذكر الزركشي : ( بدر الدين محمد بن عبد الله ( تـ 749هـ )أنه ( قد اختلف في وقوع الزائد في القرآن ، فمنهم من أنكره ، قال الطرطوسي( القاضي نجم الدين إبراهيم تـ 758هـ) في ( العمدة ) : زعم المبرد( أبو العباس ، محمد بن يزيد  تـ285هـ) وثعلب ( أبو العباس أحمد بن يحيى الكوفي تـ 291هـ) أن لا صلة في القرآن ، والدَّهماءُ من العلماء ، والفقهاء ، والمفسرين على إثبات الصلات في  القرآن ، وقد وجد ذلك على وجه لا يسعنا إنكاره ، وقال ابن الخباز ( شمس الدين أحمد بن الحسين  تـ639هـ) في (التوجيه ) ، وعند ابن السراج            ( محمد بن إبراهيم الغرناطي تـ 674هـ في كتابه : الأصول في النحو ) أنه ليس في كلام العرب زائد ، لأنه تَكَلُّم بغير فائدة ، وما جاء منه حمله على التوكيد .) ([2])

وعليه فقد اختلف العلماء في وقوع الزائد على مذهبين ، منهم من أنكره ، ومنهم من أثبته ،

ومن العلماء القائلين بالزيادة :

1- سيبويه : ( أبو بشر عمر بن عثمان بن قنبر ( تـ 180هـ) : فقد اهتم سيبويه بقضية زيادة الحروف ، وأثبتها في القرآن الكريم بمفهومه ، ومما أشار إليه من حروف المعاني الزائدة بعض حروف الجر مثل : ( الباء ، من ، اللام ) بيد أنه لم يستخدم مصطلح الزيادة ، وإنما يقول : توكيد لغو، واللغو عنده ليس لغو المعنى،وإنما هو لغو الإعراب والصنعة الإعرابية) ([3])

2- الفراء :  (أبو زكريا يحيى بن زياد (تـ 207هـ) : وشاع عنده مصطاح الصلة ([4])، وهذا هو المسلك الغالب عند الكوفيين .

3- ابن جني( أبو الفتح عثمان بن جني ( تـ392هـ ): قال عند  كلامه عن الزيادة :

( ومعنى قولي : زيدت : أنها إنما جيئ بها توكيداً للكلام ..) ([5])

4- الزمخشري :  ( أبو القاسم محمود بن عمر ( تـ538هـ) : وهو من القائلين بزيادة بعض الحروف في القرآن الكريم ، فقال عند تفسيره لقوله تعالى : (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) (الأعراف : 62) يقال : نصحته ، ونصحت له ، وفي زيادة اللام مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة ، وأنها وقعت خالصة للمنصوح له ......ولا نصيحة أمحض من نصيحة الله تعالى ورسله – عليهم السلام - .) ([6])

5- المالقي :أحمد بن عبد النور ( تـ 702هـ) : وهو من القائلين بزيادة بعض الحروف ، وقال : ( فالزائد الذي أعني هو الذي يستقيم الكلام مع عدمه ..) ([7])

6- أبو حيان الأندلسي : ( أثير الدين محمد بن يوسف بن علي بن يوسف ( تـ745هـ) : قال عند تفسيره لقوله تعالى:(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) (مريم: 25 ) والباء في (بِجِذْعِ) زائدة للتأكيد . ([8])

7- ابن هشام : ( أبو محمد عبد الله جمال الدين ابن هشام الأنصاري(تـ761هـ) : قال بزيادة بعض الحروف ، ومن كلامه عن  الزيادة قوله : ( والقول بزيادة الحرف أولى من القول بزيادة الاسم.) ([9])

ومن العلماء القائلين بعدم الزيادة : 

  قال نفر من العلماء القدامى والمحدثين بأصالة الحروف التي قيل بأنها زائدة ، ومن أبرز هؤلاء :

1-  الطبري :  ( أبو جعفر محمد بن جرير ( تـ 310 هـ)) قال : ( فأما أهل العربية ، فإنهم اختلفوا في معنى ( ما ) التي في قوله : (فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ)( البقرة:88 ) .               فقال بعضهم : هي زائدة لا معنى لها، وإنـما تأويـل الكلام: فقلـيلاً يؤمنون، كما قال جل ذكره:  ( وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ )  ( فَبِـمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ )  هي زائدة لا معنى لها ، وإنما تأويل  الكلام : فقليلا يؤمنون . كما قال  جل ذكره : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) (آل عمران : 159)وما أشبه ذلك.

فزعم أن «ما» فـي ذلك زائدة، وأن معنى الكلام: فبرحمة من الله لنت لهم ..........

ثم قال : وأنكر آخرون ما قاله قائل هذا القول فـي (ما) فـي الآية....... إلى أن يقول : وهذا القول عندنا أولـى بـالصواب لأن زيادة (ما) لا تفـيد من الكلام معنى فـي الكلام غير جائز إضافته إلـى الله جل ثناؤه.) ([10])

2- ابن مضاء القرطبي ( أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن اللخمي القرطبي(تـ592هـ): وهو من الرافضين لوجود زيادة الحروف في القرآن ، قال : ( ومن بنى الزيادة في القرآن بلفظ أو معنى على ظن باطل قد تبين بطلانه ، فقد قال في القرآن بغير علم ، وتوجه إليه الوعيد . ومما يدل على أنه حرام ، الإجماع على أنه لا يُزاد في القرآن لفظ غير المجمع على إثباته ، وزيادة المعنى كزيادة اللفظ ، بل هي أحرى ، لأن المعاني هي المقصودة ، والألفاظ دلالات عليها) ([11])

3- الرازي :  ( فخر الدين محمد بن الحسين الرازي ( تـ 604هـ ) : قال : ( وليس لقائل أن يقول : ( الكاف ) في قوله : (..لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: 11) . حرف زائد لا فائدة فيه ، لأن حمل كلام الله على اللغو والعبث وعدم الفائدة بعيد . )([12])

وقال في موضع آخر : ( المسألة السادسة : قال بعضهم : الباء في قوله : (.. وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ...... (6))( المائدة : 6 ) زائدة ، والتقدير : وامسحوا رؤوسكم . قال الشافعي – رضي الله عنه - : إنها تفيد التبعيض ،  وحجة الشافعي – رضي الله عنه – وجوه ، الأول : أن هذه الباء إما أن تكون لغواً أو كلاماً مفيداً ، والأول باطل ، لأن الحكم بأن كلام رب العالمين وأحكم الحاكمين لغو ، في غاية البعد ، وذلك لأن المقصود من الكلام إظهار الفائدة ، فحمله على اللغو خلاف الأصل ، فثبت أنه يفيد فائدة زائدة . ) ([13])

4- ابن الأثير :  (أبو الفتح ضياء الدين نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم المعروف بابن الأثير الموصلي (تـ 637هـ)) : وهو من العلماء الذين نفوا الزيادة في القرآن الكريم ، فقال : ( ورد في قوله تعالى في سورة القصص : (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19))(القصص: 18-19) . فقوله تعالى : (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ) بتكرير ( أن ) مرتين ، دليل على أن موسى – عليه السلام – لم تكن مسارعته إلى قتل الثاني كما كانت مسارعته إلى قتل الأول ، بل كان عنده إبطاء في بسط يده إليه ، فعبر القرآن عن ذلك في قوله تعالى : (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ ..) .

وجرت بيني وبين رجل من النحويين مفاوضة في هذه الآية ، فقال :إن (أن) الأولى زائدة ،

ولو حذفت فقال : فلما أراد أن يبطش لكان المعنى سواء ، ألا ترى إلى قوله تعالى: ( فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) ) (يوسف: 96) . وقد اتفق النحاة على أن ( أن ) الواردة بعد ( لما ) وقبل الفعل زائدة ، فقلت له : النحاةُ لا فُتيا لهم في مواقع البلاغة والفصاحة ، ولا عندهم معرفة بأسرارهما ، من حيث إنهم نحاة ، ولا شك أنهم وجدوا أن  (أن )  ترد بعد لما وقبل الفعل في القرآن الكريم ، وفي كلام فصحاء العرب ، فظنوا أن المعنى بوجودهما كالمعنى إذا أسقطت ، فقالوا : هذه زائدة ، وليس الأمر كذلك ،   بل إذا وردت (لما) ، وورد الفعل بعدها بإسقاط (أن) دل ذلك على الفور ، وإذا لم تسقط ، لم يدلنا ذلك على أن الفعل كان على الفور ، وإنما كان فيه تراخٍ وإبطاء .

وبيان ذلك من وجهين :

أحدهما : إني أقول : فائدة وضع الألفاظ أن تكون أدلة على المعاني ، فإذا أوردت لفظة من الألفاظ  في كلام مشهود له بالفصاحة والبلاغة ، فَالأَولَى أن تحمل تلك اللفظة على معنى ، فإن لم يوجد لها معنى بعد التنقيب والتنقير والبحث الطويل ، قيل : هذه زائدة ، دخولها في الكلام كخروجها منه ، ولما نظرت أنا في هذه الآية  ، وجدت لفظة ( أن ) الواردة بعد ( لما) وقبل الفعل دالة على معنى ، وإذا كانت دالةً على معنى ، فكيف يسوغ أن يُقال : إنها زائدة..؟

فإن قيل : إنها إذا كانت دالة على معنى ، فيجوز أن تكون دالة على غير ما أشرت أنت إليه .

قلت في الجواب: إذا ثبت أنها دالة على معنى ، فالذي أشرت إليه معنى مناسب واقع موقعه ، وإذا كان مناسباً واقعاً موقعه ، فقد حصل المراد منه ، ودل الدليل على أنها ليست زائدة .

الوجه الآخر : أن هذه اللفظة لو كانت زائدة ، لكان ذلك قدحاً في كلام الله تعالى ، وذاك أنه يكون قد نظق بزيادة في كلامه لا حاجة إليها ، والمعنى يتم بدونها ، وحينئذ لا يكون كلامه معجزاً ، إذ من شرط الإعجاز عدم التطويل الذي لا حاجة إليه ، وإن التطويل عيب في الكلام،فكيف يكون ما هو عيب في الكلام من باب الإعجاز ..؟ هذا محال .

وأما قوله تعالى : (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ ..) فإنه إذا نظر في قصة يوسف   - عليه السلام - ، مع إخوته  منذ ألقوه في الجب ، وإلى أن جاء البشير إلى أبيه – عليه السلام - ، وجد أنه كان ثَمَّ إبطاء بعيد ، وقد اختلف المفسرون في طول تلك المدة ، ولو لم يكن ثَمَّ مدة بعيدة ، وأمد متطاول ، لما جيئ بأن بعد لما وقبل الفعل ، بل كانت تكون الآية : فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه .وهذه دقائق ورموز لا تُؤخَذ من النُّحاة ، لأنها ليست من شأنهم)([14] )

5-  الدكتور طالب محمد إسماعيل الزوبعي : وله في ذلك كتاب تحت عنوان :

( الحروف الزائدة في ضوء الدراسات القرآنية ) قال في خاتمته : ( إن ما يدعيه بعض النحويين والمفسرين من زيادة بعض الحروف في القرآن الكريم ، أمر مجانب لمعاني العربية  الواضحة ، وسننها اللاحبة . وعند تحليلنا للنصوص القرآنية الكريمة التي وردت فيها هذه الحروف ، معتمدين في ذلك على كتب التفسير المختلفة ، فقد ثبت أن لهذه الحروف دلالات أخرى ، دلالات توضيحية ، ودلالات بلاغية نقوية للمعنى ، فضلا عن المعنى العام لأكثر هذه الحروف وهو التوكيد ، وعلى هذا الأساس ، فهذه الحروف أبعد ما تكون عن الزيادة مهما كان القصد من التسمية .

إن الأسلوب القرآني هو الأسلوب العربي السليم ، وكان هَمّ النحاة أن يضعوا القواعد والأحكام التي تسعى إلى تضييق نطاق الأساليب العربية السليمة ، فعندما وجد هؤلاء أن أساليب القرآن الكريم لا تخضع لقواعدهم ، ادعوا زيادتها ، والواقع أن من سمات القواعد والأحكام النحوية أنها محدودة ، في حين أن التصرف في فنون القول وأساليبه غير محدود .

إن القاعدة النحوية واللغوية تقاس على ما جاء في القرآن من ضروب القول وأفانينه ، وليس كما فعل أغلب النحويين واللغويين بإجرائهم أو بقياسهم النص القرآني على قواعدهم ..)( [15])

6- الاستاذ الدكتور فضل حسن عباس : وله في ذلك كتاب تحت عنوان : ( لطائف المنان وروائع البيان في دعوى الزيادة في القرآن ) ([16]) قال في خاتمته : ( وبعد: فأرجو أن أكون بعد هذا التطواف مع ما ادعاه الحاقدون ، وسماه بعض النحويين واللغويين زائداً وحشواً

 – جل الكتاب عن ذلك - ، وبعد أن عرضنا بالتفصيل لهذه القضايا ، أرجو بعد هذا التطواف في رياض القرآن النضرة ، أن تكون الفكرة التي أردناها من هذا الكتاب قد اتضحت..)([17]).

ولكن يبدو أن الفكرة لم تتضح في ذهن الدكتور : محمد جمعة حسن نبعة ([18])، فشن حملة شعواء على فضيلة الأستاذ الدكتور فضل حسن عباس في بحث له تحت عنوان ( معاني حروف الزيادة عند النحاة – دراسة نحوية دلالية ) ([19]) قال فيه :

(   أود أن أورد مثالاً على هؤلاء النافين للزيادة، مقالة الدكتور فضل حسن عباس في كتابه لطائف المنان، لنرى التَّمَحُل الذي ذكرنا برهاناً على هذا الأسلوب.. ؟؟ قال الدكتور فضل:  وبعد لأي وَحثّ، ونأيٍ في بحث، وإِجالة في نظر، وتقليبٍ في فكر.......

هذه هي طريقة الدكتور فضل في البحث العلمي، إننا نرى التلاعب بالألفاظ تقديماً وتأخيراً، وبعد ذلك الهروب من إثبات الزيادة  ، بحجة عدم الوقوف عند ظاهرة ما قرره أصحاب القواعد النحوية. ..إلى أن يقول :   ولننظر إلى أسلوبه في مناقشة المسألة، أرأيت إلى روعة البيان وبيان الروعة ؟ ولعلك أيها القارئ بدأت تدرك سر هذا الحرف، أو حرفية هذا السر!!  أهي صنعة التلاعب بالألفاظ ؟ أم أنها أمانة البحث العلمي ؟ التي يجب الوقوف عندها، والبحث في تأويل النص بما يتلاءم مع مرامي كلام الله. فإَما أن نُثبت الزيادة أو أن ننفيها، وذلك عن طريق علمي لا علاقة للعواطف والمشاعر وتنوع الأساليب فيه.) 

وكان قبل ذلك قد أصدر حُكما متسرعاً وغير صائب فقال :

( وإن كل مَنْ يدعي أنه لا زيادة في القرآن بالمعنى الذي ذكرت ، إنما يذهب إلى إنزال القرآن منزلةً أقل من مستوى كلام العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، وتحداهم وقهرهم وأعجزهم عن أن يأتوا بمثلـه، فكل زيادة وردت في الكتاب العزيز كان لها معنى ومدلول وسر بلاغي ، لم يفقهه إلا من تملك ناصية اللغة العربية، وأتقنها شعراً ، ونثراً ، وبلاغة.

وهؤلاء هم أجلاء أهل العلم والفقه، من لدن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وحتى يومنا هذا، وإلى قيام الساعة.

ومن رد الزيادة بهذه المعاني التي ذكرت بعضها، وبدعوى أنها إساءة إلى كتاب الله تعالى، فقد قام بِلَيِّ أعناق النصوص والآيات، وتجشَّم الصعاب متكلفاً ما لا طائل وراءه ، وليس يشينُ

كتاب الله إذا نهج على منوال كلام العرب، وسلك مسلكهم في الخطاب، أن تكون فيه هذه الزيادة الرائعة الحبيبة إلى النفس ،  المتأولة تأويلاً سليماً.هذا من جهة الإعراب واللغة والمعنى .

 أما من جهة العقيدة وما يتعلق بها، فالضرورة قائمة لتأويل هذه الحروف بأنها زائدة لتوكيد النفي، مثل قولـه تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)  فإن لم تكن الكاف في ( كمثله)  زائدة لتوكيد( ليس ) التي تفيد النفي، فإن المعنى سيختل، وقد ذهب إلى هذا التأويل جمهور أهل العربية، وأجلاء علماء العقيدة والبلاغة والأصول، وكلهم أثبت زيادة الكاف لتوكيد النفي في هذه الآية...؟!  ولندع بعض المعاصرين يتمحلون التأويل البعيد، ليثبت عدم وجود هذه الزيادة في القرآن الكريم ، ظاناً أنه يدافع عن كتاب الله العزيز، وذلك من غير ما حُجّةٍ واضحة ، أو دليل مقنع، بل هو هروبٌ من المعنى الواضح الجليّ، إلى المعنى الغامض الذي لا يُظهر قوة ولا إعجازاً، لهذا الكتاب المبارك.)

ونقول :

لقد نِِمتَ يا دكتور( محمد جمعة )  وأدلجَ الناس ، فقد بحث عدد من  العلماء هذا الموضوع ، وذهبوا إلى غير ما ذهبت إليه ، منهم : الدكتورة :هدى السِّداوي فلها بَحثٌ تحت عنوان : ( الكاف معناها واستعمالاتها في اللغة العربية والقرآن الكريم) خلصت فيه إلى النتائج التالية :  

  • إن الكاف اسم ، وليست حرفاً ، من كونها بمعنى مثل ، ومن قبولها لعلامات الاسم المختلفة ، من دخول الخافض عليها ، والاضافة ، والاسناد إليها ، ووقوعها خبراً، ومفعولا به ، والمفعول لا يكون إلا اسماً ، وعَود الضمير عليها ، وضَرَبَت لذلك الأمثلة ([20])..ونص أكثر النحويين على أن  الأسماء  لا تأتي زائدة . ([21])
  • لا تكون الكاف زائدة ألبتة ، فالقول بالزيادة غير صحيح ، ولا يتلاءم مع مكانة اللغة العربية ، ومع جلال القرآن المُنَزَّه عن كل عيب أو نقص . ([22]) .                            وبمثل ذلك قال فضيلة الاستاذ الدكتور محمد يسري زعير: ( ولهذا رأينا الكاف لا تكون إلا اسماً ، لأنها لا تكون إلا بمعنى (مثل ) ، حتى تلك التي يزعمون أنها للتعليل ، لا تخلو من الدلالة على المُشابهة ..) ([23])

وقال في بحث آخر : ( والحق أن الكاف اسم لأنها بمعنى ( مثل ) ، والفرق بينهما في معنى التشبيه ، أن الكاف للتشبيه المقيد ، و( مثل ) للتشبيه المطلق ، كما أشار إلى ذلك أستاذنا الدكتور دراز . وعليه يكون إعراب الآية : أن الكاف في محل نصب خبر (ليس ) وهي مضاف ، و( مثل ) مضاف إليه ، و( مثل ) مضاف ، وعلامة الإضمار (الهاء ) مضاف إليه ، و (شيء) اسم ( ليس ) ، أي : ليس مثلَ مِثله شيء ، أي : ليس هناك أدنى مشابهة بين الله وشيء من مخلوقاته ، وبهذا تسلم الآية من دعوى كاذبة ، وهي :

زيادة الكاف ، أو :زيادة مثل .

وأما ذكر خبر ( ليس ) من قبلِ اسمها ، فذلك للعناية والاهتمام به ، كما يُذكَرُ المفعولُ قبلَ فعله ، نحو قوله تعالى : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) (الفاتحة: 5)([24])

7 - وسئل الاستاذ الدكتور فاضل السامرائي عن دلالة الكاف في قوله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)( الشورى: 11 )  ،   فقال : النحاةُ يستشهدون بهذه الآية على زيادة الكاف. وأن الكاف زائدة للتوكيد ، يعني ليس مثله شيء. ويقولون : إن الكاف الداخلة على (مثل) زائدة للتوكيد ، لأن للكاف نفس معنى التشبيه.                                                           وقسم آخر يقول ليست زائدة ، وفيها كلام كثير لن نخوض فيه. لكن الذي يبدو أنها ليست زائدة.  إذ التشبيه درجات في البلاغة،  أعلى التشبيه أن تحذف وجه الشبه وأداة التشبيه ،

مثل : هو أسد ، أو هو الأسد ، أو هي البدر..

هي الشمس مسكنُها في السماء          فَعَزِّ الفؤادَ عزاءً جميلاً

فلن تستطيع إليها الصعود            ولن تستطيع إليك النزولا

هذا أعلى شيء ، ودونه هي كالبدر ، أو هي مثل البدر ، وهم يعتقدون أن (مثل) أعلى في التشبيه من الكاف ، لأن فيها معنى الموازنة، إذا جئت بأداة التشبيه ستكون دون الحذف فإن جئت بأداتي التشبيه سيكون دون ذلك أبعد، فربنا جاء بأداتي التشبيه،  الكاف ومثل ، إذن ليس له مثيل ، ولو من وجه بعيد،  فهي إذن ليست زائدة وإنما تؤدي معنى. ([25])

8 - وقد سبقهم إلى تقرير هذه الحقيقة فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور  محمد عبد الله دراز، فقال  : ( فليس في كتاب الله  كلمة إلا وهي مفتاح لفائدة جليلة ، وليس فيه حرف إلا وجاء لمعنى ، دع عنك قول الذي يقول في بعض الكلمات القرآنية إنها ( مُقحَمَة ) ، وفي بعض حروفه إنها ( زائدة ) زيادة معنوية ، ودع عنك قول الذي يستخفُّ كلمة ( التأكيد ) ، فيرمي بها في كل موطن يظن فيها الزيادة ، لا يبالي أن تكون تلك الزيادة فيها معنى المزيد عليه ، فتصلح لتأكيده أو لا تكون . ولا يبالي أن يكون بالوضع حاجة إلى هذا التأكيد ، أو لا حاجة له به .

أجل :  دع عنك هذا وذاك ، فإن الحكم  في القرآن بهذا الضرب من الزيادة أو شبهها ، إنما هو ضرب من الجهل – مستوراً أو مكشوفاً – بدقة الميزان الذي وضع عليه أسلوب القرآن . وخذ نفسك أنت بالغوص في طلب أسرارالقرآن  البيانية على ضوء هذا المصباح ، فإن عَمِيَ عليك وجهُ الحكمة في كلمةٍ منه أو حرف ، فإياك أن تعجل .. وقل قولاً سديداً هو أدنى إلى الأمانة والإنصاف. أو قُل : الله أعلم بأسرار كلامه ، ولا علم لنا إلا بتعليمه) ([26]).. وهل بعد كل ما سلف ، نستسيغ القول بأن هناك كلمة زائدة في القرآن ..؟

 

 

 

 

[1] - ابن جني ، الخصائص ، ج2: ص 284.

[2] - الزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، ج2: ص 72.

[3] - سيبويه : الكتاب ، ج4: ص 221.

[4] - انظر : الفراء ، معاني القرآن ، ج1: ص 244-350 .

[5] - انظر : ابن جني ، سر صناعة الإعراب ، ج1: ص 133.

[6] - الزمخشري ، الكشاف : ج2: ص 242.

[7] - انظر : المالقي ، رصف المباني ، ص : 220.

[8] - أبو حيان ، تفسيرالبحر المحيط ، ج8: ص 16. وانظر :  علي بن مناور : أثر دلالات حروف المعاني الجارة في التفسير ،المبحث الثالث :  ص : 65

[9] -  انظر : ابن هشام ، مغني اللبيب ، ج1: ص 67.

[10] - الطبري ، جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، ج2: ص 330.

[11] - ابن مضاء القرطبي ، الرد على النحاة : ص 92- 93.

[12] - الفخر الرازي : التفسير الكبير ، ج7: ص 312.

[13] - الفخر الرازي ، التفسير الكبير ، ج1: ص 88.

[14] - ابن الأثير : المثل السائر ، ج2 : ص 151-153.

[15] - د. طالب الزوبعي ، الحروف الزائدة في ضوء الدراسات القرآنية ، ص : 173.

[16] - طبع في بيروت عام 1998م.

[17] - أ. د. فضل حسن عباس ، لطائف المنان ، ص 293 .

[18] - استاذ اللغة العربية المساعد في كلية التربية النادرة – جامعة إب  باليمن

[19] - نشر في مجلة الدراسات الاجتماعية ، اليمن ، العدد الخامس عشر : يناير – يونيو :3..2م.    

[20] - د. هدى محمد متولي السداوي ، الكاف ، معناها واستعمالاتها في اللغة العربية والقرآن الكريم، ص :126.

[21] - انظر الزمخشري : الكشاف ، ج1: ص 33. والزركشي ، البرهان : ج2: ص 82-83. وانظر : تأويل مشكل القرآن ، لابن قتيبة ، ص 254،255 . وإعراب القرآن المنسوب للزجاج : ج2، ص 745.

[22] - د. هدى محمد متولي السداوي ، الكاف ، معناها واستعمالاتها في اللغة العربية والقرآن الكريم ، ص131-132.

[23] - دكتور محمد يسري الزعير ، أساليب الجملة الظرفية ، ص : 735. وانظر له : معنى (من ) واستعمالاتها في القرآن الكريم ج2: ص 927. وما بعدها . وانظر : د. طالب محمد إسماعيل الزوبعي ، الحروف الزائدة في ضوء الدراسات القرآنية ، ص 53-59. وانظر :أ.د فضل حسن عباس ، لطائف المنان ، ص169-170.

[24] - د. محمد يسري ، معنى (من ) واستعمالاتها في القرآن ، ج2: ص 930.

[25] - انظر الحلقة رقم (120) في لمسات بيانية ، والتي بثتها فضائية الشارقة .

ذاعتها فضائية ال

[26] - انظر :  د. محمد عبد الله دراز ، النبأ العظيم ، ص 143-145.

  • الاربعاء PM 05:04
    2022-01-12
  • 3059
Powered by: GateGold