المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1907290
يتصفح الموقع حاليا : 477

البحث

البحث

عرض المادة

المراحل المنهجية للتعريف بالشريعة الإسلامية

د/ احمد نصير 

المراحل المنهجية للتعريف بالشريعة الإسلامية 


قال تعالى (قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ (102) مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ (103) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ (104) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)

يتميز التشريع الإسلامي بعدة خصائص ، هذه الخصائص تمثل الركائز الأساسية لكل تشريع إلهي ، ولا يمكن تعريف الناس بشريعة رب العالمين دون الإشارة إلى هذه الركائز الأساسية ، والتي تتمثل فيما يلي :-

المرحلة الأولى : معرفة أن الشريعة مبناها علي التمييز بين الخبيث والطيب
المرحلة الثانية : رفع الحرج والنهي عن التكلف والتنطع
المرحلة الثالثة : تصحيح منهجية الاستدلال ونبذ التعصب
المرحلة الرابعة : تحديد مناط المسئولية عن واجب الدعوة


المرحلة الأول
معرفة أن الشريعة مبناها علي التمييز بين الخبيث والطيب

قوله (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (100) جاء نفي المساواة بين الخبيث والطيب بعدما فرغت الآيات من تحريم الخمر والميسر تحريما قاطعا ، وقد عرفت تجارة الخمر بأنها مربحة ، وكذلك لعب الميسر فهو أيسر طرق كسب المال بالحرام ، فلما كان الناس قد ظلوا زمنا يتكسبون من الحرام ، وقد نهى الإسلام كل خبيث ، فإن بعض النفوس قد تتلجلج في الالتزام بالنهي لاغترارهم بكثرة المال االناتج عن التجارة المحرمة ، فعالج الشرع هذه المسألة بأن نفى المساواة بين الخبيث والطيب ، احترازا من تسارع الناس للكسب الحرام ، وأملًا في تدارك الأمر بتوبة لاحقة ، ليعلم العاقل أن الخبيث مهما كثر لن تتغير طبيعته ولن يطهر بكثرته ، بل يظل خبيثا ، حتى لو ألفه عامة الناس .

والأمر بنفي التفرقة بين الخبيث والطيب على عمومه ، كما في قوله تعالى (يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف:157]، ، فيشمل إظهار البون الشاسع بين الحلال والحرام ، فالبيع ليس كالربا ، والطيبات من الأطعمة ليست كلحم الخنزير ، والطيبات من الأشربة كاللبن ليس كالخمر ...وهكذا ، لا سيما وأن كثير من الناس كانوا يتعاملون بالربا ، وقد نهى النبي  عن الربا في العام الذي نزلت فيه هذه السورة ، وكان ذلك في حجة الوداع ، فقال  " أَلَا وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ " ... وقال  (وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَانَا رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ) .

يقول اللواء دكتور فوزي طايل «يلحظ الباحث أن فقهاء المسلمين لم يفردوا أبوابًا خاصة بالقيم ؛ لأن القيم الإسلامية هي الدين ذاته ؛ فهي الجامع للعقيدة والشريعة والأخلاق، والعبادات والمعاملات، ولمنهاج الحياة والمبادئ العامة للشريعة ، وهي العُمُد التي يقام عليها المجتمع الإسلامي؛ فهي ثابتة بثبات مصادرها، وهي معيار الصواب والخطأ، بها يميز المؤمن الخبيث من الطيب، ويرجع إليها عند صنع القرارات واتخاذها.. وهي التي تحدث الاتصال الذي لا انفصام له بين ما هو دنيوي وما هو أخروي في كل مناحي الحياة» ، ولذلك كانت الشريعة معروفة بفعل كل حسن وترك كل قبيح .

ولهذا فلا عذر لأحد في تيمم الخبيث ، وهجر الطيبات ، فالشريعة الإسلامية والخطاب الدعوي مبناه علي استحسان الطيبات ونبذ كل قبيح وخبيث ، ولذلك خوطب أهل الفترة كغيرهم بخطاب الشارع إجمالا ، وإن تعذر خطابهم بالتفاصيل لتحريف التوراة والإنجيل ، فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أَبِي قَالَ فِي النَّارِ فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ فَقَالَ إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ) ، قال النووي (وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار ، وليس في ذلك مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة ، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة ابراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ) ، فالنووي يقصد –في شرحه - بلوغ الدعوة لأهل الفترة رغم تحريف التوراة والإنجيل ، أي بلوغ الإسلام لهم بمبادئه وكلياته ، لا تلك الأحكام المحرفة والمبدلة ، فالإسلام يأمر بفعل كل طيب وبترك كل خبيث .

بهذا يُختصر الخلاف في مسألة تمييز المكلف بين الحسن والقبيح حيث يعرفان بالشرع وبالعقل معا ، ولا منافاة بين الأمرين ، فكما أنهما يعرفان بالشرع ولا جدال في ذلك ، فإنهما يعرفان -كذلك - بالعقل ، لاسيما وقد علم عمر بن الخطاب مفاسد الخمر قبل أن ينزل التحريم فقال (اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا) ، وكثير من الصحابة مثله حرموا على أنفسهم "الخمر" قبل أن ينزل بتحريمها شرع ، وذلك لأنهم علموا ما فيها من مفاسد ترجح على المنافع ، فلم يكونوا بحاجة إلى شرع ينزل بتحريمها لأن عقولهم سبقت إلى معرفة ذلك ، ولذلك جعل الشرعُ العقلَ مناطا للتكليف ، فلولا العقل لسقط التكليف ، ولولا الشرع لكان للناس حجة على الله ، قال تعالى (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء/165) ، وبكلاهما أي "الشرع والعقل" يتحقق مناط التكليف وتقوم الحجة على الناس .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية (اتُفِقَ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ إذَا فُسِّرَا بِكَوْنِ الْفِعْلِ نَافِعًا لِلْفَاعِلِ مُلَائِمًا لَهُ وَكَوْنِهِ ضَارًّا لِلْفَاعِلِ مُنَافِرًا لَهُ أَنَّهُ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالْعَقْلِ كَمَا يُعْرَفُ بِالشَّرْعِ ، وَظَنَّ مَنْ ظَنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ الْمَعْلُومَ بِالشَّرْعِ خَارِجٌ عَنْ هَذَا ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ جَمِيعُ الْأَفْعَالِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَنَدَبَ إلَيْهَا هِيَ نَافِعَةٌ لِفَاعِلِيهَا وَمَصْلَحَةٌ لَهُمْ ، وَجَمِيعُ الْأَفْعَالِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا هِيَ ضَارَّةٌ لِفَاعِلِيهَا وَمَفْسَدَةٌ فِي حَقِّهِمْ ، وَالْحَمْدُ وَالثَّوَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى طَاعَةِ الشَّارِعِ نَافِعٌ لِلْفَاعِلِ وَمَصْلَحَةٌ لَهُ وَالذَّمُّ وَالْعِقَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ضَارٌّ لِلْفَاعِلِ وَمَفْسَدَةٌ لَهُ) .

ولهذا فقد أفتت مؤسسة الأزهر العلمية بأن العلماء اشترطوا فى لزوم الدعوة لمن بلغتهم أن تبلغهم صحيحة غير مشوهة ، فإذا وصلت مشوهة كانوا معذورين فى عدم الإيمان بها ، وقد نص على ذلك الإمام الغزالى فى كتابه "فيصل التفرقة" فبعد أن ذكر أن أكثر النصارى من الروم والترك فى زمانه ناجون لعدم بلوغ الدعوة إليهم ، قال : بل أقول : حتى الذين بلغتهم دعوة الرسول  مشوهة فعلمهم أهلوهم منذ الصبا أن كذابا مدلسا اسمه محمد ادعى النبوة كذبا فهؤلاء عندى كالصنف الأول ، أى ناجون ، وأما سائر الأمم الذين كذبوا الرسول  بعد علمهم بالتواتر ظهوره وصفاته ومعجزاته الخارقة، وعلى رأسها القرآن ، وأعرضوا عنه ولم ينظروا فيما جاء فيه فهم كفار ، وعلى هذا نقول : إن من لم تبلغه الدعوة أصلا أو بلغته مشوهة أو بلغته صحيحة ولم يقصر فى البحث والتحرى فهو معذور ، أى يرجى له عدم الخلود فى النار ، والحاصل أن الجهل نوعان :- جهل لا يعذر به المسلم الذى نشأ فى مجتمع مسلم ، وجهل يعذر به ، الأول كالجهل بالأركان الأساسية للدين ، والثانى كالجهل بالفروع التى تكون محلا لاختلاف الآراء ، ومنكر الأمور الأساسية كافر، والمقصر فيها دون إنكار مؤمن عاص ، ومنكر الأمور الثانية أو المقصر فيها معذور) .

ومن هنا نفهم أن قوله تعالى (وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) يومئ بأن ثمة المجتمعات غير الإسلامية يعجبها كثرة الخبيث ، وهؤلاء لا يعذر بانتشار الخبث فيهم ، بل كان عليهم أن يعملوا العقل ويتحروا ويبحثوا عن الطيبات ، ولا يغتروا بكثرة الخبيث في مجتمعاتهم ، ولذلك جاء الخطاب بالتقوى في ذيل الآية لمن ناداهم الله تعالى بأنهم (أُولِي الْأَلْبَابِ) أي العقول ، (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .

ورغم أهمية العقل في تمييز الخبيث من الطيب وفي معرفة الشرع ، فإن العقول قد تتفاوت ، ولذلك كان الشرع يضبط عمل العقل حتى لا يضل ، قال العلماء (والعقل الصريح يوافق النقل الصحيح، وعند الإِشكال يقدمون النقل ولا إِشكال؛ لأن النقل لا يأتي بما يستحيل على العقل أَن يتقبله ، وإنما يأتي بما تحار فيه العقول، والعقل يصدق النقل في كلِّ ما أَخبر به ولا عكس ، ولا يُقللون من شأن العقل؛ فهو مناط التكليف عندهم، ولكن يقولون: إِنَّ العقل لا يتقدم على الشرع- وإلَّا لاستغنى الخلق عن الرسل- ولكن يعمل داخل دائرته، ولهذا سُموا أَهل السُّنَّة لاستمساكهم واتباعهم وتسليمهم المطلق لهدي النَبِيِّ ).

ولذلك اختتمت الآية برجاء الفلاح (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فإعمال العقل يوصل إلى الشرع ، والعمل بالشرع يحقق الفلاح في الدارين ، أي في الدنيا بإصابة المصلحة واجتناب المفسدة ، وفي الآخرة بالفوز بالجنة والنجاة من النار .
المرحلة الثانية
معرفة أن الشريعة نزلت لرفع الحرج والنهي عن التكلف والتنطع

قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ * مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (101-103)

فالعبادة في الإسلام لها مفهوم خاص ، فالأصل في العبادة المنع ، فلا يتكلف المسلم عبادة لم ينزل بها أمر إلهي ، كذلك فإن الأصل في العادات الإباحة حتى يرد دليل بالتحريم ، والاستفصال عن الحلال والحرام قبل أن ينزل التشريع تكلف مذموم ، لأن العمل بهاذين الأصلين كافيا لتحقيق معنى العبودية لله وتنطوي تحتها كل العادات .

ففي قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (101) توجه الخطاب للمؤمنين ناهيا لهم عن السؤال فيما لم يُحرَّم استعجالًا لتفصيل الحكم بشأنه رغبة في تطبيق الحكم السابق بنفي التسوية بين الخبيث والطيب ، فسألوا عنهما استفصالا لتعجل العمل بالشريعة ، لكن الأمر ليس على هذا المنوال ، قال رسول الله  (إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ"، ذلك أن الله تعالى قال (ما فرطنا في الكتاب من شيء) أي (ما نفرط لأن القرآن كان ينزل بعد ذلك كما كان ينزل قبله فكانوا ممنوعين عن الاستعجال بالسؤال عما أخبر الله تعالى أنه لا يفرط فيه) .

فلو تربص الصحابة أمر الله لما ظهرت الحاجة لأن يسألوا عن ماهية الخبيث والطيب ، وقد فصل الله ما حرم عليهم ، قال تعالى (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) (الأنعام/119) ، ولذلك كان النبي  حريص كل الحرص على أن يتعلم الصحابة أحكام دينهم أولًا بأول ودون أن تضيع أوقاتهم وجهودهم سدى بكثرة السؤال وبلا فائدة ، فعن المغيرة قال (كَانَ رسول الله  يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ) .
وعَنْ أَنَسٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ (نُهِينَا عَنْ التَّكَلُّفِ)، قال تعالى (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) (ص/86)، جاء في الشرح (التكلف أصله جميع ما لا منفعة فيه أو ما لم يؤمر به بمشقة ، فإن كان فيه منفعة له أو لغيره أو فيما أمر به خرج عن الذم).

وكثرة السؤال بغير حاجة يفضي إلى التنطع ، فقد روي عنه  (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا) ، قال الخطابي: (المتنطع المتعمق في الشيء ، المتكلف البحث عنه) ، قال النووي (أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم) ، قال ابن الجوزي (التَّنطُّعُ التَّعَمُّقُ والغُلُوُّ والتَّكلُّف لما لم يؤمربه) .

قوله (..وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) ( 102) قال ابن عطية (إذا نزل القرآن بشيء وابتدأكم ربكم بأمر فحينئذٍ إن سألتم عن تفصيله وبيانه بين لكم وأبدى) ، أي أن السؤال المستحب هو السؤال عن تفصيل ما أنزل ، وليس السؤال عما لم ينزل به قرآن ، فهنا يكون السؤال بمعنى طلب مزيد من البيان لمساعدة الأفهام على التعلق بكتاب الله والعمل بأحكام الله ، فإن الاقتصار في العلم على ما يكلف به المرء يغني عما سواه ، لاسيما وأن فتح باب السؤال بغير حاجة لفتوى ودون ضابط يؤدي إلى تعطيل البلاغ ، حيث ينشغل الرسول بالرد عليهم ، وفي البيان ما يغني عن السؤال ، ولهذا لم يبن الفقهاء نظرياتهم على الافتراض ، لأن الفرضية لا يمكن علاجها بحلول قبل حصولها فعلا ، وإلا لما كانت هذه الحلول لتتناسب مع الفرضيات المستقبلية ، وإنما عالجوا كل مسألة بذاتها حين وقوعها ، فكانت حلولهم تتناسب مع الواقعة والنازلة تماما .

قوله (..عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) ( 102) أي أن الله عفا عما يحدث به المرء نفسه من أسئلة لا يعلم إجابتها ، وحليم على من جهل بالاستغراق في ذلك ، فعن أبي هريرة قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  (يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ).

فمن التنطع السؤال عما لم يبين الشرع ماهيته ، ولا يبنى عليه عمل ، وإن أوجب الشرع الإيمان به ، ذلك أن ماهيته تفوق قدرات البشر ، فالاسترسال في السؤال عن هذه الماهية قد يفضي إلى ما لا يحمد عقباه ، ففي الحديث قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  (لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يَقُولُوا هَذَا اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ) ، ولا يخفى أن الروح التي بين جنبي الإنسان لا يدرك ماهيتها إلا الله ، فإذا عجز الإنسان عن إدراك ماهية نفسه وروحه التي في جسده ، فكيف به أن يدرك خالقها ، فعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ  فِي حَرْثٍ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ سَلُوهُ عَنْ "الرُّوحِ" وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَسْأَلُوهُ لَا يُسْمِعُكُمْ مَا تَكْرَهُونَ ، فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا يَا أَبَا الْقَاسِمِ حَدِّثْنَا عَنْ "الرُّوحِ" فَقَامَ سَاعَةً يَنْظُرُ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ ، فَتَأَخَّرْتُ عَنْهُ حَتَّى صَعِدَ الْوَحْيُ ثُمَّ قَالَ (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء 85) .

قوله ( قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ) ( 102) أي أن السؤال لابد أن يكون بغرض العمل بحكم الله ، دون تنطع أو تكلف ، وإلا لما قدر المتنطع على التشديد في الأمر ، فيكفر به بعد أن طلبه إيماء أو إلحاحا ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ  فَقَالَ (أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ ثُمَّ قَالَ ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ" .

والتنطع كما يكون بكثرة السؤال فإنه كذلك يكون بالإلحاح دون سؤال ، وقد يكون السؤال تصريحا أو تعريضا ، فعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ  اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ  فِيهَا لَيَالِيَ حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ ثُمَّ فَقَدُوا صَوْتَهُ لَيْلَةً فَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ نَامَ فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ مَا زَالَ بِكُمْ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ" .

فإذا كان التنطع يعني التكلف ، فإن من أبشع صوره كثرة الأسئلة التي تعطل عن العمل ، أو قد تؤدي إلى التكاسل عن العمل ووضع العراقيل التي تحول دون إنجاز العمل فلا ينجز ، وقد يؤدي بهم التنطع إلى الكفر ، كما حصل لبني إسرائيل في شأن البقرة ، فما كادوا أن يمتثلوا أمر الله بذبحها ، قال ابن القيم (لا يجوز مقابلة أمر الله الذي لا يُعلم وجه الحكمة فيه بالإنكار ، فذلك نوع من الكفر ، فإن القوم لما قال لهم نبيهم "إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة" قابلوا هذا الأمر بقولهم "أتتخذنا هزوا" فلما لم يعلموا وجه الحكمة في ارتباط هذا الأمر بما سألوه عنه قالوا : (أتتخذنا هزوا) ، وهذا من غاية جهلهم بالله ورسوله ، فإنه أخبرهم عن أمر الله لهم بذلك ولم يكن هو الآمر به ، ولو كان هو الآمر به لم يجز لمن آمن بالرسول أن يقابل أمره بذلك ، فلما قال لهم : "أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين" فلما تيقنوا أن الله سبحانه أمره بذلك أخذوا في التعنت بسؤالهم عن عينها ولونها ، فلما أخبروا عن ذلك رجعوا إلى السؤال مرة ثالثة عن عينها ، فلما تعينت لهم ولم يبق إشكال توقفوا في الامتثال ولم يكادوا يفعلون)، قال ابن جرير (لو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم).

والسؤال بغرض الجدال وتعطيل العمل هو عادة المنافقين الذين استغلوا أن النبي  أتاح لهم الفرصة لمبادرته بالسؤال بقوله (سلوني) وقوله (فَوَاللَّهِ لَا تَسْأَلُونَنِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا) فأكثروا من السؤال في غير حاجة ليشغلوا رسول الله  عن البلاغ ، ليتعطل العمل بالدين لأجل التنظير والتقعيد والاستفصال حتى السأم ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ  اسْتِهْزَاءً فَيَقُولُ الرَّجُلُ مَنْ أَبِي وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ أَيْنَ نَاقَتِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْآيَةِ كُلِّهَا" .
وعن ابن عباس قال : "كان قوم، أي من المنافقين، يسألون رسول الله استهزاء فيقول الرجل تضل ناقته:"أين ناقتي؟"، ويقول الرجل:"من أبي"، ويقول المسافر:"ماذا ألقى في سفري؟"فأنزل الله فيهم هذه الآية "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ"
فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ  خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ قَالَ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا قَالَ فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ  وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ فَقَالَ رَجُلٌ مَنْ أَبِي قَالَ فُلَانٌ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) ، فالغرض من سؤاله المزاح أو الاستهزاء .
وعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  خَرَجَ حِينَ زَاغَتْ الشَّمْسُ فَصَلَّى لَهُمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَذَكَرَ السَّاعَةَ وَذَكَرَ أَنَّ قَبْلَهَا أُمُورًا عِظَامًا ثُمَّ قَالَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَنِي عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْنِي عَنْهُ فَوَاللَّهِ لَا تَسْأَلُونَنِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَأَكْثَرَ النَّاسُ الْبُكَاءَ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ  وَأَكْثَرَ رَسُولُ اللَّهِ  أَنْ يَقُولَ سَلُونِي فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَبُوكَ حُذَافَةُ فَلَمَّا أَكْثَرَ رَسُولُ اللَّهِ  مِنْ أَنْ يَقُولَ سَلُونِي بَرَكَ عُمَرُ فَقَالَ رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا قَالَ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ  حِينَ قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  أَوْلَى وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ) .
وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ  عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ غَضِبَ وَقَالَ سَلُونِي فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبِي قَالَ أَبُوكَ حُذَافَةُ ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبِي فَقَالَ أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا بِوَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ  مِنْ الْغَضَبِ قَالَ إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ".

قوله (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (103) أي لما نهي الله عن التنطع في الدين ، الذي قد يؤدي إلى التشديد في الحكم وتحريم ما أحله الله ، وهو ما أدى بأهل الجاهلية أن حرموا على أنفسهم أشياء أحلها الله لهم ، لا لشيء إلا إرضاءً للشياطين التي يعبدون ، فلما جاء الإسلام نفي ما اتخذه أهل الجاهلية من محرمات لم يشرع الإسلام بتحريمها ، ونهي أن يقلد المسلمون غيرهم في شعائر مخصوصة وتقاليد باطلة ليس فيها من الله شرع ، للتأكيد على أن شعائر الإسلام توقيفية ، فالأصل في العبادة هو الحظر ، فلا يُعبد الله تعالى بشيء لم يشرعه ، فعلى المسلم أن يتوقف حتى يعلم حكم الله ، ولا ينساق وراء الجاهلين
فكانت إجابة الإسلام عن عبادة أهل الجاهلية والأوثان مختصرة تغني المسلمين عن السؤال عن كل مظهر من مظاهر عبادتهم ، فليس في الإسلام شيء من أمور الجاهلية جملة ولا تفصيلا .
قال الشافعي «كان أهل الجاهلية يبحرون البحيرة ، ويسيبون السائبة ، ويوصلون الوصيلة ، ويحمون الحام ، وهذه من الإبل ، والغنم "، ذلك أن السدنة - الذين يقومون على خدمة الأصنام - كانوا يفترون على الله الكذب ، فيحرمون على البشر من بهائم الأنعام تلك التي لها أوصاف معينة إرضاءً للشياطين ، كما في قوله (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) [4/119] .
فعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ "الْبَحِيرَةُ" الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ
وَ"السَّائِبَةُ" كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ)
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ
وَ"الْوَصِيلَةُ" النَّاقَةُ الْبِكْرُ تُبَكِّرُ فِي أَوَّلِ نِتَاجِ الْإِبِلِ ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثَى وَكَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ إِنْ وَصَلَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ ،
وَ"الْحَامِ" فَحْلُ الْإِبِلِ يَضْرِبُ الضِّرَابَ الْمَعْدُودَ فَإِذَا قَضَى ضِرَابَهُ وَدَعُوهُ لِلطَّوَاغِيتِ وَأَعْفَوْهُ مِنْ الْحَمْلِ فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَسَمَّوْهُ الْحَامِيَ) .

وقال ابن حجر (قوله "البحيرة" (التي يمنع درها للطواغيت) أي : (الأصنام) فلا يحلبها أحد من الناس ، والبحر الشق كانوا يشقون أذن الناقة نصفين إذا نتجت خمسة أبطن آخرها ، و"البحيرة" فعيلة بمعنى مفعولة وهي التي بحرت أذنها أي خرمت ، ثم لا تذبح ولا تركب ولا يشرب لبنها) .
وقال ("والسائبة"كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء قال أبو عبيدة كانت السائبة من جميع الأنعام وتكون من النذور للأصنام فتسيب فلا تحبس عن مرعى ولا عن ماء ولا يركبها أحد) ، قال ابن عاشور (في تسييب الحيوان إضرارا به إذ ربما لا يجد مرعى ولا مأوى ، وربما عدت عليه السباع، وفيه تعطيل منفعته حتى يموت حتف أنفه ، وما يحصل من در بعضها للضيف وابن السبيل إنما هو منفعة ضئيلة في جانب المفاسد الحافة به) .
و(الوَصيلة) من الغَنَم ، قال ابن إسحق هي الشاة إذا أنْأمت عَشْر إناث مُتَتابِعَات في خمسة أبْطُن ليس فيهن ذكر جعلت وصيلة فقالوا قد وصلت فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون الإناث ،وقال أبو عُبَيْدة كانت العرب إذا ولَدت الشاة ذكراً قالوا هذا لآلِهَتنا فيُتَقرّبون به وإذا ولدت أنثَى قالوا هذه لنا وإذا ولدت ذكراً وأنثى قالوا وصَلت أخاها فلم يذبحوه لمكانها).
و(الحام) فحل الإبل يضرب العشر من الإبل فإذا قضى ضرابه جدعوه للطواغيت فأعفوه من الحمل فلم يحملوا عليه شيئا فسموه الحام ، و"كانوا يقولون في الحام : الفحل إذا ضرب في إبل الرجل عشر سنين فيخلى ، وقيل تنتج له عشرة حام ، أي (تحمي ظهره فلا يحل أن تركب)

مما تقدم يتبين أن الإسلام أبطل ما كان يفعله أهل الجاهلية من أمور بقصد إرضاء الشياطين وسندتهم مما يتنافى مع عقيدة الإسلام ، وفي الآية تفصيل لحكم سبق وأن ورد إجمالا ، وهو الكفر بالطاغوت ، قال تعالى (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ) (البقرة/256) ، وكان في الإجمال ما يغني عن التفصيل ، بيد أن بعض الصحابة تكلفوا في المسألة فأعادوا السؤال على رسول الله  عن حكم هذه الأمور فنزلت هذه الآية لتجيب عما سألوا عنه ، وقد أكثروا من السؤال حتى نهاهم الله عن ذلك ، فكانت الحاجة داعية لأن ينزل حكمها تفصيلا ، ذلك أن تفصيل الحكم الوارد بشأنها إجمالا ما يغني عن السؤال .
فعن ابن عباس في قوله " لا تسألوا عن أشياء " قال : يعني البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، ألا ترى أنه يقول بعد ذلك : ما جعل الله من كذا ولا كذا) ، ومقتضى ذلك أنهم لو أعملوا العقل في فهم النصوص وتدبروا في كتاب الله لوجدوا حكم هذه الأشياء وارد فيه ، كما في قوله تعالى (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ) ، فيتبين أن كل ما يفتريه الذين كفروا على الله هو محض كذب ، والقاعدة الراسخة عن سلف الأمة أن مصدر التلقي عن الله هو القرآن والسنة لأنه لا أحد أعلمُ بالله وما يجب له وما ينزه عنه من الله، ولا أحد بعد الله أعلمُ بالله من رسول الله  ولهذا كان منهج السلف الصالح ومن تبعهم في تلقِّي العقيدة مقصورًا على الكتاب والسنة) .
المرحلة الثالثة للتعريف بالشريعة الإسلامية
(تصحيح منهجية الاستدلال ونبذ التعصب والجمود)

تأتي هذه المنهجية بعد أن وضع الإسلام معيارا دقيقا للتفرقة بين الخبيث والطيب ، فجعل العقل مؤهلا لمعرفة ذلك وقبل أن ينزل الشرع ، وفي ذات الوقت يتربص لمعرفة حكم الله دون تنطع أو تكلف ثم تأتي المرحلة الثالثة لتعريف أهل الكتاب بمنهجية التشريع الإسلامي ، بتصحيح منهجية الاستدلال عندهم ، وأول خطوة لهذا التصحيح نبذ التعصب والجمود ، ويتحقق ذلك بالتخلص من قيود التبعية القبلية والعائلية ، والتحرر في البحث والمعرفة واستسقاء المعلومة ، وما يستتبعه من طلاقة الفهم والاهتداء .

ففي قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ)(104) دعوة لتصحيح منهجية الاستدلال عند غير المسلمين ، بتحذيرهم من التقليد الأعمى لأسلافهم ، وعادات أبائهم ، دون تعقل لأضرارها وعدم منفعتها ، ففي قوله (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول) قيل أي (في تحليل الحَرْثِ والأنعامِ ، وبيان الشرائع والأحكام) ، فهذا هو السياق الذي نزلت فيه بذم حال الخلف في اتباع السلف ، كما في البحيرة والسائبة والوصيلة والحام .

فقولهم (حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا) يعني أن منهجيتهم في الاستدلال تقتصر على الاتباع الأعمى لعادات وأخلاق الأباء ، فهم مكتفون بذلك ، ولا يريدون إعمال العقل في غير ذلك ، قال الرازي (التقليد لكي يكون محمودا ، فهذا لا يتأتى إلا بعد إعمال العقل ، حيث يدور عمل العقل في النظر إلى حجة المقتدى به ، فإن لم يكن له حجة فلا هدى في اتباعه) ، وقال (واعلم أن الإقتداء إنما يجوز بالعالم المهتدي ، وإنما يكون عالماً مهتدياً إذا بنى قوله على الحجة والدليل ، فإذا لم يكن كذلك لم يكن عالماً مهتدياً ، فوجب أن لا يجوز الإقتداء به) ، ذلك أن (الشرع عقل من خارج ، والعقل شرع من داخل ، وهما متعاضدان بل متحدان) .

قال ابن القيم "إن أعقل الخلق على الإطلاق الرسل وأتباعهم بعدهم أعقل الأمم وأهل الكتاب والشرائع الكبار أعقلهم ، وأعقل هؤلاء المسلمون وأعقل المسلمين أصحاب رسول الله والتابعون لهم بإحسان وأهل السنة والحديث أعقل الأمة بعدهم على الإطلاق ، والبرهان القاطع على هذا أنه قد ظهر على أيدي الرسل من العلم النافع والعمل الصالح ومصالح الدنيا والآخرة ما لم يظهر مثله ولا قريب منه ولا ماله البتة نسبة بوجه من الوجوه على أيدي غيرهم من العقلاء ومن تدبر سيرتهم في أنفسهم وفي خاصتهم وفي العامة وصبرهم وزهدهم في الدنيا ورغبتهم في الله وما عنده واشتمالهم من الأخلاق على أزكاها ومن الشيم على أرضاها وأنهم أصدق الخلق وأبرهم قلوبا وأزكاهم نفوسا وأعظمهم أمانة وأكرمهم عشرة وأعفهم ضمائر وأطهرهم سريرة لم يشك أنهم أعقل خلق الله على الإطلاق ، ولا ريب أن كل من كان إليهم أقرب كان حظه من العقل أوفر والعلوم والأعمال والسيرة والدلائل على ذلك ، وأما أعدائهم وخصومهم فقد ظهر من نقصان عقولهم ما كان الحيوان البهيم أحسن به حالا منهم ..) .

قوله (..أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ)(104)) أي رد القرآن على قولهم ذاك بتخطئتهم ، ذلك أن الاتباع دون تبصر هو إلقاء للنفس إلى التهلكة ، والإسلام أراد أن يحرر الناس من ذل الانقياد ورق التبعية لأباء والأهل والعشيرة ، لكي يكون قرار المرء في عقيدته وأخلاقه ومعاملاته نابع من إدراك تام لماهية الأشياء ، وتمييز حقيقي للخبيث من الطيب ، فأسمي ما يملكه المرء وهو حرية الاعتقاد ، فليس عليه أن يتبع الدين الذي يتبعه أبيه ، وليس عليه أن يقلده فيما يفعل وينتهج نهجه في الحياة ، بل عليه أن ينتهج لنفسه طريق الهداية استقلالا عن المؤثرات الخارجية التي تحيط به ومن بينها أهله وقومه .

يقول النبي  (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ) ، قال المناوي قوله (الفطرة) اللام للعهد والمعهود فطرة الله التي فطر الناس عليها أي الخلقة التي خلقهم عليها من الاستعداد لقبول الدين والتأبى عن الباطل) ، قال ابن قتيبة (يريد أنه يولد على الإقْرار بالله وهو الميثاق الذي أخذَه الله عليهم حين أخرجهم من ظهر آدم أمثال الدر وأشْهَدَهم على أنْفسهم ألسْتُ بربّكم قالوا بلَى، فالناس جميعاً وإن اخْتلفوا في أديانهم ونِحَلهم عالمون بأنَّ الله عزَّ وجلَّ خالقهم والفِطْرة ابْتداء الخِلْقة ، ومنه قول الله تعالى الحَمْدُ لله فاطِر السموات والأرض أي مبتدئهما) ، وقوله (جدعاء) أي مقطوعة الأذن ، ما يعني أن التحيز لعادات الجاهلية هو أمر مخالفة لفطرة الإنسان التي خُلق عليها ، وهي الإسلام ، يعني أن البهيمة أول ما تولد تكون سليمة من الجدع ، وخالية من العيوب حتى يحدث فيها أربابها النقائص ، كذلك الطفل يولد على الفطرة ولو ترك عليها لسلم من الآفات إلا أن والديه يزينان له الكفر ويحملانه عليه) ، قال ابن الأثير (والمعنى أنه يُولد على نوع من الجِبِلَّة والطبع المُتَهِّيء لِقَبُول الدِّين فلو تُرِك عليها لاسْتَمرّ على لُزومها ولم يُفارقها إلى غيرها ، وإنما يَعْدل عنه مَن يَعْدِل لآفَةٍ من آفات البَشَر والتَّقْلِيد ثم تمثَّل بأولاد اليهود والنصارى في اتِّباعهم لآبائهم والمَيْل إلى أدْيانِهم عن مُقْتَضى الفِطْرة السَّليمة)

قال الدكتور سفر الحوالي (كل الروايات تدل على أن كل مولود يولد على الإسلام وعلى التوحيد؛ تحقيقاً للعهد الذي أخذه الله تبارك وتعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) [الأعراف:172] ، فكل إنسان ميسر له أن يهتدي إلى الجواب؛ وهو أن يعرف أن الله خلقه لعبادته، وأن معرفة الله هي أعز ما يسعى إليه كل مخلوق، وهي الغاية التي ليس بعدها غاية أبداً، لكن الذي حدث هو الابتلاء من الله تبارك وتعالى وهذا ما دل عليه القرآن كما قال الله تبارك وتعالى" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً" [الإنسان:3] ، فهو تبارك وتعالى مع بيانه لحكمة الوجود، ومع أنه فطر الناس على الهداية والاهتداء إليه؛ لكنه جعل مكان الابتلاء ومحل الابتلاء "إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً" [الإنسان:3] ) ، إذن مناط الابتلاء هو اتباع الأبناء لسنن الأباء بتعصب أعمى وجمود ممقوت ، فإما ذاك أو تتبع الحق والتحري عنه سواء أكان مصادفا لسنن آبائهم أو مخالفا لها ، فالحق أحق أن يتبع ولو خالفه الأكثرون والأقربون.
المرحلة الرابعة للتعريف بالشريعة الإسلامية
(تقرير أن المسئولية فردية ومجتمعية في آن واحد)

ففي قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (105) استنبط الفقهاء والمفسرون وأهل الحديث من هذه الآية دليل قاطع على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو شرط من شروط الاهتداء ، وأن من يتكاسل أو يتخاذل عن أداء هذا الواجب فإنه ليس من المهتدين ، فإذا قام المكلف بواجب الدعوة إلى الله تعالى ، وقام بالبلاغ فإنه لن يسأل عن الإجابة ، ولن يضره أقبل الناس دعوته للإيمان بالله أم أبوا متى لم يقصر هو في البلاغ ، فإن فعل ذلك فهو من المهتدين ، وإثم من خالفه عليه وحده ، وإن لم يفعل فهما في الإثم سواء ، أي الذي خالف والذي سكت ، "فالساكت عن الحق وإنكار المنكر شيطان أخرس" .

عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ قَالَ قُلْتُ كَيْفَ تَصْنَعُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ أَيَّةُ آيَةٍ قُلْتُ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) قَالَ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ  فَقَالَ بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ وَرَأَيْتَ أَمْرًا لَا يَدَانِ لَكَ بِهِ فَعَلَيْكَ خُوَيْصَةَ نَفْسِكَ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ الصَّبْرُ فِيهِنَّ عَلَى مِثْلِ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ).

وعَنْ أَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيِّ كَانَ رَجُلٌ قُتِلَ مِنْهُمْ بِأَوْطَاسٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ  يَا أَبَا عَامِرٍ أَلَا غَيَّرْتَ؟ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ  وَقَالَ "أَيْنَ ذَهَبْتُمْ؟" إِنَّمَا هِيَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ مِنْ الْكُفَّارِ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)، أي أن الصحابي أبو عامر الأشعري النبي  بعدما تأخر عنه ، فلما سأله النبي عن سبب تأخره ، احتج أبو عامر بهذه الآية (يا أيها الذين آمنوا أتى عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) ، يعني أنه فهم منها أن الاكتفاء بالنفس وعدم التدخل في شؤون الآخرين كاف للاهتداء ، فصوب النبي  فهمه بقوله "أين ذهبتم؟" يعني أيعقل هذا الفهم البعيد عن النص ، والصحيح "إنما هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم" ، ومن لوازم الهداية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وهذا المعنى فهمه أبو بكر كذلك فيما روي عن قيس بن أبي حازم قال : سمعت أبا بكر يقول : يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) وإنا سمعنا رسول الله  يقول : (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه)

وعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ قَامَ أَبُو بَكْرٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُم) وَإِنَّا سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ لَا يُغَيِّرُونَهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابِهِ) .

وليس المقصود من ذلك تغيير المنكر بكل وسيلة ولو كانت غير ممكنة ، لقول النبي  (وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، وإنما المقصود ما كان في الإمكان وفي حدود المقدور ، قال ابن تيمية (فمن أدى الواجب المقدور عليه فقد اهتدى ، لكن إن كان منه عجز ولا حاجة إليه أو خيانة عوقب على ذلك).

ففي قوله (عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ) قال ابن تيمية (أَيْ الْزَمُوهَا وَأَقْبِلُوا عَلَيْهَا، وَمِنْ مَصَالِحِ النَّفْسِ فِعْلُ مَا أُمِرَتْ بِهِ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ) .
وفي قوله (لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ) قال ابن تيمية (وَإِنَّمَا يَتِمُّ الِاهْتِدَاءُ إذَا أُطِيعَ اللَّهُ وَأُدِّيَ الْوَاجِبُ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَغَيْرِهِمَا) ، وقال (والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات لم يضره ضلال الضال)

قال ابن تيمية ( فِي الْآيَةِ فَوَائِدَ عَظِيمَةً :-
" أَحَدُهَا " أَلَّا يَخَافَ الْمُؤْمِنُ مِنْ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوهُ إذَا كَانَ مُهْتَدِيًا
"الثَّانِي" أَلَّا يَحْزَنَ عَلَيْهِمْ وَلَا يَجْزَعَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ مَعَاصِيَهُمْ لَا تَضُرُّهُ إذَا اهْتَدَى وَالْحُزْنُ عَلَى مَا لَا يَضُرُّ عَبَثٌ وَهَذَانِ الْمَعْنَيَانِ مَذْكُورَانِ فِي قَوْلِهِ : (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)
"الثَّالِثُ" أَلَّا يَرْكَنَ إلَيْهِمْ وَلَا يَمُدَّ عَيْنَهُ إلَى مَا أُوتُوهُ مِنْ السُّلْطَانِ وَالْمَالِ وَالشَّهَوَاتِ كَقَوْلِهِ (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) فَنَهَاهُ عَنْ الْحُزْنِ عَلَيْهِمْ وَالرَّغْبَةِ فِيمَا عِنْدَهُمْ فِي آيَةٍ وَنَهَاهُ عَنْ الْحُزْنِ عَلَيْهِمْ وَالرَّهْبَةِ مِنْهُمْ فِي آيَةٍ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتَأَلَّمُ عَلَيْهِمْ وَمِنْهُمْ إمَّا رَاغِبًا وَإِمَّا رَاهِبًا
"الرَّابِعُ" أَلَّا يَعْتَدِيَ عَلَى أَهْلِ الْمَعَاصِي بِزِيَادَةِ عَلَى الْمَشْرُوعِ فِي بُغْضِهِمْ أَوْ ذَمِّهِمْ أَوْ نَهْيِهِمْ أَوْ هَجْرِهِمْ أَوْ عُقُوبَتِهِمْ ،..كَمَا قَالَ : (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ) الْآيَةَ..وَقَالَ (فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْآمِرِينَ النَّاهِينَ قَدْ يَتَعَدَى حُدُودَ اللَّهِ إمَّا بِجَهْلِ وَإِمَّا بِظُلْمِ وَهَذَا بَابٌ يَجِبُ التَّثَبُّتُ فِيهِ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْإِنْكَارُ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْفَاسِقِينَ وَالْعَاصِينَ .
"الْخَامِسُ" أَنْ يَقُومَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ مِنْ الْعِلْمِ وَالرِّفْقِ وَالصَّبْرِ وَحُسْنِ الْقَصْدِ وَسُلُوكِ السَّبِيلِ الْقَصْدِ فَإِنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) .

فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ تُسْتَفَادُ مِنْ الْآيَةِ لِمَنْ هُوَ مَأْمُورٌ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَفِيهَا الْمَعْنَى الْآخَرُ ، وَهُوَ إقْبَالُ الْمَرْءِ عَلَى مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ عِلْمًا وَعَمَلًا ، وَإِعْرَاضُهُ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ : (مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ)، فعلى المسلم أن يدعو الناس لدينه وليس عليه أن يتكلف تحقيق النتائج ، فتكلف ذلك نوع من التنطع المنهي عنه ، بل ويخذله عن المضي قدما في الدعوة إذا ما عزف عنه الناس وتركوه وحده .

  • الاثنين AM 11:32
    2025-12-15
  • 389
Powered by: GateGold