المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 418874
يتصفح الموقع حاليا : 207

البحث

البحث

عرض المادة

كوزمولوجيا الأكوان المتعددة ونشأة الحياة (1)

بدأ العلماء يدركون على نحو متزايد أن الموارد الاحتمالية للكون المرصود غير كافية لتفسر – بالصدفة وحدها– نشأة أبسط خلية معقدة، أو نظامٍ متكاثر ذاتيًّا من جزيئات الرنا (أو قل حتى: بروتينٍ مفردٍ بطول متواضع)، واستجابةً لذلك سعى بعض العلماء لتفسير نشأة الحياة بالاستدلال بآليات مادية أخرى أو عمليات تنظيم ذاتي، ولكن كما ذكرنا في الفصلين الحادي عشر والرابع عشر؛ فقد تعثّر هذا النوع من النظريات أيضًا، ولذلك تطلَّع بعض العلماء إلى ما وراء كوننا للحصول على موارد احتمالية إضافية تجعل تفسير نشأة الحياة بالصدفة أكثر قبولًا.

وفي الشهر الخامس من عام 2007 نشر يوجين كونين من المركز القومي لمعلومات التقانة الحيوية في معاهد الصحة القومية، مقالًا في مجلة بيولوجي دايركت Biology Direct بعنوان "نموذج التضخم الكوني الأبدي، والانتقال من الصدفة إلى التطور الحيوي في تاريخ الحياة"، واعترف كونين في مقاله أنه لا يمكن تفسير نشأة الحياة بفرضية عالم الرنا ولا بأي فرضية تطور كيميائي مادية، عند أخذ الموارد الاحتمالية في الكون بأكمله بعين الاعتبار، وكما شرح كونين: "رغم الجهد التجريبي والنظري المبذول، فلا يوجد حاليًا سيناريو مقبول لأحداث نشأة عملية تضاعف الجينات وترجمتها إلى بروتينات، وهما العمليتان الرئيسيتان اللتان تشكلان معًا لب الأنظمة الحيوية والمتطلب السابق للتطور الحيوي، قد يعرض مفهوم عالم الرنا أفضل فرصة لحل هذه المعضلة، ولكنه حتى الآن لا يفسر ظهور أنزيم رنا ريبليكاز فعال أو نظام الترجمة".1

ولمعالجة هذه المشكلة اقترح كونين تفسيرًا لنشأة الحياة يعتمد على مجرد الصدفة، ولكن تفسيره الخاص المعتمد على الصدفة لا يرجع إلى أي عملية تحدث على كوكب الأرض أو حتى ضمن الكون المرصود، بل افترض بدلًا من ذلك وجود عدد لا نهائي من الأكوان التي تتوافق مع الحياة، وجادل بأن وجود هذه الأكوان سيجعل وقوع أغرب الأحداث غير المحتملة (كنشأة الحياة) أمرًا محتملًا، بل قد يجعله أمرًا محتّمًا.

ولتبرير ادعاءه بوجود الأكوان الأخرى استدل بإحدى نماذج نشأة الكون المبنية على نظرية التضخم في علم الكونيات inflationary cosmology والتي وضعها عالم الكونيات ألكسندر فلينكين Alexander Vilenkin تحت مسمى فرضية "العوالم المتعددة في عالم واحد"، إذ أنه وفق علم الكونيات التضخمي حدث لكوننا في أول جزء من الثانية بعد الانفجار العظيم توسع أُسِّيّ مفرط السرعة، ثم عاد التوسع ليهدأ ويسير بسرعة هادئة، وقد جاء علم الكونيات التضخمي أساسًا لتفسير سمتين محيرتين للكون إن نظرنا له من ناحية نظرية الانفجار العظيم في الكونيات، وهما تجانسه uniformity (homogeneity) وتسطحه flatness.

ويعني علماء الكون بالتجانس homogeneity أن الكون يبدو نفسه لجميع المراقبين، بغض النظر عن مكان وجودهم، وإحدى جوانب هذا التجانس هو تماثل إشعاع الخلفية الكوني الذي له الدرجة نفسها في كل الكون القابل للرصد، وهذه مشكلة تواجه نظرية الانفجار العظيم القياسية في علم الكونيات، إذ وفق هذه النظرية كانت الفوتونات في إشعاع الخلفية ترتد عن الإلكترونات في البلازما الساخنة التي ملأت الكون كله، واستمر ذلك حتى 300.000 سنة بعد بداية الكون، وعند تلك النقطة برد الكون بما يكفي لتتشكل الذرات المعتدلة كهربائيًّا، وتحرر إشعاع الخلفية، الذي وصلنا بالنهاية وأعطانا صورة عن الكون في عمر 300.000 عامًا بعد ولادته.

الشيء المحير في هذا الإشعاع هو أن له الحرارة نفسها في كل الاتجاهات إلى درجة جزء من مائة ألف، وهذا يقتضي أن الكون في عمر 300.000 عامًا كان ذا حرارة متجانسة إلى درجة لا تصدق، وهذا بدوره يتطلب شروطًا أولية ­دقيقة بدرجة فائقة، وبالتالي يمكن تفسير التجانس المشهود في إشعاع الخلفية الكوني وفق سيناريو الانفجار العظيم التقليدي بافتراض أن تكون الحالة الأولية للكون متجانسة للغاية في حرارتها وتوزيع البلازما فيها، وهذا يتطلب بدوره انفجارًا أوليًّا مضبوطًا بدقة متناهية.2

يسمى الكون المتجانس homogeneous "مسطحًا" إن كان متوازنًا بين الانهيار الثقالي النهائي eventual gravitational collapse والتوسع الأبدي eternal expansion، وفي هذه الحالة تكون هندسته الفراغية إقليدية تمامًا، ولن يكون الفضاء منحنيًا، ويصل الكون إلى هذا التسطّح عندما تكون كثافته الكتلية الحقيقية قريبة من الكثافة الكتلية الحرجة (الكثافة المطلوبة لإيقاف توسع الكون)، أي عندما تكون النسبة بين الكثافتين الحقيقية والحرجة قريبة من الواحد، وفي كوننا تكون النسبة بين هاتين الكميتين أقل من الواحد بقليل، ونتيجة لذلك سيستمر كوننا بالتوسع دون انهيار ثقالي جديد، ولا يكاد يكون للفضاء أي انحناء إجمالي overall curvature، ووجود ذلك التوازن الدقيق بين هذه القيم هو أمر يثير العجب وفق رؤية نظرية الانفجار العظيم النموذجية بسبب أن هذا التوازن في الكون كان سيحتاج لشروط أولية مضبوطة بدقة فائقة.

يحاول علم الكون التضخمي تفسير مشكلة الأفق (التجانس) باعتبارها غير ناتجة عن هذه الشروط الأولية المضبوطة بدقة (رغم أنه يستدل بشروط محددة خاصة به، انظر أدناه)، ولكنه بدلًا من ذلك يفسر التجانس بأنه نتيجةٌ لتوسع كوني مبكر بمعدل أُسِّي مرتفع، ووفقًا لنموذج التضخم الكوني فقد وجدت درجة حرارة الكون فرصة لتتجانس خلال الأجزاء الأولى من الثانية بعد الانفجار العظيم، ثم وزع التوسع السريع للكون هذا الإشعاع المتجانس عبر كل الكون القابل للرصد، كما دفع أي بقايا من عدم التجانس إلى ما وراء حافة الكون القابل للرصد.3

يبدأ التضخم وفق النماذج الحالية في زمن حوالي 10–37 ثانية بعد الانفجار العظيم ويستمر إلى 10–35 ثانية؛ حيث يتوسع الفضاء نفسه خلالها 10­60 مرة أو ما يقارب ذلك، افترض مثلًا أنه في بداية زمن التضخم كان حجم الكون القابل للرصد تقريبًا حوالي 10–60 مترًا، وكان قطره في نهاية التضخم مترا، ولكن في بداية التضخم كان حجم الأفق (المسافة التي قطعها الضوء منذ الانفجار العظيم) حوالي 10–37 ثانية ضوئية، وهذا أكبر بكثير من الرقعة الصغيرة التي قدر لها أن تنمو لتشكل كوننا المرصود، ولذلك فعملية التضخم الكوني لم توزع فقط إشعاع الخلفية المتجانس عبر الكون المشاهَد، ولكنها وزعت أيضًا أية بقايا لعدم التجانس إلى ما وراء حافة الكون القابل للرصد.

يفسر التضخم حالة الكون القريبة من التسطح كنتيجة للتوسع المفرط أيضًا؛ حيث ازدادت كل مسافات الكون بمقياس 10­60 مرة خلال زمن التضخم، وذلك يعني زيادة قطر الكون القابل للرصد بالمعدل نفسه كذلك، افترض أن للأبعاد الأربعة (الزمان–مكان) في الكون قبل التضخم انحناءً إيجابيًّا، مثل سطح بالون عند تخيل أبعاده الثلاثية، وأن قطر الكون كان جزءًا من مليار جزء من المتر (نانومتر)، فبعد التضخم يكون قطره 10­51 مترًا، أو حوالي 10 مليار مليار ترليون سنة ضوئية، وكما أن نفخ بالون إلى حجم أكبر وأكبر يجعل بقعة صغيرة منه تبدو مسطحة، كذلك تضخم كل الكون يجعل رقعة الكون القابل للرصد [من الزمان–مكان] تظهر أكثر تسطيحًا.

إن علم الكون التضخمي ذو صلة بالجدل حول نشأة الحياة لأن بعض علماء الكونيات يعتقدون أنه يوفر الآلية التي تولد كثيرًا من الأكوان غير كوننا، ولأن أحد علماء البيولوجيا الجزيئية المشهورين قد استدل بهذه الأكوان الأخرى مؤخرًا في محاولة لتفسير نشأة الحياة، ووفقًا "لنموذج التضخم الأبدي الشواشي chaotic eternal inflationary model" السائد حاليًا، فإن التوسع السريع للكون موجه بفعل "حقل التضخم" [وهو حقل ثقالي طارد repulsive]، وبعد المرحلة الأولية من التوسع تفكك حقل التضخم موضعيًّا لينتج كوننا، ولكنه يستمر ليعمل بقوة كاملة خارج منطقتنا المحلية لينتج توسعًا أكبر في الفضاء، وهناك ولدت أكوان أخرى في مواضع أخرى تفكك فيها الحقل التضخمي.

وهكذا فإن علماء الكونيات التضخمية يفترضون تفكك حقل التضخم كآلية يمكن بها نشأة "فقاعات أكوان" أخرى، ويفترضون إمكانية استمرار التضخم إلى أمد غير محدود في المستقبل، ونتيجة لذلك سينتج حقل التضخم الأوسع عددًا لا نهائيًّا من الأكوان خلال تفككه في جيوب محلية من الفضاء المتوسع أكثر وأكثر، ولأن الحقل التضخمي يستمر بالتوسع بسرعة هائلة أكبر من توسع فقاعات الأكوان ضمنه، فلن تتداخل أي من فقاعات الأكوان هذه مع بعضها، وبالتالي يولد الحقل تضخمي فقاعات أكوان لا نهاية لها، "عوالم متعددة في عالم واحد" كما يصفها فلنكين.4

وقام كونين بملاءمة علم الكونيات هذا بما يتفق مع تفسير نشأة الحياة بالصدفة، وجادل متابعًا لفنكين: بما أن الحقل التضخمي قادر على إنتاج عدد لا نهائي من الأكوان الأخرى، فكل حدث في كوننا لابد أنه حدث مرات أخرى لا تحصى في أماكن أخرى، وبذلك تكون الأحداث التي تبدو غير محتملة بدرجة هائلة عند اعتبار الموارد الاحتمالية لكوننا تصبح بالواقع عالية الاحتمال، بل حتمية باعتبار الكثرة الكاثرة من الأكوان الأخرى التي وجدت وستوجد لاحقًا، وكما شرح كونين: "في أكوان متعددة لا نهائية ذات عدد معين من التواريخ الماكروية (وكل منها يتكرر عددًا لا نهائيًّا من المرات) يصبح ظهور أنظمة عالية التعقيد بالصدفة أمرًا ليس ممكنًا فقط بل حتميًّا... ويصبح من المعقول أن المتطلب الأدنى (مرحلة الانطلاقة) لبدء التطور البيولوجي هو نظام تضاعف وترجمة يظهر بالصدفة.

إن وقوع هذا الحادث النادر جدًّا على الأرض وتسببه في الحياة كما نعرفها لا يفسره إلا مبدأ الانتقاء الإنساني فقط"،ويقصد كونين بعبارة " الانتقاء الإنساني" ببساطة أن تصورنا بأن الحياة غير محتملة بدرجة مذهلة ما هو إلا نتيجة خاطئة نتجت عن زاويتنا في الرؤية، ولأننا نشاهد فقاعة كون واحد فقط لا ندرك أن وجود الأكوان الأخرى والآلية التي أنتجت تلك الأكوان تجعل الحياة في كون مثل كوننا حتمية.

فهل حل استخدام كونين لعلم الكون التضخمي مشكلة نشأة الحياة ونشأة المعلومات البيولوجية الضرورية للحياة؟ هل اقترح تفسيرًا لنشأة المعلومات البيولوجية أفضل مما قدمه التصميم الذكي؟ لدينا عدة أسباب لنفي ذلك.


1. Koonin, Eugene V. “The Cosmological Model of Eternal Inflation and the Transition from Chance to Biological Evolution in the History of Life.” Biology Direct 2 (2007): 15.

2. تخبرنا الحسابات المستندة إلى كوزمولوجيا الانفجار الكبير التقليدية أن الإشعاع القادم من اتجاهات متضادة في السماء كان من الممكن أصلا فصله، عندما كان عمر الكون 300,000 عام، بنحو 100 مسافة أفق (مسافة الأفق هي المسافة التي يمكن أن يقطعها الضوء منذ بداية الكون). وبالتالي، تشير هذه الحسابات إلى أنه لم تكن هناك فرصة لإشعاع الخلفية في الزوايا النائية من الكون "لتسخينه" أو توصيله إلى حالة التوازن الحراري عن طريق الخلط. بدلاً من ذلك، فإن الطريقة الوحيدة لشرح التجانس في درجة حرارة إشعاع الخلفية بالنظر إلى نموذج الانفجار الكبير التقليدي هي افتراض أن الظروف الأولية للكون تم ضبطها بدقة شديدة. في النماذج الحالية، يبدأ التضخم في حوالي 10-37 ثانية بعد الانفجار العظيم ويستمر حتى 10-35 ثانية، حيث يتمدد الفضاء نفسه بمعامل 6010 أو نحو ذلك.

3. في بداية عصر التضخم، كان حجم الكون المرئي مثلا يتراوح بين 10-60 مترًا في الحجم، وفي نهايته وصل قطره إلى حوالي متر واحد. ومع ذلك، في بداية التضخم كانت مسافة الأفق (المسافة التي يمكن أن يقطعها الضوء منذ الانفجار العظيم) 10-37 ثانية ضوئية، وهي أكبر بكثير من الرقعة الصغيرة التي كان من المقرر أن تنمو في كوننا المرئي. وفقًا للنموذج التضخمي، ربما بقي بعض عدم التجانس المتبقي في إشعاع الخلفية حتى بعد حدوث التسخين الأولي. ومع ذلك، لو كان موجودًا، لكان موجودًا فقط في أجزاء الكون المبكر التي تقع وراء الرقعة التي من شأنها أن تصبح كوننا المرئي. ومن ثم، فإن العملية التضخمية لم توزع فقط إشعاع الخلفية المتجانس في جميع أنحاء الكون المرئي، بل كانت ستوزع أيضًا كل عدم التجانس المتبقي خارج حافة الكون المرئي أيضًا.

4. Garriga, Jaume, and Alexander Vilenkin. “Many Worlds in One.” Physical Review D64 (2001): 43511; Vilenkin, Alexander. Many Worlds in One: The Search for Other Universes. New York: Hill and Wang, 2006.

إن نموذج العوالم-المتعددة-في-واحد له نتيجة مفادها أن جميع التسلسلات الماكروية (كبيرة الحجم) للأحداث التي لا تحظرها قوانين الحفظ الفيزيائي لا تحدث فقط في مكان ما في عالم متضخم إلى الأبد، بل تحدث مرارًا وتكرارًا دون حدود حيث ينتج التضخم مناطق متوسعة جديدة من الزمكان بلا نهاية. على سبيل المثال، يقترح النموذج أن هناك عددًا غير محدود من النسخ الماكروية (كبيرة الحجم) المطابقة للأرض وكل ما هو موجود عليها، على الرغم من أن احتمال وجود أي منطقة يمكن ملاحظتها من الكون تحتوي على مثل هذه النسخة؛ ضئيل جدًا.

5. Koonin, Eugene V. “The Cosmological Model of Eternal Inflation and the Transition from Chance to Biological Evolution in the History of Life.” Biology Direct 2 (2007): 15.

  • الثلاثاء AM 11:45
    2021-11-16
  • 1019
Powered by: GateGold