المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1909288
يتصفح الموقع حاليا : 289

البحث

البحث

عرض المادة

طريقة الإسلام في التجنيد والتعبئة العامة

د / احمد نصير

طريقة الإسلام في التجنيد والتعبئة العامة

 

قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38) إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (41)

 

ترك الإسلام موضوع الاستجابة للنفير العام إلى الأفراد ليستجب من يستجيب ويتثاقل من يتثاقل ، ولم يجعل ثمة عقوبات جنائية على من يتخلف ، لكن توعده بالعذاب الشديد في الآخرة ، كما أخبر الله بأن الجهاد لن يتوقف على أحد ، فالجهاد ماض إلى يوم القيامة  ، والذين يتخلفون عنه لن يبطلوا هذه الفريضة ، وضرب لذلك مثلا بهجرة النبي r وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه من مكة بعد أن اضطهده أهلها ولم ينضموا تحت لوائه ، فنصرهما الله وهما اثنان في الغار وحسب ، وأيد الله نبيه بجنود من الملائكة ثم أيده بأهل المدينة الذين لم يتخلفوا عنه في أي غزوة ، ولم يكن قد بذل معهم ذات الجهد المضني الذي بذله مع أهل مكة .

 

ففريضة الجهاد تعني الاحتفاظ بنية الجهاد في كل وقت ، ليستجيب المجاهد عند استنفاره ، فهم مستعد دائما للجهاد في سبيله في كل حال وعلى أي وضع ، وهذا ما تحلى به أهل المدينة والمهاجرين فاستبدلهم الله تعالى واستعملهم بدلا من أهل مكة الذين تأخروا عن الإسلام حتى فتح الله مكة بغير قتال ، وحتى بعد فتح مكة كان الذين يثبتون مع رسول الله في المعارك هم السابقون في الإسلام وقد تراجع كثير من أهل مكة الذين سموا بالطلقاء والذين ذهبوا معه في غزوة هوازن وثقيف أي حنين  .

 

فالعناصر الرئيسية للتعبئة العامة في الإسلام هي : -

  • النفير على قدر الحاجة للغزو ، وفي أي ظرف ، وبقدر الوسع من الطاقة والمال
  • أسرع الناس استجابة للنفير أقلهم تزودا من الدنيا
  • حكم التخلف عن التجنيد عند التعيين بأمر الإمام
  • لا يعدم من يخلقه الله لرفع راية الجهاد إلى يوم القيامة
  • تأييد الله الناصرين لدينه ، وكفايتهم بمعيته سبحانه
  • انشغال المرابطين في المساجد بالجهاد علي كل حال
  • الجهاد بالمستطاع كله

 

 

 

 

العنصر الأول : النفير على قدر الحاجة للغزو ، وفي أي ظرف ، وبقدر الوسع من الطاقة والمال  

 

قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ) (38) نزلت هذه الآية بمناسبة غزوة تبوك التي تلت غزوة مؤتة بعام ، وكلاهما كانا بمناسبة تحرك المسلمين لأول مرة ضد غير العرب لمحاربة جيش الروم وحلفائه في الشام ،  لتحكي لنا تثاقل بعض الصحابة عن الاستجابة لنداء الجهاد وتقاعس بعضهم عن الخروج لغزوة تبوك ، ما يعني أن التعبئة العامة كانت مجرد دعوة للخروج أجاب لها من يجيب وتخلف عنها من تخلف ، أي من كان مستحضرا لنية الجهاد في كل وقت تخفف ولم يتخلف ، ومن انشغل بحبات الدنيا انشغل بجمعها فتأخر وتخلف ، لاستحبابه أشياء عن حبه للجهاد والتجهز له

 

 وقد بوب البخاري بابا بعنوان "بَاب وُجُوبِ النَّفِيرِ وَمَا يَجِبُ مِنْ الْجِهَادِ وَالنِّيَّةِ وَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" وذكر بعده هذه الآيات ، قال ابن عاشور (وإنما استنفر القادرون، وكان الاستنفار على قدر حاجة الغزو، وإنما يجري العمل في كل غزوة على حسب ما يقتضيه حالها وما يصدر إليهم من نفير)[1] ، يعني بذلك أن النبي r لم يكن يفعل ذلك كل غزوة ، وإنما أمر بالتعبئة العامة في غزوة تبوك لعظم العدو وبُعد المسافة .

 

قال الثعالبي (هذه الآيةُ بلا خلافٍ نزلَتْ عتاباً على تخلُّف من تخلَّف عن النبيِّ r في غزوة تَبُوكَ ، وكانَتْ سنةَ تسْعٍ من الهجرةِ بعد الفَتْح بعامٍ ، غزا فيها الرُّوم في عِشْرينَ ألْفاً بين راكبٍ وراجلٍ ، والنَّفْر : هو التنقُّل بسرعة من مكانٍ إلى مكانٍ)[2] ، قال مجاهد « هذا حين أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وبعد الطائف وبعد حنين ، أمروا بالنفر في الصيف حين خرفت النخل ، وطاب الثمر ، واشتهيت الظلال ، وشق عليهم الخروج »[3]

 

ومناسبة غزوة  تبوك كما قال القطان (كان مُلك الروم يشمل بلاد الشام ، وسمعوا بقوة الإسلام ، فخاف ملكهم هِرقْل على دولته ، لذلك بادر إلى جمع الجيوش ليهاجم المسلمين في دراهم ، وقد نقل هذه الأخبار عددٌ من التجار الآتين من بلاد الشام ، فندب رسول الله r الناس واستنفرهم إلى قتال الروم ، وتجهّز المسلمون حتى اجتمع جيشٌ كبير بلغ ثلاثين ألفا ، وقد تبارى المسلمون في البذل والعطاء ، فدفع عثمان بن عفان رضي الله عنه ألف دينار ، وجاء أبو بكر بكل ما يملك ، وجاء عمر بنِصف ما يملك ، وتطوع الناس بقدر ما يستطيعون) [4] .

 

وعندنا نعقد مقارنة بين الغزوتين نجد أن غزوة مؤتة وغزوة تبوك وقعتا في فترة زمنية متقاربة، وكانتا تمثلان ذروة المواجهة العسكرية بين الدولة الإسلامية الناشئة في المدينة المنورة والإمبراطورية البيزنطية (الروم) وحلفائها في الشام.

فمن حيث الفارق الزمني نجد أن غزوة مؤتة: وقعت في شهر جمادى الأولى من العام 8ه - 629م ، بينما غزوة تبوك: وقعت في شهر رجب من العام 9ه -ـ 630م ، أي بينهما عام واحد تقريباً، حيث تعتبر غزوة تبوك الغزوة التالية مباشرة لمؤتة في سلسلة المواجهات مع الروم. 

 

أما من حيث التميز بينهما في الموقع المكاني للغزوتين ، فغزوة مؤتة: وقعت في بلدة مؤتة بالقرب من الكرك في جنوب الأردن الحالية ، بينما غزوة تبوك: وقعت في منطقة تبوك، وهي تقع في شمال الجزيرة العربية (شمال غرب السعودية حالياً.

 

 

 

يستبين مما تقدم أن غزوة مؤتة كانت هي الأبعد عن المدينة من غزوة تبوك ، حيث تقدر المسافة بين مؤتة والمدينة المنورة تقريبا 1100 كم ، وفي بعض التقديرات 810 كم - 900 كم حسب المسارات القديمة) شمال المدينة المنورة.

بينما تقدر المسافة بين تبوك والمدينة المنورة حوالي 700-800 كم شمال المدينة المنورة .

مقارنة بين جيش المسلمين في مؤتة وجيش الروم وحلفائهم   .

كان عدد المسلمين في مؤتة 3000 ثلاثة آلاف مجاهد بينما كان عدد المسلمين في تبوك 30000 ثلاثون ألف مجاهد ، يعني تضاعف عشر مرات

وتختلف تقديرات عدد جيش الروم وحلفائهم بشكل كبير بين الغزوتين ، حيث كان العدد في مؤتة (8 هـ) هائلاً ومبالغاً فيه مقارنة بتبوك (9 ه) إذ يُقدّر عدد جيش الروم وحلفائهم في مؤتة بنحو 100 إلى 200 ألف مقاتل، بينما تُشير الروايات إلى أن عددهم في تبوك نحو 40 ألف مقاتل.

نتائج غزوة مؤتة (8 هـ) - "المعركة الدفاعية"

وكان سبب غزوة مؤتة  مقتل الحارث بن عمير الأزدي رسول النبي r على يد شرحبيل بن عمرو الغساني، وأسفرت عن نجاة الجيش الإسلامي بعدما استشهد القادة الثلاثة الذين سماهم النبي (زيد بن حارثة، جعفر بن أبي طالب، عبد الله بن رواحة، فتولى خالد بن الوليد قيادة الجيش بنفسه ووضع خطة ذكية للانسحاب ، وأنقذ الجيش ، فلما رجع للمدينة مدحهم النبي r وسماهم بالكرار ، بعدما وصفهم صبيان المدينة بالفرار .

أما غزوة تبوك (9 هـ) - "غزوة العسرة" فقد كان من نتائجها أن فرّ الروم وحلفاؤهم من القبائل العربية خوفاً ورعباً عند سماعهم بقدوم جيش المسلمين، فلم يقع اشتباك مباشر.

فمكث النبي في تبوك عشرين يوما ، وفرض السيادة الإسلامية على المناطق الحدودية مع الشام، وخضعت قبائل دومة الجندل وإيلة (العقبة) للمسلمين، وعقد النبي معهم معاهدات صلح.

وكشف المنافقين: فسُميت بـ "الفاضحة" لأنها كشفت المنافقين الذين تخلفوا عن الغزوة واختلقوا الأعذار الواهية.

وتهيأت الشام للفتح ، إذ تعتبر تبوك بداية لفتح الشام، حيث مهّدت الطريق للحملات العسكرية اللاحقة التي قادها الخلفاء الراشدون، وكان النبي قبل وفاته قد جهز جيشاً بقيادة أسامة بن زيد لمتابعة الطريق.

 

إذن واجهه المسلمون في "مؤتة" تحالفاً رومياً عربياً بجيش إسلامي صغير (3 آلاف) بتكليف من النبي r دون أن يخرج معهم للمعركة  ، بينما قاد النبي r بنفسه جيشاً ضخماً (30 ألفاً) في تبوك لمواجهة حشد رومي كبير، وانتهت بانسحاب الروم ، ما يعني أن استنفار النبي r لغزوة تبوك كان عاما ، بينما في غزوة مؤتة كان بقدر الحاجة وحسب ، وكان هذا وفقا لاجتهاد النبي r وتقديره البشري ، فلما علم ما حصل للمسلمين في مؤتة جهز لها جيشا يزيد عن جيش مؤتة بعشرة أضعاف ، وخرج بنفسه لقيادته  .

 

قال الشعراوي (هنا يبرز استفهام : كيف يحارب المسلمون الروم ، وهم الذين حزنوا حين انتصر الفرس على الروم؟ أيحزن المسلمون لهزيمة الروم ثم يذهبون لمحاربتهم؟ لقد حزن المسلمون لأن إلحاداً يُنكر الألوهية قد انتصر على إيمان مرتبط برسالات السماء؛ ولأن الروم - وهم نصارى - مرتبطون برسالات السماء ، ولذلك فهم أقرب إلى قلوب المؤمنين من الكفار ، إذن : فالمسألة قد أُخِذَتْ من ناحية الوجود الإلهي ، أما في غزوة تبوك فقد أُخِذَتْ من ناحية قبول المنهج الناسخ ومنع الدعوة له ، ولهذا تحول الموقف في غزوة تبوك إلى عداء إيماني ، وهذا هو السبب الذي أدَّى إلى الحرب) [5] .

 

 

 

 

العنصر الثاني : أسرع الناس استجابة للنفير أقلهم تزودا من الدنيا

 

وقوله "اثَّاقَلْتُمْ" أي تَبَاطَأْتُمْ وَأَخْلَدْتُمْ إِلَى الرَّاحَةِ"[6]، فالمسلمون لهم تجربة سابقة مع الروم في مؤتة ، أي قبل تبوك بعام ، وقد انسحب الجيش بقيادة خالد بن الوليد كما تقدم ، بعدما قتل قادته الثلاثة ، ولذلك تجد التثاقل منهم في مواجهة هذا الجيش .

 

 قال الرازي (قال المحققون وإنما استثقل الناس ذلك لوجوه :- أحدها شدة الزمان في الصيف والقحط ، وثانيها بُعد المسافة والحاجة إلى الاستعداد الكثير الزائد على ما جرت به العادة في سائر الغزوات ، وثالثها إدراك الثمار بالمدينة في ذلك الوقت ، ورابعها شدة الحر في ذلك الوقت ، وخامسها مهابة عسكر الروم ، فهذه الجهات الكثيرة اجتمعت فاقتضت تثاقل الناس عن ذلك الغزو)[7].

 

وقد عَاتِب اللهُ تَعَالَى مَنْ تَخَلَّفَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَنْ رَسُولِ اللهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بهذه الآية ، والمعنى (مَا لَكُمْ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ إِذَا دُعِيْتُمْ إِلَى الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَكَاسَلْتُمْ وَتَبَاطَأْتُمْ ، وَمِلْتُمْ إِلَى الدَّعَةِ وَالإِقَامَةِ فِي الظِّلِ وَطِيبِ الثِّمَارِ؟ أَفَعَلْتُمْ ذَلِكَ رِضاً مِنْكُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا بَدَلاً مِنَ الآخِرَةِ؟ وَمَا قِيمَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا مَتَاعُهَا إِلاَّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الآخِرَةِ ، إِذْ يَنْتَظِرُونَ المُؤْمِنِينَ رِضْوانٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ، وَجَنَّاتٌ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) [8].

 

قال ابن القيم (وعلي قدر رغبة العبد فى الدنيا ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله وطلب الآخرة)[9]، قال صاحب الظلال (إنها ثقلة الأرض ، ومطامعها الأرض . . ثقلة الخوف على الحياة والمال ، والخوف على اللذائذ والمصالح والمتاع . . ثقلة الدعة والراحة والاستقرار . . ثقلة الذات الفانية والأجل المحدود والهدف القريب . . ثقلة اللحم والدم والتراب . . والتعبير يلقي كل هذه الظلال بجرس ألفاظه (اثاقلتم) . وهي بجرسها تمثل الجسم المسترخي الثقيل ، يرفعه الرافعون في جهد فيسقط منهم في ثقل ... ، وما يحجم ذو عقيدة في الله عن النفرة للجهاد في سبيله ، إلا وفي هذه العقيدة "دَخَل" ، وفي إيمان صاحبها "وهن") [10] ، لذلك يقول الرسول r «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من شعب النفاق »[11].

 

ولما كان التعارض بين الدنيا والجهاد قائم لا محالة ، كان من المستحب أن ينتدب لجهاد الطلب الشباب الذين هم أكثر طاقة من غيرهم ، وقبل أن ينشغلوا بعد  ذهنيا بمشاغل الدنيا ، فكلما قل الشغل بها كان السعي للجهاد أقوى وأيسر  ، ولهذا كانت السنة في الغزو الشديد ألا ينتدب له أصحاب المصانع والمزارع ، وقد لحقوا بالغزو قبل ذلك ، فيتم إعفاءهم بعدما تجاوزوا سنا معينا وقد انشغلوا بالتعمير والبناء والزراعة والصناعة حتى تستقيم الدنيا كذلك.

 

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (غَزَا نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا [12]، وَلَا أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا وَلَا أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا ، فَغَزَا فَدَنَا مِنْ الْقَرْيَةِ صَلَاةَ الْعَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِلشَّمْسِ إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ)[13]، قال القرطبي (نهى -هذا- النبي قومه عن اتباعه على أحد هذه الأحوال، لأن أصحابها يكونون متعلقي النفوس بهذه الأسباب فتضعف عزائمهم وتفتر رغباتهم في الجهاد والشهادة ، وربما يفرط ذلك التعلق فيفضي إلى كراهة الجهاد وأعمال الخير؛ ومقصود هذا النبي تفرغهم من العوائق والاشتغال إلى تمني الشهادة بنية صادقة وعزم حازم ليحصلوا على الحظّ الأوفر والأجر الأكبر)[14].

 

العنصر الثالث : حكم التخلف عن التجنيد عند التعيين بأمر الإمام

 

قوله (إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (39) قال الطبري (ينفرون إذا استنفروا، ويجيبونه إذا دعوا، ويطيعون الله ورسوله)[15] ، وقال القرطبي (ظاهر الآية يدل على أن ذلك على وجه الاستدعاء ، فعلى هذا لا يتجه الحمل (المعنى) على وقت ظهور المشركين ، فإن وجوب ذلك لا يختص بالاستدعاء، لأنه متعين ، وإذا ثبت ذلك فالاستدعاء والاستنفار يبعد أن يكون موجبا شيئا لم يجب من قبل إلا أن الإمام إذا عين قوما وندبهم إلى الجهاد لم يكن لهم أن يتثاقلوا عند التعيين ،ويصير بتعيينه فرضا على من عينه ، لا لمكان الجهاد ولكن لطاعة الإمام)[16] .

يقصد بذلك أن التهديد الوارد في الآية يحمل على التثاقل عن الجهاد بوجه عام ، وليس خاص بجهاد الدفع لأن جهاد الدفع متعين ، وواجب أصلا ، وإنما يجب جهاد الطلب إذا استنفر الإمام جماعة من المسلمين ، فيصير متعينا في حقهم مثل جهاد الدفع تماما بتمام ، لا لأن جهاد الطلب فرض عين ، بل هو فرض كفائي ، ولكن لأن الإمام أوجبه على جماعة من الناس فصار متعينا في حقهم لأمره لهم بذلك ، ويجب عليهم إطاعته

 

 ويؤكد هذا المعنى ما روي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ (لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا)[17] ، يؤخذ من قوله (وإذا استنفرتم فانفروا) أمر بالنفير إذا طلب ممن يكون من أهله والذي يعين هو وليّ الأمر ، فإذا عين شخصاً ولم يكن لديه ما يمنع وجب عليه أن ينفر لهذا الأمر النبوي الشريف)[18]، والاسْتِنْفار (الاستِنْجاد والاسْتِنْصار : أي إذا طُلِبَ منكم النُّصْرة فأجِيبوا وانْفِرُوا خارِجين إلى الإعانة)[19]

قال الحافظ ابن حجر : " وفيه وجوب تعيين الخروج في الغزو على من عينه الإمام "[20]

وقال ابن عاشور في قوله: (إِلاَّ تَنفِرُوا) و(إِلاَّ تَنصُرُوهُ) و(انفِرُوا خِفَافًا) (مراد به يستقبل حين يدعون إلى غزوة أخرى)[21]

وقال النووي في قوله (وإذا استنفرتم فانفروا) معناه إذا طلبكم الامام للخروج إلى الجهاد فاخرجوا ،وهذا دليل على أن الجهاد ليس فرض عين بل فرض كفاية إذا فعله من تحصل بهم الكفاية سقط الحرج عن الباقين ، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم ، قال أصحابنا الجهاد اليوم فرض كفاية إلا أن ينزل الكفار ببلد المسلمين فيتعين عليهم الجهاد فإن لم يكن فى أهل ذلك البلد كفاية وجب على من يليهم تتميم الكفاية) [22] ، وقال الحافظ (والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية ، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر والخروج في طلب العلم والفرار بالدين من الفتن والنية في جميع ذلك قوله وإذا استنفرتم فانفروا)[23].

 

من جماع الأدلة وأقوال الفقهاء نستقي من ذلك مشروعية التجنيد ، فضلا عن أحكام التعبئة العامة[24] دفعا للظلم والمعتدين سواء أكان خارج البلاد أم داخلها ، وأن أساس مشروعيته طاعة الإمام في غير معصية ،  وليس لأن الجهاد فرض متعين ، بل هو فرض كفائي ، ولا يتعين إلا بتعيين الإمام قوم بعينهم ، فعندئذ وجبت طاعته .

 

ولم يعلم في سنة رسول الله r تقرير جزاء مدني أو جنائي على التخلف عن الغزو أو إسقاط هذه الفريضة بالكلية ، لكن ذلك ذنب عظيم ، ووبال على صاحبه في الدنيا قبل الآخرة ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَنْ لَمْ يَغْزُ أَوْ يُجَهِّزْ غَازِيًا أَوْ يَخْلُفْ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ أَصَابَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ)[25]، يعني: أصابه بعذاب أو بمصيبة يحصلها في الدنيا قبل يوم القيامة عقوبة له على كونه ما غزا ولا ساعد في الغزو ولا خلف غازياً في أهله بخير)[26].

 وعن بن عباس رضي الله عنهما : أن رسول الله r استنفر حيا من العرب فتثاقلوا فنزلت "إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما" قال كان عذابهم حبس المطر عنهم) [27] .

 

 وبناء علي ذلك ، يثور التساؤل هل يجوز للإمام أن يقرر عقوبات تعزيرية على من يتخلف عن التجنيد خلال الفترات التي يستدعيه الإمام لها ؟ وقد عُلم أنه لم يثبت في سنة رسول الله r حصول ذلك ؟ فإنه وفقا لآراء الفقهاء السابق ذكرها يجوز فعل ذلك من باب المصلحة العامة ، أي السياسة الشرعية ، ولكنه مقيد بأن تكون العقوبة تعزيرية لعدم طاعة الإمام الواجب طاعته ، كما في الحديث (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ)[28]، وليست حدا .

العنصر الرابع : لا يعدم من يخلقه الله لرفع راية الجهاد إلى يوم القيامة

 

وقوله (وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (19) قال ابن عجيبة (لا يقدح تثاقلكم في نصر دينه شيئاً ، فإنه الغني عن كل شيء ، في كل وقت)[29]  ،  فيأتي بغيركم ، قال البغوي (وغيركم خيرًا منكم وأطوع)[30]، قال الثعالبي (تَوعُّدٌ بأن يبدل لرسوله عليه السلام قوماً لا يقعدون عند استنفاره إِياهم)[31] ، قال الشعراوي (الله قادر على أن يأتي بخلق جديد .., وسبحانه قادر على أن يستبدل قوما غيركم ، يملكون حمية القتال والتضحية في سبيل الله؛ لأنه القادر فوق كل الخلق) [32].

 

قال ابن عاشور أي (يصبكم الضر ولا يصب الذي استنفركم في سبيله ضر..، كأنه قيل: إلا تنفروا لا تضروا إلا أنفسكم)[33] ، وفي ذلك تأكيد على مضي الدعوة الإسلامية بكل صورها دون توقف ذلك على زمن أو أناس معينون ، وأن الله تعالى يستخدم عباده المخلصين لأداء هذه المهمة ، وقد ذكرنا من قبل أن الجهاد في سبيل الله هو في حقيقته حرب يشنها الله تعالى على أعداء الإسلام يستعمل فيها جنده المخلصين .

 

العنصر الخامس : تأييد الله الناصرين لدينه ، وكفايتهم بمعيته سبحانه

 

قوله تعالى (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (40) ضرب الله هذه القصة كمثال ليبين للناس أن أهل مكة لما خاصموا رسول الله r وعذبوا أصحابه ثم طردوه منها أتى الله تعالى بأهل المدينة لينصروا رسول الله r ، ولم يكن قد بذل معهم مثل هذا الجهد المضني الذي بذله مع أهل مكة ، وإنما أرسل إليهم مصعب بن عمير فحسب ، فأجابوه ثم لما قدم وفد منهم إلى مكة بايعوا النبي r على النصرة ، فلما جاهر إليهم استقبلوه ونصره ، ولم يكن معه أثناء الهجرة غير أبو بكر وقد أيدهما الله بنصره ، فعن أَبي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ r فِي الْغَارِ فَرَأَيْتُ آثَارَ الْمُشْرِكِينَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا قَالَ (مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) [34].

 

العنصر السادس : انشغال المرابطين في المساجد بالجهاد علي كل حال

 

قوله (انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً..) (41) الأمر بالجهاد على كل حال لاسيما حال الكسل والنشاط دليل على وجوب استحضار المؤمن لنية الجهاد في كل الأحوال ، فلا ينبغي أن تفارقه البتة ، قال الشنقيطي (لايخفى ما في هذه الآية الكريمة من التشديد في الخروج إلى الجهاد على كل حال)[35]، فلا يزال يشغل نفسه بالحديث عن الغزو حتى يلقاه ، ولا يزال يعد العدة حتى يأتي هذا اليوم ، وهذا ما يتمناه المؤمن الصادق ، لاسيما إذا صدر الأمر مباشرا من القيادة بالتعبئة العامة ، وهو ما حصل بالفعل في غزوة تبوك .

 

 قال ابن عاشور (فالنفير المأمور به ما يستقبل من الجهاد بيد أن الاستنفار إلى غزوة تبوك كان عاما لكل قادر على الغزو ، لأنها كانت في زمن مشقة ، وكان المغزو عدوا عظيما ، فالضمير في (انفِرُوا) عام للذين استنفروا فتثاقلوا، وإنما استنفر القادرون ، وكان الاستنفار على قدر حاجة الغزو ، فلا يقتضي هذا الأمر توجه وجوب النفير على كلّ مسلم في كل غزوة ، ولا على المسلم العاجز لعمى أو زمانة. أو مرض، وإنما يجري العمل في كل غزوة على حسب ما يقتضيه حالها وما يصدر إليهم من نفير)[36] ،  يقصد بذلك أن مناط الوجوب مرهون بأمر الإمام ، فإذا ما صدر منه الأمر فلا ينبغي التقاعس ، وتقدير ذلك له بحسب ظروف البلاد.

 

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في قَوْلُهُ "انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا" يَقُولُ (انْفِرُوا نِشَاطًا وَغَيْرُ نِشَاطٍ"وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ: نَحْوُ ذَلِكَ) [37]، وعَنِ الْحَكَمِ،  " انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا "  قَالَ:"مَشَاغِيلٌ وَغَيْرُ مَشَاغِيلَ"[38] ، قال ابن جزي (الخفة استعارة لمن يمكنه السفر بسهولة ، والثقل من يمكنه بصعوبة)[39] .

 

 وعَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ تَعَالَى:  " انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا "  يَقُولُ:"غَنِيًّا وَفَقِيرًا، وَقَوِيًا وَضَعِيفًا، فَجَاءَهُ رَجُلٌ يَوْمَئِذٍ زَعَمُوا أَنَّهُ الْمِقْدَادُ وَكَانَ عَظِيمًا مُسِنًّا فَشَكَى إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فَأَبَى"فَنَزَلَتْ يَوْمَئِذٍ  " انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا "  فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اشْتَدَّ عَلَى النَّاسِ شَأْنُهَا فَنَسَخَهَا اللَّهُ، فَقَالَ:  " لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ "[40] ، أي صار الحكم في شأنهم النسخ الجزئي ، يعني أنه ليس عليهم جهاد بالسيف لتعذر ذلك في حقهم ، فانقلب جهادهم بالنصيحة باللسان ، وما يقدروا أن يقدموه من المعونة .

فالنسخ المشار إليه ليس المقصود به معناه الاصطلاحي في أصول الفقه بإلغاء الحكم ، وإنما القصد منه هو أن ثمة رخصة على التشديد ، أي لا تشديد على أصحاب الأعذار الذين يقبل الإمام عذرهم ، بل لهم أن يأخذوا بالرخصة ، ولهم أن يجاهدوا كغيرهم ممن ليس له عذر عن التخلف ، أما من ينتدبه الإمام على وجه التعيين ، فليس عليهم أن يمتنعوا بحجة العذر ، وقد علم منهم الإمام عذرهم فلم يعذرهم لحاجته إليهم في مواطن معينة ، ولذلك لم يتخلف عمرو بن الجموح عن الغزو رغم عرجته .

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَرَأَ سُورَةَ بَرَاءَةَ فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الآيَةِ  " انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ "  قَالَ:"أَرَى رَبَّنَا يَسْتَنْفِرُنَا شُيُوخًا وَشُبَّانًا، جَهِّزُونِي بَنِيَّ، قَالَ بَنَوْهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، قَدْ غَزَوْتَ مَعَ النَّبِيِّ r حَتَّى مَاتَ، وَغَزَوْتَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى مَاتَ، وَغَزَوْتَ مَعَ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ، فَنَحْنُ نَغْزُو عَنْكَ، فَأَبَى فَرَكِبَ الْبَحْرَ فَمَاتَ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ جَزِيرَةً يَدْفِنُوهُ فِيهَا إِلا بَعْدَ تِسْعَةِ أَيَّامٍ، فَلَمْ يَتَغَيَّرْ فَدَفَنُوهُ فِيهَا)[41].

 

 ولهذا قال الإمام القرطبي (إن النسخ لا يصح ، وقد تكون حالة يجب فيها نفير الكل، وذلك إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار أو بحلوله بالعقر، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافا وثقالا، شبابا وشيوخا، كل على قدر طاقته، من كان له أب بغير إذنه ومن لا أب له، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج، من مقاتل أو مكثر ، فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم ، وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج إليهم، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم، حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين ، ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضا الخروج إليه، حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة وتحفظ الحوزة ويخزى العدو. ولا خلاف في هذا) [42].

 

ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية " وَأَمَّا قِتَالُ الدَّفْعِ فَهُوَ أَشَدُّ أَنْوَاعِ دَفْعِ الصَّائِلِ عَنْ الْحُرْمَةِ وَالدِّينِ فَوَاجِبٌ إجْمَاعًا ، فَالْعَدُوُّ الصَّائِلُ الَّذِي يُفْسِدُ الدِّينَ وَالدُّنْيَا لَا شَيْءَ أَوْجَبَ بَعْدَ الْإِيمَانِ مِنْ دَفْعِهِ ، فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ شَرْطٌ بَلْ يُدْفَعُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ ، فَيَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ دَفْعِ الصَّائِلِ الظَّالِمِ الْكَافِرِ وَبَيْنَ طَلَبِهِ فِي بِلَادِهِ)[43].

 

العنصر السابع : الجهاد بالمستطاع كله

 

قوله (..وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ..) (41) قال رسول الله r (وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن : الجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله ، ومن فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ـ أو من رأسه إلا أن يراجع)[44]، والذي يتخلف عن أمر الإمام إذا أمره بالاستنفار ، فقد فارق الجماعة .

 

قال ابن قدامة "النَّفِيرَ يَعُمُّ جَمِيعَ النَّاسِ ، مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ ، حِينَ الْحَاجَةِ إلَى نَفِيرِهِمْ ؛ لِمَجِيءِ الْعَدُوِّ إلَيْهِمْ ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ التَّخَلُّفُ ، إلَّا مَنْ يُحْتَاجُ إلَى تَخَلُّفِهِ لِحِفْظِ الْمَكَانِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ ، وَمَنْ يَمْنَعُهُ الْأَمِيرُ مِنْ الْخُرُوجِ ، أَوْ مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْخُرُوجِ أَوْ الْقِتَالِ"[45].

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (وَالْجِهَادُ مِنْهُ مَا هُوَ بِالْيَدِ وَمِنْهُ مَا هُوَ بِالْقَلْبِ وَالدَّعْوَةِ وَالْحُجَّةِ وَاللِّسَانِ وَالرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ وَالصِّنَاعَةِ فَيَجِبُ بِغَايَةِ مَا يُمْكِنُهُ ، وَيَجِبُ عَلَى الْقَعَدَةِ لِعُذْرٍ أَنْ يَخْلُفُوا الْغُزَاةَ فِي أَهْلِيهِمْ وَمَالِهِمْ) [46]

 

ففي الحديث (مَنْ لَمْ يَغْزُ أَوْ يُجَهِّزْ غَازِيًا أَوْ يَخْلُفْ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ أَصَابَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ)[47] ، وهؤلاء الذين ذكرهم ابن تيمية هم المقصودون بحديث رسول الله r (أَوْ يَخْلُفْ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ)[48].

 

قوله (..ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (41) عن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ قَالَ لَا أَجِدُهُ قَالَ هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ قَالَ وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ)[49] ، فأقرب شيء للجهاد هو الاعتكاف في المسجد والانقطاع للعبادة ، ما لم يكن المعتكف منشغلا بالجهاد من نوع آخر سعيا على أهله وأولاده وكفايتهم أو تعليما للمسلمين أو إنفاقا في سبيل الله وهكذا كما تقدم .

 

 

 

[1] ) التحرير والتنوير ج10 ص 103

[2] ) تفسير الثعالبي ج2 ص 140

[3] تفسير مجاهد ج2 ص 60 رقم 551

[4] ) تفسير القطان ج2 ص 138

[5] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3515

[6] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 1274

[7] ) مفاتيح الغيب ج16 ص 48

[8] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 1274

[9] ) الفوائد ج1 ص 96

[10] ) في ظلال القرآن ج4 ص 31

[11]  رواه مسلم في صحيحه وسبق تخريجه

[12] ) (يبن) أي يدخل (بها) وكان عادة العرب إذا دخل الزوج على المرأة بنى عليها قبة من شعر ونحوه، فأطلق البناء وأريد به الدخول

ابن علان : دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج1 ص 256

[13] ) رواه البخاري ج10 ص 367 رقم 2892

[14] ) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج1 ص 256

[15] ) تفسير الطبري ج14 ص 254

[16] ) تفسير القرطبي ج8 ص 142

[17] ) رواه البخاري ج9 ص 409 رقم 2613

[18] ) أحمد بن يحي النجمي : تأسيس الأحكام ج3 ص 281

[19] ) الجزري : النهاية في غريب الأثر ج5 ص 202

[20] ) فتح الباري ج6 ص 39

[21] ) التحرير والتنوير ج10 ص 94

[22] ) شرح النووي على مسلم ج13 ص 9

[23] ) فتح الباري لابن حجر ج6 ص 39

[24] ) المادة(1)  من القانون رقم 87 لسنة 1960 بشأن التعبئة العامة تنص على أن (تعلن التعبئة العامة بقرار من رئيس الجمهورية في حالة توتر العلاقات الدولية أو قيام خطر الحرب أو نشوب حرب. ويعلن رئيس الجمهورية انتهاء التعبئة بقرار منه عند زوال الحالة التي أوجبت إعلانها. ويجوز في غير هذه الأحوال اتخاذ بعض التدابير اللازمة للمجهود الحربي المبينة في هذا القانون.

وتنص المادة (2) : من ذات القانون على أنه (يترتب على إعلان التعبئة العامة:-

 أولا- الانتقال بالقوات المسلحة من حالة السلم إلى حالة الحرب ويشمل ذلك: (1) استدعاء الضباط الاحتياطيين. (2) استدعاء الضباط المتقاعدين الذين لم يجاوزوا سن الستين وكانوا لائقين طبيا للخدمة العسكرية. (3) وقف تسريح قوات الاحتياط. (4) استدعاء الاحتياط. (5) استدعاء جيش التحرير الوطني.

 ثانيا- إلزام عمال المرافق العامة التي يصدر بتعيينها قرار من مجلس الدفاع الوطني بالاستمرار في أداء أعمالهم تحت إشراف الجهة الإدارية المختصة.

ثالثا- إخضاع المصانع والورش والمعامل التي تعين بقرار من الجهة الإدارية المختصة للسلطة التي تحددها وذلك في تشغيلها وإدارتها وإنتاجها.

 رابعا- تنفيذ الخطط التي أعدتها الجهات الفنية الخاصة بالتعبئة في وقت السلم.

 خامسا- فرض رقابة عسكرية لتأمين سلامة القوات المسلحة وتعيين حدود هذه الرقابة ووسائل تنفيذها بقرار من مجلس الدفاع الوطني.

وهو ما يعني تسخير كل امكانيات الشعب وقدراته وأفراده لخدمة القوات المسلحة لتحقيق أغراضها العسكرية في إطار الدفاع الوطني عن البلاد .

[25] ) رواه ابن ماجة ج8 ص 261 رقم 2752 وصححه الألباني : صحيح سنن ابن ماجة ج2 ص 123 - أخرجه أبو داود ( 2503 )- الألباني في " السلسلة الصحيحة " 6 / 128

[26] )شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج13 ص 391

[27] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج9 ص 48 رقم 17722

[28] ) رواه البخاري ج22 ص 50 رقم 6609

[29] ) البحر المديد ج2 ص 403

[30] ) تفسير البغوي ج4 ص 48

[31] ) تفسير الثعالبي ج2 ص 140

[32] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3518

[33] ) التحرير والتنوير ج10 ص 98

[34] ) رواه البخاري ج14 ص 225 رقم 4295

[35] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج2 ص 145

[36] ) التحرير والتنوير ج10 ص 103

[37] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 267

[38] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 267

[39] ) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ج1 ص 600

[40] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 269

[41] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 266

[42] ) الجامع لاحكام القرآن ج8 ص151ـ 152

[43] ) الفتاوى الكبرى ج5 ص 538

[44] ) رواه الحاكم ج1 ص 582 رقم 1534 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 179

[45] ) المغني ج20 ص 445 

[46] ) الفتاوى الكبرى ج5 ص 538

[47] ) رواه ابن ماجة ج8 ص 261 رقم 2752 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 123 رقم 2231

[48] ) سبق تخريجه ، رواه ابن ماجة ج8 ص 261 رقم 2752

[49] ) رواه البخاري ج9 ص 347 رقم 2577

  • الاربعاء PM 07:23
    2026-05-13
  • 11
Powered by: GateGold