ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
المعوقات القلبية وفقه توسيع رقعة الإسلام
د / احمد نصير
المعوقات القلبية وفقه توسيع رقعة الإسلام
ثمة معوقات مادية ومعنوية تُزهِّد الناس في الخروج لعبادة الجهاد في سبيل الله ، منها إيثار الراحة والخلود إلى الدعة ، كما حصل من بعض المخلفين عن غزوة تبوك ، ومنها الاغترار بالكثرة والقوة كما حصل للمسلمين يوم حنين.
كما أن الركون لحياة الدعة تجعل الناس يملون في ظنهم إلى تفضيل الحلول السياسية على العسكرية ، ولا شك أنه يوجد دوما حل سياسي توافقي يقوم على التصالح مع الشعوب والأمم المختلفة في إطار من عقود الاستئمان المؤبدة أو المؤقتة ، لكن الأمر لا يسري وفق هذا التصور البسيط للمشكلة ، فإشكالية أعداء الإسلام تكمن في أنهم لا يزالون يجهزون عدتهم للقضاء على المسلمين ، (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) ، فإن لم نغزوهم اليوم فإنهم سوف يغزوننا غدا ، ولذلك شرع جهاد الطلب مثلما شرع جهاد الدفع
، كذلك فإن قضايا الإنسان هي قضايا عامة ودولية ، لابد وأن يدافع عنها كل إنسان ، وتنهض لها كل الدول لرفع الظلم الواقع على الناس في كل مكان وإن لم يكونوا من رعايا الدولة الإسلامية ، لاسيما أن الواقع أثبت أن من أحبارهم ورهبانهم وزعمائهم من يكنزون الذهب والفضة ولا يعطون لشعوبهم حقوقهم ، وذلك بشهادة القرآن ، من هنا جاء الحديث عن فقه التوسع المكاني بعد الحديث عن مبررات جهاد الطلب ومعوقاته.
ويتفرع عن ذلك خمس مسائل :-
- "عدم الفهم الشامل للإسلام" ومن صوره (التفاخر بعمارة المساجد وترك الجهاد في سبيل الله جهلا بفضله) (19-20)
- التردد عن قطع الولاية لمن استحب الكفر على الإيمان أيا كان شأنه (21)
- تأخر حب الله ورسوله عمن سواهما (الافتتان بحب الأحباب من الأقرباء والأبناء والأزواج وحب الأموال والمساكن والتجارات)(22)
- التفرقة بين جهاد الطلب وجهاد الدفع قد تجعلهم يتكاسلون عن جهاد الطلب (23)
- المعوق الخامس : إشكالية التجنيد وفق معيار التجرد عن الدنيا (24)
المعوق الأول : الانشغال بالمندوبات ، وإهمال الواجبات وفروض الكفاية :
قوله (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (19) في الآية احتراز وتحذير من أن يقصر المسلمون أمر هذا الدين على أعمال القربات المرتبطة بعمارة المساجد ، ولا يلتفتون إلى الجهاد في سبيل الله ، بل لابد من فهم الدين بشموليته ، فأعمال القربات من الإيمان ، وكذلك الجهاد في سبيل الله ، ولا يغني أحدهما عن الآخر .
فعن النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ رَجُلٌ مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ أُسْقِيَ الْحَاجَّ وَقَالَ آخَرُ مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَقَالَ آخَرُ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ وَقَالَ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ r وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ دَخَلْتُ فَاسْتَفْتَيْتُهُ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) الْآيَةَ إِلَى آخِرِهَا)[1].
وذكر في نزول هذه الآية مناسبة أخرى ، وهي الرد على مزاعم المشركين ، حيث دأب المشركون على سقاية الحجاج في بيت الله الحرام ، وظنوا أحقيتهم في عمارة المسجد الحرام لأجل هذه القربات ، فنزلت هذه الآية لتبطل حجتهم فيما يفعلونه من أعمال القربات -في ظنهم- وإدعائه أحقيتهم عمارة مساجد الله ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ" أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " "وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ، قَالُوا: عِمَارَةُ بَيْتِ اللَّهِ وَقِيَامٌ عَلَى السِّقَايَةِ خَيْرٌ مِمَّنْ آمَنَ وَجَاهَدَ فَكَانُوا يَفْخَرُونَ بِالْحَرَمِ ، وَيَسْتَكْبِرُونَ بِهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ أَهْلُهُ وَعُمَّارُهُ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى اسْتِكْبَارَهُمْ وَإِعْرَاضَهُمْ)[2] .
كذلك عرَّضت الآية بحال المنافقين الذي يُقْصِرون أمر هذا الدين على أعمال القربات ، وبوجه خاص الإنفاق على مساجد الله ويتفاخرون بما يفعلون ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ)[3]، فالعبرة هو أن يقوم المسجد بدوره في نشر الدعوة الإسلامية ، وليس المقصود زخرفتها وبنائها ثم تكون مركزا لفتنة الناس
ولذلك بوب البخاري بابا بعنوان بَاب بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ كَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ وَأَمَرَ عُمَرُ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ أَكِنَّ النَّاسَ مِنْ الْمَطَرِ وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ ، وَقَالَ أَنَسٌ (يَتَبَاهَوْنَ بِهَا ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا) ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى)[4] ، قال النسفي "المباهاة في حق العباد هي "المفاخرة"[5] ، والمعنى : أنهم يزخرفون المساجد ، ويزينونها ، ثم يقعدون فيها ، ويتمارون ، ويتباهون ، ولا يشتغلون بالذِّكْر ، وقراءة القرآن ، والصلاة" .
وللأسف الذين يهتمون لأمر زخرفة المساجد ويتباهون لذلك هم هم في ذات الوقت يكرهون الجهاد في سبيل الله ، ويتناسون أمره ، فعلى عظم ما في الصلاة والزكاة من أجر وثواب باعتبارهما من أركان هذا الدين ، وكون المساجد مركزا لإقامة الشعائر وجمع الزكاوات ، وتشمل كذلك إطعام الطعام وسقاية الحجاج ، لكنها لا تقارن البتة بالجهاد في سبيل الله ، وقد يقع في هذا الخطأ من جهل بأمر هذا الدين ، وذروة سنامه.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سُئِلَ النَّبِيُّ r أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ حَجٌّ مَبْرُورٌ) [6]، فقدم الجهاد في سبيل الله على الحج المبرور ، ولا يخفى ما للحج المبرور من الأجر والثواب ، وقد قال عنه النبي r (مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)[7] ، كناية عن غفران الذنوب .
وعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ r أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[8] ، ففي الحديث تأكيد على أن الجهاد شرع لأجل إقامة الصلاة ، ولأجل استمرار أعمال البر والإحسان للناس التي أول ما تصل فإنها تصل للوالدين .
وروى الحافظ ابن عساكر عن محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال: أملي عليَّ عبد اللّه بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس وأنشدها إلى الفضيل بن عياض في سنة سبعين ومائة: -
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا * لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه * فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل * فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا * رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا * قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي غبَّار خيل اللّه في * أنف امرىء ودخان نار تلهب
هذا كتاب اللّه ينطق بيننا * ليس الشهيد بميت لا يكذب
قوله (الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (20) قوله (أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ) قال صاحب اللباب (لم يقُلْ : أعظم درجة من المشتغلين بالسقاية والعمارة ؛ لأنَّه لو ذكرهم ، أوهم أن تلك الفضيلة بالنسبة إليهم ، فلمَّا ترك ذكر المرجوح ، دلَّ ذلك على أنَّهُمْ أفضل من كل من سواهم على الإطلاق)[9].
كما لا يخفي أن الجهاد يتطلب فيما يستلزمه الإنفاق في سبيل الله ، ولا شك أن النفقة وقت الحاجة والمعسرة أعظم في غير هذا الوقت ، ولذلك قال تعالى (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (الحديد/10) .
والمراد بالتفضيل الوارد في قوله (أَعْظَمُ دَرَجَةً) وقد جاء بإطلاق ، تفضيل جهاد الطلب ، وليس المقصود به جهاد الدفع ، لأن جهاد الدفع لا يجوز التقاعس عنه ، فهو فرض عين ، أما جهاد الطلب فالشارع رغب فيه لأنه مندوب إليه ، وهو فرض على الكفاية .
والذي يدل على أن جهاد الطلب فرض على الكفاية ، وأنه في حق الأفراد مندوب إليه ما روي عَنْ رَسُول اللَّهِ r قَالَ (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ قَالَ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ)[10]، قال العلماء (التسوية في قوله "جَاهَدَ" أَوْ "جَلَسَ فِي أَرْضِهِ " تدل على أن الجهاد "فرض كفاية" ، قال ابن الملك هذا يدل على أن الحديث صدر يوم فتح مكة لأن الهجرة قبله كانت فريضة لكل مؤمن في الابتداء) [11]، أي أنه لما كانت الهجرة واجبة قبل الفتح كان الجهاد واجبا ، فلما فتح الله على رسوله مكة وتحول الجهاد من الدفع إلى الطلب صار الأمر مندوبا إليه بالنسبة للأفراد وهو فرض كفاية على مجموع الأمة.
ووجه التفضيل نيل الثواب ، ولذلك قال رسول الله r (مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ -كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ)[12].
قوله (وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) قال رسول الله r (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ) [13]، وذلك حرصا على تحصيل ثواب الجهاد ، ليكون من الفائزين .
أما من تخلف عن الجهاد تكاسلا بغير عذر ، فإنه غير مخاطب بهذه الآية ، أي غير موصوف بالفوز ، لكن يتخلف من أصحاب الأعذار ، فلا يُظن أنه فاتهم الثواب ، بل يلحقون به لعذرهم ، ولذلك كان النبي r لا يخرج كل مغازيه وسراياه تأنيسا لهم ، فعنه r قال (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[14] ، قال العلماء (فيه تأنيس لمن حُرم الجهاد فى سبيل الله ، فإن له من الإيمان بالله والتزام الفرائض ما يوصله إلى الجنة ؛ لأنها هى غاية الطالبين)[15].
قوله (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (22) هذه البشرى خاصة بالشهداء والمجاهدين ، وقال ابن عباس : (هي في المهاجرين خاصة) ، وأسند التبشير إلى "ربهم" ، لما في ذلك من الإحسان إليهم بأن مالك أمرهم والناظر في مصالحهم هو الذي يبشرهم)[16].
قال أبو حيان (فذلك على تحقيق عبوديتهم لربهم.، ولما كانت الأوصاف التي تحلوا بها وصاروا بها عبيدة حقيقة هي ثلاثة : الإيمان ، والهجرة ، والجهاد بالمال والنفس ، قوبلوا في التبشير بثلاثة : الرحمة ، والرضوان ، والجنات)[17].
قوله (..إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) تذييل وتنويه بشأن المؤمنين المهاجرين المجاهدين لإفادة أن ما ذكر من عظيم درجاتهم هو بعض ما عند الله من الخيرات ، فيحصل بذلك الترغيب في الازدياد من الأعمال الصالحة ليزدادوا رفعة عند ربهم[18].
فهي بشرى أخرى بعظيم الأجر الذي يكون بعده الشهيد في شوق إلى الشهادة مرة أخرى مرارا وتكرارا ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ غَيْرُ الشَّهِيدِ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنْ الْكَرَامَةِ)[19].
المعوق الثاني : التردد في قطع الولاية عمن استحب الكفر عن الإيمان
قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (23) قال الشنقيطي (إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ) موافق في المعنى لقوله (فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) ، ونظير ذلك في المعنى قوله تعالى (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) [إبراهيم:3] ،فمن كان على هذه الشاكلة كيف تظل ولايته قائمة معكم ولو كانوا أقربائكم من الدرجة الأولى أو الثانية ، فلا تستقيم الولاية لله ولأعدائه .
قال حقي (فهذه الآية محمولة على إيجاب التبرى من أقربائهم المشركين وترك الموالاة معهم باتخاذهم بطانة وأصدقاء بحيث يفشون إليهم أسرارهم ويؤثرون المقام بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الاسلام)[20].
قال الرازي (الاستحباب طلب المحبة)[21]، فهذا هو معيار التبري منهم ، أي بمجرد تفضيلهم الكفر على الإيمان ، والمعنى أنه لا يغرنكم توددهم إليكم لقرابتهم منكم ، وتلطفهم معكم واستحبابهم لدينكم أو لبعضه ما لم يعلنوها صراحة أن حب الله ورسوله مقدم على حب الدنيا التي زُينت في قلوبهم ، فإن ظل الكفر مزين في قلوبهم ، فلا ولاية بينكم وبينهم ، وإن استحبوا ما عندكم من أخلاق كريمة وحسن معاملة ، لأن ما يحبونه من أخلاق الجاهلية والعبادة لغير الله أشد من استحبابهم لكم وتلطفهم معكم ، فإن كان ذلك كذلك ، فإنهم وقد وصفوا بالكفر لا يحق ولايتهم ، لاسيما إذا كانوا يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله وحده ،هنا لا تردد في عداوتهم وقتالهم ، ولن يشفع لهم تلك القرابة منكم .
ولهذا استأذن عبد الله النبي r في قتل أباه عبد الله بن أُبي بن سلول لما علم بعداوته للنبي r ولكن النبي r لم يأذن له لسياسته مع المنافقين في المدينة ، فعَن أبي هُرَيرة ، قال : مر رسول الله r بعبد الله بن أُبي وهو في ظل أطمة فقال : غَبَّر علينا ابن أبي كبشة , فقال ابنه عَبد الله بن عَبد الله : يا رسول الله والذي أكرمك لئن شئت لأتيتك برأسه قال : لا ولكن بر أباك وأحسن صحبته)[22] ، فلم يرد النبي r أن يقول الناس أن محمدًا يقتل أصحابه ، فكان يتألف قلوب المنافقين في المدينة .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : أَنّ عُمَرَ ابْنَ الْخَطّابِ قَالَ لِسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَمَرّ بِهِ إنّي أَرَاك كَأَنّ فِي نَفْسِك شَيْئًا ، أَرَاك تَظُنّ أَنّي قَتَلْتُ أَبَاك ، إنّي لَوْ قَتَلْته لَمْ أَعْتَذِرْ إلَيْك مِنْ قَتْلِهِ ، وَلَكِنّي قَتَلْتُ خَالِي الْعَاصِ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، فَأَمّا أَبُوك فَإِنّي مَرَرْتُ ( بِهِ ) وَهُوَ يَبْحَثُ بَحْثَ الثّوْرِ بِرَوْقِهِ فَحُدْتُ عَنْهُ ، وَقَصَدَ لَهُ ابْنُ عَمّهِ عَلِيّ فَقَتَلَهُ)[23]
قوله (..وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (23) قيل : (يريد مشركاً مثلهم لأنه رضي بشركهم ، والرضا بالكفر كفر ، كما أن الرضا بالفسق فسق)[24] .
وخير تجسيد مادي لقطع الولاية لهم هو مصعب بن عمير ، يقول الشعراوي (وقد أعطانا صحابة رسول الله r المثل الخالد ، فقد كان سيدنا مصعب بن عمير أكثر الفتيان تدللا في مكة ، وكانت حياته في مكة قبل إسلامه غاية في الترف ، وكان يرفل في الثياب الفاخرة ، فلما هاجر إلى المدينة عاش ظروف الفقر المادي الصعب ، لدرجة أن رسول الله r رآه في الطريق ساترا عورته بجلد شاة فلفت النبي عليه الصلاة والسلام نظر الصحابة إلى حالته هذه وكيف فعل الإينما بمصعب حيث فضل الإيمان على نعيم الدنيا كلها . لقد رأى مصعب - رضي الله عنه - أن شرفه بالانتماء إلى الإسلام أكبر من فاخر الثياب ، وترف العيش وانطبق عليه قول الحق تبارك وتعالى )[25].
عن نبيه بن وهب ، أخي بني عبد الدار أن رسول الله r حين أقبل بالأسارى ، فرقهم في أصحابه ، فقال : «استوصوا بالأسارى خيرا » ، كان أبو عزيز أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه في الأسارى ، فقال أبو عزيز : مر بي أخي مصعب بن عمير ، ورجل من الأنصار يأسرني ، فقال : اشدد به يدك ، فإن أمه ذات متاع ، لعلها تفتديه منك)[26].
قال ابن هشام: وكان أبو عزيز هذا صاحب لواء المشركين ببدر بعد النضر بن الحارث، ولما قال أخوه مصعب لأبي اليسر - وهو الذي أسره - ما قال: قال له أبو عزيز: يا أخي هذه وصاتك بي ؟ فقال له مصعب إنه أخي دونك ، فسألت أمه عن أغلى ما فدى به قرشي ، فقيل لها أربعة آلاف درهم، فبعثت بأربعة آلاف درهم ففدته بها)[27].
فإن لم يكونوا من أهل دار الحرب ، وليسوا محاربين فجازت الصلة والبر دون الموالاة ، فلا يحملهم البر والصلة على المعصية والمتابعة في الكفر ، فعن مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سعد –بن أبي وقاص[28] -أَنَّهُ نَزَلَتْ فِيهِ آيَاتٌ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ حَلَفَتْ أُمُّ سَعْدٍ أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ أَبَدًا حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ وَلَا تَأْكُلَ وَلَا تَشْرَبَ قَالَتْ زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ وَصَّاكَ بِوَالِدَيْكَ وَأَنَا أُمُّكَ وَأَنَا آمُرُكَ بِهَذَا قَالَ مَكَثَتْ ثَلَاثًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا مِنْ الْجَهْدِ فَقَامَ ابْنٌ لَهَا يُقَالُ لَهُ عُمَارَةُ فَسَقَاهَا فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى سَعْدٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْقُرْآنِ هَذِهِ الْآيَةَ (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) ، (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي) ، وَفِيهَا (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)[29].
وذكر ابن كثير أنه قال: كنت رجلا برًا بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد، ما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لَتَدَعَنّ دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت، فَتُعَيَّر بي، فيقال: "يا قاتل أمه". فقلت: لا تفعلي يا أمَه، فإني لا أدع ديني هذا لشيء. فمكثتْ يومًا وليلة لم تأكل فأصبحت قد جهدت، فمكثتْ يومًا -[آخر]- وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحتْ قد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه، تعلمين والله لو كانت لكِ مائة نفس فخَرجت نَفْسا نَفْسًا، ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي، وإن شئت لا تأكلي. فأكلتْ ) [30].
المعوق الثالث : تأخر ترتيب حب الله ورسوله عما سواهما
قوله (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (24) قال ابن عاشور (جمعت هذه الآية أصنافا من العلاقات وذويها من شأنها أن تألفها النفوس وترغب في القرب منها وعدم مفارقتها ، فإذا كان الثبات على الإيمان يجر إلى هجران بعضها ..، فإذا حصل التعارض والتدافع بين ما أراده الله من المؤمنين وبين ما تجر إليه تلك العلائق ،وجب على المؤمن دحضها وإرضاء ربّه)[31].
قال أبو حيان (هذه الآية تقتضي الحض على الهجرة وذكر الأبناء لأنه ذكر المحبة ، وهم أعلق بالنفس ، بخلاف الآية قبلها فلم يذكروا ، لأن المقصود منها الرأي والمشورة. وقدّم الآباء لأنهم الذي يجب برهم وإكرامهم وحبهم ، وثنى بالأبناء لكونهم أعلق بالقلوب. ولما ذكر الأصل والفرع ذكر الحاشية وهي الإخوان ، ثم ذكر الأزواج وهن في المحبة والإيثار كالأبناء ، ثم الأبعد بعد الأقرب في القرابة فقال : وعشيرتكم. وجاء الترتيب في المقابل على حسب الأعم ، ثم الأشرف ، ثم التكميل)[32].
قال ابن رجب (يجب تقديم محبة الرسول r على النفوس والأولاد والأقارب والأهلين والأموال والمساكين ، وغير ذلك مما يحبه الناس غاية المحبة)[33]، وقال ابن تيمية (وَلِهَذَا كَانَتْ الْمَحَبَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِلذَّوْقِ الْإِيمَانِيِّ وَالْوَجْدِ الدِّينِيِّ) [34]
فعَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِهِ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ وَمَنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ)[35].
قال ابن عاشور (وقد أفاد هذا المعنى التعبير بـ (أَحَبَّ)...، وخصّ الجهاد بالذكر من عموم ما يحبّه الله منهم تنويها بشأنه، ولأن ما فيه من الخطر على النفوس، ومن إنفاق الأموال ومفارقة الإلف، جعله أقوى مظنّة للتقاعس عنه، لا سيما والسورة نزلت عقب غزوة تبوك التي تخلف عنها كثير من المنافقين وبعض المسلمين) [36] .
وقد شرح النبي r لأصحابه هذه المحبة نظريا ، والغزوات أكدت هذا المعنى عمليا ، فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هِشَامٍ قَالَ (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ r وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ r لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ r الْآنَ يَا عُمَرُ)[37]، قال الخطابي (حب الإنسان نفسه طبع وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب ، وإنما أراد عليه الصلاة والسلام حب الاختيار إذ لا سبيل إلى قلب الطباع ، وتغييرها عما جبلت عليه ، قلت فعلى هذا فجواب عمر أولا كان بحسب الطبع ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبي r أحب إليه من نفسه لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والأخرى ، فأخبر بما اقتضاه الاختيار ، ولذلك حصل الجواب بقوله الان يا عمر، أي الآن عرفت فنطقت بما يجب)[38] .
(وهو يحتمل احتمالين أحدهما أنه فهم أولا أن المراد به الحب الطبيعي ثم علم أن المراد الحب الإيماني والعقلي فأظهر بما أضمر ، وثانيهما أنه أوصله الله تعالى إلى مقام الأتم ببركة توجهه عليه الصلاة والسلام ، فطبع في قلبه حبه حتى صار كأنه حياته ولبه)[39] .
قال صاحب الظلال (وما يكلف الله الفئة المؤمنة هذا التكليف ، إلا وهو يعلم أن فطرتها تطيقه - فالله لا يكلف نفساً إلا وسعها- وإنه لمن رحمة الله بعباده أن أودع فطرتهم هذه الطاقة العالية من التجرد والاحتمال ؛ وأودع فيها الشعور بلذة علوية لذلك التجرد لا تعدلها لذائذ الأرض كلها . . لذة الشعور بالاتصال بالله ، ولذة الرجاء في رضوان الله ، ولذة الاستعلاء على الضعف والهبوط ، والخلاص من ثقلة اللحم والدم ، والارتفاع إلى الأفق المشرق الوضيء)[40].
فمناط الابتلاء في هذه المسألة ليس بمن جاهد أو من لم يجاهد ، فقد يحول بين المرء والجهاد أعذار مقبولة ، وعندئذ ينال الثواب بالنية ، قال رسول الله r (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ) [41]، قال ابن عجيبة (اللبيب هو الذي لا يضيع من يعول ، ولا يترك حق من يتعلق به من الزوجة أو غيرها ، ويذكر الله مع ذلك ، فيخالطهم بحسه ، ويفارقهم بقلبه) [42].
فالمسلم لابد وأن يستحضر نية الجهاد في سبيل الله ، سواء جهاد الطلب أو الدفع ، لقول رسول الله r (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ)[43] ، فمناط الابتلاء هو ما وقر في قلب المؤمن من حب الجهاد ، وتقديم ذلك على كل أعراض الدنيا ، قال الرازي (وهذه الآية تدل على أنه إذا وقع التعارض بين مصلحة واحدة من مصالح الدين وبين جميع مهمات الدنيا وجب على المسلم ترجيح الدين على الدنيا)[44].
وعلى هذا يكون المخاطب بهذه الآية النساء والرجال على وجه سواء ، ولكن كل بحسب استطاعته ، وبحسب ما إذا كان الجهاد المطلوب هو جهاد دفع أم جهاد طلب ، ذلك أن السعة لا تقتصر على البدن فحسب ، بل والمال أيضا ، والنساء لهن أموال يجاهدن بالإنفاق منها في سبيل الله ، ولذلك يقول ابن تيمية (وَمَنْ عَجَزَ عَنْ الْجِهَادِ بِبَدَنِهِ وَقَدَرَ عَلَى الْجِهَادِ بِمَالِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ بِمَالِهِ وَهُوَ نَصُّ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَكَمِ وَهُوَ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ عِنْدَ قَوْلِهِ: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) فَيَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِينَ النَّفَقَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ الْجِهَادُ فِي أَمْوَالِهِنَّ إنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ ، وَكَذَلِكَ فِي أَمْوَالِ الصِّغَارِ وَإِذَا اُحْتِيجَ إلَيْهَا كَمَا تَجِبُ النَّفَقَاتُ وَالزَّكَاةُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي وَاجِبِ الْكِفَايَةِ ، فَأَمَّا إذَا هَجَمَ الْعَدُوُّ فَلَا يَبْقَى لِلْخِلَافِ وَجْهٌ فَإِنَّ دَفْعَ ضَرَرِهِمْ عَنْ الدِّينِ وَالنَّفْسِ وَالْحُرْمَةِ وَاجِبٌ إجْمَاعًا).
كما أن ترتيب الأولويات يختلف بالضرورة حالما يكون الجهاد هو جهاد طلب عما إذا كان هو جهاد الدفع ، ولذلك قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: (سُئِلْت عَمَّنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ مَا يُوفِيه وَقَدْ تَعَيَّنَ الْجِهَادُ فَقُلْت مِنْ الْوَاجِبَاتِ مَا يُقَدَّمُ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ كَنَفَقَةِ النَّفْسِ وَالزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ الْفَقِيرِ وَمِنْهَا مَا يُقَدَّمُ وَفَاءُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ كَالْعِبَادَاتِ مِنْ الْحَجِّ وَالْكَفَّارَاتِ، وَمِنْهَا مَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ إلَّا إذَا طُولِبَ بِهِ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، فَإِنْ كَانَ الْجِهَادُ الْمُتَعَيِّنُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ كَمَا إذَا حَضَرَهُ الْعَدُوُّ أَوْ حَضَرَ الصَّفَّ قُدِّمَ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ كَالنَّفَقَةِ وَأَوْلَى وَإِنْ كَانَ اسْتِنْفَارٌ فَقَضَاءُ الدَّيْنِ أَوْلَى إذْ الْإِمَامُ لَا يَنْبَغِي لَهُ اسْتِنْفَارُ الْمَدِينِ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ)[45]
المعوق الرابع : التفرقة بين جهاد الطلب وجهاد الدفع تقلل بعض العزم عن الغزو
قَوْلُهُ (فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) قال ابن كثير أي (فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله بكم)[46] ، قال الماوردي (فيه وجهان :-
أحدهما : أنه فتح مكة ، قاله مجاهد ، فعَنْ مُجَاهِدٍ أي (بِالْفَتْحِ)، (أَمَرَ إِيَّاهُمْ بِالْهِجْرَةِ هَذَا كُلُّهُ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ)[47].
والثاني : حتى يأتي الله بأمره من عقوبة عاجلة أو آجلة ، قاله الحسن)[48]
وكلا المعنيان صحيح ، قال تعالى (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة52) .
وقد أبان النبي r أن الذل يكون مسلطا على هذه الأمة حال تركها الجهاد ، فقال r (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ)[49].
فقوله ( وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع ) حمل هذا على الاشتغال بالزرع في زمن يتعين فيه الجهاد)[50]
قال القسطلاني (كان العمل في الأراضي أول ما فتحت على أهل الذمة فكان الصحابة يكرهون تعاطي ذلك)[51]، ما يعني أن الصحابة تركوا الأراضي لينشغل أهل الذمة بزراعتها ، وبعض الصناعات ، وانشغلوا هم بجهاد الطلب ، بذلك الترتيب الإداري مشت الدولة الإسلامية ، فليس من المستساغ تكليف أهل الذمة بمحاربة أهل دينهم
وقوله (حتى ترجعوا إلى دينكم) أي (الاشتغال بأمور دينكم) [52]، بمثل الجهاد مع توفير المؤمنة ، فإن توفيرها من الجهاد والإعداد له .
قال أبو فرج الحنبلي (فمن ترك ما كان عليه النبي r من الجهاد مع قدرته واشتغل عنه بتحصيل الدنيا من وجوهها المباحة حصل له من الذل ، فكيف إذا اشتغل عن الجهاد بجمع الدنيا من وجوهها المحرمة)[53].
وليس معنى أن جهاد الطلب هو فرض على الكفاية ، أن يكون الترغيب فيه أقل ، وأن يتقاعس الناس عنه وينشغلوا بدنياهم ، بل كان الصحابة لا يتخلفون عن رسول الله r لا في جهاد دفع ولا طلب ، ولذلك حين تخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك ، وهي تعد من جهاد الطلب لا الدفع ، ورغم ذلك حكى ما رآه فيمن تخلف فقال (فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ r فَطُفْتُ فِيهِمْ أَحْزَنَنِي أَنِّي لَا أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ النِّفَاقُ ، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنْ الضُّعَفَاءِ)[54] .
وقد فهم الصحابة هذا المعنى فقدموا جهاد الطلب في سبيل الله على إصلاح ضيعاتهم وأراضيهم وتجارتهم لإزالة الصادين عن سبيل الله وعن طريق الدعوة إلى الله ، ورفع الظلم عن الناس في غير بلاد الإسلام ، وتعميتهم عن أن يروا صورة الإسلام الحقيقية دون تضليل أو تلبيس ، فكانوا يعدون الإقامة على إصلاح الأرض والانشغال بشئون التجارات وترك جهاد الطلب هو تفسير لمعنى التهلكة الوارد بقوله (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) ، باعتبار أن كل جهد لعمارة الأرض إذا لم يتبعه جهد مماثل في حمايتها مع عدو خارجي هو هدر لهذه العمارة برمتها ، فإن لم نغزوهم فسيغزونا ما لم يكونوا أهلا للمعاهدة ، وليست كل الدور أهلا للمعاهدة ، فلا بد من الغزو لمن لم يعاهد أو نكث .
فعَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ التُّجِيبِيِّ قَالَ كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنْ الرُّومِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُمْ أَوْ أَكْثَرُ وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَعَلَى الْجَمَاعَةِ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ فَصَاحَ النَّاسُ وَقَالُوا سُبْحَانَ اللَّهِ يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ هَذَا التَّأْوِيلَ وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ r إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الْإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ r يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) فَكَانَتْ التَّهْلُكَةُ الْإِقَامَةَ عَلَى الْأَمْوَالِ وَإِصْلَاحِهَا وَتَرْكَنَا الْغَزْوَ فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوبَ شَاخِصًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِأَرْضِ الرُّومِ)[55].
المعوق الخامس : إشكالية التجنيد وفق معيار التجرد عن الدنيا
في قَوْلُهُ (وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) قال السعدي أي (الخارجين عن طاعة اللّه، المقدمين على محبة اللّه شيئا من المذكورات)[56] ، في إشارة إلى أن الفسق هو وصف يلحق بمن يتخاذلون عن نصرة دين الله والمستضعفين في كل مكان ، أي يتخاذلون عن الجهاد وفي قدرتهم نصرة المستضعفين ، ما يومئ إلى أن قوة الجيش بانتقاء جنوده ، فلا ينضم له إلا أصحاب العقيدة ، وليس الفاسقين الخارجين عن أمور الشرع ، وهو ما يحيلنا إلى بحث مسألة التجنيد الإجباري ، هل هو حقا إجباريا أم أنه محض تصور ؟ وهل الذين لا ينضمون للواء المقاتلين وإن وصفوا بالفسق كما ذكرت الآية ، هل يجبرون جنائيا على الالتحاق أم يتركون ؟
لاسيما وقد ذكر الله في شأن المخلفين عن الغزو قوله (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (47) ، فالفاسقون الموصوفون في الآية هم هم الذين نعتتهم السورة في قوله سبحانه (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) ، أي فرحوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها .
مما تقدم نفهم أن التجنيد لم يكن في عهد رسول الله r إجباريا ، بدليل أن الذين تخلفوا عن الجهاد مع رسول الله وإن كانوا قد وصفوا بالفسق بنص الآية التي نحن بصددها ، ورغم ذلك لم توقع عليهم عقوبات جنائية ، وإن لحقتهم المعرة ، ذلك أن مجتمع الصحابة هم الرعيل الأول في الإسلام وما كان ينبغي عندهم التفرقة بين جهاد الطلب وجهاد الدفع وهم يحملون لواء هذه الدعوة وينصرون الله ورسوله ، ولذلك تطوعوا للجهاد وكأن التجنيد عندهم إجباريا ، فهم مجبرون عليه –ديانة -بحكم نصرتهم للنبي r وبيعتهم له على النصرة دون تفرقة بين جهاد الطلب وجهاد الدفع ، لكنهم غير مجبرون عليه قضاء ، وإن وجب عليهم الجهاد ديانة لأهل استنفار النبي r لهم على وجه خاص .
فلم توجد نصوص جنائية تعاقبهم على تخلفهم إن تخلفوا ، ورغم ذلك فلم نلحظ مرة أن الجيش الإسلامي اشتكى من قلة العدد ، بل كان شعارهم " كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ " (البقرة 249) ، ويوم أن زاد عددهم وبخهم القرآن لثقتهم في العدد فقال (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)(التوبة 25)
إذن التجنيد في الإسلام كان استنفارا طوعيا وبداعي الجهاد ، فكان يستعان باستنفار الناس للجهاد عند الحرب والحاجة ، بما يعرف باستنفار الإمام ، وهذا ما فعله أبو بكر في حروب الردة ، وعمر برغم عزم يزدجرد على قتال المسلمين.
أما بعد أن اتسعت الدولة الإسلامية وجب تكوين جيوش منظمة بصفة دائمة ، لاسيما بعد كثرة الفتن الداخلية ، فمن أول محاولات فرض التجنيد الإلزامي(أو نظامي) في الدولة الإسلامية كانت عهد الخليفة عبد الملك بن مروان ، وتحديداً في العراق تحت إدارة الحجاج بن يوسف الثقفي، وذلك كجزء من تنظيم الجيش الأموي لمواجهة التمردات والفتن عام (77 هـ / 696 م).
أما التجنيد الإجباري بمفهومه المعاصر فإنه لم يظهر في أي حقبة إسلامية إلا في نهاية الدولة العثمانية ، ويرجح أن ذلك نتيجة لإدخال القوانين الأوروبية في أنظمة الحكم العثماني قبيل نهايتها[57].
لكن يمكن القول بأنه في ظل التقدم التكنولوجي وتطور الأسلحة واستخدام وسائل تقنية حديثة والاستعانة بالكمبيوتر في التخطيط والتجسس والتنفيذ ، وأخذا بقاعدة ما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فقد أضحى من اللازم تنظيم جيش قادر على مواجهة العدو بذات الكفاءة العالية التي يتمتع بها العدو ، ما يعني أن الاستنفار أضحي ليس مجرد استنفار أعداد وحسب ، بل كفاءات وخبرات هندسية وطبية وكميائية وفيزيائية ..رياضية ..وزراعية وصناعية ومهارية عالية...الخ من أبناء الأمة ، وتوظيفها في خدمة بناء جيش قوي يعتمد على ذاته في تطوير سلاحه وتغذية جنده وعلاجهم ، وهذا لا يتأتى إلا بأن ينظم الإمام هذا الاستنفار على نحو ينظم الطاقات والفرص ولا يهدرها .
وفي ذات الوقت لا يجبر الأفراد على اللحوق بالخدمة العسكرية بدون رغبتهم ، لأن الأصل أن الجنود يقاتلون بعقيدة ، فإن لم تكن لديهم عقيدة للقتال ، ولا الرغبة فعلام يقاتلون ؟ ولذلك تجعل القوانين الوضعية أمر التهرب من أداء الخدمة العسكرية معاقب عليه بعقوبة الغرامة متى تخلف عن أدائها ابتداء ، أما وقد سلم نفسه لأداء ثم تخلف عن أداء واجباتها ، فذلك يعاقب بعقوبات عسكرية انضباطية ، حيث لم تزل عنه الصفة العسكرية .
فإذا ما علمنا أن عقوبة التهرب من أداء الخدمة العسكرية من الناحية العملية هي الغرامة علمنا أن التجنيد في هذا الفرض ليس إجباريا بالمعنى الجنائي في القوانين الوضعية ، ولكن نجد أن الشباب يقبلون على أداء الخدمة العسكرية طواعية لأن عدم أداء الخدمة العسكرية يضيع عليهم الفرصة في التقديم على وظائف سواء في القطاع العام أو الخاص ، وبالتالي يقضون فترة الخدمة العسكرية الإلزامية طواعية ليتسنى لهم الالتحاق بسوق العمل ، ما يعني أن الجزاء الحقيقي على التخلف عن أداء الخدمة العسكرية هو الحرمان من الوظيفة أو العمل على أرض الوطن ، وهذا جزاء عادل في إطار مبدأ المواطنة ، حيث أن الغنم بالغرم .
لكن بعض القوانين قد تشدد على التخلف عن أداء الخدمة العسكرية أو الاستدعاء أو مخالفة الأوامر العسكرية في أوقات الحرب ، وذلك لأن وقت الحرب كل من لم يؤيد ويساند ويدعم جيش بلده بكل أشكال الدعم فهو متواطئ مع العدو ، بشكل مباشر أو غير مباشر ، وكل من تخاذل عن تقديم الدعم الواجب أو امتنع عن ذلك فإنه خائن يجب عقوبته ، لأنه بخيانته يتسبب في تعطيل إيصال الدعم للجيش أو هلاكه مباشرة أو بطريق غير مباشر ، فعمله أشبه بجريمة القتل بالامتناع ، لأن الذي يتخلف عن الاستدعاء هو في الأصل جندي مدرب على القتال واستعمال السلاح بحسب تخصصه ، فإذا تخاذل عن نصرة أخوته وقومه فإنه يعاقب على جريمة القتل بالامتناع ، مثل المنقذ الذي يمتنع عن إنقاذ غريق ، أو من تمتنع عن أرضاع طفلها.
[1] ) رواه مسلم ج9 ص 459 رقم 3491
[2] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 202
[3] ) رواه ابن ماجة ج2 ص 445 رقم 731 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 124 رقم 604
[4] ) رواه البخاري ج2 ص 231
[5] ) طلبة الطلبة ج1 ص 412
[6] ) رواه البخاري ج5 ص 398 رقم 1422
[7] ) رواه البخاري ج6 ص 346 رقم1691
[8] رواه البخاري ج23 ص 66 رقم 6980
[9] ) أبو حفص سراج الدين النعماني : اللباب في علوم الكتاب ج8 ص 246
[10] ) رواه البخاري ج9 ص 354 رقم 2581
[11] ) الملا علي القاري : مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج11 ص 425
[12] ) رواه البخاري ج9 ص 350 رقم 2579
[13] ) رواه البخاري ج9 ص 364 رقم 2588
[14] ) رواه البخاري ج9 ص 364 رقم 2588
[15] ) ابن بطال : شرح صحيح البخاري ج5 ص 13
[16] ) البحر المحيط ج6 ص 143
[17] ) البحر المحيط ج6 ص 143
[18] ) التحرير والتنوير ج10 ص 54
[19] ) رواه مسلم ج9 ص457 رقم 3489
[20] ) تفسير حقي ج5 ص 12
[21] ) تفسير الرازي ج7 ص 485
[22] ) رواه البزار في مسنده ج2 ص 399
[23] ) سيرة ابن هشام ج1 ص 635
[24] ) تفسير الرازي ج7 ص 485
[25] ) تفسير الشعراوي ج3429
[26] ) رواه أبو نعيم الأصبهاني : معرفة الصحابة ج20 ص 365 رقم 6298
[27] ) البداية والنهاية لابن كثير ج3 ص 374
[28] ) ذكره البخاري في الأدب المفرد ج 1 ص 22 رقم24 باسم سعد بن أبي وقاص
[29] ) رواه مسلم ج12 ص 142 رقم 4432
[30] ) تفسير ابن كثير ج6 ص 337
[31] ) ابن عاشور : التحرير والتنوير ج10 ص 56
[32] ) البحر المحيط ج6 ص 144
[33] ) فتح الباري لابن رجب ج1 ص 43
[34] ) مجموع الفتاوى ج2 ص 453
[35] )رواه البخاري
[36] ) ابن عاشور : التحرير والتنوير ج10 ص 56
[37] ) رواه البخاري ج20 ص 314 رقم 6142
[38] ) فتح الباري لابن رجب ج11 ص 528
[39] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج1 ص 183
[40] ) في ظلال القرآن ج3 ص 492
[41] ) رواه مسلم ج10 ص 17 رقم 3532
[42] ) البحر المديد ج2 ص 391
[43] ) رواه مسلم ج10 ص 19 رقم 3533
[44] ) مفاتيح الغيب ج16 ص 16
[45] ) الفتاوى الكبرى ج5 ص 537
[46] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 124
[47] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 210
[48] ) تفسير الماوردي : النكت والعيون ج2 ص 349
[49] ) رواه أبو داود ج9 ص 325 رقم 3003 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج1 ص 42
[50] ) عون المعبود ج9 ص 242
[51] ) عبد الحي الكتاني : التراتيب الإدارية (نظام الحكومة النبوية) ج2 ص 46
[52] ) المناوي : فيض القدير ج1 ص 403
[53] ) ابن رجب الحكم الجديرة بالإذاعة ص 21
[54] ) رواه البخاري (4066) ومسلم (4973 .
[55] ) رواه الترمذي ج10ص 232 رقم 2898
[56] ) تفسير السعدي ج1 ص 332
[57] ) د محمد دراش ، علي أحمد العيسى : ملخص التجنيد الإجباري دراسة شرعية قانونية : ص 6 المجلد الثالث العدد الثاني 2024 وهو ملخص التجنيد الإجباري لعز الدين العبد بحث مقدم للماجستير جامعة صباح الدين الزعيم في الفقه الإسلامي 2021 ، وبحث أحكام التجنيد الإجباري لأحمد بن مسفر العتيبي .
-
الاربعاء PM 07:01
2026-05-13 - 15



