ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
خاتمة السورة (توجيهات إلهية لنبي الأمة لحفظ الدعوة حتى قيام الساعة)
د / احمد نصير
(توجيهات إلهية لنبي الأمة لحفظ الدعوة حتى قيام الساعة)
قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (86) وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ (87) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (89) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ (91) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)
أشارت الآيات إلى فناء السماوات والأرض بعد خلقهما ، وأن الله قدر للساعة موعدا ، هو موعد انتهاء الابتلاء في هذه الدنيا ، وإزاء موقف الكفار المتعنت معه ، فقد أرشد الله نبيه الخطوات الواجب اتباعها للتعامل مع هذا الموقف ، وأول هذا الأمر هو إرشاده بالصفح الجميل عمن استهزأ به.
فهناك علاقة حتمية بين ذكر الساعة والإرشاد إلى الصفح الجميل ، ألا وهي التذكير بأن الجزاء آتٍ لا محالة، وأن الانشغال بالخلق والانفعال بما يلاقيه منهم لا مبرر له، بل الأجدى العفو والإعراض الجميل عنهم ابتغاء مرضاة الله، مع التسليم بأن الله سيحاسب الجميع في وقته المحدد ، وليدخر حقه في القصاص منهم إلى يوم الساعة ، ولذلك خلقها الله تعالى ليقتص العبيد من بعضهم البعض، فقد خلق الله للجنة أهلا وللنار أهلا ، إذن لابد لأهل الدعوة التحلي بالصبر عمن يدعونهم في سبيل الله ، ولذلك أمر الله رسوله بالصفح عمن آذاه ، فلا يلتفت وينشغل بسخريتهم أو استهزائهم.
وبعد أن يخلي صدره وينقيه بالصفح عن إساءتهم ، فلا يحمل انتقاما ولا حقدا ، عليه -ثانيا-أن يملأه بالقرآن الكريم ، فأوصاه بالرجوع ابتداء لكتاب الله تعالى الذي فيه الهدى والإرشاد الكامل وليعتصم بفاتحة الكتاب التي أجمل الله فيها كل أحكام القرآن الكريم ، ففيها سبع آيات كافيات لجميع معاني القرآن العظيم .
ثم أرشده-ثالثا- لأن يغض الطرف عن حياة المترفين ، ففي النظر لمعيشتهم فتنة ، والله تعالى يريد أن يجعل قلب نبيه في حرز من هذه الفتنة ، ولذلك نهاه عن مجرد النظر حتى لا يتمنى قلبه ما تراه عينيه ، فإن غض البصر عن حال المترفين يعصم القلب من الانشغال بغير الله سبحانه ، وتمني الأخس الوضيع ، والانشغال بتحصيله ، وترك الغالي النفيس ، وإهمال الطرق الموصلة إليه .
وفي ذات الوقت أرشده –رابعا - بعدم الحزن علي هؤلاء المترفين أنهم ليسوا على الصراط ، وأنهم محرومون من العيش في الهدي الرباني ، فطالما أدى ما عليه من تكليف بالبلاغ فلا ينشغل بالنتائج ، فالمعنى المراد التوسط ، أي لا ينبهر بأهل الدنيا ، ولا يحزن على حالهم ، حتى لا يصيبه القنوط واليأس حال دعوته ، ومد يد العون لهم ، فالحزن يقلل العزم ، وقد يؤدي إلى الكسل عن مواصلة الدعوة والإرشاد إلى الحق .
ومن جهة أخرى أمره سبحانه –خامسا - بأن يلتف حول أصحابه المؤمنين فيهتم بشأنهم ، فهم نواة الدعوة الإسلامية ، وكلما قويت النواة كلما طالت سيقانها وتفرعت أفرعا كثيرة ، وخير سقاء لتلك النواة هو أن يتواضع معهم ، بخفض الجناح ، فكلما فعل ذلك أحاط بهم وحافظ عليهم ، فازدادت ثمار دعوته المباركة ، جيلا بعد جيل .
وأخيرا أمرته أن يمض في دعوته ، وليؤكد رسالته ونذارته لقومه ، غير آبه بتأمر المتآمرين ، ولا تحزب المتحزبين ، ولا الذين يريدون أن يبدلوا دين الله فيقسمون القرآن إلى أقسام ، قسم يبطلوه وقسم ينسبوه إلى كتبهم المحرفة باعتباره موافق لهم ، وهم بذلك الصنيع - في الحقيقة - يوفقون بين القرآن وأهواءهم .
وبعد أن أرشدت السورة النبي r كيف يتعامل مع من حوله ، وقسمت الناس إلى ثلاثة ، مستهزئين يصفح عنهم ، ومترفين يغض الطرف عن حالهم ولا يحزن عليهم ، وأصحابه المؤمنين حيث يخفض جناحه لهم ، أرشدته بضرورة التحول في هذه المرحلة من سرية الدعوة إلى جهريتها ، أي ارشدته بأن يبدأ بالجهر بالدعوة ، بعد تحقيق تلك الإرشادات الستة ، فعليه بأن يجهر بتلاوة آيات القرآن الكريم بعدما ظل لثلاث سنوات يسر بها في دار الأرقم بن أبي الأرقم ، كانوا يقرأون القرآن في السر حتى لا تسمعهم قريش ، وليعلم أنه حينما يفعل ذلك ويجهر بدعوته فإنهم ولا شك سوف يستهزئون به ، فعندئذ فلا ينزعج من استهزائهم ، فالله كافيه من شر استهزائهم ، فهم أهون من أن يصيبه أذى منهم ، لأنهم يعبدون آلهة أخرى غير الله لن تنفعهم ولن تغني عنهم وسوف يعلمون عدم نفعها وضلال عبادتهم لها ، وحينئذ يكونون هم المستهزأ بهم والمسخور منهم ، كما في قوله (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون) .
ولكن النبي r ورغم التزامه عملا بهذه التوجيهات الربانية إلا أنه كلما سمع منهم قولا يدل على كفرهم يضيق به صدره ، فيسري الله عنه بإخباره أنه سبحانه يعلم حاله ، وما ألم به من ضيق في الصدر ، فيسليه بهذه المعية ، ويلهمه ما يشرح صدره من هذا الضيق ، فيأمره بأن يفرج عن قلبه بالتسبيح بحمد ربه ، فالتسبيح يفرج الهم ، ويأمره بكثرة السجود لله ، والتزام صلاة الجماعة مع المؤمنين ، إذ لا شك أنها تفرج كل هم وغم ، وأن يلتزم العبادة حتى يأتيه الموت ، فذلك هو الدرب الذي سار عليه الأنبياء جميعا ، أي التزام التسبيح والذكر والعبادة دون انزعاج باستهزاء المشركين .
قوله (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ..) (85) الإشارة لخلق السماوات والأرض وما بينهما من مخلوقات وكائنات يدل على تدبير الله تعالى للكون ، وأن تدبيره تقدير ، وتقديره تدبير ، وأنه لم يخلق شيئا بغير حكمة ، قال تعالى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ).
قوله (..وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)(85) جاءت هذه الأية عقب ذكر قصص انتقام الله تعالى من قوم لوط وقوم شعيب وقوم ثمود ، لينتقل الخطاب بعدها إلى النبي r ، فلا يستعجل حساب قومه وانتقام الله ممن آذى المسلمين ، ففي قيام الساعة ما يكفي لأن يأخذ كل مظلوم الحق ممن ظلمه ، فينصر الله المظلومين ، ويقتص لهم ممن ظلمهم من قريش ، فليس عليه غير الانتظار والصبر ، ولذلك خلق الله الآخرة لتكون دار حساب وقصاص وجزاء ، وثوابه عند الله عظيم في الآخرة ، قال رسول الله r (مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الْحُورِ شَاءَ)[1]
وهو في هذا الحال عليه أن يتحلي بالصفح عنهم ، ليكون صفحه بنية التماس الهداية لهم ، فذلك هو الصفح الجميل ، أي بغير عتاب ، ولا لوم ، ولا مذلة ، كقوله (واهجرهم هجرا جميلا) وقوله (فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً) وَقَوْلُهُ (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) ، فهذا الأمر جاء بعدما ذكر الله عقابه لقوم لوط وشعيب وثمود ليبين الفارق بين هؤلاء وقوم النبي محمد r وقد خلت أخلاقهم من أخلاق أسلافهم التي كانت سببا في هلاكهم ، بل صاروا بعد هذا الصفح خير أمة أخرجت للناس لأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله .
يحكي الدكتور عائض القرني عن سيرة النبي r فيقول (وقد واجهه الأعراب بالجفاء وسوء الأدب، فحلم وصفح عنهم ، امتثالا لأمر ربه ( فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) ، فكان لا يكافئ على السيئة بالسيئة، بل يعفو ويصفح، وكان لا ينفذ غضباً إذا كان لنفسه ، ولا ينتقم لشخصه ، بل إذا أُغضب ازداد حلما ، وربما تبسم في وجه من أغضبه، ولذلك نصح أحد أصحابه فقال r (لا تغضب، ورددها مرار ، لا تغضب) [2] ، وكان يبلغه الكلام السيء r فلا يبحث عمن قاله، ولا يعاتبه، ولا يعاقبه، فكان r يقول (لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ)[3] وبلَّغه ابن مسعود كلاماً قيل فيه؛ فتغير وجهه وقال: (رحم الله موسى، أوذي بأكثر من هذا فصبر ) [4] ، وقد أوذي من خصومه في رسالته وعرضه وسمعته وأهله، فلما قدر عليهم عفا عنهم وحلم عليهم، وقال r (من كفَّ غضبه؛ كفَّ الله عنه عذابه) [5] ، وقال له رجلٌ: (اعدل)، فقال: خبت وخسرت إن لم أعدل) [6] ولم يعاقبه بل صفح عنه.
قوله (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ)(86) ومن جملة ما خلق الله أن خلق أهلا للباطل ، ليختبر بهم أهل الحق ، فتظهر رحمته وعقوبته ، قال رسول الله r (إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ)[7] .
فالجمع بين صفة الرحمة والعذاب هو من صفات الكمال الإلهي ، فلا شك أنه ليس بإله من ملك شيئا دون آخر ، أي ملك العقاب دون الرحمة ، أو ملك الرحمة دون العقاب ، ولذلك عُلم أن الله تعالى صاحب القدرة المطلقة والإرادة النافذة ، فكما أنه يملك العفو فإنه يملك العقوبة ،وذلك هو الحق الذي قامت عليه السماوات والأرض ،فسبحانه لم يخلق شيئا هملا أبدا.
وفي الآية إشارة إلى قدرة الله تعالى في عقابهم لإساءتهم لنبيه ، ولكنه سبحانه عليم بحالهم فلا يعجل عليهم ، فمنهم من أسلم قبل الفتح ومنهم أسلم يوم الفتح ، ومنهم من أسلم بعد ذلك ، وقال تعالى : (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ) (يس 81) أي أن الله تعالى خلقهم لحكمة فلا يعجل الدعاة إلى الله هلاك أقوامهم ، وإنما عليهم الصفح عنهم حتى يأذن الله بهدايتهم أو محاسبتهم على إساءتهم وأذاهم .
قال ابن عاشور في الآية (إيماء إلى بشارة النبي r بأن الله يخلق من أولئك من يعلم أنهم يكونون أولياء للنبي r وهم الذين آمنوا بعد نزول هذه الآية والذين ولدوا، وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وكان في أيام الجاهلية من المؤذين للنبي r دعاني داع غير نفسي وردني ... إلى الله من أطردته كل مطرد يعني بالداعي النبي r )[8].
فعن عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ r حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ r يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ فَقَالَ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رُدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ قَالَ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ فَمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ r (بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)[9]، فهي البذرة يبذرها أهل الدعوة وقد تنبت بعد حين .
قوله (وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ) (87) ففاتحة الكتاب فيها خير شفاء ، روى الدارمي عن عبد الملك بن عمير أن (فاتحة الكتاب شفاء من كل داء)[10] ، وهي مفرجة لما في الصدور من ضيق ، وقد أجملت معاني القرآن العظيم ، ولذلك كان النبي r يقرأ بها في كل ركعة ثم يقرأ ما تيسر من القرآن ليكون الإجمال ثم التفصيل
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ r فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ .. فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأَتَوْهُمْ .. فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ ...)[11] ، فإذا كانت فاتحة الكتاب لها تأثير شافي من الأمراض والأوجاع والسموم ، فإنها كذلك تشفي من الهموم والغم وضيق الصدر والكروب .
ناهيك عما في الكتاب العظيم من تفصيل ما في الفاتحة وشفاء عظيم ، قال سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)(يونس 57) ، وقال تعالى (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا)(الإسراء 82) .
قوله (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) قال الشنقيطي ( لما بين تعالى أنه آتى النَّبي r السبع المثاني والقرآن العظيم، وذلك أكبر نصيب، وأعظم حظ عند الله تعالى، نهاه أن يمد عينيه إلى متاع الحياة الدنيا الذي متع به الكفار؛ لأن من أعطاه ربه جل وعلا النصيب الأكبر والحظ الأوفر، لا ينبغي له أن ينظر إلى النصيب الأحقر الأخس، ولاسيما إذا كان صاحبه إنما أعطيه لأجل الفتنة والاختبار)[12] ، ولذلك قيل "طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافا وقنعه الله به"[13] ، ولذلك قال العلماء (مَنْ أوتِي القرآن فرَأى أنَّ أحَداً أوتِي مِنَ الدنيَا أفضل ممَّا أوتِي ، فقَد صَغَّرَ عَظِيماً وعَظَّمَ صَغِيراً) .
وبالرغم من أن النبي r كان أزهد الناس ، وأبسطهم في المعيشة ، فقد نهاه الله عن أن ينظر نعمة الله التي متع بها هؤلاء ، ليكتفي بما أعطاه الله من نعمة ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ ابْنَ أُخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثُمَّ الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ r نَارٌ فَقُلْتُ يَا خَالَةُ مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ قَالَتْ الْأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ r جِيرَانٌ مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ r مِنْ أَلْبَانِهِمْ فَيَسْقِينَا)[14] ، هكذا كانت بساطة النبي r في العيش ، تقول عائشة كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ)[15] .
قوله (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) وقد حزن النبي r عليهم ، كما بين الله في قوله (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (الأنعام 33) ، ونهاه الله عن الحزن عليهم في أكثر من موضع فقال سبحانه (وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (لقمان 23) ،وقوله (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) (النحل 127)
والعلة من النهي ألا تفتر عزيمته عن دعوتهم ، لأن الحزن يجلب اليأس ، واليأس يثبط الهمم ، قال ابن تيمية (الحزن إذا أفضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع مضرة منهى عنه ، وإن أفضى إلى ضعف القلب واشتغاله به عن فعل ما أمر الله ورسوله به كان مذموما عليه من تلك الجهة )[16].
وقال ابن القيم (اعلم أن الحزن من عوارض الطريق ليس من مقامات الإيمان ولا من منازل السائرين ، ولهذا لم يأمر الله به في موضع قط ولا أثنى عليه ولا رتب عليه جزاء ولا ثوابا ، بل نهى عنه في غير موضع كقوله تعالى (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) وقال تعالى (ولا تحزن عليهم ولاتك في ضيق مما يمكرون) وقال تعالى (فلا تأس على القوم الفاسقين) وقال (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) فالحزن هو بلية من البلايا التي نسأل الله دفعها وكشفها ،ولهذا يقول أهل الجنة (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن) فحمدوه على أن أذهب عنهم تلك البلية ونجاهم منها ،وفي الصحيح عن النبي أنه كان يقول في دعائه (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال) فاستعاذ من ثمانية أشياء كل شيئين منها قرينان فالهم والحزن قرينان ، وهما الألم الوارد على القلب فإن كان على ما مضى فهو حزن وإن كان على ما يستقبل فهو الهم ...
... والحزن يضعف القلب ويوهن العزم ويضر الإرادة ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن قال تعالى (إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين ءامنوا) فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره والثواب عليه ثواب المصائب التي يبتلى العبد بها بغير اختياره كالمرض والألم ونحوهما )[17].
قوله ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (88) أمره بأن يتعامل مع أصحابه المؤمنين بالتواضع ، والبساطة ، وليس بالأوامر والنواهي ، وإن حق له r أن يأمرهم وينهاهم لأنه رسول من ربه ، ولكن الله أمره في غير موطن البلاغ أن يخفض جناحه لهم من باب الملاطفة ، فمن يلاطفهم إذا لم يلاطفهم النبي r وقد أساء إليهم كفار قريش ، فأمره بلين الجانب لهم ، والبشاشة في وجوههم ، والجناح هنا استعارة لأن الطائر إذا أراد النزول من الطيران فإنه يخفض جناحه ، فهي استعارة مكنية للدلالة على بساطته معهم ووده لهم دون تعالٍ أو فظاظة ، قال تَعَالَى : ( وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) [ آل عمران : 159 ] .
والوصية بذلك جاءت في موطن استهزاء الكفار بالنبي r وإيذاءهم له ، وقد ضاق صدره من ذلك ، فلا يفرغ همه وغضبه علي أصحابه ، وهو r منزه عن ذلك حتما ، ولكن الخطاب له تربية لأمته أن يحرصوا على تلك الأخلاق مع إخوانهم حتى لا يتأثروا بمعاقبة قومهم لهم على حسن إسلامهم ، وإنما يكونوا كالشجر يلقيهم الناس بالحجر فيلقي إليه الثمر ، فكان أولى الناس بحسن المعاملة المؤمنين من حوله ، لاسيما وقد ذاقوا ما ذاق من الاضطهاد والتعذيب وسوء المعاملة ، فكان في لين رسول الله معهم تسرية لهم وتخفيف من أذى قومهم ، يقول النبي r (إنما الصبر بالتصبر) يعني أنهم يصبرون بعضهم بعضا فيخف عليهم الابتلاء جميعا .
قوله (وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ) (89) وذلك هو بيت القصيد ، فلا ينشغل عن أركان الدعوة بإيذاء قومه له ،وإنما عليه أن يظل مشغولا بوظيفته وهي أن ينذر قومه غضب الله عليهم إذا لم يرعوا حق ربهم عليهم ، وعليه أن يبين لهم تلك النذارة .
ولذلك جمع النبي r الوفود ليبين لهم ذلك ، فبدأ بأهل قرابته ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) صَعِدَ النَّبِيُّ r عَلَى الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِي يَا بَنِي فِهْرٍ يَا بَنِي عَدِيٍّ لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ فَقَالَ أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ قَالُوا نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا قَالَ فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا فَنَزَلَتْ (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ)[18] ، وهكذا كفى الله نبيه استهزاء عمه به بتلك الآيات التي تتلى إلى يوم القيامة ، ولم تبطل دعوة النبي r باستهزائهم ، بل ظل يدعو حتى أتاه اليقين .
قوله (كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ) (90) قال ابن كثير أي:(المتحالفين، أي: تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم، كما قال تعالى إخبارًا عن قوم صالح أنهم (قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ) [النمل: 46] أي: نقتلهم ليلا قال مجاهد: تقاسموا: تحالفوا)[19] .
قوله (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ) (91) قال ابن كثير (هم أهل الكتاب، جَزَّؤوه أجزاء، فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه)[20]، حيث قالوا - لعنادهم وعداوتهم - (بعضه حق موافق للتوارة والإنجيل ، وبعضه باطل مخالف لهما ، فاقتسموه إلى حق وباطل ، وعصوه)[21].
قوله (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (93) القسم لإفادة أن موعد حسابهم ليس في الدنيا ، بل الحساب الحق يبدأ عند السؤال في غير دار الدنيا ، فالسؤال حق ، وما كان ربك نسيا ، قال تعالى (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (الصافات 26) .
إذن القسم للتأكيد على أن الله معه عليهم ، وأنه سوف يسألهم ويحاسبهم ، فلا يهوله أعمالهم السيئة وتحزبهم عليه ، فهم أهون من أن يجيبوا على سؤال ربهم ، كما في قوله (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) (المرسلات 36) .
قوله (فَاصْدَعْ [22]بِمَا تُؤْمَرُ ...) (94) قال أبو حيان (الصدع : الشق ، وتصدع القوم تفرقوا ، وصدعته فانصدع أي شققته فانشق)[23] ، فاللفظ يوحي بتغيير الحال بالقوة ، أي قوة كلمة الحق ، فهنا وبعد أن أكدت الآيات هوان الكافرين المستهزئين ، ومعية الله لعباده المخلصين وحفظه لهم ، جاء الأمر من الله تعالى بالصدع بكلمة الحق لإبطال الباطل وإنكار المنكر ، فالصدع في معناه الشرعي يعني أن كلمة الحق إذا قيلت فإنها تفلق الباطل وتشقه ، لا تبقيه على حاله ، كما في قوله (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (سبأ 48) ، أي يقذف الباطل بالحق ، كما في قوله (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ)(الأنبياء 18)
ولذلك قال المنشغلون بالسيرة أن (الدعوة كانت في مبدأ أمرها سرية تتم في الكتمان والخفاء، حتى لا يقاومها الأعداء وهي لم تزل في مهدها الصغير، ثم تطورت بعد ثلاثة أعوام من بدء الوحي، حينما نزلت الآية: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) واتخذت مظهر الجهرية الصريحة والإعلان العام، فأصبح محمد r يجمع القوم ويكاشفهم بأمر الدين الحنيف، وقد بدأ بعشيرته الأقربين)[24] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : ثُمّ دَخَلَ النّاسُ فِي الْإِسْلَامِ أَرْسَالًا مِنْ الرّجَالِ وَالنّسَاءِ حَتّى فَشَا ذِكْرُ الْإِسْلَامِ بِمَكّةَ وَتُحَدّثَ بِهِ . ثُمّ إنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ أَمَرَ رَسُولَهُ r أَنْ يَصْدَعَ بِمَا جَاءَهُ مِنْهُ وَأَنْ يُبَادِيَ النّاسَ بِأَمْرِهِ وَأَنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ وَكَانَ بَيْنَ مَا أَخْفَى رَسُولُ اللّهِ r أَمْرَهُ وَاسْتَتَرَ بِهِ إلَى أَنْ أَمَرَهُ اللّهُ تَعَالَى بِإِظْهَارِ دِينِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ - فِيمَا بَلَغَنِي - مِنْ مَبْعَثِهِ ثُمّ قَالَ اللّهُ تَعَالَى لَهُ (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) ، وَقَالَ تَعَالَى (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ، (وَقُلْ إِنّي أَنَا النّذِيرُ الْمُبِينُ)[25].
وقد لخص سيد قطب مفهوم وضوابط الصدع بكلمة الحق فقال (إن الصدع بحقيقة هذه العقيدة؛ والجهر بكل مقوّماتها وكل مقتضياتها . ضرورة في الحركة بهذه الدعوة؛ فالصدع القوي النافذ هو الذي يهز الفطرة الغافية؛ ويوقظ المشاعر المتبلدة؛ ويقيم الحجة على الناس ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة ) أما التدسس الناعم بهذه العقيدة؛ وجعلها عضين يعرض الداعية منها جانبا ويكتم جانبا ، لأن هذا الجانب يثير الطواغيت أو يصد الجماهير! فهذا ليس من طبيعة الحركة الصحيحة بهذه العقيدة القوية ، والصدع بحقيقة هذه الحقيقة لا يعني الغلظة المنفرة ، والخشونة وقلة الذوق والجلافة! كما أن الدعوة بالحسنى لا تعني التدسس الناعم ، وكتمان جانب من حقائق هذه العقيدة وإبداء جانب ، وجعل القرآن عضين . . لا هذه ولا تلك . . إنما هو البيان الكامل لكل حقائق هذه العقيدة؛ في وضوح جلي ، وفي حكمة كذلك في الخطاب ولطف ومودة ولين وتيسير) [26].
وأثر الصدع بكلمة الحق في مثل هذه الظروف ، أي بعد انتهاء فترة سرية الدعوة عظيم في نشر الدعوة وتقوية الفئة المؤمنة على الثبات والشجاعة والجسارة في الصدع بتلك الكلمة في الوقت الذي لا تزال هذه الفئة ممنوعة من أن تقاتل أو تنتقم أو تقتص ممن أذاها ، أي لا تزال مرحلة كف اليد قائمة ، ما يعني أنها سوف تخوض غمار تجربة غاية في الصعوبة ، وتتحمل مشاق لم تتعود عليها من ذي قبل ، ولكن هذه المرحلة تتطلب مثل هذه التضحيات ، وليس في ذلك أي معنى للمجازفة بالدعوة ، وليس معنى ذلك إلقاء المسلمين أنفسهم في التهلكة ، بل هي كما أمر الله صدع بكلمة الحق فتنفلق بها صفوف الباطل ، وتشقه شقا ، ولذلك يقول النبي r عندما سئل عن أفضل الجهاد فقال (كلمة حق عند إمام جائر) [27] ، وقال رسول الله r (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب و رجل قال إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)[28].
فالصدع بكلمة الحق هو نوع من البلاغ عن الله ، فكلمة الحق علم عن الله ، ولا يجوز كتمانها ، لقول النبي r (أيما رجل آتاه الله علما فكتمه ألجمة الله يوم القيامة بلجام من نار)[29] ، والصدع بكلمة الحق في تحول حثيث لطريقة تغيير المنكر ، أي أن مرحلة سرية الدعوة كان تغيير المنكر بالقلب ، أما عند التحول إلى مرحلة جهرية الدعوة هنا تكون وسيلة تغيير المنكر القول والجهر به وليس مجرد إنكار القلب الذي هو أضعف الإيمان ، يقول النبي r (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ)[30].
قوله (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (94) اقترن الأمر بالصدع بالإعراض عن المشركين ، ذلك أن هذه المرحلة من مراحل الدعوة ليس فيها جهاد ، بل لا تزال الدعوة في إطار خصائصها المكية ، فكان لابد أن يلتزم النبي r منهج الإعراض عن المشركين ، محاولا ألا يصطدم معهم ، وعليه أن يبذل كل البذل لأن يمنع أي صراع دموي مسلح مع هؤلاء ، ولا يزال البلاغ عن الله لم يكتمل ، ولا تزال الدعوة في مهدها ، ولا يزال الناس يحوط بهم المشركون ، وليس عليهم ذنب أن صدهم المشركون عن السماع عن رسول الله r ، ولذلك جاء الأمر بالصدع رغم كل ذلك ، بحيث يصبر على أذاهم الذي سوف يزيد ولا شك ، ولا يتخلى عن الصدع بكلمة الحق .
فالواجب في هذه المرحلة ليس مجادلة المشركين سواء بالقول أو بالسيف ، بل الواجب هو إيصال البلاغ لهم مع التمسك بالعلم والعمل به والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والثبات على ذلك ، أي الصبر على الفتن حتى يلقى العبد الله ، قال البيهقي في هذه الآيات (ففرض عليه إبلاغهم وعبادته ، ولم يفرض عليه قتالهم )[31].
فعَنْ أَبِي ذَرٍّ يقول (إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ عُلَمَاؤُهُ كَثِيرٌ وَخُطَبَاؤُهُ قَلِيلٌ مَنْ تَرَكَ فِيهِ عُشَيْرَ مَا يَعْلَمُ هَوَى أَوْ قَالَ هَلَكَ وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَقِلُّ عُلَمَاؤُهُ وَيَكْثُرُ خُطَبَاؤُهُ مَنْ تَمَسَّكَ فِيهِ بِعُشَيْرِ مَا يَعْلَمُ نَجَا)[32] ، وعن بن مسعود يقول : (إنكم في زمان كثير فقهاؤه قليل خطباؤه ، قليل سؤاله كثير معطوه ، العمل فيه قائد للهوى ، وسيأتي من بعدكم زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه ،كثير سؤاله قليل معطوه ، الهوى فيه قائد للعمل ، اعلموا أن حسن الهدي في آخر الزمان خير من بعض العمل)[33].
قوله (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) (95) نزلت هذه الآية لتطمئن الصحابة بعدما استشعروا صعوبة الصدع بالحق بعدما ظلوا ثلاث سنوات يسرون الأمر ، يقول الشيخ رحمت الله (لما نزلت هذه الآية بشر النبي r أصحابه بأن اللّه كفاه شرهم وأذاهم وكان المستهزئون نفراً بمكة ينفرون الناس عنه ويؤذونه فهلكوا بضروب البلاء وفنون العناء فتم نوره وكمل ظهوره)[34].
قال ابن جزي أنها نزلت في قوم مخصوصين (يعني قوماً من أهل مكة؛ أهلكهم الله بأنواع الهلاك من غير سعي النبي r ، وكانوا خمسة : الوليد بن المغيرة ، والعاصي بن وائل ، والأسود بن عبد المطلب ، والأسود بن عبد يغوث وعدي بن قيس ، وقصة هلاكهم مذكورة في السير)[35] ، ما يعني أن الله تعالى إذ كف أيدي الصحابة في الفترة المكية عن الجهاد في سبيل الله ، فإنه كفاهم شر القتال ، ومنعهم وحفظهم من شر المستهزئين ، وهكذا يتدرج التكليف بحسب المرحلة التي تمر بها الدعوة ، أما في المرحلة المدنية فقد أذن للنبي r بالجهاد ، وهو ما تزامن بكثرة غارات الكفار والمشركين وتحزبهم على حربه ، من هذا نرى أن الله يكلف عباده ما يطيقون ، فلا يكلفون إلا بما يستطيعون ، فلو أذن لهم بالجهاد في العهد المكي لما استطاعوا ، فكفاه الله شر استهزاءهم به ، فضلا عن محاربته .
والتعبير عن كفاية الله لنبيه شر المستهزئين به تقدم بلفظ (إِنَّا) الذي يدل على عظمة الله تعالى في سلطانه ، وأنه هو الذي يكفي عبده شرهم ، كما في قوله تعالى: (والله يعصمك من الناس) ، وقوله: (فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) .
وعن بن عباس في قوله "إنا كفيناك المستهزئين" قال (المستهزئين الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب أبو زمعة من بنى أسد بن عبد العزى والحارث بن غيطل السهمي والعاص بن وائل السهمي ، فأتاه جبريل عليه السلام فشكاهم إليه رسول الله r فأراه ابا عمرو الوليد بن المغيرة فأوما جبريل إلى أبجله فقال ما صنعت شيئا فقال كفيتكه ثم أراه الحارث بن غيطل السهمي فأوما إلى بطنه فقال ما صنعت شيئا فقال كفيتكه ثم أراه العاص بن وائل السهمي فأوما إلى اخمصه فقال ما صنعت شيئا فقال كفيتكه .
فأما الوليد بن المغيرة فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبلا له فأصاب أبجله فقطعها
وأما الأسود بن المطلب فعمى فمنهم من يقول عمى كذا ومنهم من ، يقول نزل تحت شجرة فجعل يقول يا بني لا تدفعون عني قد هلكت اطعن بشوك في عينى فجعلوا يقولون ما نرى شيئا فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه
وأما الأسود بن عبد يغوث فخرج في رأسه قروح فمات منها
وأما الحارث بن غيطل فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه فمات منها ، وأما العاص بن وائل فبينما هو كذلك يوما حتى دخل في رجله شبرقة حتى امتلأت منها فمات)[36].
ما يعني أن تخفيف التكليف عن الصحابة بكف أيديهم عن الجهاد وإلزامهم بالصبر على كلمة الحق قوبل بمزيد من كفاية الله لهم ، وتنزيل الملائكة للذود عنهم ، وكلما قوى المسلمين زاد التكليف حتى يكلفوا بالجهاد في سبيل الله ، وهكذا كلما زاد الإيمان زاد البلاء .
قوله (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (96) تبين الآية للنبي r هوان هؤلاء المستهزئين ، فهم مجرد مشركون بالله ، لا أكثر من ذلك ، فلا قيمة لاستهزائهم وسخريتهم ، فمن استعان بغير الله لم يعان ، ومن والى غير الله لم ينصر ، فكيف بهؤلاء يستهزئون وهم المستهزأ بهم ، إذ لا ناصر لهم ولا معين ولا مغيث ، فسوف يعلمون حقيقة أمرهم ، وذلك حين يضحك عليهم المؤمنون ويستهزئون بهم ، قال تعالى (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المطففين 36)
قوله (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ)(97) (ضيق صدر العامل في الدعوة له أثار سلبية تضره ودعوته ، التي يتمثل أهمها في تبديد الجهد والشعور بهدر الطاقة)[37]، هنا يجيء الخطاب القرآني بهذه الآية ليشعر النبي r بأن الله يعلم ما في صدره من ضيق ، وكأنه مخنوق أو به دخان ، فتنفرج أساريره ويتسع صدره ويتحرك بالهواء منشرحا أن علم أن الله يعلم حاله ، بذلك تنمو طاقته من جديد ويتضاعف جهده ، وكأن شيئا لم يحصل له .
قوله (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) (98) فهذه أمور ثلاثة (التسبيح ، السجود ، العبادة) أرشد الله بها نبيه عندما يجد أن هم الدعوة قد أثقله ، وسخرية المدعوين قد ضاق بها صدره ، لتنفرج أساريره وتتفتح زهرة قلبه ، ليجدد دعوته بذات القوة التي بدأها ، وهي :-
- التسبيح بحمد ربه
- الانضمام لصفوف الساجدين في صلاة الجماعة ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ r (إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى)[38]
- كما أوصاه بالتزام العبادة حتى الموت ..فالعبادة في مواطن النعمة دليل على الشكر ، وفي مواطن البلاء دليل على الاستعانة بالله وحده ، وللعبادة هنا تشير إلى أمر مخصوص .
قال القاسمي (أعلمه بما يزيل ضيق الصدر والحزن ، وذلك أمره من التسبيح والتحميد والصلاة ، كما قال تعالى : ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ) [ البقرة : 45 ] ، وقال : ( أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) [ الرعد : 28 ] ،(ومعلوم أن في الإقبال على ما ذكر ، استنزال الإمداد الرباني بالنصر والمعونة) [39]؛ لقوله : ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة : 153 ] و [ الأنفال : 46 ] ، وقوله : ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) [ البقرة : 152 ] ، وقوله : ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) [ النحل : 128 ] .
قوله (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)(99) والمراد باليقين : "الموت" بإجماع المفسرين[40] ، قال ابن عجيبة أي : (الموت ، فإنه متيقن لحاقه ، وليس اليقين من أسماء الموت ، وإنما العلم به يقين ، لا يمتري فيه ، فسمي يقيناً؛ تجوزاً ، أو : لما كان يحصل اليقين بعده بما كان غيباً سمي يقيناً ، والمعنى : فاعبده ما دمت حياً ، ولا تُخِلّ بالعبادة لحظة)[41]، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ :(لمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لِعَمَلِ الْمُؤْمِنِ غَايَةً دُونَ الْمَوْتِ ؛ وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ)[42]
يقول الدكتور فالح (ويدخل فيه المواصلة والاستمرار في الدعوة مع عدم المبالاة بالاستهزاء والسخرية والاتهام وعدم الاستعجال للنتائج والثمار ، فأنت تبني وتزرع وغيرك يقطف كما قطفت ثمار من زرع قبلك , وقد لا ترى ثمار عملك, فليبذل الداعية بما أوتي من جهد في سبيل دعوته)[43].
يقول الشاعر عبد العزيز صبري[44] : - على المرء أن يسعى إلى الخير جهده ....... وليس عليه أن تتم المقاصد
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
||
|
[1] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 225 رقم 4176 ورواه أبو داود ج12ص397 ،وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 114 ، 128
[2] ) رواه البخاري ج19 ص 74 رقم 5651
[3] ) رواه أبو داود ج12 ص 498 رقم 4218 ضعفه الألباني لجهالة أحد الرواة
[4] ) رواه البخاري ج10 ص 403
[5] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج6 ص 315 رقم 8311 وأبو يعلي في مسنده ج7 ص 302 رقم 4338 ، وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة ج1 ص44
[6] ) رواه مسلم ج5 ص 299 رقم 1765
[7] ) رواه مسلم ج13 ص 137 رقم 4813
[8] ) التحرير والتنوير ج13 ص 63
[9] ) رواه مسلم ج9 ص 278 رقم 3352
[10] ) رواه الدارمي ج2 ص 538 رقم 3370 وقال حسين سليم أسد : إسناده صحيح غير أنه مرسل
[11] ) رواه البخاري ج8 ص 48 رقم 2115
[12] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج2 ص 315
[13] ) رواه ابن حبان ج2 ص 480 رقم 705
[14] ) رواه البخاري ج9 ص 10 رقم 2379
[15] ) رواه أحمد ج51 ص 333 رقم 24176
[16] ) أحمد بن تيمية : أمراض القلب وشفاؤها ج1 ص 43
[17] ) طريق الهجرتين ج1 ص 419-420
وقال (وأما أن يكون عبادة مأمورا بتحصيلها وطلبها فلا ففرق بين ما يثاب عليه العبد من المأمورات وما يثاب عليه من البليات ولكن يحمد في الحزن سببه ومصدره ولازمه لا ذاته فإن المؤمن إما أن يحزن على تفريطه وتقصيره في خدمةربه وعبوديته وإما أن يحزن على تورطه في مخالفته ومعصيته وضياع أيامه وأوقاته وهذا يدل على صحة الإيمان في قلبه وعلى حياته حيث شغل قلبه بمثل هذا الألم فحزن عليه ولو كان قلبه ميتا لم يحس بذلك ولم يحزن ولم يتألم فما لجرح بميت إيلام وكلما كان قلبه أشد حياة كان شعوره بهذا الألم أقوى ولكن الحزن لا يجدي عليه فإنه يضعفه كما تقدم بل الذي ينفعه أن يستقبل السير ويجد ويشمر ويبذل جهده وهذا نظير من انقطاع عن رفقته في السفر فجلس في الطرريق حزينا كئيبا يشهد انقطاعه ويحدث نفسه باللحاق بالقوم فكلما فتر وحزن حدث نفسه باللحاق برفقته ووعدها إن صبرت أن تلحق بهم ويزول عنها وحشة الانقطاع فهكذا السالك إلى منازل الأبرار وديار المقربين)
[18] ) رواه البخاري ج14 ص 434 رقم 4397
[19] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 548
[20] ) تفسيرابن كثير ج4 ص 549
[21] ) البحر المحيط لابي حيان ج7 ص 218
[22] ) منه قولهم: انصدع الصبح: انشق عنه الليل، والصديع: الفجر لانصداعه
[23] ) البحر المحيط ج7 ص 216
[24] ) محمد الطيب النجار : القول المبين في سيرة سيد المرسلين ج1 ص 113
[25] ) سيرة ابن هشام ج1 ص 262
[26] ) في ظلال القرآن ج4 ص 451
[27] ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ج2 ص 166 رقم 1596 ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج2 ص 284 رقم 2305
[28] ) رواه الحاكم في المستدرك ج3 ص 215 رقم 4884 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج1 ص 716 رقم 374
[29] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج10 ص 128 رقم 10218 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 448
[30] ) رواه الترمذي ج8 ص 75 رقم 2095 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج5 ص 169
[31] ) معرفة السنن والآثار للبيهقي ج14 ص 230 رقم 5538
[32] ) رواه أحمد ج43 ص 374 رقم 20408 ، وروي الحديث بلفظ (عُشر) وليس (عُشير) وقال الألباني في الصحيحة ج6 ص 40 رقم 2510 كنت خرجت حديث أبي هريرة بنحوه في الضعيفة برقم 684 ، ثم وجدت أنه لم يتفرد به فلم أر من الأمانة العلمية إلا تصحيحه
[33] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 275 رقم 789 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج 1ص292 رقم 789/609
[34] ) الشيخ رحمت الله بن خليل الرحمن الهندي : إظهار الحق ج2 ص 44
[35] ) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ج1 ص 819
[36] ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ج5 ص 173 رقم 4986 وصححه الألباني في صحيح السيرة النبوية ج1 ص 221
[37] ) السيد محمد نوح : آفات على الطريق ج2 ص 43
[38] ) رواه أبو داود ج4 ص 88 رقم 1124 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج 3 ص 319
[39] ) محاسن التأويل للقاسمي سورة الحجر الآية 98-99
[40] ) انظر مرقاة الفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج1 ص 151 مجموع الفتاوى لابن تيمية ج11 ص 418
[41] ) البحر المديد ج3 ص 241
[42] ) مجموع الفتاوى لابن تيمية ج11 ص 539 ابن القيم : مدارج السالكين ج3 ص 316
[43] ) أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر أستاذ السنة وعلومها بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ، مثل ما بعثني الله ص62
[44] ) بوابة الشعراء : https://poetsgate.com/poem.php?pm=156997
[45] ) يمكن استبدال الوطن بكلمة الدين ، لأن الأرض كلها وطن المسلم ، فالأرض لله يورثها من يشاء
-
الاحد PM 05:29
2026-03-15 - 9



