ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
حفظ الدين بحفظ الوحي وتكريث الإيمان بالغيب
د / احمد نصير
حفظ الدين بحفظ الوحي وتكريث الإيمان بالغيب
قال تعالى (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (8) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (13) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15)
يطعن أهل الكفر في دعوة الإسلام دوما من خلال الطعن إما في شخص النبي المرسل إليهم أو الطعن في الكتاب الذي أنزل عليه ، وأيسر وسيلة للطعن في شخص النبي إتهامه بالجنون ، لأن الجنون لا يمكن إثباته ، ولكنه وصف إذا ألصق بشخص سارت الشائعة كالنار في الهشيم فيحذر منه الناس ويجتنبوه ، كما أنهم يطعنون في الوحي بالطعن في كيفية اتصاله بالنبي ، فيطعنون في الملائكة التي نزلت بالوحي ، وينكرون وجودها ، ويتحدون النبي بأن يظهرها لهم ، وهنا يرد الله تعالى على هؤلاء الطاعنين بأنه حافظ لكتابه ودينه من التحريف والتبديل والمحو بحفظه لحاملي الكتاب في صدورهم ، فهو محفوظ في السطور ومحفوظ في صدور العلماء ، وكذلك يحفظ الله أنبياءه ورسله وأهل دعوته من استهزاء المشركين ، الذي عجزوا عن تدبر آيات القرآن ووقفوا منها موقف الصاد عن سبيل الله ، ولو أنهم عقلوا معانيه وتدبروا آياته لما اقترحوا معجزات مادية هم أنفسهم أول من يكفر بها إذا حصلت بقولهم أنهم مسحورون ، فالآية المعنوية لا يمكن التكذيب إذا تعرف عليها القلب ، بينما الآيات المادية يسهل تكذيبها وعدم تصديقها إذا ما خال للمرء إمكان خداع البصر بها.
قوله تعالى (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ) (8) تصف الآيات هذا الصنف من الكافرين ، الذين ودوا لو كانوا مسلمين ، فهم أنفسهم الذين يقفون أمام النبي r بموقف المستهزئ ، والمتهم له بالجنون ، بما يؤكد أن الذي حال بينهم وبين الإيمان سببان وهما لهما صفتان :-
فالسبب الأول : الكبر الذي هو بطر الحق ، ولذلك اتهموه بالجنون تسفيها لعقله الراشد حتى لا يكونوا هم السفهاء ، وهذا هو ديدن الكفار في مواجهة أنبيائهم حيث يتهمون الرسل والأنبياء (نوح، موسى، محمد عليهم السلام) بالجنون من قبل أقوامهم كنوع من التكذيب والمواجهة لرسالتهم، وهو أسلوب دفاعي يلجأ إليه الكفار أو الطغاة لتشويه الحقائق، والتهرب من الحجة، وإبعاد الناس عن دعوة الحق ، يقول الشيخ أحمد القطان (اتهام العقلاء بالجنون هو وسام شرف ، لأن الرسل جميعا سبق اتهامهم بهذا الاتهام) [1]، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم بـ (كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) ، وهذا الاتهام باطل ، ودليل ذلك هنا أنهم طلبوا منه الإتيان بالملائكة ، والمجنون لا يُطلب منه فعل شيء ، إلا كان الطالب هو المجنون[2] ، يقول الشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي (الجنون طريق الأنبياء ، والأنبياء كلهم اتهموا بهذه التهمة ، فمن سار على دربهم واتهموه بهذه التهمة فليحمد الله على هذه النعمة)[3].
والسبب الآخر : استبان من قولهم (لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (7) إذ أفصح عن المادية التي استغرقت تفكيرهم وأغلقت مداخل وجدانهم ، نظرا لأنه يحدثهم عما غاب عن حواسهم ، فتحدوه أن يأتيهم بالملائكة التي تنزلت عليه بالوحي كدليل مادي على صدق قوله ونبوته ، وقالوا (فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) (الزخرف53) ، أي أنهم يريدون أن يروا ما حكاه لهم ، فالنبي r يحدثهم أنهم مرسل من الله تعالى بكلام نزل من عنده جاء به إليه الملك جبريل ، فيقولون له إن كنت تزعم أنك لم تر الله ، ورؤية الله متعذرة في الدنيا ، حيث لا تدركه الأبصار ، وقد زعمت أنك رأيت ملكا من عنده ، وهو جبريل ، فلماذا لا نراه كذلك ؟ ليكون شاهدا على تلك القصة التي تقصها علينا .
فكانت الإجابة عليهم من الله تعالى من شقين :-
الشق الأول قوله (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ) أي أنها تتنزل لأسباب شرعية هي حق ، ولا تنزل لمجرد طلبكم الذي ليس بحق ، قال الزمخشري أي لا تنزل (إلا تنزلا ملتبساً بالحكمة والمصلحة ، ولا حكمة في أن تأتيكم عياناً تشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النبي r ، لأنكم حينئذ مصدّقون عن اضطرار )[4]، لاسيما وقد أبان القرآن انتفاء حصول الإيمان منهم حتى لو حصل ذلك فعلا ، قال تعالى (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) (الأنعام 9) ، وقال تعالى (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا)(الإسراء95)
والشق الثاني من الإجابة قوله (وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ) قال الزمخشري "إِذَا" جواب وجزاء ، جواب لهم وجزاء لشرط مقدر تقديره : (ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر عذابهم )[5]، قال النيسابوري ( ولا حكمة في إنزالهم –أي الملائكة- لأنهم لو نزلوا ثم لم تؤمنوا وجب عذاب الاستئصال)[6]، أي لو حصل ذلك لما أمهلكم الله لو كذبتم ما رأيتهم .
من هنا نفهم حقيقة الإيمان بالله الذي هو أساس التوحيد ، وضرورة الإيمان بالغيب كله ، فلا إيمان بما هو مشاهد ،بل يتحقق الإيمان بما هو غائب عن عالم الشهادة ، وهذا هو التكليف الرباني بالإيمان ، ولو أراد الله منا إيمان المضطر لأنزل علينا آية تلوي الأعناق ، كما قال (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) (الشعراء 4) ، وليس ذلك هو مراد الله من الخلق ، فالله تعالى يريد منا إيمانا ينبع من القلب بكل ما أخبر به، وليس مجرد إيمان نابع عن عمل الحواس وحسب ، فالمعرفة لا يقتصر مصدرها على الحسّ والتجربة وحدهما ، بل إن للعقل دور كبير في الاستنباط والاستدراك والفهم والتحليل ، ومن خلال الحسّ والعقل نتعلم ما لم نكن نعلم .
والله غيب -لا يُرى ولا يُمسّ - لكن وجدان المؤمن يؤمن به كحقيقة ترتكز على أسس علميّة وعقليّة ، فكلّ ما حولنا يدلّ على الله وقدرته وإن لم تدركه أبصارنا ، انطلاقاً من القاعدة العقلية التي تقرِّر بأن لكل شيء صانع ، ولكل موجود موجد ، ولكل حادث سبب ، وعند التأمل في تسلسل الأسباب وموجد الموجودات وخالق كل صانع نجد أن العقل يقف هنا عند نقطة واحدة بأنه لابد لهذا الكون من خالق واحد ، يستحق إفراده بالعبادة والتأليه ، بهذا نطق الكون بأنه لا إله إلا الله .
والمؤمن الذي يؤمن بالله من خلال آثاره ومخلوقاته التي تدلّ علي عظمة الخلق، هو هو الذي يؤمن بالملائكة ، باعتبار أن الإيمان بالملائكة فرع من الإيمان بالله ، ومترتب عليه ، فطالما عرفنا أن الله سبحانه هو الذي أوجد كل الموجودات وأنه مسبب كل الأسباب ومدبر هذا الكون ، فعلينا أن نصدق بكل ما أخبرنا به من أمور الغيب طالما آمنا به ، فنصدق بالقرآن والملائكة والرسل وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره .
والكفار دائما يشككون في الغيب ، ويشككون في نزول الملائكة ، لاسيما أمين السماء جبريل الذي نزل بالوحي ، وقد سطر القرآن اعتراضهم فقال سبحانه (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) (الأنعام 8-9) ولو كشف الغيب لفسد ابتلاء الله للإنسان في هذه الدنيا ، الذي هو علة خلقه على الأرض ، قال تعالى (هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) ، وعندئذ لابد أن يبدأ الحساب والجزاء ، ولذلك قال تعالى (وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ) .
من هنا نفهم أن الحديث عن الملائكة التي هي جند لله ، وتنزلها على الأنبياء بالوحي و على المؤمنسن لتؤيدهم وتعينهم كما تنزلت على الصحابة في بدر ، وكذلك تنزلها علي الإنسان لتحفظه بأمر الله ، كما في قوله "ويرسل عليكم حفظة" ، "وإن عليهم لحافظين" وكذلك المقسمة للأرزاق كما في قوله " فالمقسمات أمرا" ، وتلك التي تتنزل بالسكينة على الذاكرين الله كثيرا ، هو حديث عن عالم الغيب لا يفهم كنهه إلا مؤمن بالله تعالى .
قوله (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(9) كفى الله المسلمين مؤنة حفظ هذا الكتاب من التحريف ، فلم يجعل حفظه بأيديهم حتى لا يطوله الاتحريف كما طال التوراة والإنجيل ، قال ابن جزي في معنى حفظه أي : (حراسته عن التبديل والتغيير ، كما جرى في غيره من الكتب ، فتولى الله حفظ القرآن ، فلم يقدر أحد على الزيادة فيه ولا النقصان منه ، ولا تبديله بخلاف غيره من الكتب ، فإن حفظها موكول إلى أهلها لقوله (بِمَا استحفظوا مِن كتاب الله) [ المائدة 44 ] [7] .
وقد أكد القرآن ذلك في أكثر من موضع ، كما في قوله (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت 41- 42]، وقوله: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ.. ) إلى قوله...(ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) [القيامة 16-19]، وعن قتادة في قوله (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وقال في آية آخرى (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) [ فصلت : 42 ] والباطل إبليس ، قال : (فأنزله الله ثم حفظه ، فلا يستطيع إبليس أن يزيد فيه باطلاً ولا ينقص منه حقاً ، حفظه الله من ذلك)[8].
والظاهر أن حفظ الله لكتابه القرآن الكريم جاء متسقا مع حكمته أن يكون النبي r آخر الأنبياء ، وأن كتابه أخر كتاب ، فكان حفظه لأجل أن تكون دعوة النبى بالحق قائمة إلى يوم القيامة ، فالله تعالى لم ينزل الملائكة كما طلب الكافرون ، بل أنزل القرآن المستمر تذكيره للناس [9]، وقد حفظ الله دعوته بجهد دعاته الحافظون لآمانته ، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر حتى يأذن الله برفعه ، كما في قوله (بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) (العنكبوت 49) .
إذن حفظ الكتاب لأجل الذاكرين ، فإذا لم يوجد على الأرض ذاكرين انتفت علة حفظه وبقائه ، قَالَ رسول الله r (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ)[10]، ولذلك ورد في الحديث أن النبي r قال: "... وَلَيُسْرَى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية " [11]، قال العلماء (وما رفع القرآن الكريم في آخر الزمان إلا تمهيداً لإقامة الساعة على شرار الخلق، الذين لا يعرفون شيئا من الإسلام البتة ، ومعروف أن القرآن الكريم حفظ في الصدور في عهد الصحابة من قبل عدد بلغ حد التواتر، وذلك قبل حفظه في السطور)[12]، قال ابن تيمية (فَإِنَّهُ يَسْرِي بِهِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِنْ الْمَصَاحِفِ وَالصُّدُورِ ،فَلَا يَبْقَى فِي الصُّدُورِ مِنْهُ كَلِمَةٌ وَلَا فِي الْمَصَاحِفِ مِنْهُ حَرْفٌ)[13]
وعن ابن مسعود قال (إن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن ينزع منكم ، فقيل له كيف ينزع منا وقد أثبته الله في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا ؟ قال يسرى عليه في ليلة فينزع من القلوب ، ويذهب بما في المصاحف ، ويصبح الناس منه فقراء ثم قرأ قول الله تعالى: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك)[14]، وفي رواية عن عبد الله بن مسعود يقول (إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة ، وآخر ما يبقى الصلاة وأن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن يرفع..الحديث)[15].
قال العلماء أن رفع القرآن آخر الزمان يتزامن معه هدم الكعبة ، لعلة أن تقوم الساعة على شرار الخلق ، ففي آخر الزمان قبل قيام الساعة مباشرة يقبض الله أرواح المؤمنين ولا يبقى في الأرض إلا شرار الخلق ولا تكون صلاة ولا صيام ولا حجّ ولا صدقة ، ولا تكون هناك فائدة من وجود الكعبة ولا بقاء القرآن فيقدِّر الله عزّ وجلّ خراب الكعبة ، قال رسول الله r (يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ) [16]، قال العلماء وعلة ذلك أن يبقى كتابه في الأرض بلا فائدة لا يُعمل به فيحدث هذا الأمر ، فيرفع الكتاب تنزيها [17].
فإذا رفع القرآن لم يبق من معالم الإسلام شيء غير "لا إله إلا الله" ، فعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (يَدْرُسُ الْإِسْلَامُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوْبِ حَتَّى لَا يُدْرَى مَا صِيَامٌ وَلَا صَلَاةٌ وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي لَيْلَةٍ فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ ، وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِنْ النَّاسِ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ يَقُولُونَ أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَنَحْنُ نَقُولُهَا) [18]، فَقَالَ لَهُ صِلَةُ (مَا تُغْنِي عَنْهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا صَلَاةٌ وَلَا صِيَامٌ وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا كُلَّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ حُذَيْفَةُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ يَا صِلَةُ تُنْجِيهِمْ مِنْ النَّارِ ثَلَاثًا)[19]
قوله (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (11) قال النسفي ("الشيعة" : الفرقة إذا اتفقوا على مذهب وطريقة)[20] ، والمعنى أن الدعوة الإسلامية كانت توجه قبل بعثة النبي r إلى الجماعات والأحزاب والفرق المختلفة ، بحيث يقتصر خطاب النبي على فريق واحد أو مجموعة من الفرق ، فلكل فرقة ، ولكل حزب منهم ، ولكل قوم كان يبعث لهم رسول أو نبي ، وذلك حتى يسهل عليه مخاطبتهم بما تعيه قلوبهم ، فما أيسر ذلك سبيلا لإيصال الدعوة لهم .
ولكنهم وبالرغم من ذلك كانوا يستهزئون بالنبي الذي أرسل إليهم ، ولم يكن بينهم وبينه أية أي نكارة ، فهم يعرفونه لأنه من بينهم ، ورغم ذلك صدر منهم هذا الاستهزاء ، (وإنما كان الاستهزاء بالرسل عادة الجهلة في كل قرن)[21] ،قال الشيخ سيد طنطاوي : " لما أساءوا فى الأدب ، وخاطبوه r خطاب السفاهة ، حيث قالوا له : ( إنك لمجنون ) ، سلاّه الله فقال له : إن عادة الجهال مع جميع الأنبياء كانت هكذا ، وكانوا يصبرون على أذى الجهال ، ويستمرون على الدعوة والإِنذار ، فاقتد أنت بهم"[22].
فالله سبحانه لم يبعث نبيه محمد r لقومه خاصة ، بل أرسله للناس عامة ، فعن النبي r قال (كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً)[23] ، ما يجعل حمل وعبء الدعوة عليه كبير ، ولذلك حفظه الله سبحانه من هؤلاء المستهزئين ، وأخبره في ختام السورة بذلك فقال له (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) (الحجر 95).
قوله (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) (12) قال الرازي (السلك إدخال الشيء في الشيء كإدخال الخيط في المخيط والرمح في المطعون)[24] ، أي أنه رغم حفظ الله للذكر لكن قلوب المجرمين في ريب منه ، فإخباره لهم بالذكر يدخل في قلوبهم مدخل الريب والشك .
وقيل أن الداخل في قلوبهم هو (الاستهزاء) ،وقيل (الكفر) ، قاله ابن عباس [25]، وقيل (الشرك)[26] ، قاله الحسن [27] ، والمعاني كلها واحدة لأن الاستهزء بالأنبياء كفر، والشك جامع لهذه المعاني ، كما قالوا لنبي الله صالح (وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) (هود 62).
ونظيره قوله (كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) (الشعراء 200) أي أن الله علمهم معانيه ، لتقام عليهم الحجة ، وإن امتنعوا عن سماعه ، وأخبرهم مقاصده ، وإن استهزءوا بشعائره ، ولكنه وقع في قلوبهم موقع الشك لا اليقين ، ولذلك ربما ودوا لو كانوا مسلمين ولم يجزموا بذلك جزما قاطعا ، فأمور العقيدة تبنى على اليقين لا الشك .
قوله (لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ..)(13) فالشك يقتضي عدم الإيمان به ، حصل ذلك لأنهم لم يتعاملوا مع كتاب الله كما ينبغي ، فالشك لا يكفي لتحقق الإيمان .
قال ابن عاشور (قد يخطر بالبال أن حفظ الذكر يقتضي أن لا يكفر به من كفر ، فأجيب بأن ذلك عقاب من الله لهم لإجرامهم وتلقيهم الحق بالسخرية وعدم التدبر، ولأجل هذا اختير لهم وصف المجرمين دون الكافرين لأن وصف الكفر صار لهم كاللقب لا يُشْعِر بمعنى التعليل)[28] .
قال الشيخ عبد المحسن العباد أي (أن كل شيء مقدر، فالهداية مقدرة، والغواية مقدرة، وشرك المشرك واقع بقضاء الله وقدره، وإيمان المؤمن واقع أيضاً بقضاء الله وقدره، لكن لا يقال: إنه مجبور وليس له إرادة ومشيئة، وإنما يحصل ذلك بمشيئته وإرادته التي لا تخرج عن مشيئة الله وإرادته)[29].
قوله (..وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ)(13) أي وكان ذلك هو دأب الكافرين جميعا في كل زمان ، قال الواحدي (فهؤلاء المشركون يقتفون آثارهم في الكفر ) [30]، قال الثعالبي (فعلى هذه الوتيرَةِ قريش وكفَرَةِ العَصْر)[31] ،كما في قوله (وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) (إبراهيم 9) ، ذكر العلماء أن (هذه الآية تخويف لأهل مكة ، يعني لا يؤمنون بمحمد r وبالقرآن وقد مضت وقائع إهلاك من كذب الرسل من الأمم الخالية) [32]
قوله (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) (14- 15) قال الماوردي فيه وجهان[33] :-
أحدهما : فظل هؤلاء المشركون يعرجون فيه ، قاله الحسن وقتادة .
الثاني : فظلت الملائكة فيه يعرجون وهم يرونهم ، قاله ابن عباس والضحاك .
فهذا مثال توضيحي لمراد الله من الإيمان ، وتفصيل لسبب الامتناع عن إنزال الملائكة يرونها عيانا جهارا ، ذلك أن الحواس يمكن خداعها بسهولة ، فيمكن أن ترى العين مجسما ثلاثي الأبعاد لمسيح مصلوب عن طريق تقنية الهولوجرام[34] ، ويمكنها أن ترى الملح سكر والعكس ، ولذلك فإن الذين يطلبون آية مادية مقترحة يشاهدونها بأعينهم لا يفقهون شيئا عن مراد الله من الإيمان ، فالإيمان بالغيب هو مراد الله الذي كلف به الخلق ، وليس بما هو مشاهد ، فالبصر إذا تمكن الناس من خداعه بالخدع البصرية المشهورة ، فإن القلب الذي هو عين البصيرة لا يمكن خداعه ،طالما ارتكن للعقل واسترشد به ، كما في قوله (أولئك هم الراشدون) .
وهو ما أرشدنا إليه النبي r في قوله (استفت قلبك) ، فعَنْ وَابِصَةَ الْأَسَدِيِّ قَالَ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ لَا أَدَعَ شَيْئًا مِنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَفْتُونَهُ ، فَجَعَلْتُ أَتَخَطَّاهُمْ ، قَالُوا إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r قُلْتُ دَعُونِي فَأَدْنُوَ مِنْهُ فَإِنَّهُ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ أَنْ أَدْنُوَ مِنْهُ ، قَالَ دَعُوا وَابِصَةَ ادْنُ يَا وَابِصَةُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، قَالَ فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ يَا وَابِصَةُ أُخْبِرُكَ أَوْ تَسْأَلُنِي قُلْتُ لَا بَلْ أَخْبِرْنِي فَقَالَ جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ "الْبِرِّ وَالْإِثْمِ" فَقَالَ نَعَمْ، فَجَمَعَ أَنَامِلَهُ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِنَّ فِي صَدْرِي ، وَيَقُولُ يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ)[35].
[1] ) تفريغ محاضرة الشيخ أحمد القطان بعنوان : اتهام العقلاء بالجنون : إسلام ويب ،
https://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=227999
[2] ) رضا البطاوى البطاوى Ýí 2017-05-26 الجنون في القرآن موقع أهل القرآن
https://www.ahl-alquran.com/arabic/show_article.php?main_id=16640
https://nir-osra.org/إسهام/هل-كان-الرسول-ﷺ-مجنونٌ-حقّاً؟
[3]) نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ الددو على شبكة الإنترنت.
https://ar.islamway.net/fatwa/11614/ /اتهام-الملتزم-بالجنون
[4] ) الكشاف ج3 ص 301
[5] ) الكشاف ج3 ص 301
[6] ) تفسير النسيابوري ج4 ص 475
[7] ) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ج1 ص 800
[8] ) الدر المنثور ج6 ص 86
[9] ) في هذا المعنى المنتخب لجنة علماء الأزهر ج1 ص 427 الشيخ سعد الخثلان : https://www.youtube.com/watch?v=p2HzaZ30UgA
[10] ) رواه مسلم ج1 ص 354 رقم 211
[11] ) [أخرجه ابن ماجه، رقم4049 ، والحاكم 4/473 عن حذيفة مرفوعا في حديث طويل. وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، كما صححه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم87].
[12] ) عبد المجيد الشيخ عبد الباري الروايات التفسيرية في فتح الباري ج2 ص 606
[13] ) مجموع الفتاوى ج3 ص 198
[14] ) رواه ابن أبي شيبة ج10 ص 534 وعبد الرزاق في مصنفه ج3 ص 362
[15] ) رواه الحاكم في المستدرك ج4 ص 549 رقم 8538 انظر السلسلة الصحيحة المجلدات الكاملة للألباني ج4 ص 238 رقم 1739
[16] ) رواه البخاري ج6 ص 13 رقم 1493
[17] ) الشيخ محمد المنجد
https://: islamqa.info/ar/answers/3096/هل-يرفع-القران-في-اخر-الزمان
[18] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 59 رقم 4039 وصححه الألباني : صحيح سنن بن ماجة ج 2ص378 رقم 3273
[19] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 59 رقم 4039 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 378
[20] ) تفسير النسفي ج2 ص 134
[21] ) تفسير النيسابوري ج4 ص 477
[22] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 2458
[23] ) رواه البخاري ج2 ص 58 رقم 323
[24] ) تفسير الرازي ج9 ص 286
[25] ) تفسير ابن أبي حاتم ج9 ص 52 رقم 13191
[26] ) عن أنس أخرجه ابن أبي حاتم ج9 ص 52 رقم 13192 ، والسيوطي في الدر المنثور ج6 ص 87
[27] ) رواه أبو داود ج12 ص 224 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج10 ص 119 ، وذكره ابن كثير في تفسيره ج 4 ص 527
[28] ) التحرير والتنوير ج13 ص 20
[29] ) شرح سنن أبي داود ج26 ص 329
[30] ) الوجيز للواحدي ج1ص400
[31] ) تفسير الثعالبي ج2 ص 315
[32] ) تفسير البغوي ج4 ص 370 ومثله البيضاوي ج3 ص 285 ، تفسير الطبري ج17 ص 71
[33] ) النكت والعيون 2 ص 344
[34] ) https://kayf.co/hologram/
https://www.youtube.com/watch?v=TK95zlOTNao
https://www.youtube.com/watch?v=BnAXuzNkFdA
[35] ) رواه أحمد ج29 ص 533 رقم 18006 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهب ج2 ص 151
-
الاحد PM 05:07
2026-03-15 - 14



