المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1889315
يتصفح الموقع حاليا : 322

البحث

البحث

عرض المادة

حفظ عباد الله من إبليس

د / احمد نصير

حفظ عباد الله من إبليس

تمهيد : -

قال تعالى (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (23-25)

 

لابد من فهم طبيعة الحياة على الأرض ، بأنها مؤقتة لا خالدة ، وأن الملك لله سبحانه هو الذي يرثه من عباده الذين استخلفهم عليه ثم يميتهم ويفنيهم ، ثم يبعثهم جميعا من أولهم وآخرهم ، إنسهم وجنهم ، ويحشرهم في مكان واحد في وقت واحد ، وكل ذلك بحكمته وعلمه .

 

قوله (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) (23) المقصود بالإحياء –هنا- الإيجاد من عدم ، والإماتة معروفة ، فإذا كانت "الحياة الدنيا" هي الفترة بين الإحياء أول مرة والإماتة ، فإن كل سعي للإنسان كسبه وما صنعه وفعله –خلال تلك الفترة – سوف يتركه لخالقه يرثه تعالى عنه ، فلا وارث إلا هو ، عندئذ يستقر في الضمير معنى أن إلى الله المنتهي ، فلا ينشغل الإنسان بغير خالقه ، فكل ما يشغله عن الله سوف يزول ، ولن يأخذ من الدنيا في رحلته إلى الدار الآخرة إلا عمله الصالح ، أما الدنيا فيرثها الله عنه سبحانه ، فإذا كان الله هو المالك على الحقيقة ، وهو الوارث ، وهو الذي يعطي ويمنع ، ويحيي ويميت ، فلابد أن يكون عليه التكلان ، لا على غيره . 

 

إذن تكريث هذا المعنى في الأذهان -وهو الذي ذكره الله في قوله (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) [مريم40]- يحض على الزهد في الدنيا ، والانشغال بطلب الآخرة ، كما في قوله (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ) (النحل 96) ، وإنما يكون طلبه للدنيا بقدر ما يمكنه من عبادة ربه فيها حتى يلقاه ، ولذلك روي عَنْ ابْنَ عُمَرَ قَالَ ( قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ وَمِنْ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا وَلَا تَجْعَلْ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا)[1]، قال المناوي في قوله (واجعله الوارث منا) أي (اجعل تمتعنا بها باقيا عنا موروثا لمن بعدنا أو محفوظا لنا ليوم الحاجة)[2]

قال الخطابي (فيه قولان :أحدهما أن يكون معنى الوراثة فيهما أن تبقى صحتهما عند ضعف الكبر فيكونا وارثي سائر الأعضاء والباقيين بعدها ، وقيل معناه أبقهما معي حتى أموت ، وقيل (أراد بالسمع وعي ما يسمع والعمل به وبالبصر الاعتبار بما يرى ويبصر ) ، وقيل (أنه يكون دعا بذلك للأعقاب والأولاد ، والأول أصح)[3].

 

قوله (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (24-25) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا في الآية قَالَ "الْمُسْتَقْدِمِينَ" ، آدم عَلَيْهِ السَّلامُ ومن مضى مِنْ ذريته، و"الْمُسْتَأْخِرِينَ" ، مِنْ في أصلاب الرجال"[4]، وكلهم يحشرهم الله -جميعا -يوم القيامة ، ونظير ذلك قوله (قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) (الواقعة 50)

فالحشر هو ذلك اليوم الذي يجمع الله فيه الخلائق جميعا أولهم وآخرهم إنسهم وجنهم ليحاسبهم على ما عملوا (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ)(التغابن9) ، فهو نوع من الضبط والإحضار تمهيدا للحساب والجزاء ، قال تعالى (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) (يس32) ، وقال سبحانه (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) (يس 53) .

 

قال ابن عجيبة (ولفظ التأكيد (هو) يدل على أنه هو القادر والمتولي لحشرهم لا غيره)[5]، كما في قوله (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) (لقمان 28) ، قيل لعلي كيف يحاسب الله العباد في يوم؟ فقال (كما يرزقهم في يوم)[6] .

 

فهاتان الآيتان تحصران الخلق منذ بدء الخليقة حتى قيام الساعة ليدخل فيها المستقدمين ممن خلقهم الله وماتوا ويدخل فيها المستأخرين ممن لم يوجدوا بعد وسوف يخلقهم الله تعالى ثم يميتهم ثم يحييهم ويحشرهم ، ولن يستثنى من ذلك أحد حتى الأنبياء يحشرون مع قومهم  .

وقد بينت السنة حال الناس يوم الحشر فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ (يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالَ r  يَا عَائِشَةُ الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ)[7] ، فهذا الحديث هو المناسب لما في السياق من الحديث الآخرة فهو يتحدث عن حشر الأولين والآخرين يوم القيامة .

 

لكن وقع كثير من علماء الحديث في اضطراب في التفرقة بين حشرين أحدهما يقع في الدنيا قبل قيام الساعة ، والآخر في الآخرة ، فرأيت مناسبة ذكره لزيادة الفائدة ، وذلك لما روي عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ إِنَّ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ r حَدَّثَنِي أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ ثَلَاثَةَ أَفْوَاجٍ :-

  • فَوْجٌ رَاكِبِينَ طَاعِمِينَ كَاسِينَ
  • وَفَوْجٌ تَسْحَبُهُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَتَحْشُرُهُمْ النَّارُ
  • وَفَوْجٌ يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ يُلْقِي اللَّهُ الْآفَةَ عَلَى الظَّهْرِ ، فَلَا يَبْقَى حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الْحَدِيقَةُ يُعْطِيهَا بِذَاتِ الْقَتَبِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا)[8] .

قيل أن المعنى بالنسبة للصنف الأخير مختص بالدنيا[9] ، أي أن الآفة تصير ظهر البعير فلا يبقى منها شيء ، فيحتاج الناس للركوب فيشتري أحدهم الناقة وهي تسمى بذات القتب بمقابل حديقة لسبب أحدهما ندرة البعير فيرتفع ثمنه ، والثاني صعوبة إصلاح الحديقة والعمل عليها ، فيكون ذلك سببا لأن يدفعها ثمنا للناقة .

 

وقيل أن الحديث السابق له أصل في الصحيحين فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ: يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلاَثِ طَرَائِقَ : -

  • رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ
  • وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلاَثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ
  • وَيَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا)[10].

 

قال تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44)

 

بينت الآيات في هذا المقطع كيف تحصل المعصية للأمر الإلهي ، وكيف تكون الاستجابة والطاعة لأمر الله ؟ وبينت أسباب اللعنة الإلهية والطرد من الرحمة ، ووسيلة الشيطان في إغواء بني آدم ، ومن هم عباد الله الذين حفظهم من الشيطان ؟ وما هي أبواب جهنم التي سعرت لأتباع الشيطان ؟ وقبل الاستطراد في إجابة هذه الأسئلة مهد هذا المقطع للموضوع تمهيدا ثانيا ببيان طبيعة خلق الإنسان وخلق الجان ، ودور الملائكة في هذا الموضوع ، تفصيل ذلك على الوجه التالي :-

 

إذ نشأت العداوة والحسد من الشيطان لآدم وذريته ، تلك العداوة أبدية ينفثها الشيطان منذ الولادة حتى قيام الساعة ، وبالرغم من هذه العداوة فإن الله حافظ آدم وذريته من الشيطان الرجيم منذ لحظة ولادته إلى وفاته ، يقول رسول الله r (مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ "وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ"[11]

قَالَ رسول الله r (مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ إِلَّا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ)[12]

وهكذا يستبين ضعف الشيطان ، فهو لا يملك أن يؤذي مولود لابن آدم إلا أن ينخسه ، كما في قوله (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) (آل عمران 111) ، فالشيطان لا يقدر على مواجهة ابن آدم ، ولا قتالهم حتى وهو طفل رضيع ، أي في أضعف حالاته ولا يملك غير هذه الطريقة في الإيذاء الضعيف بأن ينخسه ليصرخ هوينة حتى يأتي الوالدان فيهدئانه ، هذا أقصى ما يستطيع الشيطان فعله ، وهنا يتذكر الوالدين تلك العداوة ، فيشرعا في تحصين ذريتهما من الشيطان الرجيم منذ اللحظة الأولى ويعلماهم ذلك ، فعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ بِالصَّلَاةِ)[13]

 

وقد بدا حسد الشيطان للإنسان لما تفاخر بأصل المادة التي خلق منها وقارنها بالمادة التي خلق منها آدم ، ذلك أن مادة خلق الإنسان الطين ، ومادة خلق الجان النار ، أما الملائكة فمن نور ، وعند مقارنة هذه المواد الثلاث نجد أن أثقلها الطين ، والنار أخف من الطين ، لكن النور أسرع وأخف بإطلاق ، بهذا ظن إبليس أنه مفضل على آدم بالنظر إلى المادة التي خلق منها ، فالواجب أن يكون متبوعا لا تابعا له ، أي يكون إبليس هو السيد على الكون ، ويكون آدم مطيعا له ، ولكن الله سبحانه بحكمته في خلق آدم واستخلافه عكس توقعات إبليس ، بل والملائكة كذلك التي ظنت أن الإنسان سوف يسفك الدماء ويفسك في الأرض  ،  فأمر الملائكة بأن تسجد لآدم سجود اتباع وانقياد لأمره ، وبالتبعية الجان ، ولكن إبليس فسق عن أمر ربه واستكبر بالمادة التي خلق منها ، هنا نشأت العداوة بين الإنسان والشيطان ، واستحق اللعن والطرد من رحمة الله ، وعندئذ أقسم الشيطان بإنفاذ هذه العداوة في ذرية آدم أجمعين ، لكنه علم أنه غير مسلط على عباد الله المخلصين ، أولئك الذين جنبهم غوايته ، قال تعالى (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) (42) أي أن الله حِفظ عباده الملخصين من سلطان الشيطان الرجيم ، متى خالفوه ولم يتبعوه ، فإن أطاعوه واتبعوه ، فقد غووا وافتتنوا ، ومصيرهم مثله (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) ، وبقدر الغواية يستقر أتباعه في إحدى الدركات السفلى من النار التي قسمت إلى سبعة أبواب .

 

المسألة الأولى : تأثير المادة التي خلق منها الإنسان علي نمط حياته

 

قوله (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (26) تفصيل لأصل المادة التي خلق منها الإنسان ، بما يعكس لنا عن صفاته البشرية التي اكتسبها من هذه المادة الثقيلة ، فالصلصال هو مادة الطين الأسود اللزج ، والحمأ الطين الذي تغير بالحرارة ، والمسنون المصبوب أي الذي تشكل في صورة إنسان .

قال أهل اللغة : "الصلصال": "صَوْتَ الصَّنْجِ" [14]، وقد روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: "مِنْ صَلْصَالٍ " أكثر من معنى لكنها جميعا تدور حول معنى واحد :

  • هُوَ التراب اليابس الّذِي يبل بعد يبسه".[15]
  • هُوَ "الصلصال، الّذِي إِذَا ضربته صلصل".[16]
  • هُوَ التراب اليابس الّذِي يسمع لَهُ صلصلة"[17].

قَالَ ابن منظور: "الصلصال"، الماء يقع عَلَى الأَرْض الطيبة، ثُمَّ يحسر عنها فتيبس، ثُمَّ تصير مثل الخزف الرقاق".[18]

قال الشنقيطي (الصلصال الطين اليابس الذي يصل، أي: يصوت من يبسه إذا ضربه شيء ما دام لم تمسه النار، فإذا مسته النار فهو حينئذ فخار، وأصل الصليل والصلصلة واحد، والفرق بينهما أنك إذا توهمت في الصوت مداً فهو صليل، وإذا توهمت فيه ترجيعاً فهو صلصلة )[19]

 

أما (الحَمَأُ): فهو (الطين الأَسود المُنتن) [20]

وقال مجاهد "الصَّلْصالُ" حَمَأٌ مَسْنون ، قال الأَزهري جَعَله حَمأ مسنوناً لأَنه جَعَله تفسيراً للصَّلْصَال ذَهَب إِلى صَلَّ أَي أَنْتَن)[21]

 

"المسنون" : قيل المصبوب المفرغ، أي: (أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصور من الجواهر المذوبة في أمثلتها)[22]

قال ابن القيم في قوله "حمأ مسنون" (قيل هو الذي له صلصلة لبيسة ، وقيل هو الذي تغيرت رائحته من قولهم صل اللحم إذا تغير ، و"الحمأ" الطين الأسود المتغير و"المسنون" المصبوب ، وهذه كلها أطوار للتراب الذي هو مبدؤه الأول)[23] .

 

قال الشعراوي (الأصل الذي خُلِق منه آدم ، التراب مع الماء يصير طيناً ، فإنْ تعطَّن وتغيَّرَتْ رائحته فهو حمأ مسنون ، فإنْ جَفَّ فهو صلصال كالفخار ، إذن : هذه هي العناصر التي وردت ومراحل خَلْقِ الإنسان ، وكلها مُسمَّيات للتراب ، وحالات طرأتْ عليه) [24]، (والأدلة العلمية على مادة خلق الإنسان مستفيضة)[25].

 

وقد أشار الدكتور عمر عبد الكافي إلى أن تذكير الإنسان بأصل مادة خلقته من طين يجعله لا يتكبر ، فالمتكبر ينسى أن أصله خلق من طين ، وهو آدم ، فعلام التكبر ، ففي قِصَّة المهلب بن أبي صفرة - والي عبد الملك على خُراسان- كان في بعض الأيَّام مُرتدياً ثوباً مِن الخَزِّ "الحرير"، ويسير بكِبرياء في الطريق ويتبختر، فقابله رجل مِن عامَّة الناس، وقال له: يا عبد الله، إنَّ هذه المشية مَبغوضة مِن قِبَل الله ورسوله ، فقال له المهلب: أما تَعرِفني؟ قال: بلى أعرفك... أولك نُطفة مَذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين ذلك تَحمل العَذرة ، فمضى المهلب، وترك مشيته تلك دون أنْ يتعرَّض للرجل بسوء [26]

 

وخلق الإنسان من طين يعني أن الإنسان مجبول على تلبية حاجات جسده الطينية ، ولكن باعتدال ودون إسراف ، وإلا فسدت هذه المادة ، فالطين يحتاج إلى نسب متوازنة من الماء ، والهواء ، والرطوبة ، والاختلاط بالتراب ، كما يحتاج لحرارة معينة حتى تمتزج تلك المكونات ، ولذلك يشعر بالجوع والشهوة ، فهو بحاجة لتلبية غريزته التي خلقها الله فيه ، وذلك هو مناط الابتلاء ، فالإنسان فيه من الصفات الحيوانية ما يجعله يسير خلف غريزته ، ولكن فيه من الروح ما يجعله يتحكم في تلك الغرائز الشهوات ليلبي حاجته وفق مقاصد الشرع .

 

ولذلك قال ابن القيم (لما أراد الله سبحانه أن يذر نسلهما في الأرض ويكثره وضع فيهما حرارة الشهوة ونار الشوق والطلب وألهم كلا منهما اجتماعه بصاحبه ، فاجتمعا على أمر قد قدر ، فاسمع الآن عجائب ما هناك : لما شاء الرب تعالى أن يخرج نسخة هذا الإنسان منه أودع جسده حرارة وسلط عليه هيجانها فصارت شهوة غالبة فإذا هاجت حرارة الجسد تحللت الرطوبات من جميع أجزاء الجسد وابتدأت نازلة من خلف الدماغ من عروق خلف الأذنين إلى قفا الظهر ثم تخرج إلى الكليتين ثم تجتمع في أوعية المنى بعد أن طبختها نار الشهوة وعقدتها حتى صار لها قوام وغلظ وقصرتها حتى ابيضت وقدر لها مجاري وطرق تنفذ فيها ثم اقتضت حكمته سبحانه أن قدر لخروجها أقوى الأسباب المستفرغة لها من خارج ومن داخل، فقيض لها صورة حسنها في عين الناظر وشوقه إليها وساق أحدهما إلى الآخر بسلسة الشهوة والمحبة فحن كل منهما إلى امتزاجه بصاحبه واختلاطه به ليقضى الله أمرا كان مفعولا، وجعل هذا محل الحرث وهذا محل البذر ليلتقي الماء على أمر قد قدر ، وقدر بينهما تلك الحركات لتعمل الحرارة في تلك الرطوبة والفضلة عملها واستخرجها من تحت الحركات لتعمل الحرارة في تلك الرطوبة والفضلة عملها واستخرجها من تحت الشعر والبشر والظفر لتوافق نسخة الأصل ويكون الداعي إلى التناسل في غاية القوة فلا ينقطع النسل ) [27]

 

يستفاد مما ذكره ابن القيم أن الإنسان مجبول على حب ما زين له من الشهوات لأجل أن يكون مدفوعا ومقهورا لأن يتناسل بالزواج الشرعي ، ولولا هذه الغريزة لما أقدم على أعباء الزواج وتحمل تكاليفه ، قال تعالى (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ) (14) .

ولا إشكال أن يقع في قلب الإنسان حب ما زين له من متاع الدنيا  ما لم يستغرق حبها حب ما يرضاه الله له ، فيطغْى بحبها علي حب ما هو خير منها ، ولذلك قال رسول الله r (حُبِّبَ إليَّ من الدنيا النساءُ والطِيب..)[28]، قال تعالى (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (15) ، ولذلك قال رسول الله r (..وجُعِلتْ قُرَّة عيني في الصلاة)[29].

المسألة الثانية : تأثير المادة التي خلق منها الجان على سلوكه ونمط عيشه

 

قوله (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ) (27) بين طبيعة المادة التي خلق منها الجان أي في الأصل ، قبل أن يحدث بينهم التناسل ، أي أن الجان أبو الجن [30]خلق من نار السموم ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ[31] مِنْ نَارٍ ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ)[32].

 

قال الفوزان (الجان: جمع جنِّي، سُمُّوا بالجن لاجتنانهم أي: استتارهم عن الأنظار، ومنه سُمِّي الجَنين في بطن أمه لأنه لا يُرى، فهو مُجْتَنّ في بطن أمه)[33]، قال تعالى (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (27) ، ومعلوم أن الشيطان من الجان لقوله تعالى (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)(الكهف 50) .

 

وبناء على هذه الطبيعة غير المستقرة للنار على هيئة محددة وشكل معين ، أضحى الجن قادرا على التشكل بحكم طبيعته النارية غير الثابتة على هيئة واحدة ، ومن المعلوم أن للجن قدرة أن يتشكل على هيئة بشر كما في حديث أبي هريرة وتمر الصدقة ، وكما أتى الشيطان قريشا فى صورة سراقة بن مالك بن جعشم لما أرادوا الخروج إلى بدر .... وكما روى أنه تصور فى صورة شيخ نجدي لما اجتمعوا بدار الندوة هل يقتلوا الرسول أو يحبسوه أو يخرجوه .

 

فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ : "جَاءَ إِبْلِيسُ فِي جُنْدٍ مِنَ الشَّيَاطِينَ، وَمَعَهُ رَايَةٌ فِي صُوَرِ رِجَالٍ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ، وَالشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ الشَّيْطَانُ :  " لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ " ، وَأَقْبَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى إِبْلِيسَ، فَلَمَّا رَآهُ وَكَانَتْ يَدُهُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، انْتَزَعَ إِبْلِيسُ يَدَهُ وَوَلَّى مُدْبِرًا وَشِيعَتُهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ : يَا سُرَاقَةُ، أَتَزْعُمُ أَنَّكَ لَنَا جَارٌ ؟ فَقَالَ :  " إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ"[34].

وعن رفاعة بن رافع قال : لما رأى إبليس ما تفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص القتل إليه فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظن أنه سراقة بن مالك فوكز في صدر الحارث فألقاه ثم خرج هاربا حتى ألقى نفسه في البحر ورفع يديه فقال : إني أسألك نظرتك إياي وخف أن يخلص إليه القتل فأقبل أبو جهل بن هشام فقال : يا معشر الناس لا يهزمنكم خذلان سراقة إياكم فانه كان على ميعاد من محمد r ولا يهولنكم قتل عتبة وشيبة والوليد فانهم قد عجلوا)[35].

كما ثبت تلبس إبليس في صورة مسكين يأكل من تمر الصدقة ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ r بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَقَالَ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ فَقَالَ النَّبِيُّ r صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ذَاكَ شَيْطَانٌ)[36].

 

وكما أن للجن قدرة على التشكل في صورة إنسان ، فإنه–كذلك- يتشكل في صورة حيوانات وغير ذلك ، قال رسول الله r (الجن ثلاثة أصناف :-

  • صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء
  • وصنف حيات وكلاب
  • وصنف يحلون ويظعنون )[37] ، فالصنف الأخير أي (يقيمون ويرحلون) [38] .

 

قال ابن تيمية (الْكِلَابِ وَالْجِنُّ تَتَصَوَّرُ بِصُورَتِهِ كَثِيرًا ، وَكَذَلِكَ صُورَةُ الْقِطِّ الْأَسْوَدِ ؛ لِأَنَّ السَّوَادَ أَجْمَعُ لِلْقُوَى الشَّيْطَانِيَّةِ مِنْ غَيْرِهِ وَفِيهِ قُوَّةُ الْحَرَارَةِ)[39]

وصنف (حيات وكلاب) هم سكان البيوت الذي نهى الشرع عن قتلهم .

 روي عن ابْنُ عُمَرَ كَانَ يَقْتُلُ الْحَيَّاتِ كُلَّهُنَّ حَتَّى حدِّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r نَهَى عَنْ قَتْلِ جِنَّانِ الْبُيُوتِ فَأَمْسَكَ)[40]

 قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ بِالْمَدِينَةِ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ قَدْ أَسْلَمُوا فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْعَوَامِرِ فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلَاثًا فَإِنْ بَدَا لَهُ بَعْدُ فَلْيَقْتُلْهُ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ)[41] .

قال المازري (لاتقتل حيات مدينة النبي r إلابإنذارها كما جاء فى هذه الأحاديث فإذا أنذرها ولم تنصرف قتلها ، وأما حيات غير المدينة فى جميع الأرض والبيوت والدور فيندب قتلها من غير إنذار لعموم الأحاديث الصحيحة فى الأمر بقتلها ، ففى هذه الأحاديث اقتلوا الحيات ، وفي الحديث الآخر (خمس يقتلن فى الحل والحرم منها الحية) ولم يذكر إنذارا ، وفي حديث الحية الخارجة بمنى أنه r أمر بقتلها ولم يذكر إنذروها ، قالوا فأخذ بهذه الأحاديث فى استحباب قتل الحيات مطلقا ،وخصت المدينة بالإنذار للحديث الوارد فيها ، وسببه صرح به فى الحديث أنه أسلم طائفة من الجن بها)[42].

 

 أما بخصوص اتصال عالم الجن بعالم الإنس ، فإنه يتخذ طرق عدة ، يقول الدكتور عمر الأشقر (أحياناً تأتي الشياطين الإنسان لا بطريق الوسوسة ، بل تتراءى له في صورة إنسان ، وقد يسمع الصوت ولا يرى الجسم ، وقد تتشكل بصور غريبة ، وهي أحياناً تأتي الناس وتعرفهم بأنها من الجن ، وفي بعض الأحيان تكذب في قولها فتزعم أنها من الملائكة ، وأحياناً تسمِّي نفسها بـ " رجال الغيب " ، أو تدَّعي أنها من عالم الأرواح ، وهي في كل ذلك تحدث بعض الناس وتخبرهم بالكلام المباشر ، أو بواسطة شخص منهم يسمَّى "الوسيط" ، تتلبس وتتحدث على لسانه ، وقد تكون الإجابة بواسطة الكتابة ، وقد تقوم بأكثر من ذلك فتحمل الإنسان وتطير به في الهواء وتنقله من مكان إلى مكان ، وقد تأتي بأشياء يطلبها، وقد ذكر القدامى والمحدثون من هذا شيئا كثيراً لا مجال لتكذيبه والطعن فيه لبلوغه مبلغ التواتر)[43].

 

وليس أدل على قدرة الجن على الانتقال والنقل للأشخاص والجمادات من مكان لمكان آخر ما ذكر في قصة سليمان ومملكة سبأ ، لما قال (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ) (النمل39).

 

المسألة الثالثة : تكليف المكلفين بالانصياع لآدم كخليفة في الأرض

 

قوله (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (29) بين الله للملائكة طبيعة المادة التي خلق منها آدم ، ليكونوا شهداء على قدرة الله تعالى بأنه سبحانه خلقه من تلك المادة المهينة ليكون خليفة في الأرض ويُحمل بالرسالة .

 

 وأمر الله الملائكة -التي خلقت من نور - بالسجود لآدم- الذي خلق من طين- ، القصد من السجود لآدم تعظيم الله في قدرته فيمن خلق بيده ، وإقرار لآدم باستخلافه في الأرض ، وتضمن -كذلك- تحية له وتشريفا ، وليس سجود عبادة ، فهم بتنفيذ هذا الأمر يعبدون الله ، فيجعلون آدم قبلتهم ، قال الشعراوي (أمر السجود لآدم.. كأمر الله لنا بالسجود إلى القبلة فى الصلاة ، فنحن لا نسجد للقبلة ذاتها.. ولكننا نسجد لأمر الله بالسجود إلى القبلة..)[44]، قال النيسابوري (أجمع المسلمون على أن ذلك السجود لم يكن للعبادة لأنه تعالى لا يأمر بالكفر والعبادة لغيره كفر ، فزعم بعض أن السجود كان لله تعالى وآدم كالقبلة ..، وزعم آخرون أن المراد بالسجود الانقياد والخضوع كما هو مقتضى أصل اللغة مثل (والنجم والشجر يسجدان ) [ الرحمن : 6 ] )[45]، وكلا الرأيان عندي محتمل وصواب.

 

قوله (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (29) أي إذا أتممت خلقه ، فالمقصود بالتسوية تهيئة خلقه للقيام بتكليف الخلافة ، قال ابن عاشور (التسوية جعل كل جنس ونوع من الموجودات معادلا ومناسبا للأعمال التي في جبلته) ، وضرب على ذلك مثالا فقال (فاعوجاج زباني العقرب من تسوية خلقها لتدفع عن نفسها به بسهولة)[46].

 

ونفخ الروح دليل على أن الإنسان روح وجسد ، فلا يستقل أحدهما عن الآخر ، وقد بين الله لنا طبيعة الجسد بأنه من طين ، ولم يبين لنا طبيعة الروح ، وماهيتها ، وهل تميل إلى النور مثل الطبيعة الملائكية أم ماذا ؟ ، فليس ثمة دليل من القرآن أو السنة يبين لنا أصل الروح ومن أي مادة هي ؟ وهل هي مادة أم ماذا ؟ فقد استأثر الله بعلم ذلك ، قال تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (الإسراء 85).

 

وقد علمنا أن الله ينفخ الروح في جسد الجنين وهو في بطن أمه بعدما يمضي على اللقاح (الزيجوت) بتخصيب البويضة مائة وعشرين يوما ، قَالَ رسول الله r (إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ ..)[47].

 

وقد علمنا عن الروح أنها تخرج من الجسد عند النوم ، قال تعالى (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الزمر42) ، وقَالَ النَّبِيُّ r (إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ)[48].

 

كما علمنا أن الأرواح تتآلف بالتعارف والمحبة ، قال رسول الله r (الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ)[49]، قال ابن الأثير (ولهذا ترَى الخَيّرَ يُحبُّ الأخيارَ ويَميل إليهم ، والشِّرِّيرَ يُحِبُّ الأشرارَ ويَمِيل إلَيْهم)[50]، ولذلك قيل «إن الأرواح خلقت قبل الأجسام ، فكانت تلتقي وتلتئم، فلما حلت بالأجسام تعارفت بالأمر الأول، فصار تعارفها وتناكرها على ما سبق من العهد المتقدم، فتميل الأخيار إلى الأخيار والأشرار إلى الأشرار»[51].

 

قوله (فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (29) قال أهل اللغة (الإتيان بفاء التعقيب للإشعار بأن سجودهم له واجب عليهم عقب التسوية والنفخ من غير إبطاء أو تأخير)[52] ، (وهذا نوع من تكريم الله - تعالى - لعبده آدم - عليه السلام - ، وله - سبحانه - أن يكرم بعض عباده بما يشاء ، وكيف شاء)[53] .

 

قال ابن عاشور (ومعنى "فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ" اسقطوا له ساجدين، وهذه الحال لإفادة نوع الوقوع، وهو الوقوع لقصد التعظيم، كقوله تعالى: "وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً" [يوسف 100] وهذا تمثيل لتعظيم يناسب أحوال الملائكة وأشكالهم تقديرا لبديع الصنع والصلاحية لمختلف الأحوال الدال على تمام علم الله وعظيم قدرته)[54] ، قال القرطبي (فإن في الوقوع توضيع الواقع، وتشريفا لمن وقع له)[55].

 

فهذا السجود جاء بمناسبة إتمام خلقه لقوله (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ)[56] ، فلما وهب الله لهذا الجسد الروح أمر سبحانه الملائكة بالسجود فورا تقديرا لما خلق بيده ، ، ولذلك قال تعالى (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) (ص 75) ، فلولا الروح لما كان لهذا الجسد هذا التشريف والتكريم .

 

فالله يباهى ملائكته - سبحانه - بخلق الإنسان ، فبالرغم من ثقل المادة التي خلق منها –التي قد تجعله يميل إلى الكسل والحياة الحيوانية والشهوة - إلا أنه ينهض من فراشه لعبادة ربه ، ويناجيه ، ويصوم عن شهوتي البطن والفرج طاعة لله ، ويتصدق وينفق ، ويحج فيباهي الله بهم ملائكته يوم عرفة ، ويباهي بالطائفين ..الخ ، والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة منها ما يلي :-

 

  • قوله r (إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء فيقول لهم : انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثا غبرا)[57]
  • وعنه r قال (مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ)[58].
  • وعنه r قال (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا)[59]
  • عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r الْمَغْرِبَ فَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ وَعَقَّبَ مَنْ عَقَّبَ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ r مُسْرِعًا قَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ وَقَدْ حَسَرَ عَنْ رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ أَبْشِرُوا هَذَا رَبُّكُمْ قَدْ فَتَحَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ يُبَاهِي بِكُمْ الْمَلَائِكَةَ يَقُولُ انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي قَدْ قَضَوْا فَرِيضَةً وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ أُخْرَى)[60]
  • عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله r (إذا كان ليلة القدر نزل جبريل عليه السلام في كبكبة من الملائكة يصلون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عز وجل ، فإذا كان يوم عيدهم يعني يوم فطرهم باهى بهم ملائكته فقال : يا ملائكتي ما جزاء أجير وفَّى عمله قالوا : ربنا جزاؤه أن يؤتى أجره قال : يا ملائكتي عبيدي وإمائي قضوا فريضتي عليهم ثم خرجوا يعجون إلي بالدعاء وعزتي وجلالي وكرمي وعلوي وارتفاع مكاني لأجيبنهم فيقول ارجعوا فقد غفرت لكم وبدلت سيئاتكم حسنات قال : فيرجعون مغفورا لهم )[61].

 

قَالَ المباركفوريّ: قيل: (معنى المباهاة بهم أن الله تعالى يقول لملائكته: انظروا إلى عبيدي هؤلاء، -الذاكرون المصلون الحجاج إلى بيت الله، الطائعون- كيف سلّطتُ عليهم أنفسهم، وشهواتهم، وأهويتهم، والشيطان وجنوده، ومع ذلك قَوِيت همّتهم عَلَى مخالفة هذه الدواعي القويّة ..، -خالفوها- فاستحقّوا أن يُمدحوا أكثر منكم؛ -أي أكثر من الملائكة-؛ لأنكم لا تجدون للعبادة مشقّة بوجه، وإنما -العبادة بالنسبة لكم أيها الملائكة- هي منكم كالتنفّس منهم، ففيها غاية الراحة، والملائمة للنفس)[62].

 

قوله (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) (30) سجدوا بمعنى أقروا بخلافته على الأرض ، وواجبهم تجاهه بالتأييد والنصرة ، وأن يعينوه ببلاغ الرسالة والنصح والإرشاد والإلهام ، والمحاربة معه كما في قوله (يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ) (آل عمران 125) ، وهكذا يمد الله أولياءه بالملائكة ليكونوا لهم عونا ونصيرا .

 

المسألة الرابعة : كيف تحصل المعصية للأمر الإلهي ؟

 

قوله (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) (31) المعصية تحصل بمجرد عدم تنفيذ الأمر الإلهي ، وقد حصل ذلك من إبليس بعد فارق الساجدين ، وعاند أمر الله ، بعظم نفسه ، حتى جعل من ذاته ندا لله ، فشرع لنفسه طريقا بمخالفة شرع ربه ليرضي غروره وكبرياءه ، ورسم لنفسه خطوات يسترضي بها هواه ، مستغنيا عن خالقه في ظنه ، ولذلك قيل (إن مخالفة إبليس لله كانت كفرًا من وجهين:-

 أحدهما: أنه رفض أمر الله وتَكَبَّر .

 وثانيهما: أنه نسب الظلم لله بتفضيل آدم عليه، والسجود له) [63].

 

قال الزمخشري (فإن قلت : كيف استثنى إبليس من الملائكة وهو من الجنّ؟ قلت : قد أمر بالسجود معهم فغلبوا عليه في قوله : " فَسَجَدَ الملائكة" ثم استثنى كما يستثنى الواحد منهم استثناء متصلاً )[64].

 

قوله سبحانه (مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) (32) عاتب الله إبليس عن إيبائه السجود مع الملائكة ، والتخلف عن تنفيذ أمر الله ، كدليل للرحمة ، فهو سبحانه لم يباغته بالعقوبة ، وإنما حاسبه في الدنيا ليتيح له التوبة بأن يرجع عن معصيته ، ولكنه أصرَّ على العناد ولم يتُب، بل لم يفكِّر في التوبة، وطلب من الله أن يُطيل عمره إلى يوم القيامة حتى يثأر من آدم وذريَّته ، ليستكمل حقده وحسده ، وينفذ شره عليه .

 

 فهذا العتاب من الله هو الذي جعل الشيطان يبكي فيما بعد ، إذ يجدر التنويه إلى أنه في ختام هذه السورة أمر الله نبيه محمد r بالسجود فقال (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) (98) بذلك استبان الفارق بين شيطان أبى السجود ونبي أمر بالسجود فسجد لله سبحانه ، يقول النبي r (إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ يَا وَيْلَهُ) وَفِي رِوَايَةِ (يَا وَيْلِي أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِي النَّارُ)[65].

 

المسألة الخامسة : رد  إبليس هو سبب اللعنة الإلهية والطرد من الرحمة

 

 قوله (قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (33) لم يكن رد إبليس على ربه ينم عن ندم أو بكاء على ذنبه وخطئه ، مثلما حصل لآدم لما أخطأ سارع بالتوبة فتاب الله عليه ، كما في قوله (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) ، بل كان رد فعل إبليس فور المعصية ينم عن كبر وعناد ، وذلك هو سبب إنزال اللعنة به  ، يقول النبي r (قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ)[66]، فالكبر الذي ملأ صدر إبليس نبع من الحقد على آدم ، من هنا نعلم أن الحسد أساس الفساد ومنبع كل الشرور ، يقول النبي r (لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَقَاطَعُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا)[67].

 

ثم إن الاستمرار في المعصية وعدم الإقبال على التوبة كاف لوجوب اللعنة وعدم قبول التوبة ، لاسيما حين يحصل العتاب والحساب ولا يقابل ذلك بالندم ، ذلك أن إبليس لما عاتبه ربه وحاسبه أصر على المعصية والعزم على الانتقام من آدم وذريته وغوايتهم أجمعين إلا من استثنى الله سبحانه ، قال العز بن عبدالسلام "الإصرار على الذنوب يجعل صغيرها كبيرًا في الحكم والإثم ، فما الظن بالإصرار على كبيرها" ، وذلك تأكيدا على ما في قلبه من كبر ، قال رسول الله r (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ)[68] .

 

قوله (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) (34) قال ابن جرير الطبري أي (من الجنة) [69]، ولم تكن تلك الجنة دار جزاء ولا دار ابتلاء ، بل كانت دار تعليم وتدريب وتأهيل استعدادًا لدار الابتلاء ، لأن دار الابتلاء يعقبها جزاء ، ودار الجزاء لا خروج من نعيمها أبدا ، وقيل هي موضع في السماء بدليل أن الخروج منها ذكر بلفظ الهبوط كما في قوله قوله: (قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) [الأعراف13] ، قال الشنقيطي (وبين تعالى في "الأعراف" أنه خروج هبوط ، وأنه يخرج متصفاً بالصغار والذل والهوان)[70].

 

وفي تحرير معنى كلمة (رجيم) قال أبو القاسم  "رجم" : الرُجام الحجارة ، والرجم الرمي بالرجام ، يقال رجم فهو مرجوم ، قال تعالى : " لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين" ، وقال : " ولولا رهطك لرجمناك" ، وقال "إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم" ، وقوله تعالى : "لأرجمنك واهجرني مليا" ، وقد أمر الله بالاستعاذة به منه فقال  (فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) [71].

 

قال ابن عاشور (والفاء في "فَإِنَّكَ رَجِيمٌ" دالة على سبب إخراجه من السماوات، و"إن" مؤذنة بالتعليل، وذلك إيماء إلى سبب إخراجه من عوالم القدس، وهو ما يقتضيه وصفه بالرجيم من تلوث الطوية وخبث النفس، أي حيث ظهر فيك هذا ، فقد خبثت نفسك خبثا لا يرجى بعده صلاح ، فلا تبقى في عالم القدس والنزاهة)[72].

 

فوصفه بأنه رجيم ، يعني أنه لا يستطيع الصعود للسماء مرة أخرى ، حيث تتبعه الشهب ، فمعنى أنه رجيم أي أنه مطرودا عن منازل الملإ الأعلى ، كما في قوله (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ)  (الملك 5) ، قال القرطبي في قوله "فَإِنَّكَ رَجِيمٌ " أي (مرجوم بالكواكب والشهب)[73] .

 

قوله (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) (35) "اللعنة" دليل على امتناع وقوع التوبة منه في الدنيا أبدا ، فهذا إخبار من الله بعلمه القدري بذلك ، وكذلك كل كافر طُبع عليه بالكفر فهو ملعون ، قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (الأحزاب 65) ، وكذلك المنافقون المتمردون على النفاق (مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا) (الأحزاب61) .

 

أخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر في مكايد الشيطان عن أبي العالية قال : لما رست السفينة سفينة نوح عليه السلام إذا هو بإبليس على كوتل السفينة . . . ! فقال له نوح عليه السلام : ويلك قد غرق أهل الأرض من أجلك . ؟! قال له إبليس : فما أصنع؟ قال : تتوب . قال : فسل ربك هل لي من توبة؟ فدعا نوح ربه ، فأوحى إليه أن توبته أن يسجد لقبر آدم . قال : قد جعلت لك توبة قال : وما هي؟ قال : تسجد لقبر آدم ، قال : تركته حياً وأسجد له ميتاً؟![74] .

 

وسبب اللعن –في الآخرة- أن الكافر الذي يموت على الكفر لو عاد إلى الدنيا ، لقارف الذنب مرة أخرى ،ولما انتهى عن ذلك ، قال سبحانه (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (الأنعام 28).

 

المسألة السادسة : لماذا لم يعاجل الرب الشيطان بالعقوبة

 

قوله (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) (38) أنظره الله ولم يعاقبه فور معصيته ، بل جعل وقتا لإبليس ينتظره لقيام الساعة ، وفي ذلك دليل دامغ على كذبه لما أغوى آدم بالأكل من الشجرة بأنها شجرة الخلد وملك لا يبلى ، فهو نفسه يسأل ربه ألا يبلى ، وأن ينظره إلى يوم قيام الساعة ، لعلمه أنه سوف يبلى ويفنى ، وقد أشار الشعراوي إلى هذا المعنى في تفسيره .

 

قوله (قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) (38) دليل على عدل الله تعالى مع إبليس لأنه قبل هذه المعصية كان إبليس عابدا ، بدليل أن الله كلفه بالسجود مع الملائكة ، لكنه أبى ، فأراد الله أن يجزيه عن عبادته له في الدنيا حتى لا يكون له منها نصيب في الآخرة ، فلعل الإنظار لهذا السبب -كذلك- ، فالله تعالى لا يضيع أجر العاملين حتى لو كان إبليس،  قال رسول الله r (الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا)[75]

 

فضلا عن ذلك فإن إنظار إبليس لحكمة عامة ، وهي أن يكون سببا للابتلاء واختبار آدم وذريته ، كما في قوله (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ)[سبأ 21] ، فحكمته مقتضية لابتلاء العباد واختبارهم ليتبين الصادق من الكاذب ومن يطيعه ومن يطيع عدوه أجابه لما سأله.

 

المسألة السابعة : وسيلة الشيطان في إغواء بني آدم

 

قوله (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (39) قال القرطبي مذهب أهل السنة أي أن (الله تعالى أضله وخلق فيه الكفر؛ ولذلك نسب الإغواء في هذا إلى الله تعالى. وهو الحقيقة، فلا شيء في الوجود إلا وهو مخلوق له، صادر عن إرادته تعالى) [76] ، وهو ما أكده نوح عليه السلام حيث قال لقومه: (وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [هود: 34] .

 

قال الحوالي (نسب الغواية إلى الله، وهو الذي غوى، والله إنما قدر، لكن إبليس هو الذي غوى، وفسق عن أمر ربه وعصى)[77]، واستشهد بما روي عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعُلِمَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْ أَهْلِ النَّارِ قَالَ فَقَالَ نَعَمْ قَالَ قِيلَ فَفِيمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ قَالَ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ)[78]، وقال (فعلامة الشقي أنه ميسر له عمل أهل الشقاوة، وعلامة السعيد أنه ميسر له عمل أهل السعادة، وهو الذي يختار ذلك، لكن لا يحتج بما قد كتب، وهو لا يدري ماذا قد كتب) [79].

 

من هنا استبان أن الغواية إذا حصلت فإنها تحصل بحقها ، ولا ظلم للإنسان في ذلك ، قال تعالى "وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ" [النحل36] ، قال ابن القيم (عُلم أن الله لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم)[80].

 

قوله (..لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (39) (فالشيطان يغري الإنسان بالمعصية ويزينها له ويخفي عنه عواقبها ويهونها عليه حتى إذا باشرها ووقع فيها تخلى عنه وتركه للندم والحسرة)[81] ، قال تعالى (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(الأنعام 43) ، وقال في قصة بلقيس (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (النمل  24) .

 

وانظر إلى الطريقة إبليس في الإغواء وهي تزيين الباطل عن طريق إبهار الناس به ، فالإبهار يقلب الحقائق ، ويزيف الأشياء ، ويشوّش المفاهيم ، قال تعالى  (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) (38)

 

 كما أغر التزيين المبهورين بقوتهم وعزتهم ، كما حصل من عن كفار قريش يوم بدر ، قال تعالى (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ * فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال 48) .

 

قوله (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (40) علم إبليس أنه غير ممكن من إغواء عباد الله المخلصين ، فاستثناهم من قسمه وعزمه .

فقيل من أين لإبليس العلم بالعواقب ؟ حتى يقول ولأضلنهم ولأغوينهم ولأمنينهم ولآمرنهم؟  وقال في الاعراف (ولا تجد أكثرهم شاكرين) وقال في بني إسرائل (لأحتنكن ذريته إلا قليلاً) فالجواب أن هذا هو ظنه ، كما قال تعالى (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه)[82].

 

وقد سرد الإمام الشنقيطي الآيات التي تتحدث عن عباد الله المخلصين ، فقال المخلصون هم المرادون بالاستثناء في قوله (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً) [الإسراء62]، وقوله (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [سبأ 20]، وهم الذين احترز منهم بقوله (وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) [الأعراف17]، وبين تعالى أن الشيطان لا سلطان له على أولئك المخلصين كقوله: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الحجر/42]، وقوله: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ) [النحل/99-100][83] .

 

وليس معنى أنهم عباد الله المخلصين أنهم لا يذنبون ، بل يقع منهم الذنب والتوبة معا ، عَنْ النَّبِيِّ r فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ)[84]، أي متى عملت ذنب واتبعته بتوبة فقد صدر منك الإقرار بالالوهية والربوبية ، أي متى ظل على ذلك غفر له ، ودخل في صفة "العبودية" لله ،وأضحى من المخلصين .

 

وقال رسول الله r (ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق إن المؤمن خلق مفتنا توابا نسيا إذا ذُكِّر ذَكَر)[85]، قال العلماء والمعنى: (أنَّ كلَّ مؤمنٍ لا مَحالةَ واقعٌ في الأمْرِ، وهذا مِن بابِ النَّقصِ الإنسانيِّ الذي يَعتَري كلَّ البَشرِ) )[86]

قوله "يَعتادُه الفَينَةَ بعدَ الفَينَةَ"، أي: يُقلِعُ عن الذَّنبِ، ثُمَّ يُعاوِدُه، فيَقَعُ فيه حينًا بعدَ آخَرَ، ويَفعَلُه على سَبيلِ العادةِ المُتقطِّعةِ

قوله "أو ذَنبٌ هو مُقيمٌ عليه، لا يُفارِقُه"، فهو دائمُ الوُقوعِ فيه، وهذا مِن بابِ الغَفلةِ

قوله "حتى يُفارِقَ الدُّنيا"، أي: يكونُ على تلك الحالِ حتى يَأتيَه المَوتُ

قوله "إنَّ المؤمنَ خُلِقَ مُفتَّنًا"، أي: مُمتحَنًا يمتحِنُه اللهُ بالبَلاءِ والذُّنوبِ والفِتَنِ

قوله "توَّابًا"، يُكثِرُ مِن التَّوبةِ إلى اللهِ بعدَ كلِّ ذَنبٍ

قوله "نَسيًّا"، أي: أنَّه يَنسى بعضَ ما يجِبُ فِعلُه كما نَسيَ أبوه آدَمُ مِن قبلُ، ولكنَّه مع ذلك، "إذا ذُكِّرَ؛ ذكَرَ!"، والمُرادُ أنَّه إذا ذُكِّرَ باللهِ وعِقابِه؛ تذكَّرَ فيَرجِعُ عن ذَنبِه، فيَكونُ المعنى: أنَّه يَتوبُ، ثُمَّ يَنسى فيَعودُ، ثُمَّ يَتذكَّرُ فيَتوبُ، فكلَّما وقَعَ في الذَّنبِ؛ لم يَيأَسْ، بل يُسرِعُ الرُّجوعَ بالتَّوبةِ إلى اللهِ)[87] .

 

المسألة الثامنة : من هم عباد الله الذين حفظهم من الشيطان

 

قوله (قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) (41) هذا القول خبري صادر من الله يخاطب به الشيطان الرجيم ، يؤكد صحة ظنه واستثناء عباده المخلصين من غواية الشيطان ، بأن (الإخلاص طريق عليَّ وإليَّ، لأن المخلص يدل على الإخلاص)[88] ، أي (طريق علي وإلي يؤدي إلى كرامتي ورضواني)[89] قال ابن جوزي (إِن الإِخلاص طريق إِليَّ مستقيم ، و«عليَّ» بمعنى «إِليَّ»)[90] ، وقال الطبري بمعنى: (هذا طريق إليّ مستقيم)[91]، قال ابن عجيبة (الإشارة تعود إلى نجاة المخلصين ، و إلى العبادة والإخلاص ، أي : هذا الطريق الذي سلكه أهل الإخلاص في عبوديتهم هو طريق وارد عليَّ ، وموصل إلى جواري ، لا سبيل لك على أهله؛ لأنه مستقيم لا عوج فيه)[92].

 

قال ابن القيم (قرر الله عز وجل ذلك أتم التقرير وأخبر أن الإخلاص صراط عليه مستقيم فلا سلطان لك على عبادي الذين هم على هذا الصراط لأنه صراط علي ولا سبيل لإبليس إلى هذا الصراط ولا الحوم حول ساحته فإنه محروس محفوظ بالله فلا يصل عدو الله إلى أهله)[93]، وقد تأول البخاري فقال (الْحَقُّ يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ وَعَلَيْهِ طَرِيقُهُ)[94].

 

قال ابن تيمية (سبيل الحق والهدي هو الصراط المستقيم ، وهو الذي يسعد أصحابه، وينالون به ولاية الله ورحمته وكرامته فيكون الله وليهم دون الشيطان ، وهذه سبيل من عبد الله وحده وأطاع رسله؛ فلهذا قال (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) ، (وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ) ،(قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) فالهدي، وقصد السبيل، والصراط المستقيم، إنما يدل على عبادته وطاعته ، لا يدل على معصيته وطاعة الشيطان ، فالكلام تضمن معني الدلالة، ..فكأنه قيل : الصراط المستقيم يدل على الله ـ على عبادته وطاعته ،وذلك يبين أن من لغة العرب أنهم يقولون : هذه الطريق على فلان،إذا كانت تدل عليه، وكان هو الغاية المقصود بها)[95].

 

 قوله (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) (42) قال ابن القيم (فالخلق كلهم عبيد ربوبيته ، وأهل طاعته وولايته هم عبيد إلهيته)[96].

وينسب إلى الشافعي قوله :-

ومما زادني شرفا وفخرا ... وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك "يا عبادي" ... وأن أرسلت أحمد لي نبيا

فقد حرز الله عباده من سلطان الشيطان الرجيم ، فعنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ r فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ثُمَّ قَالَ أَلْعَنُكَ بِلَعْنَة اللَّهِ ثَلَاثًا وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ قَالَ إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي فَقُلْتُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قُلْتُ أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ)[97]

 

وعباد الرحمن الذين هم في حرز من الشيطان هم الذين ذكرهم النبي r في قوله (مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَانَ لَهُ عِدْلَ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَعِيلَ وَكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ وَكَانَ فِي حِرْزٍ مِنْ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِنْ قَالَهَا إِذَا أَمْسَى كَانَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ)[98].

 

وقد بينت آيات سورة الفرقان صفات عباد الله تعالى الذين أختصهم سبحانه بالولاية وجعلهم في حرز من الشيطان الرجيم ، فقال سبحانه (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ ، وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) (الفرقان 68)

 

قوله (إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) (42) أي أنه من لم ينتهج نهج عباد الرحمن فإنه يضل عن الحق ، فإن ضل فالضلال صفة مؤقتة ، فإما أن يرشد ويعود إلى نهج عباد الرحمن ، وإما أن يمعن في الضلال ويسير في طريق الشيطان فيقع في غوايته ، فإذا ظل متبعا له صار الشيطان له قرينا ، وساء قرينا ، قال تعالى (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) (الزخرف 37) .

 

قال ابن القيم (فالغاوي ضد الراشد)[99] قال تعالى (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) ، (فالغَوِيّ هو الممعن في الضلال) ، قال ابن تيمية (الغَوِيّ هو من عرف الحق ويعمل بخلافه كاليهود)[100]، أو (عرف الحق ولم يعمل به)[101]،

 

قال الغنيمان (والناس ثلاثة أصناف: راشد، وغاوٍ، وضال :-

 فالراشد الذي عرف الحق واتبعه وعمل به ، قال تعالى (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (الحجرات 7)

 والغاوي هو الذي عرف الحق فتركه وجانبه قال تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ)

والضال هو الذي لم يعرف الحق فهو يتخبط في ضلاله) [102]، واتباع الهوى هو سبب الضلال غالبا ، قال تعالى (قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (56).

 

وفي تحرير الفرق بين الغواية والضلال: قال النيسابوري عند تفسير قوله تعالى: " ما ضل صاحبكم وما غوى " (الظاهر أن الضلال أعم، وهو أن لا يجد السالك مقصده طريقا أصلا ، والغواية: أن لا يكون المقصد طريقا، فكأنه - سبحانه - نفى الأعم أولا، ثم نفى عنه الأخص، ليفيد أنه على الجادة، غير منحرف عنها أصلا)[103].

قال ابن الخطيب : (وتحقيق القول فيه أن الضلال أعمّ استعمالاً في الوضع ، تقول : ضَلَّ بَعِيرِي ورَحْلِي ولا تقول غيَّ؛ فالمراد من الضلال أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقاً أصلاً ، والغواية أن لا يكون له طريق إِلَى القصد مستقيم)[104]

 

ولذلك لم يقل (إلا من اتبعك من الضالين) لأن الضلالة – بمفهومها الخاص وليس العام - صفة طارئة بين صفتي الرشاد والغواية ، قال تعالى (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) (الضحى 7) ،وقال تعالى (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) (البقرة 198) ، وكذلك اعتذر موسى من قتل القبطي خطأ فقال (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) (القصص20) ، فالضال إما أن يهتدي ويرشد للإيمان ، وإما أن يسير في غواية الشيطان فيصير ممعنا في الضلال ، ويكون من الغاوين.

 

المسألة التاسعة : أبواب جهنم التي سعرت لأتباع الشيطان

 

قوله (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) (43) قال الواحدي (يريد : إبليس ومَنْ تبعه من الغاوين)[105]

وروي أنَّ سلمان الفارسيِّ رضي الله عنه لما سمع قوله تعالى : (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) [الحجر : 43] مَرَّ ثلاثةُ أيَّام من الخوفِ لا يعقلُ ، فَجيء به إلى رسول الله r  فسأله ، فقال : يا رسول الله ، نزلت هذه الآية : (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) [الحجر : 43] : فوالذي بعثك بالحق نبيًّا ، لقد قطعت قلبي فأنزل الله تعالى (إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ)[106] .

 قَالَ النَّبِيَّ r (نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ قَالُوا وَاللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهَا مِثْلُ حَرِّهَا)[107] .

 

قوله (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) (44) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا)[108] قال العلماء (فأعلاها : جهنم ، وهي للمذنبين من الموحدين ، ثم لظى لليهود ، ثم الحُطمة للنصارى ، ثم السعير للصابئين ، ثم سقر للمجوس ، ثم الجحيم للمشركين ، وكبيرهم أبو جهل ، ثم الهاوية ، وهي الدرك الأسفل ، للمنافقين ، وعبَّر في الآية عن النار؛ جملة ، بجهنم) [109].

 

ومن اللطيف أن نذكر  أن السورة سردت سبعة موانع من الإيمان (الإسراف في الشهوات - طول الأمل في الدنيا  -الاستهزاء بأهل الحق ومجادلتهم بالباطل – الكبر – الغواية - الإجرام بإتيان الفواحش – الظلم للعباد - العناد والغرور والعمى) ، وذُكِر عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ:" "  لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ  " ، قَالَ: جهنم، والسعير، ولظى، والحطمة، وسقر، والجحيم، والهاوية وهي أسفلها"[110]، وكل هذه الأسماء موجودة في القرآن الكريم.

 

وعند التأمل نجد الارتباط بين تلك الأبواب والأسباب التي أوقعت هؤلاء في جهنم ولكل باب منها صنف من العذاب [111] ، قال ابن عجيبة (أعلاها : جهنم ، وهي للمذنبين من الموحدين ، ثم لظى لليهود – وهو المغضوب عليهم- ، ثم الحُطمة للنصارى –وهم الضالون- ، ثم السعير للصابئين ، ثم سقر للمجوس ، ثم الجحيم للمشركين ، وكبيرهم أبو جهل ، ثم الهاوية ، وهي الدرك الأسفل ، للمنافقين ،وعبَّر في الآية عن النار؛ جملة ، بجهنم)[112] .

أولا : جهنم، قال الله تعالى) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا*  لِلطَّاغِينَ مَآَبًا ((النبأ 21-22) ، وقيل هي مختصة بالموحدين الذي طغوا في الميزان فيصلون نارا ثم إذا ذهبت سيئاتهم ومحصوا خرجوا منها .

ثانيا : السعير، وقال تعالى (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ( (الشورى7) ، وقال تعالى (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) (الحج4) ، وقال تعالى إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (فاطر6) .

وهذا العذاب هُدد به مردة الجن على وجه الخصوص كعذاب مسلط عليهم في الدنيا ويمتد للآخرة ، قال تعالى (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5) ، وقال (وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ) (12)

 

ثالثا : لظى، وقال تعالى (كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى)(المعارج 16-15) ، وقال تعالى (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى) (الليل 14-16)

رابعا : الحطمة، وقال تعالى (كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ( (الهمزة: 6-4) ، وهذا العذاب مخصوص به الهمزة واللمزة قال تعالى (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ) (3) .

خامسا :  سقر، قال تعالى (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ( (المدثر:28:26) وقال تعالى (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) (المدثر 46) .

سادسا : الجحيم، وقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ( (الشعراء:91:90) ، وقال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (10) .

سابعا : الهاوية وهي أسفلها أي الدرك الأسفل من النار ، قال تعالى)وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ  *وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ)(القارعة 11-8)، قال ابن كثير"هَاوِيَةٌ "(وهي اسم من أسماء النار) ، والهاوية ، هي لقوم لوط (والمؤتفكة أهوى) ، وكذلك المنافقون الظالمون والآكلون لحقوق الناس، قال تعالى (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار).

 

فلما كان الكفر كله ملة واحدة ، وأبواب النار السبعة تتدرج في الشدة بحسب أعمال الكفار ، وقد بينت السنة النبوية أن الكافر الذي يحسن العمل يجزى به في الدنيا حتى لا يكون له نصيب من العمل في الآخرة ، ويخال لي أن درجته في النار أقل عذابا ممن لا يحسن العمل ، كالصدقة وإعانة الناس وحسن الخلق ، وكذلك الكافر الذي يقع في كبائر الذنوب ، فذنبه أشد من الذي يفعل الصغائر ، وكذلك الذي يظلم غيره فذنبه أشد ، والذي يصد عن سبيل الله ذنبه أشد ، والذي يقتل مسلما ذنبه أشد ، ولذلك يمكن القول بأن أبواب النار مقسمة بحسب شدتها وعظم الجناية إلى سبعة على النحو التالي :-

 

  • فالأول للموحدين العاصين
  • والثاني للكافرين الذين عملوا خيرا في الدنيا من صدقات وخلافه
  • والثالث للكافرين الذين أساءوا العمل فلم يعملوا خيرا قط ، وعندهم بعض العزة والأنفة على الحق
  • والرابع للكافرين الذين ارتكبوا كبائر الإثم والفواحش وأخصها التكبر على الخلق
  • والخامس للكافرين الذين كانوا يظالمون الناس ويأخذون حقوقهم بالباطل .
  • والسادس للكافرين الصادين عن سبيل الله ، بوسائل اللهو تارة وبمنع الصلاة تارة ..الخ
  • والسابع للكافرين الذي حاربوا المسلمين وأصابوا دما مسلما .

فهذا الترتيب بحسب كبر الجناية ،والله أعلم

 

 

[1] ) رواه الترمذي ج11 ص 407 رقم 3424 وحسنه الألباني : صحيح كنوز السنة ج1 ص 189

[2] ) التيسير بشرح الجامع اصغير ج1 ص 439

[3] ) غريب الحديث للخطابي ج1 ص 343

[4] ) تفسير ابن أبي حاتم ج9 ص 57

[5] ) البحر المديد ج3 ص 221

[6] ) تفسير ابن عرفة ج1 ص 260

[7] ) رواه مسلم ج14 ص 15 ص 5102

[8] ) رواه النسائي ج7 ص 227 رقم 2059

وقد اختلف العلماء في زمان هذا الحشر اختلافا كثيرًا، ذكره الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"(11/ 379)، فقال :" قال الخطابي : هذا الحشر يكون قبل قيام الساعة؛ تحشر الناس أحياء إلى الشام، وأما الحشر من القبور إلى الموقف فهو على خلاف هذه الصورة من الركوب على الإبل والتعاقب عليها ؛ وإنما هو على ما ورد في حديث ابن عباس في الباب (حفاة عراة مشاة ).

قال : وقوله (واثنان على بعير وثلاثة على بعير إلخ) : يريد أنهم يعتقبون البعير الواحد، يركب بعضٌ ويمشي بعض .

قلت: وإنما لم يذكر الخمسة والستة إلى العشرة؛ إيجازا واكتفاء بما ذكر من الأعداد، مع أن الاعتقاب ليس مجزومًا به، ولا مانع أن يجعل الله في البعير ما يقوى به على حمل العشرة .

ومال الحليمي إلى أن هذا الحشر يكون عند الخروج من القبور. وجزم به الغزالي .

وقال الإسماعيلي : ظاهر حديث أبي هريرة يخالف حديث ابن عباس المذكور بعدُ؛ أنهم ( يحشرون حفاة عراة مشاة) ؟

قال : ويجمع بينهما بأن الحشر يُعَبَّر به عن النشر، لاتصاله به ؛ وهو إخراج الخلق من القبور حفاة عراة؛ فيساقون ويجمعون إلى الموقف للحساب ؛ فحينئذ يحشر المتقون ركبانا على الإبل .

وجمع غيره بأنهم يخرجون من القبور بالوصف الذي في حديث ابن عباس، ثم يفترق حالهم من ثم إلى الموقف، على ما في حديث أبي هريرة، ويؤيده ما أخرجه أحمد والنسائي والبيهقي من حديث أبي ذر، حدثني الصادق المصدوق: ( أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج فوج طاعمين كاسين راكبين وفوج يمشون وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم...) الحديث.

وصوب عياض ما ذهب إليه الخطابي، وقواه بحديث حذيفة بن أسيد، وبقوله في آخر حديث الباب: ( تقيل معهم وتبيت وتصبح وتمسي)؛ فإن هذه الأوصاف مختصة بالدنيا. 

وقال بعض شراح المصابيح : حمله على الحشر من القبور أقوى من أوجه :

أحدها : أن الحشر إذا أطلق في عرف الشرع إنما يراد به الحشر من القبور، ما لم يخصه دليل .

ثانيها : أن هذا التقسيم المذكور في الخبر لا يستقيم في الحشر إلى أرض الشام؛ لأن المهاجر لا بد أن يكون راغبا أو راهبا أو جامعا بين الصفتين، فأما أن يكون راغبا راهبا فقط، وتكون هذه طريقة واحدة لا ثاني لها من جنسها؛ فلا.

ثالثها : حشر البقية على ما ذكر، وإلجاء النار لهم إلى تلك الجهة، وملازمتها حتى لا تفارقهم: قول لم يرد به التوقيف، وليس لنا أن نحكم بتسليط النار في الدنيا على أهل الشنوة من غير توقيف.

رابعها : أن الحديث يفسر بعضه بعضا، وقد وقع في الحسان من حديث أبي هريرة وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن علي بن زيد عن أوس بن أبي أوس عن أبي هريرة بلفظ ( ثلاثا على الدواب وثلاثا ينسلون على أقدامهم وثلاثا على وجوههم )، قال: ونرى أن هذا التقسيم الذي وقع في هذا الحديث، نظير التقسيم الذي وقع في تفسير الواقعة في قوله تعالى (وكنتم ازواجا ثلاثة) الآيات

فقوله في الحديث: ( راغبين راهبين ) يريد به عوام المؤمنين ؛ وهم من خلط عملاً صالحًا وآخر سيئًا، فيترددون بين الخوف والرجاء، يخافون عاقبة سيئاتهم ويرجون رحمة الله بإيمانهم ؛ وهؤلاء أصحاب الميمنة.

وقوله : ( واثنان على بعير.. إلخ) السابقين، وهم أفاضل المؤمنين يحشرون ركبانًا.

 وقوله : ( وتحشر بقيتهم النار ): يريد به أصحاب المشأمة. وركوب السابقين في الحديث يحتمل الحمل دفعة واحدة، تنبيهًا على أن البعير المذكور يكون من بدائع فطرة الله تعالى، حتى يقوى على ما لا يقوى عليه غيره من البعران، ويحتمل أن يراد به التعاقب.

قال الخطابي: وإنما سكت عن الواحد، إشارة إلى أنه يكون لمن فوقهم في المرتبة كالأنبياء ؛ ليقع الامتياز بين النبي ومن دونه من السابقين في المراكب كما وقع في المراتب " انتهى.

والذي يظهر – للشيخ محمد المنجد - : أن الحشر المذكور في الحديثين هو الحشر الذي يكون قبل قيام الساعة .

ويشهد له: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إِنَّهَا سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ لَخِيَارِ النَّاسِ إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ، لَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ إِلَّا شِرَارُ أَهْلِهَا، تَلْفِظُهُمْ أَرْضُهُمْ، تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ، تَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا، وَتَأْكُلُ مَنْ تَخَلَّفَ

 أخرجه معمر بن راشد في "جامعه" (11/376)، وأحمد في "مسنده" (9/396)، وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (3203).

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله:" يدل عَلَى أن خيار الناس في آخر الزمان مهاجرون إِلَى مهاجر إبراهيم عليه السلام - وهي الشام – طوعًا، فيجتمعون فيها. وأما شرار الناس فيحشرون كرهًا، تحشرهم النار من بلادهم إِلَى الشام.

[ثم ذكر حديث أبي هريرة السابق عن الطرائق الثلاثة، ثم قال]هذه الثلاث المذكورة في هذا الحديث :
أحدها: من يحشر راغبًا، وهو من يهاجر إِلَى الشام طوعًا.
والثاني: من يحشر رهبة وخوفًا عَلَى نفسه ؛ لظهور الفتن في أرضه.
والثالث: من تحشره النار قسرًا، وهو شر الثلاثة" انتهى من "مجموع رسائل ابن رجب" (3/238)

أما الحشر من القبور ؛ فهو على الصفة التي في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ثُمَّ قَرَأَ:  كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ رواه البخاري(349)، ومسلم (2860)

انظر موقع الشيخ محمد المنجد : https://islamqa.info/ar/answers/336047/

[9] ) جاء في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح قوله ( ويلقي الله الآفة على الظهر ) أي : على المركوب تسمية بما هو المقصود منه ، وتعبيرا عن الكل بالجزء ، ( فلا يبقى ) أي : ظهر ، وفي نسخة بالتأنيث أي دابة ، وفي نسخة بضم أوله أي : فلا تبقي الآفة دابة ( حتى إن الرجل لتكون له الحديقة ) أي : البستان ( يعطيها بذات القتب ) أي : بعوضها وبدلها ، وهو بفتح القاف والتاء للجمل كالإكاف لغيره ( لا يقدر ) أي : أحد ( عليها ) أي : على ذات القتب ; لعزة وجودها ، وهذا صريح في أن المراد بالحشر في هذا الحديث ليس حشر القيامة

[10]) البخاري (6522)، ومسلم (2861) 

[11] ) رواه البخاري ج11 ص 246 رقم 3177

[12] ) رواه مسلم ج12 ص 61 رقم 4363

[13] ) رواه الترمذي ج5 ص 483 رقم 1436 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج4 ص 14 رقم 1514

[14] ) لسان العرب ج11 ص 381

[15] ) لسان العرب ج11 ص 381

[16] ) لسان العرب ج11 ص 381

[17] ) تفسير ابن أبي حاتم ج9 ص 58

[18] ) لسان العرب ج11 ص 381

[19] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج2 ص 274

[20] ) لسان العرب ج1 ص 61

[21] ) لسان العرب ج11 ص 381

[22] ) البحر المحيط ج7 ص 202 ، الكشاف ج3 ص 310

[23] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 230 

[24] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 7112

[25] ) خلق الإنسان من الطين بأدلة علمية يقينية وبيانها كالتالى: التحليل المعملى لجسم الإنسان والتربة تطابق صفات الطين وصفات جسم الإنسان تكوين جسم الإنسان (سلالة من طين) غذاء الإنسان تركيب الحمض النووى الذى فى جسم الانسان (سلالة من ماء مهين) الموت خير شاهد على الخلق من التراب والطين دفن الإنسان وتحلل جثته إلى تراب دراسات حديثة عن الدور الحيوى للطين أو الطمى:
رابط المادة: http://iswy.co/e2br0q

ولو أرجعنا الإنسان إلى عناصره الأولية ، لوجدناه يشترك في تركيبه حوالي (26) عنصراً وهى : أ)ـ أكسجين (O) ، هيدروجين ( H) على شكل ماء إذ بهما يتكون الماء. ب) نيتروجين (N) كربون (C)، وهيدروجين ( H) وأكسجين   (O) وهذه العناصر تشكل أساس المركبات العضوية من سكريات ودهون ، وبروتينات وفيتامينات ، وهرمونات أو خمائر  ت) مواد جافة:ـ منها سبعة مواد أساسية: الكلور ( CL)، الكبريت (S)، الفسفور (P)، والكالسيوم  (Ca) والماغنسيوم (MG) والبوتاسيوم (K)، والصوديوم (Na)، ومنها ست مواد بنسبة أقل هي : الحديد (Fe)، والنحاس (Cu) واليود (I) والمنجنيز (MN) والكوبالت (Co)، والزنك  Zn) ) والمولبيديوم (MO)، ومنها ستة عناصر بشكل زهيد هي : الفلور ( F)، والألمنيوم (AL)، والبوروم (B)، والسيلينيوم (Se) ، الكادميوم (Cd) والكروم  .(Cr) أما نسب هذه العناصر فى جسم الإنسان فهو يتكون أساسا من الماء‏ (65%‏ إلي أكثر من‏75%)‏ بالاضافة إلي نسبة من الدهون‏ (‏10-14%),‏ والبروتينات‏(‏ ‏11% -17%),‏ والكربوهيدرات‏(‏‏1%)‏ وعدد من العناصر والمركبات غير العضوية ‏(‏تتراوح نسبتها بين‏5‏-6‏%). ‏وبرد كل ذلك الي عناصره الأولية يتضح أن جسم الإنسان يتكون من العناصرالتالية‏: الاكسجين ‏65%‏ ، الكربون ‏18 % ‏الهيدروجين ‏10%‏ ، النيتروجين‏3 % ، الكالسيوم‏1.4%‏ ،الفوسفور‏0.7%‏ ، الكبريت ‏0.2% ، ‏البوتاسيوم ‏0.18% ‏، الصوديوم ‏0.10 %‏ ، الكلور‏0.10%‏ ، المغنيسيوم ‏0.045%‏ ، عناصر نادرة ‏0.014 % ‏وتشمل العناصر النادرة كلا من اليود‏,‏ الفلور‏,‏ البروم‏, ‏الحديد ‏,‏ النحاس‏,‏ المنجنيز‏,‏ الزنك‏,‏ الكروم‏ ,‏ الكوبالت ‏,‏ النيكل ‏,‏ الموليبدينوم‏ ,‏ القصدير‏ ,‏ الكادميوم ‏,‏ والألومنيوم‏.‏ وهذا التركيب يشبه في مجموعه التركيب الكيميائي لتراب الأرض المختلط بالماء‏ أي الطين

الدكتور عبد الحميد دياب ، الدكتور أحمد قرقوز : الطب في القرآن ، مؤسسة علوم القرآن – اليقين في خلق الإنسان من طين ، أ د حنفي محمد مدبولي  / طريق الإسلام 13-11-2020

[26] ) القَصص التربويَّة عند الشيخ محمَّد تقي فلسفي، للطيف الراشدي، دار الكتاب الاسلامي، الطبعة الاولى 2004 م.

[27] ) التبيان في أقسام القرآن ج 1 ص203

[28] ) رواه النسائي في سننه الكبرى ج5 ص 280 رقم 8887-8888

[29] ) رواه النسائي في سننه الكبرى ج5 ص 280 رقم 8887-8888

[30] ) الرازي : مختار الصحاح ج1 ص 119 ، الجوهري ، انظر : شمس الدين السفاريني : لوامع الأنوار البهية ج2 ص 220

رواه الضحاك عن ابن عباس : انظر ابن الجوزي في زاد المسي ج4 ص 399

[31] ) مارج نار لا دخان لها القرطبي 17/161

[32] ) رواه مسلم ج14 ص 273 رقم 5214

[33] ) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ج1 ص 188

ومنه المِجن الذي يتّخذ في الحرب يتوقّى به المقاتل سهام العدو، سُمِّي مِجَنًّا لأنه يُجِنُّه من السهام، ومنه قوله r "الصوم جُنّة" بمعنى: أنه ساتر بين العبد وبين المعاصي، يستتر به من المعاصي، ومن كيد الشيطان، ومنه قوله تعالى (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً) {جَنَّ عَلَيْهِ} يعني: غطّاه ظلام الليل.

[34] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 115

[35] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج5 ص 47 رقم 4552 ومثله رواه الطبري ج13 ص 8

[36] ) رواه البخاري ج11 ص 53 رقم 3033

[37] ) رواه الحاكم ج2 ص 495 رقم 3702 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 543 رقم 5425

[38] المناوي : التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 997

[39] ) مجموع الفتاوى ج19 ص 52

[40] ) رواه مسلم ج11 ص 281 رقم 4143

[41] ) رواه مسلم ج11 ص 289 رقم 4151

[42] ) شرح النووي على مسلم ج14 ص 230

[43] ) " عالم الجن والشياطين "  ص 119 .

قال (ولكنها لا تفعل هذا إلا بالضالين الذين يكفرون بالله رب الأرض والسماوات ، أو يفعلون المنكرات والموبقات ، وقد يتظاهر هؤلاء بالصلاح والتقوى ، ولكنهم في حقيقة أمرهم من أضل الناس وأفسقهم) يقصد بذلك أنه بعد ملك سليمان عليه السلام لا ينبغي لأحد من بعده مثل ملكه ، ولكن الشياطين تفعل شيئا من ذلك لأوليائها

[44] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 134

[45] ) تفسير النيسابوري ص177

[46] ) التحرير والتنوير ج30 ص 244

[47] ) رواه البخاري ج10 ص 485 رقم 2969

[48] ) رواه البخاري ج19 ص 387 رقم 5845

[49] ) رواه البخاري ج11 ص 117

[50] ) النهاية في غريب الأثر ج1 ص 822 ومثله السيوطي : الديباج على مسلم ج5 ص 553

[51] ) ابن علان : دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج4 ص 55

[52] ) انظر استعمال فاء التعقيب : الثعالبي في فقه اللغة ص 1284

[53] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 2467

[54] ) التحرير والتنوير ج13 ص 37

[55] ) تفسير القرطبي ج7ص 170

[56] ) شرح نهج البلاغة ج13 ص 129

[57] ) رواه الحاكم ج1 ص 656 رقم 1708 ورواه أحمد وابن حبان في صحيحه وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج2ص9رقم1132

[58] ) رواه مسلم ج7 ص 70 رقم 2402

[59] ) رواه البخاري ج6 ص 457 رقم 1761

[60] ) رواه ابن ماجة ج3 ص 24 رقم 793 وصححه الألباني صحيح سنن ابن ماجة ج 1 ص 133 رقم 653

[61] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج3 ص 343 رقم 3717 ورواه السيوطي في الدر المنثور ، ولم يتم الألباني دراسته

[62] ) تحفة الأحوذيّ 9/ 262

[63] ) إسلام أون لاين / أصول فيه والمقاصد / علوم قرآن / لماذا  قبل الله توبة آدم ولم يقبل الله توبة إبليس

[64] ) الكشاف ج6 ص 36

[65] ) رواه مسلم ج1 ص 227 رقم 115

[66] ) رواه أبو داود ج11 ص 127 رقم 3567 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج9ص90 وصحيح ابن ماجة2/405

[67] ) رواه مسلم ج12 ص 415 رقم 4642

[68] ) رواه مسلم ج1 ص 247 رقم 131

[69] ) تفسير الطبري ج21 ص 240

[70] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج2 ص 276

[71] ) أبو القاسم الحسين بن محمد : المفردات في غريب القرآن ج1 ص 190

[72] ) التحرير والتنوير ج13 ص 38

[73] ) تفسير القرطبي ج15 ص 229

[74] ) الدر المنثور للسيوطي ج5 ص 300 ، مكائد الشيطان لابن أبي الدنيا ج1 ص 66

[75] ) رواه مسلم ج13 ص 413 رقم 5022

[76] ) تفسير القرطبي ج7 ص 175

[77] ) دروس الشيخ سفر الحوالي ج41 ص 31 ، تفريغ موقع الشبكة الإسلامية

[78] ) رواه مسلم ج13 ص 108 رقم 4789

[79] ) دروس الشيخ سفر الحوالي ج41 ص 31 ، تفريغ موقع الشبكة الإسلامية

[80] مدرج السالكين ج1 ص 141

[81] ) فتاوى الشبكة الإسلامية ج9 ص 2466 تاريخ الفتوى 28 ربيع الثاني 1426 هـ لماذا يعاتبنا ضمرينا بعد المعصية وليس قبلها ؟

[82] ) تفسير الخازن ج2 ص 178

[83] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج2 ص 277

[84] ) رواه مسلم ج13 ص 321 رقم 4953

[85] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج11 ص 304 رقم 11837 وصححه الألباني : صحيح وضعيف الجامع الصغير ج22 ص 173

[86] )الدرر السنية : المشرع العام علوي بن عبد القادر السقاف  https://dorar.net/hadith/sharh/120839

[87] )الدرر السنية : المشرع العام علوي بن عبد القادر السقاف  https://dorar.net/hadith/sharh/120839

[88] ) تفسير الرازي ج9 ص 312

[89] ) تفسير الخازن ج4 ص 147

[90] ) زاد المسير ج4 ص 63

[91] ) تفسير الطبري ج17ص 103

[92] ) البحر المديد ج3 ص 226

[93] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 14

[94] ) صحيح البخاري ج14 ص 296

[95] ) مجموع فتاوى ابن تيمية في التفسير ج3 ص 388

[96] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 92

[97] ) رواه مسلم ج3 ص 148 رقم 943

[98] ) رواه أبو داود ج13 ص 272 رقم 4416 وصححه الألباني : صحيح كنوز لسنة ج1 ص 2

[99] ) ابن القيم : مفتاح دار السعادة ج1 ص 40

[100] ) ابن تيمية : منهاج السنة النبوية ج1 ص 7

[101] ) شرح العقيدة الواطية للفوزان ج1 ص 165

[102] ) شرح العقيدة الواسطية ، الغنيمان درس صوتي رقم 31 مفرغ بواسطة الشبكة الإسلامية ص 6

[103] ) معجم الفروق اللغوية للعسكري ج1 ص 270، تفسير النيسابوري ج7 ص 73

[104] ) تفسير اللباب في علوم الكتاب ج14 ص 439 ، مفاتيح الغيب للرازي ج28 ص 242

[105] ) الوجيز للواحدي ج1ص406

[106] ) لباب النزول في أسباب النزول للسيوطي 1/118 ، وعزى تخريجه للثعلبي ، تفسير القرطبي ج10 ص 31

[107] ) رواه مسلم ج13 ص 488 رقم 5077

[108] ) رواه مسلم ج13 ص 487 رقم 5076

[109] ) البحر المديد ج3 ص 227

[110] ) تفسير ابن أبي حاتم ج9 ص 61 رقم 13244

[111] ) قيل أن الباب الأول :-يسمى جهنم لآنه يجهم في وجوه الرجال والنساء فيأكل لحومهم، وهو أهون عذابا من غيره.

الباب الثاني :-ويسمى لظى آكلة اليدان والرجلان تدعو من أدبر عن التوحيد وتولى عما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام.

البابا الثالث:-  يقال له سقر انما سمي سقر لأنه يأكل اللحم دون العظم

الباب الرابع:- يقال له الحطمة تحطم العظام وتحرق الأفئدة وترمي بشرر كالقصر فتطلع الشرر إلى السماء ثم تنزل فتحرق وجوهم وايديهم فيكون المع حتى ينفذ ثم يبكون الدماء حتى تنفذ ثم يبكون القيح حتى ينفذ

الباب الخامس:- يقال له الجحيم انما سمي بذلك لأنه عظيم الجمرة، الجمرة الواحدة اعظم من الدنيا

الباب السادس:- يقال له السعير سمى هكذا لأنه يسعر فيه ثلاثمائة قصر في كل قصر ثلاثمائة بيت في كل بيت ثلاثمائة لون من العذاب وفيه حيات وعقارب وقيود وسلاسل وأغلال، وفيه جب الحزن ليس في النار عذاب أشد منه إذا فتح باب الحزن حزن أهل النار حزنا شديداً.

الباب السابع:- يقال له الهاوية من وقع فيه لم يخرج ابدا وفيه بئر الهباب يخرج منه نار تستعيذ منها النار، وفيه الذين قال الله فيهم {سأرهقه صعودا}، وهو جبل من نار يوضع أعداء الله على وجوههم على ذلك الجبل مغلولة ايديهم إلى أعناقهم، مجموعة أعناقهم إلى أقدامهن، الزبانية وقوف على رؤسهم بأيديهم مقامع من حديد إذا ضرب أحدهم بالمقمعة ضربة سمع صوتها الثقلان

ذكره القتيبي في كتاب عيون الأخبار ) انظر التذكرة للقرطبي ج5 ص 386 ) ، المرجع : الموسوعة العقدية ، إعداد: مجموعة من الباحثين بإشراف الشيخ عَلوي بن عبد القادر السقاف ، الناشر: موقع الدرر السنية على الإنترنت dorar.net

[112] ) البحر المديد ج3 ص 227

  • الاحد PM 05:24
    2026-03-15
  • 9
Powered by: GateGold