ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
حفظ الكون بقدر الله
د / احمد نصير
قال تعالى (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (25)
انتقلت الآيات للحديث عن دلائل قدرته بما يدلل على حفظه للكون ، فهي شاهدة على وجوب الإيمان به ، لا تنكرها العقول ، ولا تكذبها الأفئدة ، فبدأت بذكر السماء وبروجها وزينتها بالنجوم ، وحفظها بالشهب ، وذكرت الأرض ورواسيها ومعاشها ، ثم الرياح وتلقيحها ،والمطر النازل من السماء على الأرض سقاء لكل شيء ، وتخزين الله له ، بما يظهر قدرة الله تعالى على الخلق والتصريف والتدبير ، ثم اختتم المقطع بالحديث عن الله أنه هو الذي يحيي ويميت وأنه هو الوارث لكل شيء ، وعن علمه أحوال خلقه ، وتصرفه فيهم يوم القيامة بحشره لهم بحكمته وعلمه .
قوله (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ) (16) قال الشوكاني (الجعل إن كان بمعنى الخلق ، ففي السماء متعلق به أي "النجوم"، وإن كان بمعنى التصيير ، ففي السماء خبره أي "كونها زينة")[1] .
فالبروج في اللغة : القصور والمنازل ، والمراد بها هنا (ما يمكن رؤيته بالعين لأنه هو المزين لها ، وقد توسع بعض العلماء في ذلك فقالوا ( الشمس والقمر والنجوم السيارة) ، لكن الطبري وغيره قصروا المراد بالبروج على النجوم وحدها ، فهي التي جعلها الله رجوما للشياطين)[2]، قال العلماء (النجوم تخرج منها الشهب لتؤدي هذه الوظيفة)[3].
ومن المعلوم أن النجوم تتشكل كل شهر مرة ، أي تتشكل اثنى عشر مرة في السنة ،وقد ورد ذكر النجوم في القرآن اثنى عشرة مرة ، الأمر الذي جعل العلماء يؤكدون على أن المقصود بالبروج النجوم ، قال الشوكاني (وهي : الاثنا عشر المشهورة كما تدل على ذلك التجربة ، قال أبو السعود (وهي البروجُ الاثنا عشر المشهورةُ المختلفةُ الهيئاتِ والخواصِّ حسبما يدل عليه الرصْدُ والتجرِبة)[4]، وهي برج الحمل والثور والجوزاء والسرطان و الأسد والعذراء والميزان والقوس والجدي والدلو والحوت ، وقال الشوكاني (العرب بهتمون بمعرفة بمواقع النجوم ومنازلها من أجل العلوم التي يستدلون بها على (الطرقات والأوقات والخصب والجدب)[5].
وقوله (وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ) يشير بعد الإشارة إلى أن مواقع النجوم بقدر معلوم ، أنها في زينتها تبهر الناظرين لها والمتأملين في خلقها [6]، وفي ذلك دعوة صريحة من القرآن للنظر في السماء والتأمل في زينتها ، فالنظر والتفكر فيها عبادة ، دليل ذلك قوله (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) ، ولذلك بوب البخاري بابا بعنوان " رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ ، ثم ذكر هذه الآية" ثم أورد بعدها حديث ابن أبي مليكة عَنْ عَائِشَةَ (رَفَعَ النَّبِيُّ r رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ)[7]، تعني متفكرًا في خلق السماء ، صنع الله ، يقول وهب بن منبه (ما طالت فكرة امرىء قط إلا فهم، وما فهم إلا علم، وما علم إلا عمل).
وقد وعى الصحابة والتابعين هذه الدعوة ، فكان نتيجة ذلك قول أبي الدرداء (تفكر ساعة خير من قيام ليلة) ، يقصد بذلك أن التفكر في خلق الله يزيد الإيمان كما يزيد قيام ليلة الإيمان ، أي بتلك الطاعة فكلاهما سواء ، أو أن التفكر يفضلها في زيادة الإيمان.
والنظر في السماء يبعث في الإنسان الشعور بالراحة النفسية ، يقول الشعراوي (جعل الله سبحانه للنجوم قيمة جمالية ،وخلق الإنسان وخلق فيه الحواس المعروفة ، ومنها النظر ، فالمنظر الجميل هو غذاء العين ، أي يلبي حاجة العين للنظر إلى شيء مزين لها )[8] ، يقول بشر الحافي (لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه) .
والنظر في السماء يصلح عقيدة المسلم في الله ، إذ لا شك أن الذي ينظر للسماء لابد وأن يشعر براحة نفسية ، حيث يرى الكون فسيحا أكبر من همومه الصغيرة ، فيصل بتلك الرؤية إلى العلم بأن الله الذي دبر هذا الكون قادر على أن يدبر له حياته البسيطة ، كما في قوله (وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ* فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) (يونس31) .
قوله (وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ) (17) وحفظ السماء المراد منه حفظها من استراق الجن للسمع ، كما في قوله (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ) (الأنبياء 32)
وقوله تعالى (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا) (الجن 9) ، وقوله (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) (الشعراء 212).
جاء في تفسير البغوي : عن ابن عباس قال : كانت الشياطين لا يحجبون عن السموات وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها فيلقون على الكهنة، فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد r منعوا من السموات أجمع، فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رُمي بشهاب، فلما منعوا من تلك المقاعد ذكروا ذلك لإبليس، فقال لقد حدث في الأرض حدث، قال: فبعثهم فوجدوا رسول الله r يتلو القرآن، فقالوا: هذا والله ما حدث)[9] ، أي تزامن حفظ السماء ببعثة النبي محمد r حيث تكفل الله سبحانه بحفظ الذكر ولم يوكل لأحد من البشر هذه المهمة كما حصل بشأن التوراة والإنجيل ، فكان لابد من منع الجن والشياطين التلصص لاستراق السمع من الملائكة ، حتى لا يختلط القرآن بما يوحيه الشياطين على الكهان من كلام ، قال العلماء (فلما بعث النبي r ملئت حرسا شديدا وشهبا وذلك لينحسم أمر الشياطين وتخليطهم ولتكون الآية أبين والحجة أقطع)[10].
قوله (إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ) (18) الاستثناء يشير إلي أنه قد يفلت منها شيطان فينجح في استراق السمع ، أي يسمع ما يدور بين الملائكة من حديث في أمر القدر ، لكن - وعندئذ - لا يفلت هذا الشيطان من الشهاب المسلط عليه ، فتكون رجوما للشياطين ، وهكذا أشبهت النجوم القلاع الحصينة التي ترمي الأعداء السهام ، ولذلك سميت بالبروج ، فهي مسلطة على كل شيطان مارد استرق السمع فيتبعه شهاب ثاقب ، قال ابن القيم قوله (فأتبعه أي لحقه وأدركه)[11] أي أن الشهاب يدرك الشيطان فيحرقه ، كما في قوله (وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ) (الصافات 10).
وحفظ السماء في المجمل من استراق السمع لم يمنع الجن من الاستراق مطلقا ، فلهم حيلة يفعلونها ولكن الشهب ترصدهم ، تلك الحيلة تسمى بحيلة السلم ، حيث تسلط الشهب على الجني الذي يسترق السمع فتحرقه ، ولكن قبل أن تحرقه يلقي بالكلمة للجني الذي تحته في السلم فيرصده الشهاب ، فربما لحق أن يلقيها إلى الذي تحته ثم تحرقه ، وهكذا حتى تصل الكلمة للكاهن غير صحيحة بنسبة تزيد عن 99 % لأن الجن يخلطون معها 100 كذبة ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ r نَاسٌ عَنْ الْكُهَّانِ فَقَالَ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَا أَحْيَانًا بِشَيْءٍ فَيَكُونُ حَقًّا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنْ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا مِنْ الْجِنِّيِّ فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ)[12].
وعن نَبِيَّ اللَّهِ r قَالَ (إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ فَإِذَا (فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا) لِلَّذِي قَالَ (الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ، فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوْ الْكَاهِنِ فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنْ السَّمَاءِ)[13]
والحكمة من بقاء هذه "الكلمة" أنها فتنة وابتلاء لتمحيص الناس ، أيتبعون الحق أم يفتنون بصدق الكاهن في كلمة واحدة وكذبه في مائة ، ما يعني من جهة أخرى إظهار كذب الكهان ، لأن تصديق الناس للكهان مبني على هذه الكلمة الحق، فعندما يخلطون معها مائة كذبة يبطل اعتماد الناس عليهم ، الفرصة لتمييز الخبيث من الطيب بتلك الكلمة المختلسة)[14]، لأنه لو لم تختلس هذه الكلمة لما كان للكهان فائدة ، ولبطل عملهم ، ولما تحقق الابتلاء والاختبار ، ولكن الله جعلها سببا لابتلاء الناس بهم ، ليستبين من يصدقهم ومن يكذبهم ، ولذلك قيل (كذب المنجمون ولو صدقوا) لأن حديثهم مبني على الكذب في أغلبه ، وإن صادف الحق نادرا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَنْ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنْ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنْ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ)[15]
قوله (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا ..) (21) قال ابن كثير أي: (وسعناها وفرشناها)[16] ، أي وسع أقطارها لتستوعب الزيادة في النسل ، وفرشها بالزرع لتأكل منه الدواب والأنعام والإنسان ، بما يعني تسخير الأرض لتكون مهيئة لحفظ حياة الإنسان عليها ، وتلك هي البيئة التي هيأها الله للإنسان لتكون موطنا لابتلائه ، فليس عليه أن يخترق السماء ، (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) (33) ، وهكذا يلفت القرآن الكريم انتباه الإنسان إلى ما يجب الالتفات إليه ، وهو حياته على هذه الأرض ، فلا ينشغل بمعرفة الغيب ، أو اختراق حواجز السماء ، قال تعالى (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ) (35) ، ولينشغل بحياته الواقعية .
وإنما الواجب عليه أن يتعلم القوانين الربانية التي خلقها فيها ، فتلك اليابسة وما جاورها من مياه يعيش عليها الإنسان وما معه من كائنات ، وصفها سبحانه بأنها ممدودة ، أي وسَّع في أقطارها ، فهي من السعة بحيث تستوعب الناس مهما زاد عدد سكان الأرض ، وهي ممدودة لهم -بأرزاقها- يعيشون في خيراتها ، فلا يابستها تعجز عن إيوائهم ، ولا بحارها تقل خيراتها عن حاجات البشر والكائنات فيها ، قال السعدي أي: (وسعناها سعة يتمكن الآدميون والحيوانات كلها على الامتداد بأرجائها والتناول من أرزاقها والسكون في نواحيها)[17] ، قال تعالى "وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ".
قوله (..وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ) (21) قال ابن كثير (وهي: الجبال؛ لئلا تميد بأهلها وتضطرب)[18] ،فقد جاء رديف لفظ (مددناها) لوازمه من إلقاء الجبال لترسيتها ، ليكون دورانها حول نفسها وحول الشمس بقدر موزون ، فلا تحيد عن مسارها، كما في قوله تعالى (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) ، قال أبو حيان أي (جبالاً ثوابت تمنعها من التكفؤ)[19] ، فتلك صورة من صور حفظ الأرض ، فإذا لم تكن الجبال راسيات على الأرض لاختل توازن الأرض وزادت الزلازل لأنها تعمل كـ "رواسي" أو "أوتاد" لتثبيت القشرة الأرضية، وبدونها ستضطرب الأرض وتهتز و(تميد) بشكل مستمر.
كما أن الفيضانات عارمة ستعم الأرجاء ، لأن الجبال تُخزن المياه على شكل ثلوج وتذيبها ببطء لتغذية الأنهار، وبدونها ستذوب الثلوج دفعة واحدة، مما يؤدي لفيضانات مدمرة، يتبعها جفاف دائم ، ومن هنا تسود المحيطات ، فتغطي الأرض بالكامل ، كما سوف تحدث تغيرات مناخية متطرفة لأن الجبال تحجز الرياح ، وبدونها تسود رياح عاصفة تغير المناخ بشكل جذري ، فضلا عن تغيرات بيولوجية كبيرة لاسيما للحياة البحرية ، حيث تمد الجبال البيئة البحرية بالمغذيات[20].
فقوله (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) أي أن إنبات النباتات فيها بقدر موزون ، كناية عن كفاية أبواب الرزق وسعتها وتقديرها بما يكفي حاجة الكائنات عليها ، وفيه إيحاء بأن القوانين الإلهية التي جعلها الله في الطبيعة لابد وأن تحقق التوازن البيئي والبيولوجي ، بمعنى أن الإنسان ولكي يستفيد مما جعل الله له فيها معايش لابد وأن يفهم ميزان الطبيعة وقوانينيها ، وألا يتجاوز ذلك حتى لا ينقلب ذلك وبالا عليه .
فتشير الآية بشكل مباشر إلى أن الله سبحانه وتعالى أنبت في الأرض كل شيء بقدر معلوم وتوازن دقيق، وهو ما يؤكده لفظ "موزون" وفي آية أخرى "بقدر معلوم"، مما يدل على النظام البديع في الكون والبيئة والتنوع البيولوجي الذي لا يختل إلا بتدخلات الإنسان المدمرة للبيئة ، كما في قوله (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم41) ، وهو ما يعني ارتباط السياق الوارد فيه الآية بمفهوم التوازن البيولوجي بشكل مباشر، حيث تؤكد على أن النظام الطبيعي للبيئة يسير وفق نظام إلهي دقيق ومتوازن ، وأي خلل يحدثه الإنسان في هذا النظام، مثل تلوث البيئة أو تدمير الغابات يؤدي إلى عواقب وخيمة.
فالنبات هو وسيلة التغذية للحيوانات آكلة العشب ، والإنسان يتغذى على النبات وعلى هذه الحيوانات آكلة النباتات ، فالأكل وإن كان عادة عند الإنسان وتلك الكائنات ، لابد وأن يؤدي وظيفته في إطار من التوازن البيولوجي بحيث لا يصير إلى ضرر ، ولذلك قال رسول الله r (مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ حَسْبُ الْآدَمِيِّ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ غَلَبَتْ الْآدَمِيَّ نَفْسُهُ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ)[21]، (هذا أكلهم، إنما يأكلون ما يسد الرمق والجوع ، أما أن يستغرقوا في أنواع الأطعمة فإن هذا فيه شيء من الإسراف)[22] ، وقس على ذلك سائر العادات كالراحة والعمل فلابد من القصد فيهما والاعتدال .
وفي قوله (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ) قال الرازي (الرزق الذي يظهر بالنبات يكون معيشة لهم من وجهين :-
الأول : بحسب الأكل والانتفاع بعينه .
والثاني : أن ينتفع بالتجارة فيه)[23]
وقد جاء لفظ (معايش) بصيغة الجمع ليفيد تنوع مصادر الرزق ، حتى لا يظن أحد أنه إذا انغلق بابا للعيش لم ينفتح غيره ، بل أرض الله واسعة ، والرزق فيها وفير .
قال الخازن (جمع معيشة يعني به جمع وجوه المنافع التي تحصل بها الأرزاق وتعيشون بها أيام حياتكم ، وهي على قسمين :-
أحدهما : ما أنعم الله تعالى به على عباده من الزرع والثمار وأنواع المآكل والمشارب
والثاني : ما يتحصل من المكاسب والأرباح في أنواع التجارات والصنائع وكلا مقسمين في الحقيقة إنما يحصل بفضل الله وإنعامه وإقداره وتمكينه)[24].
وفي قوله (وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ) قال الشوكاني (هم المماليك والخدم والأولاد الذين رازقهم في الحقيقة هو الله ، وإن ظنّ بعض العباد أنه الرازق لهم باعتبار استقلاله بالكسب)[25]، وأدخل فيهم الزمخشري (العيال) وقال (ويدخل فيه الأنعام والدواب وكل ما بتلك المثابة ، مما الله رازقه ، وقد سبق إلى ظنهم أنهم هم الرزاقون)[26].
ولذلك قتل المشركون أولادهم مخافة الفقر ، فنهى الله عن ذلك وأوضح أن هو رازقهم وعيالهم ، فقال (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا)(الإسراء31) ، كذلك قوله (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (العنكبوت60) ، فالله وحده الذي يحفظ الأرزاق .
بل على العكس ، فهو يرزقون بضعفائهم الذين يعولونهم في الظاهر ، ولكن رزقهم يأتي بسبب إعالتهم لهم ، قال رسول الله r (ابْغُونِي الضَّعِيفَ فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ)[27] أي بسببهم أو ببركة دعائهم)[28]، كذلك فإن من رزق الله عفوه وصفحه وإمهاله ، فالله تبارك وتعالى شديد العقاب ، (ولولا صبيان رضع ورجال ركع وبهائم رتع لصب العذاب صبا)[29].
وقوله (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ) الخزائن دليل على أن نعم الله لا تنفد ، وشبه الرزق منها بإخراج الأشياء النافعة من الخزائن ، قال ابن عاشور أي (على طريقة تمثيلية مكنية ، ورمز إلى الهيئة المشبه بها بما هو من لوازمها وهو الخزائن)[30]، قال تعالى (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ) [المنافقون:7] ، قال رسول الله r (يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ)[31].
فإذا علم ذلك وجب اقتصار الطلب منه ، فليس أحد يملك مقاليد السماوات او الأرض إلا هو ، (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (الزمر63) ، ولذلك (شَرَعَ الدُّعَاءَ وَالِاسْتِسْقَاءَ حَتَّى لَا يُطْلَبَ إلَّا مِنْهُ)[32] ، (وفي ذلك دلالة في أن النفع والضر والرزق والخلق والتصرف والنصر كلها من الله عز وجل، فلذلك لا يجوز أن يدعى ويطلب من غيره النفع والضر أو الرزق كما لا يجوز أن يعتقد في غيره أن له تصرفاً في الكون من خلق وغيره، فكل ذلك شرك صريح مناقض لقول القلب)[33].
وقوله (وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) ما يعني أن الأرزاق مقدرة ومقسمة بحكمة إلهية ، قال تعالى (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ * وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ * إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) (الشورى 27) ، وقال تعالى (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (العنكبوت 62)، قال رسول الله r (كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)[34]
قال الفوزان (فكل شيء قدره الله بمقادير وكيفيات لا تختلف ولا تتغير، فالإنسان قدر الله جسمه وحواسه وأعضاءه وتركيبه وأوزانه، حتى صار إنساناً معتدلاً يمشي ويقف ولو اختل شيء من أعضاء هذا الإنسان أو من تراكيبه اختل الجسم، وكذلك سائر الكائنات)[35] ، واستشهد بقوله (وكل شيء عنده بمقدار) [الرعد:8]
فلما كان ذلك كذك وجب أن يتأدب العبد مع ربه ولا يستبطئ الرزق ، قال رسول الله r "لا تستبطئوا الرزق، فإنه لن يموت العبد حتى يبلغه آخر رزق هو له، فأجملوا في الطلب: أخذ الحلال وترك الحرام"[36] فأرزاق الناس عند لله محفوظة واستعجال الرزق لن يزيده ، ولن يعجل به ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ)[37]
وكان من سنة النبي r دبر كل صلاة الإقرار بالرضا بما قسمه الله من رزق بلا أدنى اعتراض ، روي أَنَّ النَّبِيَّ r كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ)[38]، قال ابن أبي العز وفي ذلك تحقيق لقوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وقال (لَوْ قُدِّرَ أَنَّ شَيْئًا مِنَ الْأَسْبَابِ يَكُونُ مُسْتَقِلًّا بِالْمَطْلُوبِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِمَشِيئَة الله وَتَيْسِيرِه... فَكَيْفَ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْأَسْبَابِ مُسْتَقِلًّا بِمَطْلُوبٍ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ انْضِمَامِ أَسْبَابٍ أُخَرَ إليه، وَلَا بُدَّ أَيْضًا مِنْ صَرْفِ الْمَوَانِعِ وَالْمُعَارِضَاتِ عنه، حتى يَحْصُلَ الْمَقْصُودُ، فَكُلُّ سَبَبٍ فله شَرِيكٌ، وله ضِدٌّ، فَإِنْ لَمْ يُعَاوِنْه شَرِيكُه، وَلَمْ يَنْصَرِفْ عنه ضِدُّه - لَمْ تَحْصُلْ مَشِيئَة... فالْوَاجِبُ أَنْ لَا يُرْجَى إِلَّا الله ، وَلَا يُتَوَكَّلُ إِلَّا عليه ، وَلَا يُسْأَلُ إِلَّا هُوَ، وَلَا يُسْتَغَاثُ إِلَّا به، وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا هُوَ، فله الْحَمْدُ، وإليه الْمُشْتَكَى، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ، وبه الْمُسْتَغَاثُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّة إِلَّا بالله)[39].
قوله (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ ..) (22) أشارت الآيات إلى تعدد الأسباب وتضافرها معا لتنفيذ إرادة الله الكونية ، فالرياح معلوم أن موقعها بين السماء والأرض ، هي سبب من الأسباب المعضدة لغيرها من الأسباب الجالبة للرزق بقدر الله ، يقول العلماء (الْمَطَرُ وَحْدَه لَا يُنْبِتُ النَّبَاتَ إِلَّا بِمَا يَنْضَمُّ إليه مِنَ الْهَوَاءِ وَالتُّرَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ الزَّرْعُ لَا يَتِمُّ حتى تُصْرَفَ عنه الْآفَاتُ الْمُفْسِدَة له، وَالطَّعَامُ وَالشَّرَابُ لَا يُغَذِّي إِلَّا بِمَا جُعِلَ في الْبَدَنِ مِنَ الْأَعْضَاءِ وَالْقُوَى، وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ إِنْ لَمْ تُصْرَفْ عنه الْمُفَسِدَاتُ)[40] ، وهكذا تتعدد الأسباب ومدبرها واحد هو الله سبحانه (يدبر الأمر).
كما جعل الله تعالى للرياح وظيفة في نقل حبوب اللقاح من زهرة لأخرى ، وبسبب طريقة التلقيح هذه يتكاثر الزرع ، فإذا ما اجتمع نزول ماء المطر مع هذه الوظيفة ، وسُقى الزرع ، تضافرت الأسباب جميعا لإيجاد الزرع بقدر الله ، ولا يملك الإنسان شيئا من ذلك ولا ذرة من هذه القدرة .
قوله (..فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ.. ) (22) قال الألوسي (جعلناه لكم سقيا تسقون به مزارعكم ومواشيكم)[41] ، قال العلماء من أهل اللغة والتفسي (لو أراد الله إنزاله ليشربه الإنسان لقال (فسقيناكموه) ولكنه أراد أن يسقيه وأرضه وماشيته فقال (أسقيناكموه) وهذا ما تقوله العرب)[42].
(ومن ذلك نلحظ أن الله جعل للإنسان عملا بهذا الماء لينتفع به ، ولا يقتصر عمله على شربه وحسب بل دله الله على أن يسقي غيره بهذا الماء (الأرض والماشية) ، وهكذا يجعل الله من الماء كل شيء حي ، ويتعلم الإنسان دوره كخليفة في الأرض)[43] .
والله أنزل ماء المطر مقطرا ولم ينزله جملة واحدة وإلا لهلك الحرث والدواب ، قال تعالى (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا) (14)، وجعله عذبا فراتا برحمته ولم يجعله ملحا أجاجا عقابا على ذنوب الملكفين ، قال تعالى (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) (الواقعة70).
قال ابن القيم (فإذا تأملت السحاب الكثيف كيف يجتمع في جو صاف ، وكيف يخلقه الله متى شاء وإذا شاء ، وهو مع لينه ورخاوته حامل للماء الثقيل بين السماء والأرض إلى أن يأذن له ربه وخالقه في إسال ما معه من الماء ، فيرسله وينزله منه مقطعا بالقطرات كل قطرة بقدر مخصوص اقتضته حكمته ورحمته ، فيرش السحاب الماء على الأرض رشا ، ويرسله قطرات مفصلة لا تختلط قطرة منها بأخرى، ولا يتقدم متأخرها ولا يتأخر متقدمها ، ولا تدرك القطرة صاحبتها فتمزج بها بل تنزل كل واحدة في الطريق الذي رسم لها لا تعدل عنه حتى تصيب الأرض قطرة قطرة قد عينت كل قطرة منها لجزء من الأرض لا تتعداه إلى غيره ، فلو اجتمع الخلق كلهم على أن يخلقوا منها قطرة واحدة أو يحصوا عدد القطر في لحظة واحدة لعجزوا عنه ، فتأمل كيف يسوقه سبحانه رزقا للعباد والدواب والطير والذر والنمل يسوقه رزقا للحيوان.. في وقت كذا وكذا ثم كيف اودعه في الارض ثم اخرج به انواع الاغذية والادوية)[44]
ولهذا شرعت صلاة الاستسقاء ، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ بَيْنَمَا النَّبِيُّ r يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْكُرَاعُ وَهَلَكَ الشَّاءُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعَا)[45].
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ أَصَابَتْ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ r فَبَيْنَا النَّبِيُّ r يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ r فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ وَمِنْ الْغَدِ وَبَعْدَ الْغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ حَتَّى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى ، وَقَامَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ أَوْ قَالَ غَيْرُهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ وَغَرِقَ الْمَالُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ السَّحَابِ إِلَّا انْفَرَجَتْ وَصَارَتْ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ وَسَالَ الْوَادِي قَنَاةُ شَهْرًا وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ بِالْجَوْدِ)[46].
ولذلك قال علماء الكون أن الماء سبب الحياة على الأرض ، ولولاه لماتت الكائنات الحية ، ومعلوم أن نسبة الماء في جسم الإنسان تصل إلى حدود 60% لدى الرجال وحوالي 50-55% لدى النساء (بسبب اختلاف نسبة الدهون والعضلات)، تكون هذه النسبة أعلى عند حديثي الولادة (حوالي 70-78%)[47].
قوله (.. وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) (22) قال الشوكاني أي (ليست خزائنه عندكم ، بل خزائنه عندنا ، ونحن الخازنون له ، فنفى عنهم سبحانه ما أثبته لنفسه كما في قوله "وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ")[48] أي لا تقدرون على حفظه في آبار اصطناعية ومجاري ماء اصطناعية ، وحفظه ببناء السدود لحين الحاجة إلا بإذن الله ، فالله هو الذي هدى الإنسان لبناء هذا السد ، وهو القادر على أن إعطائه وظيفته في التخزين ، وقادر على أن يهدمه فيجعله كسيل العرم[49] ، (فالله وحده هو القادر على إمساكه لكم ، فيحفظه في الأنهار والأبار ويخزنه لتسقوا منه عند الحاجة)[50] .
ومعلوم أن كمية ماء المطر على مستوى العالم ينزلها الله بقدر مقدور لتحقق التوازن البيئي ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ما من عام أمطر عام و لكن الله يصرفه حيث يشاء ثم قرأ "ولقد صرفناه بينهم" [51] ، وابن مسعود قال : (وما من أرض أمطر من أرض ، وما عام أمطر من عام ولكن الله يقسمه ويقدره في الأرض كيف يشاء عاماً هاهنا وعاماً هاهنا ثم قرأ هذه الآية (وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ)[52]
وتلك الكمية من ماء المطر النازل من السماء لا يقدر أن يستوعبها الإنسان إذا أوكلت إليه مهمة تخزينه بقدرته المحدودة ، ولكن الله سبحانه يدخر الماء ويحفظه له في الأبار والأنهار والعيون حتى وقت الحاجة ، ولو أراد الله أن يغور الماء لما أمسكه شيء ، قال (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ) ، فالإنسان عاجز عن يمسكه أو أن يخزن هذه الكمية الهائلة من الماء ليسقي به الزرع ، قال تعالى (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) [المؤمنون18] (الملك30).
وقدرة الله تتجلى بحفظ الماء في خزائن في السماء قبل تجليها بحفظه في الأرض ، فيمسكه في السحب ، ثم ينزله بقدر معلوم ، قال الألوسي (نحن القادرون على إيجاده وخزنه في السحاب وإنزاله ، وما أنتم على ذلك بقادرين ، كذلك وما أنتم له بحافظين في مجاريه عن أن يغور فلا تنتفعون به) ، قال تعالى (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ) (الواقعة 69)
قال الزمحشري (نفى عنهم ما أثبته لنفسه للدلالة على عظيم قدرته وإظهاراً لعجزهم)[53] ، قال ابن كثير المراد: (وما أنتم له بحافظين، بل نحن ننزله ونحفظه عليكم، ونجعله معينا وينابيع في الأرض، ولو شاء تعالى لأغاره وذهب به، ولكن من رحمته أنزله وجعله عذبا، وحفظه في العيون والآبار والأنهار وغير ذلك ، ليبقى لهم في طول السنة، يشربون ويسقون أنعامهم وزروعهم وثمارهم)[54] ، أي أنكم لو حاولت اصطناع هذه الأسباب بقدرتكم فأنتم عاجزون عن ذلك ، بل الله هو القادر ، وإنما عليكم أن تطلبوا منه ذلك ، بعد أن تلتمسوا العمل بالأسباب المشروعة دون اعتماد عليها .
يقول الدكتور حسام موافي أنه قرأ كتاب بعنوان الماء هو الموت ، ملخصه أن الماء الزائد عن حاجة الجسم يسبب الموت ، وقال أن هذا الكتاب من 400 صحفة ، والقرآن لخص هذه الحقيقة في كلمتين (فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ)[55]، ففي قوله "وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ" لافتة إعجازية تشير إلى أن البشر لا يستطيعون تخزين المياه في أجسامهم بكميات كبيرة تفوق حاجتهم الآنية ، فطبيعة عمل جسم الإنسان تختلف عن طبيعة الجمال البيولوجية ، فالجمل يستطيع تخزين الماء ويسير في الصحراء لأشهر كثيرة ويستهلك الماء المخزون ، وللجمال قدرة على تحمل العطش أكثر من 10 أيام ، والجسم البشري لا يعمل بهذه الطريقة ؛ حيث أن تخزين كميات كبيرة من المياه فيه يؤدي إلى مشاكل صحية مثل الوذمة وتلف في أعضاء الجسم مثل الكلى أو القلب ، ولأجل ذلك جعل الله جسم الإنسان يصرف الماء الزائد عن حاجته عن طريق البول أو العرق ، فالجسم السليم لا يستطيع تخزين الماء الزائد عن حاجته ، ولذلك يظهر التورم على مريض الكلى بسبب عدم القدرة على تصريف الماء الزائد عن حاجة الجسم .
[1] ) فتح القدير للشوكاني ج4 ص 170
[2] ) روي الطبري عن عن قتادة قال (إن الله جلّ ثناؤه إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصال: خلقها زينة للسماء الدنيا، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدي بها ؛ فمن يتأوّل منها غير ذلك، فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلَّف ما لا علم له به) تفسير الطبري ج23 ص 508 .
[3] ) والمقصود بجعل النجوم رجوماً للشياطين أنه يخرج منها شهب من نار، فتصيب هذه الشياطين، ولا يعني جعلها- بذواتها- رجوماً يقذف بها، فالذي يصيب الشياطين من تلك النجوم هي الشهب التي تخرج منها.
قال الشيخ ابن عثيمين في شرح كتاب التوحيد: قال العلماء في تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ} أي: جعلنا شهابها الذي ينطلق منها; فهذا من باب عود الضمير إلى الجزء لا إلى الكل. فالشهب: نيازك تنطلق من النجوم. وهي كما قال أهل الفلك: تنزل إلى الأرض، وقد تحدث تصدعا فيها. أما النجم فلو وصل إلى الأرض; لأحرقها
[5] ) فتح القدير للشوكاني ج4 ص 170
[6] ) (أشار سبحانه إلى السماء والبروج ، فيسر من ذلك 1- القلب 2- والسر 3- والعقل 4- والروح
فيحصل للروح "التوحيد والتجريد والتفريد"
وللعقل "المعارف والكواشف"
وللقلب "العشق والمحبة والخوف والرجاء والقبض والبسط والعلم والخشية والأنس والإنبساط" ولعله يقصد الوجدان أي الشعور
وللسر "الفناء والبقاء والسكر والصحو") ولعله يقصد بالسر الجسد
انظر الألوسي : روح المعاني ج14 ص 54 مع بعض التغيير والتصرف
[7] ) رواه البخاري ج19 ص 210
[8] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 4745
[9] ) نقله عنه أبو حيان في البحر المحيط: 5 / 449 وابن الجوزي في زاد المسير 4 / 389، كلاهما دون قوله: فما منهم من أحد ... إلخ وانظر: تفسير القرطبي: 10 / 12، الدر المنثور: 8 / 303.
انظر تفسير البغوي ج4 ص 372
[10] ) موقع لقط المرجان لأبي حمد ج53 ص 153
[11] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 444
[12] ) رواه البخاري ج18 ص 51 رقم 5320
[13] ) رواه البخاري ج14 ص 490 رقم 4426
[14] ) جاء ذلك في شرح الدرر السنية – تحت إشراف علوي بن عبد القادر السقاف : https://dorar.net/hadith/sharh/10127
[15] ) رواه ابن ماجة ج11 ص 144 رقم 3716 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 305 رقم 3002
[16] ) تفسير ابن كثير ج7 ص 396
[17] ) تفسير السعدي ج 1 ص 430
[18] ) تفسير ابن كثير ج7 ص 396
[19] ) تفسير البحر المحيط ج10 ص 121
[20] ) توصل فريق دولي من العلماء ضم باحثين من جامعة بكين (Peking University) وجامعة تورنتو (University of Toronto) وجامعة روتجرز (Rutgers University) وجامعة العلوم والتكنولوجيا في الصين (University of Science and Technology of China) إلى أدلة تشير إلى أن الأرض كانت بلا جبال ومغطاة بالمحيطات خلال ما يزيد عن مليار عام
https://www.ajnet.me/science/2021/2/24//دراسة-جديدة-العصور-الوسطى-للأرض-كانت
ليث العاروري | علوم الطقس في الأردن Laith Al-Arouri | Weather Science in Jordan
https://www.cairo24.com/2099469
https://alelm.net/sciences/132989/ماذا-لو-اختفت-الجبال-من-على-سطح-الأرض؟
[21] ) رواه ابن ماجة ج10 ص 105 رقم 3340 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 237 رقم 2704
[22] ) عبد الله ابن جبرين : شرح عمدة الأحكام ج8 ص 17
[23] ) تفسير الرازي ج9 ص 295
[24] ) تفسير الخازن ج2 ص 498
[25] ) فتح القدير ج4 ص 171
[26] ) الكشاف ج3 ص 306
[27] ) رواه النسائي ج10 ص 262 رقم 3128 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج7 ص 251
[28] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 31
[29] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج3 ص 345 رقم 6183 عن الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان
[30] ) التحرير والتنوير ج13 ص 29
[31] ) رواه مسلم ج12 ص 455 رقم 4674
[32] ) شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ الآداب الشرعية ج2 ص 388
[33] ) د محمد الوهيبي : نواقض الإيمان ج1 ص 328
[34] ) رواه مسلم ج13 ص 117 رقم 4797
[35] ) مؤلفات الفوزان ج16 ص 26
[36] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج8 ص 32 رقم 3239 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج6ص106
[37] ) رواه ابن ماجة ج6 ص 362 رقم 2135 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص6 رقم 1743
[38] ) رواه البخاري ج3 ص 348 رقم 799
[39] ) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ج1 ص 239 مع أعادة ترتيب الفقرات
[40] ) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ج1 ص 239
[41] ) تفسير الألوسي ج9 ص 473
[42] ) تفسير الطبري ج17 ص 88 تفسير الثعلبي ج1 ص 1260 في هذا المعنى الرازي في تفسيره ج9 ص 299 ، ابن الجوزي : زاد المسير ج4 ص 60
[43] ) في هذا المعنى تفسير الشعراوي 4955 مع بعض التصرف
[44] ) مفتاح دا السعادة ج1 ص 202
[45] ) رواه البخاري ج3 ص 472 رقم 880
[46] ) رواه البخاري ج3 ص 474 رقم 881
[47] ) Brookwood Baptist Health and Saint Vincent’s Ascension Health, Birmingham
Glenn D. Braunstein, MD, Cedars-Sinai Medical Center
https://www.msdmanuals.com/ar/home /الاضطرابات-الهرمونية-والاستقلابيَّة/توازن-الماء/مقدمة-حول-محتوى-الجسم-من-المياه
https://www.medicalnewstoday.com/articles/what-percentage-of-the-human-body-is-water
[48] ) فتح القدير ج4 ص 172
[49] ) في هذا المعنى تفسير الشعراوي 4955 مع بعض التصرف
[50] ) في هذا المعنى الشنقيطي : أضواء البيان ج2 ص 273
[51] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 437 رقم 3520
[52] ) ابن جرير الطبري ج17 ص 83 ، الكشف والبيان للنيسابوري ج5 ص 333
[53] ) الكشاف ج3 ص 308
[54] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 531
[55] ) https://www.youtube.com/watch?v=ABHoM6hBJUE
-
الاحد PM 05:12
2026-03-15 - 16



