ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
حض المؤمنين على واجب الشكر بالاعتبار بحال المبدلين ، واستظهار نعمه
د / احمد نصير
بالاعتبار بحال المبدلين ، واستظهار نعمه
قال تعالى ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30)
قال تعالى (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ) (31)
قال تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)
اعتمد هذا المحور من السورة على ثلاثة أساليب لحض المؤمنين على أداء واجب الشكر لله تعالى ، واستحضار نعم الله تعالى واستصحابها وتذكرها في كل حال ، فالإنسان يتقلب في نعم الله كل لحظة ، والمطلوب هو الشكر بأنواعه الثلاثة اللسان والجنان والجوارح كما أسلفنا ، وهؤلاء هم الذين يستعملهم الله تعالى ولا يستبدلهم .
فاعتمد هذا المحور أولا على ضرب لهم المثال بأهل مكة حين جحدوا نعم الله عليهم ، وقابلوها بالكفر ، قال صاحب الظلال (لقد استبدلوا بنعمة الرسول ودعوته كفراً ، وكانت دعوته إلى التوحيد ، فتركوها) [1]، فبدلا من أن ينصروا رسولهم وقفوا ضده موقف العداء ، فكان مصير طائفة منهم أن صاروا صرعى في غزوة "بدر" ، فهذا الموقف لابد وأن لا يمر سدى دون أن يسطره القرآن ليكون عبرة للناس جميعا ، وينتبهوا لسنن الله في كونه ، وقد اعتبر عمر نب عبد العزيز من ذلك فروى عنه ابنه عبد الله فقال (ما قلب عمر بن عبد العزيز بصره على نعمة أنعم الله بها عليه إلا قال اللهم أني أعوذ بك أن أبدل نعمك كفرا أو أكفرها بعد معرفتها أو أنساها فلا أثنى بها)[2].
ثم اعتمد الأسلوب الثاني على الحض المباشر بصيغة الأمر (قل لعبادي) آمرا لهم بإقامة الصلاة وإنفاق المال في أوجه الخير على كل حال ، واستعجال هذه الأعمال قبل أن يفوت الوقت المحدد كما في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة 254) ، وفي الأخير اعتمد الأسلوب الثالث على استظهار نعم الله على المؤمنين ليتفكروا فيها ويتأملوها ليجدوا أنفسهم عاجزين عن شكر الله تعالى على نعمة واحدة منها ، فكيف بسائر النعم .
الأسلوب الأول : الاعتبار بحال المبدلين
قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ) (29) هذا أسلوب تحسير على أهل مكة بعدما قُتل منهم أناس في معركة بدر ، وقد كانوا أولى من غيرهم بنصرة نبي الله محمد r وهو من بينهم ، إذ (بدلوا التوحيد والاسلام بالجحود والشرك)[3] ،ولكن الأنصار نصروه والمجاهرون ، قَالَ ابْن عَبَّاسٍ (هُمْ كُفَّارُ أَهْلِ مَكَّةَ)[4].
وقيل قوله (كفرا) أي (أهملوا الشكر على ما بوأهم الله من النعم) [5] حيث كانت مكة مركزا تجاريا لرحلة الشتاء والصيف بين اليمن والشام ، فأطعمهم الله وآمنهم الله من خوف ، قال الشعراوي (وما داموا قد بدلوها كفراً ، فيكون الكفر هو الذي جاء مكان الإيمان)[6] .
وأصل القصة هو استهزاء الكفار بنبي الله محمد r وإيذاءهم له ، وصبره عليهم حتى مكنه الله من الهجرة للمدينة فنصره أهلها ولكن أرباب الكفر لاحقوه في المدينة فحاربهم في بدر فصُرع أسيادهم ، فتحسر القرآن بطريقته على صرعاهم الذين قتلوا في بدر طاعة لأسيادهم ، فعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ r يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالْأَمْسِ ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلَا جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَأَخَذَهُ فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ r وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ قَالَ فَاسْتَضْحَكُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ r وَالنَّبِيُّ r سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ فَجَاءَتْ وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ r صَلَاتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمْ الضِّحْكُ وَخَافُوا دَعْوَتَهُ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا r بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ)[7].
قوله (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) أي أنزلوهم في جهنم ، وقد كانوا يظنون أنهم سوف ينزلونهم منزلا ينعمون فيه ، ولكنها خطيئة الاتباع الأعمى من الرعية للأسياد ، وهما بواران أحدهما في الدنيا ، كقوله (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (النحل 112) ، والثاني وإن كان في الدنيا –كذلك- إلا أن صداه مباشرة إلى الآخرة ، قال ابْن عَبَّاسٍ في قوله (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) قَالَ (النَّارَ يَوْمَ بَدْرٍ)[8]، فمن مات قامت قيامته ، وأحل بدار غير داره .
قوله (وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ) أي أنهم اخترعوا عبادات شركية تكون ندا لعبادة الله ، وغايتهم من ذلك صرف الناس عن عبادة الله ، فكأن شياطين الإنس يفعلون ما يفعله شياطين الجن ، بل إنهم أقوى منهم في الضلالة ، لأنهم يتقدمون الناس في الضلال فيأتمون بهم ، فهم أئمة الضلال ورؤساء الكفر.
كما إنهم لم يجعلوا لله ندا واحدا ، بل أندادا كثيرة ، ليظل قلب الضالين مشغولا بغير الله تعالى ، وبذلك يصدوهم عن سبيل الله ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ r أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ (أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ) قُلْتُ (إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ)[9] ،و(فيه تنبيه إلى سوء وفساد عقول الذين يشركون مع الله غيره مع أنه هو الخالق وحده لا شريك له، كما أنه المتفرد بالخلق والإيجاد، فهو الذي يجب أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له)[10].
قوله (قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ) (30) أي أن الذين جعلوا لله أندادا فأضلوا الناس ، بإغرائهم بمتاع الدنيا ليصرفوهم عن عبادة الله ، لن يتمتعوا كثيرا ، لأن متاع زائل ، ومهما طال فهو قليل ، كما في قوله (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) (آل عمران/197) .
ونظيره قوله (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (الحجر3) ، قال أبو حيان في قوله (تمتعوا) (إيذاناً بأنهم لفرْط انغماسِهم في التمتع بما هم فيه من غير صارفٍ يَلويهم ولا عاطفٍ يَثنيهم مأمورون بذلك من قِبل آمر الشهوة مذعِنون لحكمه منقادون لأمره كدأب مأمورٍ ساعٍ في خدمة آمرٍ مُطاع ، فليس قوله تعالى "فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار" حينئذٍ تعليلاً للأمر بل هو جوابُ شرطٍ ينسحب عليه الكلام ، كأنه قيل : هذه حالُكم فإن دمتم عليه فإن مصيركم إلى النار ، وفيه التهديدُ والوعيد لا في الأمر)[11] .
الأسلوب الثاني : الحض المباشر للمؤمنين على أداء واجب الشكر
وقوله (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ) (31) (التفات للذين آمنوا بعدما ذكر ما كان يشغل الكفار من متاع الدنيا ، فخاطب المؤمنين لينشغلوا بعمل الآخرة) [12]، وفي ذات الوقت (ذكر صفات أصحاب الكلمة الطيبة) [13]، وحضهم على المسارعة إلى الاجتهاد في العبادة وإيصال الخير للناس ، والاهتمام بفعل ذلك سرا وعلانية .
قال الرازي (اعلم أنه تعالى لما أمر الكافرين- على سبيل التهديد والوعيد –والتهكم - بالتمتع بنعيم الدنيا ، أمر المؤمنين في هذه الآية بترك التمتع بالدنيا والمبالغة في المجاهدة بالنفس والمال)[14]
وابتدأ بحضهم على إقامة الصلاة ، لأن الصلاة هي عمود الدين ، فهي الركن الثاني من أركان الإسلام ، وإقامتها في أوقاتها والتزام آدابها وإحسان حركاتها وخشوعها وعدد ركعاتها بطمأنينة كل ذلك يدل على الشكر لله ، سواء أكان ذلك في الفريضة أو النافلة ، فعن الْمُغِيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ r لَيَقُومُ لِيُصَلِّيَ حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ أَوْ سَاقَاهُ فَيُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ (أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا)[15].
وعنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r إِذَا صَلَّى قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَ رِجْلَاهُ قَالَتْ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا)[16].
فالصلاة هي شكر لله لأن بها يظهر العبد أثر نعمة الله عليه ، كما في الحديث (إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) [17]، ولذلك كان النبي r يصلي قائما فلما كبر في السن صلى جالسا ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ هَلْ كَانَ النَّبِيُّ r يُصَلِّي وَهُوَ قَاعِدٌ قَالَتْ نَعَمْ بَعْدَ مَا حَطَمَهُ النَّاسُ)[18] قال العلماء : (يقال حطم فلان أهله إذا كبر فيهم ،كأنه لما حمله من أمورهم وأثقالهم والاعتناء بمصالحهم صيروه شيخا محطوما)[19].
فمن نعم الله على العبد الصحة وفراغ البال ومعرفة بابه إذا أصابه هم أو غم ..الخ ، تلك النعم تتكللها الصلاة ، ولذلك كانت صلاة الضحى –على وجه الخصوص بعد إتيان الفرائض- دليل على شكر المسلم ربه ، لاسيما على مفاصل جسده ، يقول النبي r (يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى)[20].
قوله (..وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً..) (31) وذكر الصدقات بعد إقامة الصلاة يدل أهميتها ، لا سيما وأنها الركن الثالث من أركان الإسلام ، وكثيرا ما تذكر في القرآن تالية للصلاة مباشرة ، ولما كانت الصدقة عن ظهر غنى ، لقوله (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) (البقرة 219) أي مازاد عن الحاجة -الضرورية- ، ولذلك بوب البخاري بابا بعنوان (بَاب لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى) والغنى لا يكون إلا بالكسب ، كان العمل لأجل الكسب واجبا ، بما يعني بطريق اللزوم والترتب اهتمام الإسلام بالعمل الذي هو سبب لكسب المال ، والذي به يغني المسلم نفسه ثم يغني غيره ، وأن ذلك من العبادة كذلك ، فعن النبي r (الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى)[21]، أي أنه إذا كفى نفسه التي هو مسئول عنها ، وكفى عياله الذين يُسأل كذلك عنهم يوم القيامة فإنه ما بقى من ماله فله أن يتصدق به ، ولا يكون كالذي يتصدق بالمال وهو فقير له أو محتاج ، فيقع في العنت هو وأهله فيضطر أن يسأل الناس ، وقد كفاه الله عن السؤال لكنه أهلك ماله بالصدقة ، ولم يراع ترتيب الشرع في المحاويج ، فليبدأ بنفسه وأهله فهما أولى من غيرهما في تلبية الحاجات .
قوله (.. سِرًّا وَعَلَانِيَةً..) إذ لا يخفى ما في الاستغراق في العمل العام والخدمة العامة من الاستطالة لأعمال العلانية ، فلا يكفيه أعمال السر فقط ، وذلك رغم البون الكبير بين صدقة السر وصدقة العلانية فإن الآية ذكرتهما للحاجة إلى صدقة العلانية أحيانا أكثر من صدقة السر ، كالعاملين عليها والذين يقومون بتوزيعها على الفقراء في علانية ، وذلك بحسب الغرض من السر أو العلانية ، قال ابن العربي: "أَمَّا صَدَقَةُ الْفَرْضِ فَلا خِلافَ أنَّ إظْهَارَهَا أَفضَلُ، كَصَلاةِ الفَرْضِ وَسَائِرِ فَرَائِضِ الشرِيعَةِ)[22].
فعن ابن عباس في قوله (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) ، (فجعل الله صدقة السر في التطوّع على علانيتها سبعين ضعفاً ، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً ، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها)[23] .
ولا يخفي أن إخفاء الصدقة للفقير خير من إظهارها بين الناس ، كما في قوله تعالى (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) (البقرة 271) ، ولأن الله تعالى جعل من السبعة التي يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله (رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ)[24].
لكن الأمر يحتاج إلى بعض التحقيق ، قال ابن القيم (وتأمل تقييده تعالى الإخفاء بإيتاء الفقراء خاصة ولم يقل وإن تخفوها فهو خير لكم فإن من الصدقة ما لا يمكن إخفاؤه كتجهيز جيش وبناء قنطرة وإجراء نهر أو غير ذلك وأما إيتاؤها الفقراء ففي إخفائها من الفوائد الستر عليه وعدم تخجيله بين الناس وإقامته مقام الفضيحة ، وأن يرى الناس أن يده هي اليد السفلى وأنه لا شيء له فيزهدون في معاملته ومعاوضته ، وهذا قدر زائد من الإحسان إليه بمجرد الصدقة مع تضمنه الإخلاص وعدم المراءاة وطلبهم المحمدة من الناس)[25].
قوله (..مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ) (31) فالانشغال بالطاعات - خاصة الصلاة والذكر والقرآن والكسب والإنفاق - يغني المسلم عن التلهي بمتاع الدنيا الزائل ، أما من يتلهى بها لو شيئا قليلا ، فإنه تلحقه الحسرة في اليوم الآخر ، حيث يفوته كثير من الطاعات ، (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) [الزمر٥٦) ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ)[26] ، وقيل (ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها)[27].
وذلك وقد ضرب الشرع المثال بصلاة العصر التي هي الصلاة الوسطى وكثيرا ما ينشغل الناس عنها ، فعن بن عمر أن رسول الله r قال: "الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله"[28] ، (فالمراد بالحديث أنه يلحقه من الأسف عند معاينة الثواب لمن صلى ما يلحق من ذهب ماله وأهله) [29] ، وفي رواية مفسرة عن النبي r قال (لأن يوتر أحدكم أهله وماله خير له من أن يفوته وقت صلاة العصر)[30]والمقصود تفوته صلاة الجماعة ، لأن الملائكة الليل والنهار تجتمعان في صلاة العصر ، وذكرت صلاة العصر على وجه الخصوص لأنه تكون وسط اليوم أثناء انشغال الناس بالدنيا والكسب والعمل أو التلهي بالملهيات أو الراحة من الجهد طوال النهار .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَال (يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ وَصَلاَةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ.[31](
الأسلوب الثالث : الاعتبار والتفكر في نعم الله التي لا تحصى
آيات الله في الكون لا تعد ولا تحصى ، فالسماوات والأرض وماء المطر وخروج الزرع ، وحركة السفن في البحار ، وتسخر الأنهار ، والشمس والقمر ، والليل والنهار كل ذلك من نعم الله تعالى التي تحيط بالإنسان ، فهل تفكر الإنسان كيف يشكر ربه على هذه النعم ، وهو لا يقدر على أن يحصي نعمة منها .
قوله (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ) (32) أشار الله إلى ما يتمتع به المسلم في الكون مما يحيط به حين ينظر إليه ويتأمله ويتفكر فيه ، فيكون ذلك الفكر في خلقه منه لله عبادة ، وهي له متعة وأجمل تسلية ، فالمسلم يشتهي عبادة التفكر في خلق الله للسماوات والأرض كما يشتهي الناس متاع الدنيا ، لأن النظر في فعل الله في السماء يزيد المسلم يقينا بأن رزقه في السماء كما في قوله (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) (الذاريات22)، وذلك حين ينزل الله من السماء ماء المطر ، فتبدأ دورة الحياة على الأرض .
وكذلك عند النظر والتأمل في فعل الله في الأرض حين يخرج من ماء المطر ثمرات الأرض ، فيأكل منها الإنسان ، وتأكل منها الدواب كذلك ، كما في قوله (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) (عبس32) .
ثم ينظر في فعل الله وقد علم الإنسان صنع الأفلاك التي تجري في البحر بأمره ،كذلك تسخير الله الأنهار للإنسان ليشرب منها ويروي الزرع ، فيتفكر ويقارن بين البحر الذي سخر الله فيه الفلك لتجري بأمره ، وبين الأنهار التي يشرب من مائها العذب كل الدواب ، فشتان بين بحر أمواجه العاتية وماؤه المالح ، وبين نهر مياهه عذبة وهادئة .
ولكن الإنسان قد يتفاخر أنه صنع بنفسه الفلك بيده ، وينسى أن الله سخر له تلك النعم ، فالله قادر على أن يقلبها أو يعطلها كما في قوله (وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ) (الشورى34) ، وهكذا يوبخ الله من يبدل نعمة الله كفرا بتذكيرهم بنعمه التي يكفرون بها .
قوله (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ..) (33) أشارت الآيات إلى آفاق أوسع من حدود السماء المحيطة بالأرض إلى إطار الكون الفسيح وما يمتد إليه البصر ، فالإنسان يرى الشمس نهارا والقمر ليلا في تعاقب بديع يدل على دوران الكون حول الشمس ، ودوران الأرض حول نفسها ودوران القمر حولها ، فالكل مسخر لنظام محكم هو صنع الله الذي أتقن كل شيء .
فقوله (دائبين) أي (دَائِمَيْنِ فِي حَرَكَتِهِمَا وَمَنَافِعِهِمَا لَكُمْ)[32] ، فالحركة الدؤوب للشمس والقمر هي التي تولد عنها ظاهرتي الليل والنهار ، قال تعالى (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (40)
قوله (.. وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) (33) ، قال تعالى (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) (الإسراء 12) .
ونعمة تسخير الليل والنهار تتحقق وتتكرر كل يوم ليحصل بها توازن بيولوجي وبيئي للكائنات فتكون بين النشاط والحركة والثبات والسكون ، قال تعالى (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) (غافر 61) .
إذ يتحقق الاتزان البيولوجي للكائنات بسبب ظاهرة تعاقب الليل والنهار، بما يعرف باسم الإيقاع اليومي، وهو دورة طبيعية مدتها 24 ساعة ، حيث تنظم العمليات الفسيولوجية والسلوكية في الكائنات الحية، بما في ذلك البشر ، لأن هذه الدورة تتأثر بالضوء والظلام، وتتحكم في أنماط النوم والاستيقاظ ودرجة حرارة الجسم وإنتاج الهرمونات والعديد من الوظائف الحيوية الأخرى.
يقول الدكتور عبد الهادى مصباح أستاذ المناعة، أن طبيعة الإنسان ضبطها الخالق عز وجل على ساعة بيولوجية موجودة فى كل خلية من خلايا جسمنا لتنسجم بأمر ربها مع وظيفة الإنسان بالنهار، والتى تختلف عن وظيفته بالليل أن العلماء من جامعة ولاية أوريجون الأمريكية تمكنوا من رصد مكان الساعة البيولوجية بعد اكتشاف مجموعة من الخلايا العصبية تقع فى النهار التحتى وسط المخ، تعرف بالنواة فوق التصالبية Supra Chiasmatic nucleus، ويبدو أنها مركز التحكم فى الإيقاع اليومى ، وتتكون هذه النواة من جزأين، جزء يوجد فى النصف الأيمن من المخ، والجزء الثانى فى النصف الأيسر من المخ، وكل جزء يتكون من عشرة آلاف خلية عصبية ملتصقة بعضها ببعض، وتقوم على تنظيم الجداول الزمنية والتنسيق مع بقية الخلايا للوصول إلى ما يجب أن تكون عليه أنشطة الجسم على مدار اليوم ، وتوجد هذه النواة فوق نقطة التقاء العصبين البصريين فى قاع الجمجمة، حيث إن عمل هذه النواة يرتبط بالضوء الذى يعمل على خلق التزامن بين الساعة الداخلية ودورات النور.
والمخ ليس العضو الوحيد فى الجسم الذى يحمل جينات هذه الدورة السركادية[33] التى تتفاعل وتنسجم مع النوم والراحة بالليل، والعمل والاستيقاظ بالنهار، وأن الجينات المسماة PER وكذلك TIM ، Clock ، Cycle والتى تعطى الأمر بتكوين نفس أنواع البروتينات من أجل التحكم فى نظام الساعة البيولوجية ، قد تم اكتشافها فى خلايا أخرى من الجسم مثل خلايا الكلى وبعض أعضاء الجسم الأخرى، حيث يتم إفراز بعض هذه البروتينات بالليل عندما يحل الظلام، وتنخفض نسبتها بالنهار أو عند التعرض للضوء، والعكس صحيح بالنسبة للبعض الآخر[34].
قوله (وآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ...)(34) قال البخاري (رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ) ، ونظير ذلك قوله (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُل يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن 29] .
وفي المقابل نجد أن النبي r وهو أعبد خلق الله لم يجبه الله في كل طلبه كما في الحديث قَالَ r (سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا)[35] ، ما يعني أن الله تعالى أتى خلقه سؤالهم بقدر حاجتهم ، ولم يؤتهم سؤالهم بقدر أمانيهم .
وقد أجابت العالمة الاقتصادية الدكتورة نعيمة شومان على التساؤل عن مقدار الأرزاق في الكون ، فاستشهدت بهذه الآية وقالت (الله سبحانه وتعالى خلق الكائنات على وجه الأرض، وخلق لهم فيها ما يكفيهم جميعاً ، وأن ما على سطح الأرض، ومافي جوفها، وسمائها هو ملك لله وحده، ومخصص لجميع عباده ، وما الإنسان العامل إلا مستخلف من قبل الله لاستثمار خيراته ، فالامتناع عن استغلالها أو المنع من ذلك، يعتبر ظلماً وكفراً، ويحول دون وصول البشر إلى مرتبة خليفة الله في الأرض)[36]..
وقوله (..وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا..) (34) قال طنطاوي (والمراد بالنعمة هنا جنسها ، الذى يشمل كل نعمه) [37]، كما في قوله (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) [لقمان20] ، والمراد استظهار عظم نعمة الله تعالى بحيث لا يقدر العبد على أن يعد فضل الله عليه في نعمة واحدة من نعمه الكثيرة ، فكيف به يحصي نعمه التي لا تحصى ، وكيف به أن يشكر ربه على نعمة لا يقدر على أن يحصي فضله عليه فيها .
قال الإمام البقاعي "لا تحصوها" أي (لا تحيطوا بها ولا تعرفوا عد الحصى المقابلة لها إن عددتموها بها كما كانت عادة العرب ، أو لا تجدوا من الحصى ما يوفي بعددها ، هذا في النعمة الواحدة فكيف بما زاد!)[38].
وقد ضرب الرازي لذلك أمثلة كنعمة العصب ، والعين ..الخ [39]، فكل نعمة تدل على عجز الإنسان عن أن يشكر ربه بحق إزاء هذه النعمة ، ورغم ذلك يقبل الله منه الشكر القليل الذي إذا أداه على وجهه ، في حدود التكليف المأمور به أجزأه ذلك ، يَقُولُ النبي r (خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يَنْتَقِصْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَهْدًا أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ قَدْ انْتَقَصَ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ) [40].
قال الشيخ صالح الفوزان (وهذا يعني أنهم لن يقوموا بشكر نعم الله تعالى على الوجه المطلوب ، لأن من لا يحصي نعمة الله عليه كيف يقوم بشكرها ، ولعل العبد لا يكون مقصراً إذا بذل قصارى جهده بتحقيق العبودية لله رب العالمين على حد قوله تعالى : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )[ التغابن: 16]،إنما التقصير الذي نعنيه ، أن يتقلب الإنسان في نعم الله تعالى ليلاً ونهاراً ، ظاعناً ومقيماً نائماً ويقظانَ ، ثم يصدر من أقواله وأفعاله أو اعتقاداته مالا يجامع الشكر بحال من الأحوال ، فهذا التقصير الاختياري هو الذي نريد أن نعرف شيئاً عن أسبابه) [41].
وقوله (..إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (34) قال أبو حيان أي (لظلوم بترك الشكر كفار للنعمة)[42] لأنه ورغم أنه عاجز عن شكر ربه –كونا- لأن نعمة الله لا تحصى ، كما أن (أعمالنا تضعف عن أن نستحق هذا الفضل وهذه النعمة)[43] ، إلا أن الله قد كفى الإنسان حق شكره بأن جعل أداء ما ذكره في قوله (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً) كافيا بأداء واجب الشكر شرعا ومجزئا ، ورغم ذلك فإنه لا يزال مقصرا في حق ربه غير واف بأداء واجب الشكر الشرعي ،ولذلك قال النبي r (مَنْ لَمْ يَشْكُرْ الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرْ الْكَثِيرَ) [44].
أي أنه حين يشكر ربه شكرا شرعيا –مجزئا على سبيل المجازي- ، وقد تعذر عليه أن يشكره شكرا حقيقا كونيا ، يكون قد أسقط واجب الشكر شرعا لا كونا ، وفي ذلك دليل على عفو الله وفضله ، إلا أنه ورغم كل ذلك فإنه مقصر في أداء الواجب الشرعي المفروض عليه –كذلك - ، ليسقط عن نفسه الواجب الشرعي في الشكر .
ومن أسباب التقصير في واجب الشكر التي جمعها بعض العلماء ما يلي [45]: -
السبب الأول : الغفلة عن النعمة وإلفها : قال بعض السلف (النعمة من الله على عبده مجهولة ، فإذا فُقدت عُرفت) ، ..إن من الناس من إذا رأى النعمة مبذولة له ولغيره لم ير أنه مختص بها ، فلا يشكر الله ، لأنه لا يرى أنه في نعمة ما دام غيره في هذه النعمة ، فألف النعمة داء عضال ينسي المصاب به واجب الشكر ، فيغفل عن نعم الله ، فلا تراها عيناه ، ولا تشعر بها جوارحه ، فمن لم يعرف النعمة ، وكان جاهلاً بها لم يشكر ، ولذلك أوصى النبي r بتذكر النعم والتحديث بها ، فقال r (التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ وَتَرْكُهَا كُفْرٌ )[46] ، فالتحديث بنعم الله يذكر المؤمن دوما بنعمه فيزداد شكرا .
السبب الثاني : ازدراء النعمة : كأن يرى بعض إنعام الله عليه قليلاً لا يستحق أن يطلق عليه نعمة ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ)[47]، فإذا نظر الإنسان إلى من فوقه ممن فُضِّل عليه احتقر ما أعطاه الله تعالى من فضله ، فقصر في وظيفة الشكر ، فعن النبي r قال : (إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ) [48].
لكن إذا نظر لمن تحته ورأي أهل البلايا استشعر اختصاص الله له بالعافية ، يقول النبي r (مَنْ رَأَى مُبْتَلًى فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ الْبَلَاءُ)[49].
وفي رواية يعقوب (إذا رأى أحدكم مبتلي فقال : الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني عليك وعلى كثير من عباده تفضيلا كان شكر تلك النعمة)[50].
ولذلك كان النبي r إن لم يستسغ طعاما تركه ولم يعبه حتى لا يذم نعمة الله ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مَا عَابَ النَّبِيُّ r طَعَامًا قَطُّ إِنْ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ)[51].
وعن ابْن عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ سَيْفُ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r عَلَى مَيْمُونَةَ وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا قَدْ قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ فَقَدَّمَتْ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ r وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدِّمُ يَدَهُ لِطَعَامٍ حَتَّى يُحَدَّثَ بِهِ وَيُسَمَّى لَهُ فَأَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ r يَدَهُ إِلَى الضَّبِّ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ r مَا قَدَّمْتُنَّ لَهُ هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ r يَدَهُ عَنْ الضَّبِّ فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَحَرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ ، قَالَ خَالِدٌ فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ r يَنْظُرُ إِلَيَّ)[52]
السبب الثالث : تناسي الماضي بعد تغير الحال : فمن الناس مرت به حياة البؤس والعوز ، وعاش في خوف وقلق ، فلما أنعم الله عليه وآتاه من فضله وسد حاجته نسي حاله من قبل ولم يشكر الله على نعمه ، كما في قوله (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) (العنكبوت65)
كذلك قوله (فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (الزمر49) ، ومثال هذه الحالة –كذلك- الثلاثة من بني إسرائيل الذين ابتلاهم الله بالمرض أحدهم أبرص وأقرع وأعمى ، فأظهر الابتلاء حقائقهم التي كانت في عملهم من قبل أن يخلقهم ، فأما الأعمى فاعترف بإنعام الله عليه وأنه كان أعمى فقيراً فأعطاه الله البصر والغنى ، وبَذلَ للسائل ما طلبه شكراً لله ، وأما الأقرع والأبرص فكلاهما جحدا ما كانا عليه قبل ذلك من سوء الحال والفقر، وقالا في حال الغنى (إنما وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كابراً عن كابر)[53] ، متناسين حالهما عند الابتلاء.
[1] ) في ظلال القرآن ج4 ص 407
[2] ) ابن أبي الدنيا : الشكر ج1 ص 26 رقم 67
[3] ) أبو بكر الجزائري أيسر التفاسير ج2 ص 265
[4] ) رواه البخاري ج14 ص 295 رقم 4331
[5] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 368
[6] ) تفسير الشعراوي ج1 ص553
[7] ) رواه مسلم ج9 ص 275 رقم 3349
[8] ) رواه البخاري ج12 ص 373 رقم 3680
[9] ) رواه البخاري ج13 ص 394 رقم 4117
[10] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج12 ص 481
[11] ) تفسير أبي السعودي ج4 ص 34
[12] ) ذكره ابو حيان في تفسيره
[13] ) ذكره ابن عاشور في تفسيره
[14] ) تفسير الرازي ج9 ص250
[15] ) رواه البخاري ج4 ص 292 رقم 1062
[16] ) رواه البخاري ج13 ص 442 رقم 5046
[17] ) رواه الحاكم ج4 ص 150 رقم 7188 وقال الذهبي في التلخيص صحيح ، وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة ص159
[18] ) رواه مسلم ج4 ص 78 رقم 1209
[19] ) السيوطي :الديباج على مسلم ج2 ص 348 / النهاية في غريب الأثر لابن الأثير ج1 ص 994 ، النووي في الشرح على مسلم ج6 ص13
[20] ) رواه مسلم ج4 ص 47 رقم 1181
[21] ) رواه البخاري ج5 ص 248 رقم 1338
[22] ) أحكام القرآن لابن العربي ج1 ص 472
[23] ) أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم انظر السيوطي الدر المنثور في التفسير بالمأثور ج2 ص 215
[24] ) رواه مسلم ج5 ص 229 رقم 1712
[25] طريق الهجرتين ج1 ص 556
[26] ) رواه الترمذي ج11 ص 235 رقم 3302 وصححه الألباني : صحيح الترمذي ج3 ص 140 رقم 2691
[27] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان مرفوعا ج1 ص 392 رقم 512 وصححه الألباني الجامع الصغير ج1 ص 958 ثم تراجع وضعفه
[28] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج4 ص 331 رقم 1469 مرفوعا ورواه البخاري موقوفا عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ج11 ص 435
[29] ) تحفة الأحوذي ج1 ص 445
[30] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج19 ص 429 رقم 16712
[31] ) رواه البخاري ج2 ص 390 رقم 522
[32] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 1784
[33] ) تنظم دورات النوم واليقظة، إفراز الهرمونات، ودرجة حرارة الجسم، وتتأثر بشكل أساسي بالضوء والظلام
[34] ) الساعة البيولوجية مقال في اليوم السابع 9/10/2010 https://www.youm7.com/story/2010/10/9/288535
[35] ) رواه مسلم ج14 ص 69 رقم 5145
[36] ) د نعيمة شومان الكتاب : الإسلام بين كينز وماركس وحقوق الإنسان في الإسلام ص 84
واستكمالا للفائدة نذكر باقي إجابتها قالت (أما العاجزون عن العمل والمحرومون فيه، والبؤساء والمساكين.. الخ. فهم أيضاً من عباد الله، ولهم نصيبهم مما آتى العاملين والمورثين، فهو خالقهم وكافلهم أيضاً من ثروات الله (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) في الحقيقة، إن الله الذي خلق هذا الكون بكل مافيه من إنسان وحيوان ونبات، خلق له معه في هذه الطبيعة كل مايكفل له حياته إلى أجل لا يعلمه إلا هو. فالإنسان، يجد في هذه الأرض، كل مايؤمن له، طعامه وشرابه، وكساءه، ودواءه، ومتعته ومأواه.. الخ.. وحضه على العمل لاستثمار هذه الثروات واستغلالها، وجهزه بكل مايلزم لذلك من عقل وطاقة وقوة... الخ. وفرض عليه أن يؤدي من هذا المال الذي آتاه الله به حصة الفقراء والمساكين والمحرومين من العمل.. الخ، أصحاب الحق في الحياة من هذه الثروات مثله والحيوان، هداه الله عن طريق الغريزة إلى اكتشاف مايؤمن له غذاءه الذي يتفق مع تكوينه، واختيار مأواه، وحماية نفسه.. الخ( وما تدخل الإنسان في حياة الحيوانات، وتعليمها دروسها، وتكثيرها بطرق اصطناعية تجارية محضة، إلا وراء اندثار القسم الأكبر من هذه الحيوانات، وفسادها)، فالعصفور -على سبيل المثال- يميز من ذاته بين الحبة النافعة التي تلائمه وغير النافعة، أو الحجرة؛ والنحلة، وحتى النملة، أدق مخلوقات الله، تقوم بنفسها بأمهر ما يقوم به أفضل العلماء من بني الإنسان فبيوت النمل الرائعة الصنع استوحيت منها ناطحات السحاب في أمريكا، والنحل -كما نعلم- يقوم بأدهش عملية إنتاجية في الكون، تنظم فيها مراحل الإنتاج، وتوزع الأدوار على العاملات وتقوم كل منها بدورها في أوقات محددة دقيقة، حسب المستلزمات والمعطيات من الطبيعة، دون أن يكون فيها أي دور أوجهد للإنسان، اللهم إلا ليمد يده ويتناول أقراص الشهد، ويأكله هنيئاً مريئاً فيه شفاء للناس.
[37] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 2508
[38] ) نظم الدرر ج4 ص 384
[39] ) الأطِبّاءَ ذَكَرُوا أنَّ الأعْصابَ قِسْمانِ: مِنها دِماغِيَّةٌ، ومِنها نُخاعِيَّةٌ. أمّا الدِّماغِيَّةُ فَإنَّها سَبْعَةٌ ثُمَّ أتْعَبُوا أنْفُسَهم في مَعْرِفَةِ الحكم النّاشِئَةِ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأرْواحِ السَّبْعَةِ، ثُمَّ مِمّا لا شَكَّ فِيهِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأرْواحِ السَّبْعَةِ تَنْقَسِمُ إلى شُعَبٍ كَثِيرَةٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الشُّعَبِ أيْضًا إلى شُعَبٍ دَقِيقَةٍ أدَقَّ مِنَ الشَّعَرِ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنها مَمَرٌّ إلى الأعْضاءِ، ولَوْ أنَّ شُعْبَةً واحِدَةً اخْتَلَّتْ إمّا بِسَبَبِ الكَمِّيَّةِ أوْ بِسَبَبِ الكَيْفِيَّةِ أوْ بِسَبَبِ الوَضْعِ لاخْتَلَّتْ مَصالِحُ البِنْيَةِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الشُّعَبَ الدَّقِيقَةَ تَكُونُ كَثِيرَةَ العَدَدِ جِدًّا، ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها حِكْمَةٌ مَخْصُوصَةٌ، فَإذا نَظَرَ الإنْسانُ في هَذا المَعْنى عَرَفَ أنَّ لِلَّهِ تَعالى بِحَسَبِ كُلِّ شَظِيَّةٍ مِن تِلْكَ الشَّظايا العَصَبِيَّةِ عَلى العَبْدِ نِعْمَةً عَظِيمَةً لَوْ فاتَتْ لَعَظُمَ الضَّرَرُ عَلَيْهِ، وعَرَفَ قَطْعًا أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الوُقُوفِ عَلَيْها والِاطِّلاعِ عَلى أحْوالِها وعِنْدَ هَذا يَقْطَعُ بِصِحَّةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾، وكَما اعْتَبَرْتَ هَذا في الشَّظايا العَصَبِيَّةِ فاعْتَبِرْ مِثْلَهُ في الشَّرايِينِ والأوْرِدَةِ، وفي كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْضاءِ البَسِيطَةِ والمُرَكَّبَةِ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ والوَضْعِ والفِعْلِ والِانْفِعالِ حَتّى تَرى أقْسامَ هَذا البابِ بَحْرًا لا ساحِلَ لَهُ. وإذا اعْتَبَرْتَ هَذا في بَدَنِ الإنْسانِ الواحِدِ فاعْرِفْ أقْسامَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى في نَفْسِهِ ورُوحِهِ، فَإنَّ عَجائِبَ عالَمِ الأرْواحِ أكْثَرُ مِن عَجائِبِ عالَمِ الأجْسادِ، ثُمَّ لَمّا اعْتَبَرْتَ حالَةَ الحَيَوانِ الواحِدِ فَعِنْدَ ذَلِكَ اعْتَبِرْ أحْوالَ عالَمِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ وطَبَقاتِ العَناصِرِ وعَجائِبِ البَرِّ والبَحْرِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، وعِنْدَ هَذا تَعْرِفُ أنَّ عُقُولَ جَمِيعِ الخَلائِقِ لَوْ رُكِّبَتْ وجُعِلَتْ عَقْلًا واحِدًا ثُمَّ بِذَلِكَ العَقْلِ يَتَأمَّلُ الإنْسانُ في عَجائِبِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في أقَلِّ الأشْياءِ لَما أدْرَكَ مِنها إلّا القَلِيلَ، فَسُبْحانَهُ تَقَدَّسَ عَنْ أوْهامِ المُتَوَهِّمِينَ.
[40] ) رواه ابن ماجة ج4 ص 317 رقم 1391 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1ص235 رقم 1150
[41] ) عبد الله بن صالح الفوزان : كيف نكون من الشاكرين ج1 ص 85
[42] ) البحر المحيط ج7 ص 235
[43] ) شرح العقيدة الطحاوية لابن جبرين ج3 ص 369
[44] ) رواه أحمد ج37 ص 402 رقم 17721 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص533
[45] ) عبد الله بن صالح الفوزان : كيف نكون من الشاكرين ج1 ص 85 مع بعض التعديل والإضافة
[46] ) رواه أحمد ج37 ص 402 رقم 17721 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص533
[47] ) رواه مسلم ج14 ص 213 رقم 5264
[48] ) رواه البخاري ج20 ص 138 رقم 6009
[49] ) رواه الترمذي ج11ص317 رقم 3354 وصححه الألباني : صحيح الترمذي ج3 ص 153 رقم 2729
[50] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج4 ص 107 رقم 4443 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1ص56
[51] ) رواه البخاري ج11 ص 398 رقم 3299
[52] ) رواه البخاري ج16 ص 493 رقم 4972
[53] ) رواه مسلم ج14 ص 214 رقم 5265
-
الاحد PM 12:24
2026-03-01 - 51



