المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1884974
يتصفح الموقع حاليا : 159

البحث

البحث

عرض المادة

مقدمة سورة إبراهيم

د / احمد نصير

مقدمة سورة إبراهيم

 

قال تعالى (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (3) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)

 

أعظم نعمة أنعم الله بها على العباد أن أخرجهم من الظلمات إلى النور وهداهم إلى صراطه المستقيم ، قال رسول الله r (وْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا...... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا

فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا....وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا)[1]

وفي المقابل نجد أن من سخط الله على العباد أن تزين لهم الدنيا فيستحبوها على الآخرة ، ويتشبثون بها ، ويرفضون كل محاولة لإزالتهم عنها ، بل ويرفعون الأيدي عنها فيدافعون عن دنياهم بآخرتهم ، من هنا صدر الصد عن سبيل الله منهم ، وتمحضت إرادتهم للسير في طرق غير طريق الإسلام ، يبتغون كل سبيل غير صراطه المستقيم .

 

وعلاجا لهذه الإشكالية كان لابد من أن يرسل الله للناس رسلا هاديين ومبشرين ومنذرين ، والتركيز هذه المرة في أسلوب الدعوة ، وكيف أن بيان الرسول وأتباعه بيانا كافيا شافيا لا يحول دون فهم اختلاف الألسنة ، فيذلل الله العقبات حتى تصل الدعوة صافية نقية ، فلا يضل بعد هدى إلا من حقت عليه الضلالة .

 

قوله (الر) هذا اللون من الراءات الست يوحي بالشكر لله تعالى ، فالألف حرف مخرجه الحلق ، وقيل  من الجوف إذا كانت مدية وهو فراغ الفم من الداخل ، وهو عبارة عن هواء يخرج من الحلق ويمتد عبر الفم دون أن يعتمد على جزء معين من الفم. 

 

واللام مخرجها من أدنى حافتي اللسان إلى منتهى طرفه مع ما يحاذيه من لثة الأسنان العليا. بمعنى آخر، يخرج اللام من جانبي اللسان عند التقائهما بلثة الأسنان العلوية. 

 

 

 ومخرج الراء هو طرف اللسان، تحديداً المنطقة التي تلامس أو تقترب من لثة الأسنان الأمامية العلوية، مع وجود قليل من الانحراف نحو مخرج حرف اللام، بمعنى آخر، الراء تخرج من نفس منطقة النون ولكنها أكثر عمقاً قليلاً نحو ظهر اللسان .

 

فسبحان الذي جعل الإنسان ينطق بهذه الحروف بسلاسة وبساطة وغيره من الكائنات تعجز عن النطق ، أفلا تستحق هذه النعمة الشكر لله .

 

قوله (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (1) بين هذا المقطع من السورة وظيفة النبي r بأن الله جعله سببا لهداية الناس بهذا الكتاب ، وبين أثر هذه الهداية بالخروج من الظلمات إلى النور ، ويتبع هذا الخروج السير في نور الحياة ، أما من يضل عن هذا النور فإنه يقبع في الظلمات ، ويظل في التيه لا يدري إلى أي وجه يسير ، فالناس إما سائرون بنور الإيمان أو تائهون في ظلمات الكفر والشرك ، فالمؤمن هو الذي أنعم الله عليه بهذا النور ، والكافر هو التائه في تلك الظلمات .

قال رسول الله r (إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا ، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ ، فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا ، وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَقَالَ إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ)[2]

قوله (فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ ) : قال السيوطي : أي (أزالتهم عن دينهم وأذهبتهم)[3]، قال النووي أى (يحبسونهم عن دينهم ويصدونهم عنه)[4]، أي (اسْتَّخَفَّتْهم فجَالُوا مَعهم في الضَّلاَل . يقال جَال واجْتَال : إذا ذهب وجاء ومنه الجَوَلاَنُ في الحرْب واجْتالَ الشَّيءَ إذا ذَهَب به وسَاقَه)[5]،  يعني أن الله خلق العباد بفطرة سليمة (حنفاء)، ولكن الشياطين تأتي إليهم لتصرفهم وتستميلهم وتخدعهم لتزيلهم عن دين الحق إلى الكفر والضلال.

قوله (لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ)  فلا يمحوه الماء ، فالماء يمحو الأحبار ، كناية عن حفظه في الصدور والسطور، فلا يذهب ولا يُمحى بمرور الزمان أو محاولات التحريف، بخلاف الكتب السابقة التي كانت تُكتب على ورق ويؤثر فيها الماء.

قوله (تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ)  أي تقرؤه وتستحضره في كل أحوالك نائمًا ويقظان  إشارة إلى شدة رسوخه في القلب وسهولة تذكره (تيسير القرآن)، فكأن الإنسان لا يحتاج إلى جهد لاستحضاره، بل هو حاضر في الذهن دائماً، أو كناية عن مهارة الحافظ له .

 

قوله (..بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ..) أي بأمره [6]وتوفيقه وإرشاده ولطفه [7]، قال الزمخشري (بتسهيله وتيسيره ، مستعار من الإذن الذي هو تسهيل للحجاب ، وذلك ما يمنحهم من اللطف والتوفيق)[8] .

أي : (لا يحصل منهم المراد المحبوب لله ، إلا بإرادة من الله ومعونة ، ففيه حث للعباد على الاستعانة بربهم)[9]، ونظيره قوله (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة 24) .

قال العلماء (ولما ذكر علة إنزال الكتاب وهي قوله : "لتخرج" قال : "بإذن ربهم" ، أي : ذلك الإخراج بتسهيل مالكهم الناظر في مصالحهم ، إذ هم عبيده)[10].

وذلك يدل على أن الرسول r لا يمكنه إخراج الناس من الظلمات إلى النور إلا بمشيئة الله وتخليقه)[11].

 

  (وناسب ذكر الرب هنا تنبيهاً على منة المالك ، وكونه ناظراً في حال عبيده)[12]، ولذلك جعل الرب كتابه هو المنهج العباد الذي يهديهم لهذا النور ، وجعل الرسول مطبقا لهذا المنهج تطبيقا عمليا ، ليتأسى به الناس ، فهو إمامهم في السير بهذا الكتاب على صراط مستقيم ، وكلاهما – المنهج والتطبيق العملي - يقودان الناس إلى صراط الله المستقيم الذي هو صراط العزيز الحميد ، أي الطريق الموصل لنور الله .

 

قوله (..إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (1) هاتان الصفتان تدلان على صراط الله تعالى المستقيم ، فغاية الهدى أن يهتدي العبد إلى صراط الله تعالى الموصوف بصفة العزة والحمد ، قال ابن عاشور (اختيار وصف "الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ" من بين الصفات العلى لمناسبتها للمقام، لأن الله غالب للمخالفين مقيم الحجة عليهم ، والحميد: بمعنى المحمود، لأن في إنزال هذا الكتاب نعمة عظيمة ترشد إلى حمده عليه ، وبذلك استوعب الوصفان الإشارة إلى الفريقين : مِن كلِ مُنساق إلى الاهتداء من أول وهلة ، ومِن مجادل صائر إلى الاهتداء بعد قيام الحجة ونفاذ الحيلة)[13].

 

فعلى صراط الله علامتان ترشدان إليه ، فالسائر على الصراط لابد وأن يلتمس هاتين العلامتين ، فالمسلم يتخلق بالصفات الحسنة المستمدة من أسماء الله الحسنى ، فصفة العزيز المنسوبة لله تعالى ، تعني في مجال أخلاق المسلمين أن علي المسلم يستمد العزة من الله وحده ، وصفة الحميد التي هي اسم من أسمائه سبحانه ، تعني أن المسلم لابد وأن يشكر الله ويحمده على نعمه ، وهكذا ، ونجد أن أعرف الناس بصفات الله هم أولوا العلم الذين يتخلقون بأحسن الأخلاق تلك التي يلتمسوها من أسمائه سبحانه وصفاته ، قال سبحانه (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)(سبأ).

 

قال ابن باز (يصح الحث على التخلق بمقتضى صفات الله وأسمائه وموجبها، وذلك بالنظر إلى الصفات التي يحسن من المخلوق أن يتصف بمقتضاها، بخلاف الصفات المختصة بالله كالخلاق والرزاق والإله ونحو ذلك، فإن هذا شيء لا يمكن أن يتّصف به المخلوق، ولا يجوز أن يدعيه)[14].

 

فأما صفة العزة : فقد ثبت جواز طلبها في قوله تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا)(فاطر10) أي لا تستمد إلا من الله ، باللاعتزاز بدين الله ، لا بعرض من أعراض الدنيا ، قال ابن القيم في نونيته[15] :-

وهو العزيز فلن يُرام جنابه *** أنى يُرام جناب ذي السلطان

وهو العزيز القاهر الغلاب لم *** يغلبه شيء هذه صفتان

وهو العزيز بقوة هي وصفه *** فالعز حينئذ ثلاث معان

وهي التي كملت له سبحانه *** من كل وجه عادم النقصان

 

وأما صفة الحميد : فهي أحد أوجه البيان عن الصراط الموصل إلي الله سبحانه ، كما في قوله (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) (24) ، إذ لا يخلو صراط الله من الحمد ، فحمد الله علامة على الصراط ، والله حميد أي يشكر من شكره  .

 فصفة الحميد تعني أنه سبحانه المحمود في ذاته، وصفاته، وأفعاله، الذي يستحق الثناء الكامل من جميع الخلائق في كل حال

قَالَ ابْنُ القَيِّمِ فِي نُونِيَّتِهِ:-

وَهُوَ الحَمِيدُ فَكُلُّ حَمْدٍ وَاقِعٍ ...أَوْ كَانَ مَفرُوضًا مَدَى الأَزْمَانِ 

مَلَأَ الوُجُودَ جَمِيعُهُ وَنَظِيرُهُ ...مِنْ غَيْرِ مَا عَدٍّ وَلَا حُسْبَانِ 

هُوَ أَهْلُهُ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ ...كُلُّ المَحَامِدِ وَصْفُ ذِي الإِحْسَانِ

وقال (فإنه المحمود على ما خلقه وأمر به ونهى عنه فهو المحمود على طاعات العباد ومعاصيهم وإيمانهم وكفرهم وهو المحمود على خلق الأبرار والفجار والملائكة والشياطين وعلى خلق الرسل وأعدائهم وهو المحمود على عدله في أعدائه كما هو المحمود على فضله وإنعامه على أوليائه فكل ذرة من ذرات الكون شاهدة بحمده ولهذا سبح بحمده السموات السبع الأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده)[16].

وعن عبد الله بن أبي أوفى : أن النبي r كان يقول اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد كما يطهر الثوب الدنس من الوسخ اللهم ربنا لك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد)[17] .

فَإِذَا رَكَعَ قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَعِظَامِي وَعَصَبِي فَإِذَا رَفَعَ قَالَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ)[18].

وقد اقترنت كثيرا صفة الحميد بصفة الغني : كما في قوله (وهو الغني الحميد) وذلك في موطن بيان الفرق بين الكافر والشاكر ، فالكافر الله غني عنه ، والشاكر الله حميد لشكره ، فيكافئه بفضله وزيادة ، أما في هذا الموضع من السورة فقد اقترنت صفة الحميد هنا بصفة العزيز ، لأن صفة العزة في أخلاق البشر إذا أطلقت اقترنت بالبطش أو الظلم ، فهذا هو حال المخلوقين ، ولكنه سبحانه ولأن له صفات الكمال ، فإن يقرن صفة العزة بالحكمة ويقرنها بالحميد للتأكيد على أنها جارية في الخلق على سنن الرحمة والمغفرة والشكر[19] ، فلا ظلم لأحد ، فهو سبحانه العزيز ، وهو سبحانه الحميد .

 

قوله (اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ..) (2) دلل الله سبحانه على صفتي العزة والحمد بأن له ملك السماوات والأرض وما فيهما ، باعتبارهما أكبر ما في الوجود وأظهر آياته ، فمن كان له ملكهما ظهرت دلائل قدرته وعظمته ، فكانت العزة له ، قال تعالى (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا)(سبأ 10) ، ومن كان له ما في السماوات وما في الأرض دانت له الخلائق ، وذل كل شيء بين يديه ، وخضع كل شيء لأمره ومشيئته ، فحقيق بأن يُعبد ، وحري بأن يُطاع ، وذلك هو معنى الحمد ، فكان الحمد واجبا على نعمة التوفيق للحمد، قال ابن القيم (إن أعظم النعم الإقبال على الله والتعبد له والانقطاع إليه والتبتل إليه ..ولا نعمة أعظم من هذه النعمة ..)[20]

ولأن له ما في السماوات وما في الأرض فإنه يقلب القلوب والأبصار ، ويؤلفهم ويفرقها ، يقول ابن القيم (ويكفي في الإقبال على الله تعالى ثوابا عاجلا أن الله سبحانه وتعالى يقبل بقلوب عباده إلى من أقبل عليه ، كما أنه يعرض بقلوبهم عمن أعرض عنه فقلوب العباد بيد الله لا بأيديهم)[21].

أي فتكون النتيجة هو إقبال الخلق على العبد الذي يقبل علي الله ، وإعراضهم عن العبد الذي أعرض عن الله ، قال الإمام أحمد (ما أقبل عبد على الله بقلبه إلا أقبل الله عز وجل بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم)[22] ، فإذا حصل ذلك دانت السماوات والأرض للعبد الذي دان بنفسه لله ، فتكون الدنيا في يده لا في قلبه ، فيسخرها في طاعة الله لا في التلهي بها  ففي الحديث القدسي (وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ)[23].

 

قوله (..وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) (2) أي أن الذي يكفر بمن له ما في السماوات وما في الأرض ، فله الويل ، قال الشعراوي (هذا الوَيْل ليس في الآخرة فقط ، بل في الدنيا أيضاً؛ لأن الإنسان يدفعها بها؛ هنا يستطيع المؤمن أن يذكر أن له رباً فوق الأسباب؛ويرتاح إلى معونة الحق سبحانه له ، وهكذا يشعر أن له رصيداً في الدنيا يعتمد عليه في مواجهة الأحداث الجِسَام ، أما غير المؤمن فليس أمامه سوى اليأس؛ ولذلك نجد انتشار الانتحار بين غير المؤمنين؛ لأن هناك أحداثاً فوق أسبابهم ، ولا يستطيعون دفعها ، وليس لهم إيمان بربٍّ يرجعون إليه)[24] .

 

قال الرازي (والمعنى أنهم لما تركوا عبادة الله تعالى الذي هو المالك للسموات والأرض ولكل ما فيهما إلى عبادة ما لا يملك ضراً ولا نفعاً ، ويُخلق ولا يَخلق ، ولا إدراك لها ولا فعل ، فالويل ثم الويل لمن كان كذلك ، وإنما خص هؤلاء بالويل لأن المعنى يولولون من عذاب شديد ويصيحون منه ويقولون يا ويلاه)[25] ، ونظيره قوله تعالى (دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً) (الفرقان 13) ، وفي الدنيا في قوله (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ) (الأنبياء 15)

 

 قوله (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ ..) (3) انتقلت الآيات إلى وصف "الكافر" بأنه ذلك الذي يستحب الحياة الدنيا على الآخرة ، ولفظ (يستحب) يحتاج لوقفة ، قال الغزالي (وصف الكفار بذلك مفهومه أن المؤمن هو الذي يتصف بنقيضه ، وهو أن يستحب الآخرة على الحياة الدنيا)[26] .

قيل (يَسْتَحِبُّونَ) أي (يَخْتَارُونَ) [27]، قال الرازي (هذا يدل على كونهم في نهاية المحبة للحياة الدنيوية ، ولا يكون الإنسان كذلك إلا إذا كان غافلاً عن الحياة الأخروية ، وعن معايب هذه الحياة العاجلة ، ومن كان كذلك كان في نهاية الصفات المذمومة)[28].

وقال رسول الله r (مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى)[29]، قال العلماء في الشرح (قَاعِدَةَ الْمَحَبَّةِ تَقْتَضِي اسْتِحْصَالَ شَهَوَاتِهَا وَالتَّوَجُّهَ إلَى مُيُولَاتِهَا فَلَا يَتَفَرَّغُ لِعَمَلِ الْآخِرَةِ،  وَمَنْ نَظَرَ إلَى فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحِسَابِ حَلَالِهَا ، وَعَذَابِ حَرَامِهَا ـ وَشَاهَدَ بِنُورِ إيمَانِهِ جَمَالَ الْآخِرَةِ ، أَضَرَّ بِنَفْسِهِ فِي دُنْيَاهُ بِتَحَمُّلِ مَشَاقِّ الْعِبَادَاتِ وَتَجَنُّبِ الشَّهَوَاتِ فَصَبَرَ قَلِيلًا وَتَنَعَّمَ طَوِيلًا ؛ وَلِأَنَّ مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ شَغَلَتْهُ عَنْ تَفْرِيغِ قَلْبِهِ لِحُبِّ رَبِّهِ ؛ وَلِسَانِهِ لِذِكْرِهِ فَتَضُرُّ بِآخِرَتِهِ ، وَلَا بُدَّ كَمَا أَنَّ مَحَبَّةَ الْآخِرَةِ تَضُرُّ بِالدُّنْيَا وَلَا بُدَّ كَمَا قَالَ ( وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ ) بِتَحَمُّلِ مَا يَنْفَعُهُ فِيهَا ( أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ ) أَيْ هُمَا كَكِفَّتَيْ الْمِيزَانِ فَإِذَا رَجَحَتْ إحْدَاهُمَا خَفَّتْ الْأُخْرَى، وَكَالضَّرَّتَيْنِ إذَا رَضِيَتْ إحْدَاهُمَا سَخِطَتْ الْأُخْرَى فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَا يَكَادُ يَكُونُ إلَّا لِمَنْ سَخَّرَهُ اللَّهُ لِتَدْبِيرِ خَلْقِهِ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ ، وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ)[30] ، أي أن الاستحالة في الجمع بينهما نسبية وليست مطلقة ، بمعنى أن الضرر عند الجمع بينهما واقع واقع ، ولكن الأنبياء يؤثرون الأخرة على الدنيا ، ويأخذون منها نصيبهم كما أمر الله (ولا تنس نصيبك من الدنيا) ليستعينوا بهذا النصيب على عمل الآخرة .

قال قطب (فاستحباب الحياة الدنيا على الآخرة يصطدم بتكاليف الإيمان؛ ويتعارض مع الاستقامة على الصراط ، وليس الأمر كذلك حين تستحب الآخرة ، لأنه عندئذ تصلح الدنيا ، ويصبح المتاع بها معتدلاً ، ويراعى فيه وجه الله ، فلا يقع التعارض بين استحباب الآخرة ومتاع هذه الحياة)[31] .

 

والابتلاء بحب الدنيا يزيد مع تقدم العمر ، لأن الطفل دنياه قاصرة على بعض الملهيات ، ولم يكلف بعد بكثير من التكاليف ، فإذا تقدم في العمر وصار شابا زادت شهوته وأقبل على الدنيا بنهم وهو لا يملك منها شيئا ، فلا يزال عاجزا أن يأخذ منها إلا بقدر رزقه ، فإذا تقدم في العمر أكثر ملك منها أشياء كثيرة ، وتفلتت منه أشياء ، وهنا يظهر عنده الحرص عليها ، ولذلك يَقُولُ النبي r (لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الْأَمَلِ)[32]، أي (لا يزال قلبه قويا نشطيا في أمرين :-

  • في حب الدنيا ، ويلزم منه كراهة الأجل
  • وطول الأمل ، وهو يقتضي تأخير العمل)[33].

قال ابن القيم (لا يلم شعث القلوب بشيء غير الإقبال على الله والإعراض عما سواه فهناك يلم شعثه ويزول كدره ويصح سفره ويجد روح الحياة ويذوق طعم الحياة الملكية)[34].

 

قوله (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) (3) أي أنهم ولأن حب الدنيا ملأ قلوبهم واشربت به فإنهم يصدون عن سبيل الله ، إذ أضحوا كالشياطين يقفون على سبيل الله تعالى ، كما قعد الشيطان على طريق المؤمن ليصده عن الإسلام والهجرة والجهاد ، فهم –كذلك - يصدون عن سبيل لله ليس عن جهل منهم ، ولكن عن رغبة جامحة في الطريق المعوج ، ولذلك أشارت الآية إلى أن ضلالهم بعيد .

 

قوله (..وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا..) (3) قال الطبري (زيغًا وميلا عن الاستقامة) ، فالذي يسير في الطريق المعوج يخرج عن الطريق المستقيم ، أي صراط الله ومنهجه وشرعه ، قال سيد قطب في اللفظ (إيحاء بحقيقة ما يريده الذين يصدون عن سبيل الله ، يريدون الطريق العوجاء؛ ولا يريدون الطريق المستقيم ، فالاستقامة لها صورة واحدة : صورة المضي على طريق الله ونهجه وشرعه ، وكل ما عداه فهو أعوج)[35].

 

وأيا ما قاله المفسرون من أن الهاء تعود على الدنيا أو على الصراط المستقيم [36]، فكلاهما في معنى واحد ، لأننا مأمورون بالسير في الدنيا على صراط مستقيم ، بينما أهل الباطل يريدون أن يخرجوا الناس عن السير إلى الله في صراط مستقيم ، ويحاولون بشتى الطرق أن يحيدوهم عن صراط الله العزيز الحميد ، فإذا انعوجوا عن الطريق طلبوا العزة من غير الله ، والله  تعالى يستنكر عليهم ذلك فيقول (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (التوبة 139)، والذي يسير في الطريق المعوج لا يرى نعمة الله عليه ، فلا يشكر الله على نعمه ، بل يكفر بها ، ولا يؤدي واجب الحمد لله ، فيجعله الله في سخط وعدم رضى لكفره بنعمه ، كما روي عَن ابنِ عباس رفعه قال : (منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا)[37].

 

فهذه الجبلة من الناس يصعب أن تتعلم الالتزام ، أو تنصاع لمبادئ ، ولا تلتزم بقوانين حتى ولو كانت من صنعهم هم أنفسهم ، فالذين يبغونها عوجا يقعدون على الصراط المستقيم يغوون الناس لأن يسيروا في طريق معوج كما في قوله تعالى في نصيحة مدين لقومه (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا) (86) ، أي أنهم لا يسيرون وحدهم في الطريق المعوج ، بل يستقطبون أتباعهم إلى هذا الطريق المعوج ، ولكي يحصل ذلك لابد وأن يتقابلوا في نقطة في المنتصف ، ومعلوم أن السائر على الصراط المستقيم لا يتقابل مع غيره من الطرق المعوجة إلا في نقطة واحدة ، فيقفون عند هذه النقطة ليخرجوا الناس عن الصراط إلى الاعوجاج .

 

وهذا هو ما يفعله الشيطان بالفعل ذكر الله قول إبليس (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (الأعراف16-17) ، قال رسول الله r (الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ فَقَالَ تُجَاهِدُ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ وَيُقْسَمُ الْمَالُ فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ)[38].

 

وأكثر العوائق التي قد تكون سببا لأن يحيد المسلم عن صراط الحق المستقيم ، ويسير في طريق معوج هو أن يترك جماعة المسلمين ،لا سيما صلاة الجماعة في المسجد ، يقول النبي r (مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَاةُ إِلَّا قَدْ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ)[39] ، فلا يأكل الذئب من الغنم إلا التي تبتعد عن قطيع الغنم ، ولذلك شرعت النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم ، فعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ)[40].

 

وكذلك في المقابل يقع على القائد واجب تجاه رعيته ، فيجب عليه أن ينصح لها ، ويتعهدها بالموعظة والرعاية ، ويبذل في ذلك جهده ، يقول النبي r (مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ الْجَنَّةَ)[41] ، فيجب على الأمير أو القائد أن يحوط رعيته ويبعد عنها الذئاب .

 

قوله (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ..)(4) لما كان حال كثير من الناس كما سبق في ضلال بعيد ، حيث يستحبون الحياة الدنيا ، ويبغونها عوجا ، كان ولابد من وسيلة لفتح هذه الصدور المغلقة عن طلب الآخرة وتزهيدها في طلب الدنيا ، فكان السبيل أن يرسل الله الرسل للناس لأداء هذه المهمة ، وطريقتهم في ذلك بإبهارهم بذات ما نبغ فيه أقوامهم ، فقوله (بِلِسَانِ قَوْمِهِ) ، أي بلغتهم ، قال رسول الله r (لَمْ يَبْعَثْ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا بِلُغَةِ قَوْمِهِ) [42]، أي (بلغة قَوْمِهِ، إِنَّ كَانَ عربياً فعربياً، وإِنَّ كَانَ عجيماً فعجيماً، وإِنَّ كَانَ سُريانياً فسُريانياً، ليبين لَهُمْ الّذِي أَرْسَلَ الله إِلَيْهِمْ، ليتخذَ بِذَلِكَ الْحُجَّة عَلَيْهِمْ"[43].

 

وهذا يقتضي ترجمة القرآن إلى جميع لغات العالم ، وهذا العمل فرض كفائي يجب على مجموع الأمة القيام به لتبليغ الدعوة ، وقد اختير العرب للقيام بهذه المهمة لأنهم أهل كرم وعطاء ، ولذلك نزل القرآن على العرب بلسان عربي مبين ، قال تعالى (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (195) ، بخلاف غيرهم من الأعاجم ، فلو نزل القرآن بلغتهم لأنكروه ، ولوقفت الدعوة عندهم فما بلغوه ، قال تعالى (وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) (الشعراء200) ، فعلة صدهم عن سبيل الله استحباب الدنيا على الآخرة .

من هنا أمر الرسول أصحابه بتعلم لغات الأقوام التي يتعامل معهم ولا يجد ترجمان لهم ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ r أَنْ أَتَعَلَّمَ لَهُ كَلِمَاتٍ مِنْ كِتَابِ يَهُودَ قَالَ إِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي قَالَ فَمَا مَرَّ بِي نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى تَعَلَّمْتُهُ لَهُ قَالَ فَلَمَّا تَعَلَّمْتُهُ كَانَ إِذَا كَتَبَ إِلَى يَهُودَ كَتَبْتُ إِلَيْهِمْ وَإِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ قَرَأْتُ لَهُ كِتَابَهُمْ  ، وقَالَ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ r أَنْ أَتَعَلَّمَ السُّرْيَانِيَّةَ)[44]

وعن زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ r تُحْسِنُ السُّرْيَانِيَّةَ إِنَّهَا تَأْتِينِي كُتُبٌ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَتَعَلَّمْهَا فَتَعَلَّمْتُهَا فِي سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا)[45]، وهكذا يبدو الجهد المبذول من الصحابة لتعلم لغات غير اللغة العربية حتى ينشروا دعوة الإسلام وأحكامه ، وهذا يدل على حرصهم علي نشر الدعوة ، وما كان لأحد غير العرب بأحرص منهم على فعل ذلك لو وسد الأمر إليهم ، ولا يمتنع أن نجد من غير العرب من هم حريصون على نشر الدعوة مثل مسلمي العرب تماما بتمام .

 

قال الخازن (بعث رسول الله r من العرب وبلسانهم والناس تبع للعرب فكان مبعوثاً إلى جميع الخلق ، لأنهم تبع للعرب ثم إنه يبعث الرسل إلى الرسل إلى الأطراف ، فيترجمون لهم بألسنتهم ويدعونهم إلى الله تعالى بلغاتهم)[46]

وقيل : إن الرسول إذا أرسل بلسان قومه وكانت دعوته خاصة وكان كتابه بلسان قومه كان أقرب لفهمهم عنه وقيام الحجة عليهم في ذلك ، فإذا فهموه ونقل عنهم انتشر عنهم علمه ، وقامت التراجم ببيانه وتفهيمه لمن يحتاج إلى ذلك ممن هو من غير أهله ، وإذا كان الكتاب بلغة واحدة مع اختلاف الأمم وتباين اللغات كان ذلك أبلغ في اجتهاد المجتهدين في تعليم معانيه ، وتفهيم فوائده وغوامضه وأسراره وعلومه وجميع حدوده وأحكامه)[47].

ولذلك قال ابن عجيبة (الحق أن نبينا عليه الصلاة والسلام قد بُعث إلى العرب والعجم والجن والإنس ، فقومه الذين يفهمون عنه : يُتَرْجُمِونَ إلى من لا يفهم ، فتقوم الحجة عليهم )[48]

 

بيد أن ذلك أثار شبهة عند بعض المشككين ، (إذ زعمت طائفة من اليهود يقال لهم : [ العيسوية ] أنَّ محمداً رسول الله ولكن إلى العرب خاصة ، وتمسكوا بهذه الآية من وجهين :-

 الأول : أنَّ القرآن لما نزل بلغة العرب لم يعرف كونه معجزة بسبب ما فيه من الفصاحة إلا العرب ، فلا يكون القرآن حجة إلاَّ على العربِ ، ومن لم يكن عربياً لم يكن القرآن حجة عليه؛ لأنه ليس بمعجزة في حقه لعدم علمه بفصاحته .

 والثانية : أن لسان الرسول r لسان العرب فدلَّ على أنَّه ليس له قوم سوى العرب)[49].

 

ويجاب على ذلك من وجهين :-

الأول : أن النبي r بُعِثَ إلى العرب بلسانهم والناس تبعٌ لهم ، ولذلك قال رسول الله r (النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ وَالنَّاسُ مَعَادِنُ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّ النَّاسِ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الشَّأْنِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ)[50]، ولهذا سميت مكة بأم القرى ، لأن الأحداث التي تجري فيها يسمع بها كل سكان القرى حولها ، وما بعدها ، وتأثير ما يحدث فيها ينعكس بصورة مباشرة على القرى الأخرى لكونها مركز التجارة العالمية ،لاسيما رحلتي الشتاء والصيف ، ولذلك قَالَ النَّبِيُّ r (النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ)[51] ،(والمعنى أن النبي r بُعِثَ إلى العرب بلسانهم والناس تبعٌ لهم ، ثم بعث رُّسلُ الرسول إلى  القرى الأخرى يدعوهم إلى الله تعالى ويترجمون لهم بألسنتهم)[52].

 

الثاني أن المقصود باللسان معنى أوسع من مدلوله اللفظي ، فاللسان -هنا -كناية عن الخطاب -بمفهومه الوظيفي- وهو أوسع من المفهوم المستنبط من الدلالة اللفظية ،  فالبلاغة تقتضي أن يستوعب اللسان كل وسيلة لإبهار العقول وإقناعها بمضمون الخطاب الإلهي ، وأن يظل هذا الإعجاز متعاقبا في أقوام النبي ومن جاورهم حتى قيام الساعة ، ولذلك يدخل في معناه كل معجزة أيد الله بها نبيه ليتحدى قومه فيما نبغوا فيه ، مثلما تحدى موسى سحرة فرعون ، وتحدى عيسى قومه في الطب بمعجزة الشفاء ..وهكذا .

قال ابن عجيبة (وكذلك إعجاز القرآن يُدركه أهل الفصاحة والبلاغة ، فإذا وقع العجز عن معارضته منهم قامت الحجة على غيرهم ، كما قامت الحجة في معجزة موسى عليه السلام بعجز السحرة ، وفي معجزة عيسى بعجز الأطباء)[53] ، أي يكفي أن يُعجز القرآن أهل الاختصاص عن مباراته ليقيم الحجة على غيرهم .

 

قوله (..لِيُبَيِّنَ لَهُمْ..) أي يبين لهم ما يتقون ، كما في قوله (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (التوبة 115) ، أي يبين لهم الخير من الشر ، الصواب من الخطأ ، الهدى من الضلال ، كما في قوله (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (البلد10) ، وتلك هي الهداية العامة أي الإرشاد .

 

ويؤكد ذلك أن للعرب لهجات شتى ، وجميع لهجات العرب هي لغة قريش ، القرآن نزل بلسانهم وعلى سبعة أحرف تيسيرا على العرب حتى يتحمل هؤلاء السبع ترجمته لغير أهل اللغة العربية ، ولا يتحمل هذا العبء أصحاب لهجة واحدة من لهجات العرب ، فيكون أسرع في الانتشار .

قال الدكتور مناع القطان (لقد كان للعرب لهجات شتى تنبع من طبيعة فطرتهم في جرسها وأصواتها وحروفها تعرضت لها كتب الأدب بالبيان والمقارنة، فكل قبيلة لها من اللحن في كثير من الكلمات ما ليس للآخرين، إلا أن قريشًا من بين العرب قد تهيأت لها عوامل جعلت للغتها الصدارة بين فروع العربية الأخرى من جوار البيت وسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام والإشراف على التجارة، فأنزلها العرب جميعًا لهذه الخصائص وغيرها منزلة الأب للغاتهم، فكان طبيعيًّا أن يتنزل القرآن بلغة قريش على الرسول القرشي تأليفًا للعرب وتحقيقًا لإعجاز القرآن حين يسقط في أيديهم أن يأتوا بمثله أو بسورة منه.

وإذا كان العرب قد تفاوتت لهجاتهم في المعنى الواحد بوجه من وجوه التفاوت ، فالقرآن الذي أوحى الله به لرسوله محمد r  يكمل له معنى الإعجاز إذا كان مستجمعًا بحروفه وأوجه قراءته -لهجات وحروف العرب[54]-، وذلك مما ييسر عليهم القراءة والحفظ والفهم)[55].

ونصوص السٌّنَّة قد تواترت بأحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف، ومن ذلك: -

ما روي عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ r يَا أُبَيُّ إِنِّي أُقْرِئْتُ الْقُرْآنَ فَقِيلَ لِي عَلَى حَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْنِ فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِي مَعِي قُلْ عَلَى حَرْفَيْنِ قُلْتُ عَلَى حَرْفَيْنِ فَقِيلَ لِي عَلَى حَرْفَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِي مَعِي قُلْ عَلَى ثَلَاثَةٍ قُلْتُ عَلَى ثَلَاثَةٍ حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ ثُمَّ قَالَ لَيْسَ مِنْهَا إِلَّا شَافٍ كَافٍ إِنْ قُلْتَ سَمِيعًا عَلِيمًا عَزِيزًا حَكِيمًا مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ)[56]

وعَنْ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِيَّ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ r فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ r فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَقُلْتُ مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ قَالَ أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ r فَقُلْتُ كَذَبْتَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ rقَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r أَرْسِلْهُ اقْرَأْ يَا هِشَامُ فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ ثُمَّ قَالَ اقْرَأْ يَا عُمَرُ فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)[57]

وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ r كَانَ عِنْدَ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ قَالَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ فَقَالَ أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ فَقَالَ أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ثُمَّ جَاءَهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ فَقَالَ أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ثُمَّ جَاءَهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَأَيُّمَا حَرْفٍ قَرَءُوا عَلَيْهِ فَقَدْ أَصَابُوا)[58]

عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ)[59]

 

قوله (..فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ..) (4) وتلك هي هداية التوفيق ، أي إذا حصل البلاغ بتلك الدقة حيث يستوعبه المخاطبون ، فهو خطاب يصل لأسماعهم بلغتهم وبلسانهم وبذات ثقافاتهم وعاداتهم ، ويقطع عذرهم بعدم فهم مراد الشارع ، هنا تقام الحجة عليهم ، وهنا تنتهي وظيفة المبلغ سواء أكان نبيا أم مترجما أم مفسرا أو شارحا ، فليس عليه انتظار الهداية أو رؤية القبول .

 

 قال ابن كثير (فيضل من يستحق الإضلال، ويهدي من هو أهل لذلك)[60] أي أن مسألة الهداية والضلال مرجعها إلى الاستحقاق والأهلية ، وذلك بما يتوافق مع الإرادة الإلهية ، وذلك كله راجع لعلمه السابق وقدره الذي كتبه ولا يعلمه إلا هو ، ولا ظلم لأحد .

 

قال محمد بن الحسين: (كل هذا بين لكم الرب تعالى به أن الأنبياء إنما بعثوا مبشرين ومنذرين ، وحجة على الخلق ، فمن شاء الله تعالى له الإيمان آمن ، ومن لم يشأ له الإيمان لم يؤمن ، قد فرغ الله تعالى من كل شيء ، قد كتب الطاعة لقوم ، وكتب المعصية على قوم ، ويرحم أقواما بعد معصيتهم إياه ، ويتوب عليهم ، وقوم لا يرحمهم ، ولا يتوب عليهم : لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)[61].

 

قوله (..وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (4) قال ابن القيم (فالرسل تبين ، والله هو الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء بعزته وحكمته )[62] ، فهو عزيز يعز المؤمن بهدايته إلى صراطه المستقيم ، وهو حكيم ، فمن حكمته البيان قال تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (التوبة115) .

 

 

 

[1] ) رواه البخاري ج9 ص 428 رقم 2625

[2] ) رواه مسلم ج14 ص 24 رقم 5109

[3] ) الديباج على مسلم ج6 ص 201

[4] ) شرح النووي على مسلم ج17 ص 197

[5] ) النهاية في غريب الأثر ج1 ص 842

[6] ) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ص 778

[7] ) الكشف والبيان للنيسابوري ج5 ص 305

[8] ) الكشاف ج3 ص 263

[9] ) أبو يوسف محمد زايد : فيض الرحمن تفسير جواهر القرآن ج1 ص 222

[10] ) البحر المحيط ج7 ص 142

[11] ) تفسير الرازي ج9 ص 200

[12] ) البحر المحيط ج7 ص 142

[13] ) التحرير والتنوير ج12 ص 216

[14] ) مجموع فتاوى ابن باز (1/ 133)

[15]) ابن القيم الجوزية : نونية ابن القيم ص 205 : موقع مكتبة المدينة الرقمية http://www.raqamiya.org

[16] ) طريق الهجرتين ج1 ص 194

[17] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 235 رقم 676

[18] ) رواه الترمذي ج11 ص 301 رقم 3344 وصححه الألباني : صحيح الترمذي ج3 ص 148 رقم 2721

[19] ) د. نجلاء كردي  : مطابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام في القرآن الكريم ص ٦٦٠.

[20] ) بدائع الفوائد ج3 ص 520

[21] ) روضة المحبين ج1 ص 417

[22] ) روضة المحبين ج1 ص 417

[23] ) رواه البخاري ج20 ص 158 رقم 6021

[24] ) تفسير الشعراوي ص 4635 

[25] ) تفسير الرازي مفاتيح الغيب ج19 ص 61

[26] ) إحياء علوم الدين ج6 ص 186

[27] ) تفسير ابن أبي حاتم ج9 ص 14

[28] ) تفسير الرازي ج9 ص 204

[29] ) رواه أحمد ج32 ص 472 رقم 19698 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج3 ص 144

[30] ) برقية محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية ج4 ص 29

[31] ) في ظلال القرآن ج4 ص 388

[32] ) رواه البخاري ج20 ص 45 رقم 5941

[33] ) مرقاة المفاتيح ج15 ص 177

[34] ) مدارج السالكين ج3 ص 96 ، زاد المعاد ج2 ص 86

[35] ) في ظلال القرآن ج3 ص 225

[36] ) د أحمد عبد المنعم : شبكة الطريق إلى الله ، https://www.youtube.com/watch?v=9dabKer-6ic

[37] ) رواه البزار في مسنده ج2 ص 174 ، وابن أبي شيبة ج8 ص541 وصححه الالباني : الجامع الصغير ج1ص1157

[38] ) رواه النسائي ج10 ص 193 رقم 3083 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج7 ص 180 رقم 2979

[39] ) رواه أبو داود ج2 ص 151 رقم 460 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج3 ص58

[40] ) رواه مسلم ج1 ص 182 رقم 82

[41] ) رواه مسلم ج1 ص 345 رقم 205

[42] ) رواه أحمد ج43 ص 407 رقم 20441 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج10 ص 110

[43] ) رواه ابن أبي حاتم عَنْ قَتَادَة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، تفسير ابن أبي حاتم ج9 ص 15

[44] ) رواه الترمذي ج9 ص 351 رقم 2639 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج6 ص 215

[45] ) رواه أحمد ج35 ص 463 رقم 21587 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج1 ص 364 رقم 187

[46] ) تفسير الخازن ج4 ص 103

[47] ) تفسير الخازن ج4 ص 103

[48] ) البحر المديد ج3 ص 185

[49] ) اللباب في علوم الكتاب ج9 ص 455

[50] ) رواه البخاري ج11 ص 315 رقم 3235

[51] ) رواه مسلم ج9 ص 331 رقم 3391

[52] ) أبو حفص سراج الدين الدمشقي : اللباب في علوم الكتاب ج9 ص 455

[53] ) البحر المديد ج3 ص 185

[54] ) تعديل بالإضافة من عندي

[55] ) مناع القطان : مباحث في علوم القرآن ج1 ص 156

[56] ) رواه أبو داود ج4 ص 275 رقم 1262 وصححه الألباني :

[57] ) رواه البخاري ج15 ص 392 رقم 4608

[58] ) رواه مسلم ج 4ص 257 رقم 1357

[59] ) رواه البخاري ج15 ص 391 رقم 4607

[60] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 477

[61] ) الشريعة للآجري ج1 ص 372 محمد بن حسين الآجري

[62] ) مدارج السالكين ج1 ص 43

  • الاحد AM 11:40
    2026-03-01
  • 52
Powered by: GateGold