ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
تذكير موسى قومه بنعم الله
د / احمد نصير
قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) (8)
انتقلت الآيات إلى حكاية قصة موسى عليه السلام بوصفه رسول من رسل الله ، فاستظهرت الغاية من دعوته بأن يقوم بعملية إخراج لقومه من ظلمات الشرك إلى نور الإسلام ، وهي عملية شديدة الصعوبة ، لأنها تنطوي على تغيير أنماط حياة الخفافيش ، فرغم وضوح الهدف وسلاسة الإقناع ، لأن من الطبيعي أن يعيش الإنسان في النور ، ولا يعيش كالخفافيش في الظلام ، فالإنسان بطبعه يستجيب النور ليرى الأشياء بعينه ، إلا أن ثمة أناس يستحبون حياة الظلام كالخفافيش ، لأن عيشهم هو الاقتيات على دماء الضحايا ، فلا يعملون ليأكلوا من كدهم وتعبهم ، بل وسيلتهم في الاقتيات هي السطو المباشر على دماء الحيوانات من حولهم ، والإسلام يريد أن يخرج الناس من هذه الحياة التي هي في حقيقتها ليست بحياة إلى النور الذي هو الحياة حقا .
كما بينت وسيلة النبي في تحقيق هذه المهمة الشاقة والصعبة التي هي "الإخراج" من استحباب الدنيا على الآخرة ، ما يستلزم تغيير طبائعهم وعاداتهم وتقاليدهم ، ولا يمكن أن يحصل هذا التغيير إلا بإنقلاب حقيقي لحياة هؤلاء الذين يبغونها عوجا ويصدون عن سبيل الله ، ولا سبيل لحدوث مثل هذا الانقلاب إلا بتذكيرهم بآيام الله ، أي اختبارات الله وابتلاءاته لعباده ، فهو خلقهم ليبتليهم في الدنيا ثم يجازيهم على أعمالهم في الآخرة ، فهم لم يخلقوا في الدنيا إلا للعبادة والعمل ، وليس للتمتع واللهو ، وإن جاز القول بأن التمتع واللهو في حق أهل الآخرة بقدر نصيبهم من الدنيا الذي أحله الله لهم .
وعلي النبي أن يذكر قومه بفضل الله عليهم ونعمته ، ويذكرهم بأن الله صير الأيام لهم بعدما أهلك فرعون وجنودهم بعد أن كانت عليهم حالما كان يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم ، فكان الواجب عليهم أن يزدادوا شكرا ليزيدهم الله من نعمه ، فالقاعدة هي أن زيادة الرزق والبركة فيه مرتبط بالشكر ، والعكس كذلك صحيح ، فالكفر بنعم الله يمحق البركة منها ، وإن بدا في الظاهر تمتعهم بها ، فتمتعهم بدماء الضحايا لا يرفع عنهم خجل الخفافيش ، وبعدها عن الكائنات الأخرى كالصقور والنسور ، وعزلتها لوحدها معلقة في أسقف الكهوف ، وقد عرفت بخوفها الشديد من الإنسان الذي يعيش في النور .
ولعل مناسبة ذكر نبي الله موسى على وجه الخصوص في أول السورة هو ضرب المثال بقومه الذين منَّ الله عليهم بنعم الإنجاء من فرعون ، ورغم ذلك كفروا ولم يشكروا، فكان من المناسب ضرب هذا المثال للاستشهاد بهم في استظهار الله نعمه على قريش –كذلك – إذ أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ، ورغم ذلك جحودوا نعمه وكفروا بها ، فبدلوا نعمة الله كفرا ، وأحلوا قومهم دار البوار ، وفي كل الأحوال لابد من العلم بأن الله تعالى غني عن خلقه مستغن عنهم بذاته ، ورغم ذلك فإنه حميد للشاكر منهم..
قوله (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ..) من اللطيف التذكير بأن وظيفة موسى عليه السلام إخراج قومه من الظلمات إلى النور ، وهذه الوظيفة سبق ذكرها في مقدمة السورة كبيان لوظائف الأنبياء جميعا ، كما أنها وظيفة النبي محمد r (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)(إبراهيم1)
ولفظ "أخرج" يمثل حركة النقل من حال إلى حال بتغيير المكان ، ذلك أن المكان الذي لا تتهيأ فيه الأسباب للإبصار تتعطل فيه الملكات ، فإذا تغير المكان وخرج للنور أبصرت العين الأشياء ، لترى قدرة الله سبحانه ظاهرة ، فتؤمن به وتسلم له .
وخص بني إسرائيل الذين هم قوم موسى بمهمة الإخراج ، لأنهم هم القابعون في الظلمات اضطرارا وليس اختيارا ، فكان لابد من تحريرهم ابتداء من سلطان العبودية لغير الله ، حتى تكون لديهم الملكات لأن يروا النور
فعملية الإخراج أتت في سياق انتشال بني إسرائيل من وطأة فرعون الشديدة عليهم وظلمه لهم ، فإرادة بني إسرائيل مسلوبة ، سرقها فرعون وأتباعه من السحرة ، فكان الواجب على موسى تحريرهم من قبضة فرعون وسطوته ، كما قال تعالى لموسى وهارون (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) (طه 47).
و(الإخراج من الظلمات إلى النور محمول على نصب الدلائل ، وإرسال الأنبياء ، وإنزال الكتب ، والترغيب في الإيمان بأبلغ الوجوه ، والتحذير عن الكفر بأقصى الوجوه)[1]، قال إسماعيل حقي (جمع الظلمات لأن فنون الضلالة متعددة والكفر ملل ، وأفرد النور لأن الإسلام دين واحد ويسمى الكفر ظلمة لالتباس طريقه ويسمى الإسلام نوراً لوضوح طريقه)[2].
فحال بني إسرائيل وهم قابعون في ظلمات القمع والتعذيب والاضطهاد الفرعوني أشبه بحال الطفيليات التي تعيش في الظلام وقد تكيفت على هذه العيشة [3] ، ومحاولة إخراجها أشبه مهمة انتحارية شديدة الخطورة ، ما يعني أنهم في حاجة لتغيير خصائصهم البيولوجية حتى لا يتعرض الحمض النووي للتلف بسبب ضوء الشمس[4] ، ولذلك عاد بنو إسرائيل لعبادة الشرك طوعا بعدما كانوا يفعلونه كرها ، قال تعالى (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) (الأعراف 138) .
وقد عانى نبي الله محمد r من ترسب عقيدة الكفر عند بعض الصحابة ، فرغم إسلامهم إلا أنها ظلت عالقة بهم ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ فَقَالَ النَّبِيُّ r سُبْحَانَ اللَّهِ هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)[5]
إذن مهمة الإخراج من الظلمات إلى النور ليست بالمهمة السهلة ، بل هي أشد مهمة في الوجود ، وتحتاج لجهد ومتابعة ، وذلك كله يجري في إطار هداية الطريق ، أما هداية التوفيق فلها شأن آخر .
قوله (..وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ..) اقترنت محاولة الإخراج من الظلمات إلى النور بتذكيرهم بأيام الله ، أي يذكرهم بتاريخ الأمم التي سبقتهم وسنة الله فيهم ، وهكذا يظهر الله قدرته وسلطانه على البشر كلهم في كل زمان فيتذكروا آياته وعبره ، كما حصل في قصة غرق فرعون ، فعن على أو عَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَخْطُبُنَا فَيُذَكِّرُنَا بِأَيَّامِ اللَّهِ حَتَّى نَعْرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ ، وَكَأَنَّهُ نَذِيرُ قَوْمٍ يُصَبِّحُهُمْ الْأَمْرُ غُدْوَةً )[6].
(وإضافة الأيام إلى الله تعالى تشريف لأمرها لما أفاض الله عليهم من نعمه فيها)[7] ، حتى وإن ظهر فيها بلاء ، فهو من باب الاختبار والتطهير ، وعليه فإن المقصود بأيام الله تقلبها بين النعم والمصائب ، قال تعالى (كل يوم هو في شأن) ، ذلك الأيام يداولها الله بين الناس ، فالله يعز من يشاء ويذل من يشاء ، قال ابن جزي (لفظ "أيام"يعم النعم والنقم) ، فكما أنه يذكرهم بما حصل للأمم السابقة التي نزل بها عذاب الله ، فإنه كذلك يحدثهم عن فضل الله معهم (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (الضحى11) ، وما حصلهم لهم من خير ونصرة على أعدائهم ، أي ما فعله الله بالقوم السابقين ليكون عبرة لهم وعظة سواء أكان نعمة أم عقوبة ، فلا يتخاذلوا عن نصرة أنبيائهم ، ولا يتأخروا عن تلبية دعوته ، ولا ينشغلوا بالأيام عن نصرة الرسل وطاعتهم.
فقوله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (5) يبين فائدة التذكير بأيام الله وتحديثهم عن تاريخ الأمم التي سبقتهم ، فدراسة التاريخ لها فائدتان ، فهي تحفيز لصاحب البلاء على الصبر ، وتحفيز لصاحب النعمة على الشكر ، قال أبو حيان (صبار وشكور ، صفتا مبالغة ، وهما مشعرتان بأنّ أيام الله المراد بهما بلاؤه ونعماؤه أي : صبار على بلائه ، شكور لنعمائه)[8] .
ولذلك فإن الذي يتدبر أيام الله يعمل لها حساب ، أي يعمل في أيام الرخاء لما يستقبل من أيام الشدة ، ولذلك قال رسول الله r (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) [9]، أي أنه لابد من اجتماع الأمرين على العباد ، فتارة يكون حالهم هو الرخاء ، وتارة يكون ابتلاؤهم بالشدة ، ولذلك أثر عن السلف قولهم (اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم) ، فلابد وألا يغتر العبد بأيام الرخاء ، بل عليه أن يدخر منها أعمالا لأوقات الشدة ، فعن أبي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قال أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ رضي الله عنه اخْشَوْشِنُوا وَاخْشَوْشِبُوا وَاخْلَوْلِقُوا وَتَمَعْدَدُوا كَإِنَّكُمْ مُعَدٌّ وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ وَزِيَّ الْعَجَمِ)[10] ، لعل تعرفه عليه في الرخاء يكون سببا في تخفيف البلاء عليه في أيام الشدة ، أو صبره وتثبيته على الحق فلا يجزع ، وهكذا تدور عليهم الأيام ، (فإن النعم لا تدوم إلا بالشكر)[11].
يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ r (خَصْلَتَانِ مَنْ كَانَتَا فِيهِ كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا صَابِرًا ، وَمَنْ لَمْ تَكُونَا فِيهِ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ شَاكِرًا وَلَا صَابِرًا :-
مَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فَاقْتَدَى بِهِ
وَمَنْ نَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا فَضَّلَهُ بِهِ عَلَيْهِ ، كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا صَابِرًا
وَمَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ ، وَنَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ ، فَأَسِفَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْهُ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ شَاكِرًا وَلَا صَابِرًا)[12].
قوله (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) (6) شرع موسى توجيه الخطاب الدعوي لقومه بعدما تجاوزوا فتنة فرعون ، وتحرروا من سلطانه عليهم ، واستهله بتذكيرهم بفضل الله عليهم ، وقد أخرجهم من ذل العبودية لفرعون وجنوده إلى حرية الإسلام ونوره ، لعل ذلك يسهل عليهم التضحية في سبيل الله بالمال والنفس بعدما عاينوا هذا الفضل ، فالإيمان ليس مجرد إعلان انحيازهم لموسى وحسب ، بل لابد من البذل والتضحية والعطاء بالمال والنفس ، ولذلك ذكرهم بنعمة الله حتى لا يبخلوا بما أعطاهم الله من فضله ومنَّ به عليهم من نعمته .
فلما نجاهم الله من فرعون ذكرهم بتلك النعم قبل أن يطلب منهم بذل النفس والمال في سبيل الله ، كما في قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) (المائدة 20-22)
من هنا نفهم أن مرحلة تحرير الدعوة من طغيان السلطان ليست نهاية المطاف ،بل إنها أوله ، ولا تدل على اكتمال الإيمان ، إذ يعقب ذلك تحرير النفس ذاتها من الشح واستحباب الدنيا على الآخرة ، ولذلك يقول النبي r (إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا)[13]، (فالشح هو قلة الإفضال بالمال فهو رديف البخل أو أشده)[14]، قال الشيخ عبد المحسن عباد (اليد تابعة للنفس، فإذا كانت النفس غنية سهل بعد ذلك بذل اليد، وإذا كانت اليد غنية ولكن النفس ليست غنية بل فيها الشح والبخل ، فإن اليد تكون تابعة لها، فلا يحصل الجود من اليد إلا إذا وجد السخاء في النفس، وكانت النفس راغبة في الإحسان)[15] .
قوله (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) (7) (هذا إعلان إلهي بأن الشكر يؤدّي إلى دوام النعمة، وزيادتها)[16]، فيتعلم العبد أن يزداد شكرا على كل زيادة في النعمة ، فإذا صار أهلا للشكر أضحى أهلا للنعمة ، فعن عبد الله بن مسعود قال (ومن أعطى الشكر لم يحرم الزيادة لأن الله عز وجل يقول (لئن شكرتم لأزيدنكم)[17] ، وقال ابن القيم (فمتى لم تر حالك في مزيد فاستقبل الشكر)[18] أي انتبه فلا تقصر في واجب الشكر حتى تحصل لك الزيادة .
والشكر محل سؤال للعبد يوم القيامة ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - أي يَوْمَ الْقِيَامَةِ[19]- يَا ابْنَ آدَمَ حَمَلْتُكَ عَلَى الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَزَوَّجْتُكَ النِّسَاءَ وَجَعَلْتُكَ تَرْبَعُ وَتَرْأَسُ فَأَيْنَ شُكْرُ ذَلِكَ)[20] قال النووي " ترأس" ، ومعناه: رئيس القوم وكبيرهم، وأما "تربع" ، ومعناه: تأخذ المرباع الذي كانت ملوك الجاهلية تأخذه من الغنيمة، وهو رُبعها، يقال: ربعتهم، أي: أخذت أموالهم ، ومعناه: ألم أجعلك رئيسا مطاعا)[21].
وقال ابن القيم (والشكر مبني على خمس قواعد : -
- خضوع الشاكر للمشكور
- وحبه له
- واعترافه بنعمته
- وثناؤه عليه بها
- وأن لا يستعملها فيما يكره
فهذه الخمس هي أساس الشكر وبناؤه عليها ، فمتى عدم منها واحدة : اختل من قواعد الشكر قاعدة ، وكل من تكلم في الشكر وحده ، فكلامه إليها يرجع وعليها يدور ، فقيل : حده الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع ، وقيل : الثناء على المحسن بذكر إحسانه ، وقيل : هو عكوف القلب على محبة المنعم والجوارح على طاعته وجريان اللسان بذكره والثناء عليه ، وقيل : هو مشاهدة المنة وحفظ الحرمة )[22] .
وأما عن مظاهر الشكر وأركانه فقد قال ابن القيم (ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده : ثناء واعترافا ، وعلى قلبه : شهودا ومحبة ، وعلى جوارحه : انقيادا وطاعة ).
وقال المناوي (الشكر ثلاثة أقسام شكر اللسان بالتحدث بالنعمة، وشكر الأركان –الجوارح- بالقيام بالخدمة ، وشكر الجنان –أي القلب - بالاعتراف بأن كل نعمة منه تعالى)[23] ،وهذا يدل على أن للشكر ثلاثة أركان نفصلها كما يلي :-
الأول : الاعتراف بالنعمة : فعن ابْن عَبَّاسٍ قَالَ مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ r فَقَالَ النَّبِيُّ r أَصْبَحَ مِنْ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ قَالُوا هَذِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ "فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ حَتَّى بَلَغَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ"[24] ، قال المهلب (كانوا ينسبون الأفعال إلى غير الله ، فيظنون أن النجوم تمطرهم وترزقهم ، فهذا تكذيبهم ، فنهاهم الله عن نسبة الغيوث التى جعلها الله حياةً لعباده وبلاده إلى الأنواء ، وأمرهم أن ينسبوا ذلك إليه ؛ لأنه من نعمته وتفضله عليهم ، وأن يفردوه بالشكر على ذلك والحمد على تفضله)[25].
وقَالَ r (أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ)[26] ، قال السيوطي (كانت العرب تنسب المطر إلى النجم الساقط الغارب ، وأما من قال معتقدا أن الفاعل هو الله تعالى وأن النوء ميقات له وعلامة باعتبار العادة فلا يكفر ولكن يكره له هذا القول، لأنه شعار الجاهلية ومن سلك مسلكهم ، ولأنه كلام متردد بين الكفر وغيره)[27] .
قال الشيخ عبد المحسن العباد أي (نسب الفضل إلى الله، وأقر أن النعمة من الله، كما في قوله (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ) [النحل:53]، فمن قال ذلك فقد أتى بالكلام الصحيح الصواب الحسن؛ لأنه نسب الفضل إلى المتفضل، ونسب النعمة إلى المنعم سبحانه وتعالى) .
وأما من قال (مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب) ، فإن أريد بالنوء -وهو النجم- أنه مؤثر، وأن ما يحصل من مطر فهو من تأثير النجوم؛ فهذا كفر بالله عز وجل، وأما إذا أريد بذلك أن الله تعالى قدر وقضى وجرت العادة بأن الأمطار تكون في أوقات معينة، وأنها تكثر في وقت كذا، وتقل في وقت كذا، أو أنها إذا جاءت في الشتاء والربيع فلها نفع في الزراعة، وأما إذا جاءت في الصيف فبسبب شدة الحرارة لا يكون لها الفائدة الكبيرة في نبت النبات وكثرة المراعي، فهذا سائغ لا بأس به، ولكن كون الإنسان ينسب ذلك إلى تلك الأوقات، دون أن يضيف ذلك إلى الله عز وجل يعتبر نقصاً، ولكن من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته في الوقت المحدد ، أو في الزمن المعروف، أو أن الله تعالى تفضل علينا وأنعم وجاد بالأمطار في هذا الموسم، أو في تلك المواسم، فهذا لا بأس به) [28].
ثانيا : التحدث بالنعم ، والثناء على المنعم : قال تعالى: )وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ( (الضحى: 11) ، وفي الحديث قال رسول الله r (التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر)[29]، وذلك من باب الدعوة في سبيل الله ،وإظهار نعمة الله على العبد ليحث الناس على الشكر لله تعالى ، والفرح بفضله ، قال تعالى (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس58)
وقد كان دأب النبي r الشكر في كل حال ، فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ r (كَانَ إِذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ أَوْ بُشِّرَ بِهِ خَرَّ سَاجِدًا شُكْرًا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى)[30]، كما حث على الشكر مباشرة في أحوال ظهور النعمة ، وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)[31] .
وكان النبي r يشكر ربه حتى الطاقة ، فعن الْمُغِيرَةَ يَقُولُ قَامَ النَّبِيُّ r حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ [32]فَقِيلَ لَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا)[33]، كل ذلك وهو يعلم أنه لن يدرك نعمة أنعمها الله عليه بذلك الشكر ، كما قَالَ: دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (رَبِّ أَخْبِرْنِي مَا أَدْنَى نِعْمَتِكَ عَلَيَّ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا دَاوُدُ : تَنَفَّسْ " فَتَنَفَّسَ فَقَالَ: « (هَذَا أَدْنَى نِعْمَتِي عَلَيْكَ)[34] .
وكان رسول الله r يستعين بالله على الشكر ، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا وَلِسَانًا صَادِقًا ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ)[35].
وكان يفعل ذلك كل صلاة ، فعن معاذ بن جبل قال أخذ بيدي النبي r فقال : يا معاذ قلت لبيك قال إني أحبك قلت وأنا والله أحبك قال ألا أعلمك كلمات تقولها في دبر كل صلاتك قلت نعم قال قل اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)[36].
ثالثا : تسخير النعمة في طاعة مسديها والمنعم بها : كما قال تعالى: (اعملوا آل داود شكر) (سبأ: 13) ومعنى الآية: يا آل داود: اعملوا شكرًا لله على ما أعطاكم، وذلك بطاعته وامتثال أمره ، ويستفاد من هذه الآية أن الله تعالى يريد منا الشكر العملي لا باللسان فقط.
(والشكر العملي هو أن تجعل لأصحاب الحاجات والمعوزين نصيبًا مفروضًا من النعم التي حباك الله تعالى بها)[37]، ولذلك قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي قَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي)[38]
ومن جهة أخرى فإن العبادة وإن كانت وسيلة للشكر ، فإن حسن معاملة الناس ورد الجميل لهم وشكرهم على صنيعهم الحسن هو ضرب كذلك من شكر الله تعالى ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ ( لا يشكر الله من لا يشكر الناس )[39] ، أي (من طبعه وعادته كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم ، فعادته كفران نعم الله تعالى وترك الشكر له)[40] ، (وقيل معناه أنَّ من لا يشكُر الناس كان كمن لا يشكُر اللّه ، وإنْ شَكَرَه لاتِّصاَلِ أحَدِ الأمْرَين بالآخر ، ومعناهُ أنَّ اللّه لا يقبَلُ شُكرَ العَبْد على إحسانِه إليه ، إذا كَان العبدُ لا يشكُرُ إحسانَ الناسِ ويَكْفُر مَعْرُوفَهم)[41]
ولذلك قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً فَوَجَدَ –أي وجد مالا- فَلْيَجْزِ بِهِ – أي يرد العطية- ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ بِهِ –أي يمدح معطيه بحق - فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ)[42] قال المناوي (من أُعطى شيئأ فوجد) أي من أُعطى حقا - يعني نال شيئا من أحد وجب عليه أن يجازيه بشيء وجده عنده - فإن وجد مالا -فليعطه جزاء له ( فليجز به ) مكافأة على الصنيعة ( ومن لم يجد ) مالا ( فليثن به ) على المعطى ولا يجوز له كتمان نعمته ( فان أثنى ) عليه ( به فقد شكره ) على ما أعطاه ( وان كتمه فقد كفره ) أي كفر نعمته)[43].
قال الشيخ عبد المحسن عباد في قوله (من أعطي عطاء فوجد فليجز به) ، يعني: وجد مالاً أو وجد قدرة على أن يكافئ ويجزي به، فإنه يجزي به، بمعنى: أن من صنع إليه معروفاً فيكافئه الإنسان مقابل ما حصل منه من الإحسان، فيقابل الإحسان بالإحسان، فإذا كان واجداً، ذا قدرة مالية؛ فإنه يكافئه ويجزي به ذلك الذي أحسن إليه وأعطاه.
قوله: (فإن لم يجد فليثن به)، يعني: يثني على ذلك الذي أحسن إليه بعطائه ويشكره، وهذا هو المقصود من الترجمة، أن الإنسان يشكر، ومعلوم أن الثناء والدعاء يمكن أن يكون مع المكفاءة والعطاء، فالإنسان حتى إذا قدر على المبادلة والإحسان فإنه أيضاً يدعو مع ذلك ويشكر عليه ويثني عليه بذلك، لكن إذا لم يكن عند الإنسان شيء يقابل به، فلا أقل من الثناء والدعاء لمن حصل منه الإحسان إليه
قوله: (فمن أثنى به فقد شكره) ، أي: (من أثنى على من أحسن إليه بهذه النعمة, فقد شكره
قوله : (ومن كتمه فقد كفره) ، أي: (كفر هذه النعمة، ومعلوم أن كون الإنسان يشكو من أعطاه، هذا أمر واضح وليس فيه إشكال، وأما أن يخبر الناس أنه حصل له كذا وكذا، وأنه أعطي من فلان، فهذا إذا كان فيه مصلحة فيمكن له ذلك، وإن لم يكن هناك مصلحة، أو كان ذلك الذي أعطاه لا يريد منه أن يذكر ذلك لأحد، أو أن يعلن ذلك، فإنه يخفيه، ولكنه يشكر ويثني على ذلك الذي أحسن إليه)[44].
قوله (لَأَزِيدَنَّكُمْ) قال ابن جزي (ويحتمل أن تكون الزيادة من خير الدنيا أو من الثواب في الآخرة أو منهما)[45] ، أي يزيدكم من نعمه لتزدادوا شكرا ، قال ابن عطاء الله (من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها)[46]، روي البيهقي مرفوعا (ما أعطى أحد الشكر فمنع الزيادة لأن الله تعالى يقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم) ، فالزيادة من قبيل شدة الابتلاء ، لأن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، فتكون الزيادة بقدر قدرة العبد على الشكر ، كما قال سليمان (فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (النمل40).
فعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً قَالَ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الصَّالِحُونَ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ مِنْ النَّاسِ يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ زِيدَ فِي بَلَائِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ وَمَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ لَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ)[47]
قال سيد قطب (صلاح الحياة يتحقق بالشكر) وبالكفر يحصل فسادها ، والنفوس تزكو بالالتجاء إلى الله ، وتطمئن بالاتصال بالمنعم ، فلا تخشى نفاد النعمة أو ذهابها ، ولا تذهب حسرات علي ما ينفق أو يضيع منها ، لأن المنعم موجود ، والنعمة بشكر الله تزيد)[48] .
وعن الحسن قال بلغني : (أن الله إذا أنعم على قوم سألهم الشكر فإذا شكروه كان قادرا على أن يزيدنهم فإذا كفروا كان قادرا على أن يقلب نعمته عليهم عذابا)[49]
قوله (وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (7) والمقصود به كفر النعمة على وجه الخصوص ، وعدم شكرها ، ويعد من الذنوب التي تستوجب العقاب والعذاب ، قال رسول الله r (وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ)[50]، (فَثَبَتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ ارْتِكَابَ الذَّنْبِ سَبَبٌ لِحِرْمَانِ بعض الرِّزْقِ)[51]، قال تعالى : ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) ، قال الإمام الشافعي رحمه الله :-
إذا كنت في نعمة فارعها **** فإن المعاصي تزيل النعم
وحافظ عليها بتقوى الإله **** فإن الإله شديد النقم.
وكفر النعمة يعني ازدرائها ، وذلك بعدم الاكتراث بها والانشغال بغيرها ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ)[52]، قال المناوي (انظروا إلى من هو أسفل منكم) في أمور الدنيا (ولا تنظروا إلى من هو فوقكم) فيها (فهو أجدر) أي فالنظر إلى من هو أسفل لا إلى من هو فوق ، حقيق (أن لا تزدروا) أي بأن لا تحتقروا (نعمة الله عليكم) فإن المرء إذا نظر إلى من فُضِّل عليه في الدنيا استصغر ما عنده من نعم الله فكان سبباً لمقته وإذا نظر للدون شكر النعمة وتواضع وحمد ، فينبغي للعبد أن لا ينظر إلى تجمل أهل الدنيا فإنه يحرك داعية الرغبة فيها ومصداقه (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا) ولهذا قيل (لا تنظروا إلى أهل الدنيا فإن بريق أموالهم يذهب بحلاوة إيمانكم)[53] .
قوله (وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) (8) انزعج موسى من قومه لما بدلوا نعمة الله كفرا ، فظهر منه هذا التعبير تنفسيا عن غيظه منهم ، فأبان لهم أن استمرارهم في الكفر بالله لن ينقص الله شيئا ، فالله عنده من يسبحونه ويسجدون له ، قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) (الأعراف 206) وهو غني عن ذلك كذلك .
قال رسول الله r (يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ)[54].
قال الرازي (وسواء حُمل على الكفر الذي يقابل الإيمان أو على الكفران الذي يقابل الشكر ، فالمعنى لا يتفاوت ألبتة ، فإنه تعالى غني عن العالمين في كمالاته وفي جميع نعوت كبريائه وجلاله)[55] ، وذكر ابن كثير عن ابن عباس: (الْغَنِيُّ ) الذي قد كمل في غناه، وهو الله، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار ، (الْحَمِيدُ) المستحمد إلى خلقه، أي: هو المحمود في جميع أفعاله وأقواله، لا إله غيره، ولا رب سواه)[56].
[1] ) تفسير الرازي ج3 ص 458
[2] ) تفسير روح البيان ج1 ص 334
[3] ) تعيش العديد من الطفيليات في بيئات مظلمة كلياً داخل أو على جسم العائل (الإنسان أو الحيوان)، مستفيدة من الظلام والرطوبة، ومنها الديدان المعوية كالشريطية Mayo Clinic، والديدان التي تسبب "عمى الأنهار" Frontiers for Young Minds، وطفيليات التوكسوبلازما التي تسيطر على الدماغ The Conversation، بالإضافة إلى بعض الفطريات الطفيلية، والتي تتكيف جميعها للعيش بعيداً عن الضوء.
[4] ) الطفيليات والكائنات الدقيقة التي تعيش في الظلام (مثل بكتيريا الأعماق أو الديدان الطفيلية الداخلية) تعتمد على بيئات خالية من الأشعة فوق البنفسجية. عند خروجها للضوء، وخاصة ضوء الشمس، تتهتك أنسجتها وتصاب بـ أضرار جينية مميتة (DNA) بسبب الإشعاع، مما يؤدي إلى موتها أو فقدانها لقدرتها على التكاثر والإصابة، كما قد يجف جسمها نتيجة التعرض المباشر للضوء والحرارة.
[5] ) رواه الترمذي ج8 ص 93 رقم 2106 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج5 ص 180
[6] ) رواه أحمد ج3 ص 47 رقم 1438 جامع العلوم والحكم محقق ج1 ص 260 قال الدكتور ماهر ياسين فحل رواه أحمد في " مسنده " 1/167 ، وفي سنده عبد الله بن سلمة وحديثه من قبيل الحسن
[7] ) أبو القاسم حسين بن محمد : المفردات في غريب القرآن ج1 ص 553
[8] ) البحر المحيط ج7 ص 146
[9] ) رواه الحاكم في المستدرك ج3 ص 623 رقم 6303 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 528 رقم 5272
[10] ) مشكل الآثار ج3 ص 244 ، الطحاوي : شرح مشكل الآثار ج5 ص 339 قال الألباني : ضعيف : الجامع الصغير ص 624
[11] ) المسعودي : مروج الذهب ج1 ص 95
[12] ) رواه الترمذي ج9 ص 52 رقم 2436
[13] ) رواه أبو داود ج5 ص 18 رقم 1447 وصححه الألباني : صحيح أبو داود ج5 ص 380
[14] ) التسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 821
[15] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج9 ص 179
[16] ) علي بن نايف الشحود : الحضارة الإسلامية ج3 ص 41
[17] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج4 ص 125 رقم 4528
[18] ) مدارك السالكين ج2 ص 246
[19] ) قَالَه عَفَّانُ
[20] ) رواه أحمد 21/27/9983 وهناك رواية مطولة في مسلم ج14 ص 219 رقم 5270 شبيهة برواية أحمد
[21] ) "شرح مسلم" ١٨/١٠٣
[22] ) مدارج السالكين (2/ 244)
[23] ) فيض القدير ج3 ص 368
[24] ) رواه مسلم ج1 ص 216 رقم 107
[25] ) ابن بطال : شرح صحيح البخاري ج3 ص 28
[26] ) رواه البخاري ج3 ص 351 رقم 801
[27] ) الديباج على مسلم ج1 ص 89
[28] ) شرح سنن أبي داود ج20 ص 250
[29] ) رواه أحمد ج30 ص 390 رقم 18449 ، حقيقة الإيمان عند الشيخ الألباني : ج1 ص 28 ، الأحاديث الصحيحة، رقم667.
[30] ) رواه ابن ماجة ج4 ص 308 رقم 1384 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 233 رقم 1143
[31] ) رواه ابن ماجة ج10 ص 7 رقم 3276 وصححه الألباني ج2 ص 228 رقم 2656
[32] ) يعني انتفخت قليلا من ضغط الدم حال الوقوف طويلا ، وليس المعنى بالتورم حصول المرض ، فليس هذا مقصود العبادة .
[33] ) رواه البخاري ج15 ص 65 رقم 4459
[34] ) كتاب الشكر لأبن أبي الدنيا
[35] ) رواه النسائي ج5 ص 88 رقم 1287 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج3 ص 448 رقم 1304
[36] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 239 رقم 690 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد 1/254
[37] ) عبد الرحمن فلاح : أخبار الخليج : العدد 16355 البحرين
[38] ) رواه مسلم ج12 ص 440 رقم 4661
[39] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص85 رقم 218
[40] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج1 ص 933
[41] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 1200
[42] ) رواه أبو داود ج12 ص 438 رقم 4179 السلسلة الصحيحة ج2 ص 181 رقم 617
[43] ) التيسيربشرح الجامع الصغير ج2 ص 778
[44] ) شرح سنن أبي داود ج27 ص 462
[45] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 780
[46] ) ابن عاشور : التحرير والتنوير ج29 ص 284
[47] ) رواه أحمد ج3 ص 410 رقم 1400 قال الألباني صحيح : انظر كتاب الإيمان لابن تيمية تعليق الألباني ص 62
[48] ) في ظلال القرآن ج4 ص 391
[49] ) ابن أبي الدنيا : الشكر ص 24 رقم 60
[50] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 28 رقم 4012 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 371 رقم 3248
[51] )شهاب الدين الهيتمي : تحفة المحتاج في شرح المنهاج ج3 ص 36
[52] ) رواه مسلم ج14 ص213 رقم 5264
[53] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 773
[54] ) رواه مسلم ج12 ص 455 رقم 4674
[55] ) تفسير الرازي ج9 ص 214
[56] ) تفسير ابن كثير ج8 ص 88
-
الاحد AM 11:44
2026-03-01 - 50



