المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1888703
يتصفح الموقع حاليا : 454

البحث

البحث

عرض المادة

حكم التقية بين أهل السُّنَّة والشيعة

إن التقية بمعناها وهو كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه وترك إظهاره للمخالفين إذا كان ذلك يعود بالضرر في الدين والدنيا؛ هو أمر متفق عليه بين أهل السُّنَّة والشيعة، لكن محل النزاع بينهما في ملابستها، فعلماء الأزهر يصرحون أن أهل السُّنَّة يجيزونها فقط في الرخص وفي حالة الضرورة.

وهذا ما يصرح به الإمام ابن حجر ناقلا عن ابن المنذر[1] إجماع الأمة على ذلك : « قال ابن المنذر : وأجمعوا على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل فكفر وقلبه مطمئن بالإيمان أنه لا يحكم عليه بالكفر»[2].

بل يذهب الأستاذ السواح : إلى ما هو أبعد من ذلك؛ أن التقية كانت مشروعة فقط في بداية الإسلام وقد كان ضعيفًا، أما وقد أعز الله الإسلام وأهله فلا تقية، بينما هي عند الشيعة الاثني عشرية لا ترتبط بالتمكين، وإنما ترتبط بخروج القائم[3]، وهذه حقيقة عندهم.

من خلال ما سبق، يتضح مما قاله علماء الأزهر : أن أهل السُّنَّة ينظرون إلى التقية على أنها حالة استثنائية وصورة طارئة يلجأ إليها الشخص عند الخوف على النفس أو العرض أو المال، وتباح بقدرها ولا تتعداها إلى غيرها، وعلى هذا إجماعهم.

لكن التقية عند الشيعة هي واجبة، بل هي أصل من أصول الدين عندهم.

فهي عندهم كما يقول الدكتور عبد المنعم النمر : « أن التقية صارت من الواجبات الدينية كالصلاة... يستعملونها حين تكون أمامهم ضرورة وحين لا تكون ضرورة... »[4].

وهذا ما صرّح به أيضاً فضيلة الشيخ عطية صقر :حيث قال : « إن من أهم أصولهم (التقية)؛ وهي إظهار خلاف العقيدة الباطنة »[5].

وأكدّ الدكتور محمد حسين الذهبي على : أن التقية معناها المداراة والمصانعة، وهي مبدأ أساسي عند الإمامية الاثني عشرية، وجزء من الدين يكتمونه عن الناس، فهي نظام سري يسيرون على تعاليمه، فيدعون في الخفاء لإمامهم المختفي، ويظهرون الطاعة لمن بيده الأمر[6].

وينقل الدكتور مصطفي الشكعة تأكيد آية الله الخميني كبير علماء الشيعة وإمامهم في هذا العصر أن التقية جزء من العقيدة غير منفصلة عنها، فيقول : إن كل من له أقل قدر من التعقل يدرك أن حكم التقية من أحكام الإله المؤكدة، فقد جاء : « أن من لا تقية له لا دين له »[7].

ويستشهد الدكتور أحمد سيد أحمد علي بأقوال علمائهم وروايات الأئمة في ذلك، قال ابن بابويه : « اعتقادنا في التقية أنها واجبة، من تركها بمنزلة من ترك الصلاة »[8].

وعن الصادق : « لو قلت :إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقًا »[9].

وعنه أيضاً : « إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له »[10] والمطالع لهذه الروايات السابقة يفهم منها أن التقية واجبة، ولا يجوز تركها ومخالفتها إلى غيرها »[11].

ثانياً : التقية بين الرخصة والعزيمة :

كشف علماء الأزهر عن أن أهل السُّنَّة ينظرون إلى التقية على أنها رخصة، وأن الأفضل لمن دعته الظروف إليها ألا يتعلق بها، وأن يثبت على العزيمة ويصبر على الأذى؛ حتى ولو أدى به إلى الموت، فهذا خير له عند الله.

قال الامام ابن حجر : « أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة »[12].

ويستدل الدكتور عبد الغني الغريب طه[13] :على ما قاله ابن حجر بما روى خباب بن الأرت : قال شكونا إلى رسول الله ﷺ، وهو متوسّد بردة له في ظل الكعبة؛ فقلت ألا تستنصر لنا، ألا تدع لنا : فقال : « كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمِنشار، فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمّن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون »[14]، فوصفه ﷺهذا عن الأمم السالفة على جهة المدح لهم والصبر على المكروه في ذات الله، وأنهم لم يكفروا في الظاهر وتبطنوا بالإيمان ليدفعوا العذاب عن أنفسهم[15].

ويستشهد فضيلته بأمثلة على ذلك أهمها :

۞ أن بلالاً صبر على ذلك العذاب وكان يقول أحدٌ أحدٌ ولم يقل رسول الله ﷺ :بئس ما صنعت؛ بل عظّمه عليه، فدل ذلك على أنه لا يجب التكلم بكلمة الكفر.

۞ أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين؛ فترك الذي استجاب له وقتل الذي لم يستجب له، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال : أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئًا له[16].

۞ ويزيد الدكتور العسّال : في أن قول الله تعالى : ﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل : 106]، والتي نزلت في عمار بن ياسر حين أعطى التقية؛ أن خبيب بن عدي لما أسره المشركون بمكة وطالبوه بإظهار كلمة الكفر أو العرض على القتل؛ فلزم الحنيفية ولم يعط التقية حتى قُتل على ذلك، وكان عند المسلمين أفضل من عمار بن ياسر حين أعطىالتقية، بل كان أبوه ياسر وأمه سميّة أفضل منه حيث ماتا تحت شدة العذاب ولم ينطقا بكلمة الكفر فكانا أول شهيدين في الإسلام[17].

۞ أماعند الشيعة :فيقول الدكتور أحمد سيد أحمد علي : « يرى جمهور علماء الاثني عشرية أنه لو أُكره شخص على التلفظ بالكفر أو على فعل شئ ينال به من الإسلام أو نبيه، وخيّر بين أن يلجأ إلى التقية أو يثبت على العزيمة، فإنه يتحتم عليه اللجوء إلى التقية والركون إليها...، وإن لم يفعل ذلك فهو مخطئ وجاهل بأحكام الدين »[18].

وهذا مبني على حكمهم السابق على التقية بالوجوب، ودلت الروايات السابقة على ذلك.

ثالثاً : حكم استعمال التقية مع المسلم :

التقية عند أهل السُّنَّةلا تستعمل إلا مع الكفار الظاهرين بالعداوة عند توفر أسبابها، ولكن بعض من علماءالأزهريُجوِّزون وقوع التقية بين المسلمين بعضهم البعض[19]، مثل الدكتور أحمد سيد أحمد علي : « وخاصة إذا استحكم العداء بينهم وتقاتلوا على الدنيا وما تحويه من مال ومتاع وإمارة »[20].

مما سبق، يتضح من علماء الأزهر أن التقية عند أهل السُّنَّة :ـ غالبًا ما تستعمل مع غير أهل القبلة من غير المسلمين، ويجوز في بعض الأحيان استعمالها مع المسلمين.

أما عند الشيعة : فأجمع علماؤهم على جواز التقية مع المسلمين.

وهذا لا معنى له إلا النفاق؛ وقد ذم الله النفاق والمنافقين في كتابه، وبين الرسول ﷺأن من أكبر الخيانة كذب الإنسان على أخيه الذي يصدقه وهو يظن أنه صادق وهو في الحقيقة يكذبه وينافقه[21].

وبعد :فقد ظهرمن خلال ردود علماء الأزهرالسابقة : أن ما ذكره جواد مغنية من أن موقف الشيعة من التقيّة لا يختلف البتة عن موقف أهل السُّنَّة منها هو كلام غير صحيح، لأنه اتضح أن هناك تفاوتًا واختلافًا بينهما في موقفهما من التقية؛ سواء من حيث الحكم أو التفاضل بين الرخصة والعزيمة، أو جواز استعمالها مع المسلمين.

فحكمها عند أهل السُّنَّة أنها فقط رخصة عند الضرورة، وتخالف الشيعة بالقول بالوجوب.

أما المفاضلة بين الرخصة والعزيمة؛ فعند أهل السُّنَّة أن الأفضل لمن دعته الظروف إليها ألا يتعلق بها، وأن يثبت على العزيمة ويصبر على الأذى حتى ولو أدى به إلى الموت، فهذا خير له عند الله.

وأخيراً فقد ظهر أنها :عند أهل السُّنَّة غالباً ما تستعمل مع غير أهل القبلة من غير المسلمين، ويجوز في بعض الأحيان استعمالها مع المسلمين، أما عند الشيعة :فأجمع علماؤهم على جواز التقية مع المسلمين.

 

[1] ابن المنذر : الحافظ العلامة أبوبكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، شيخ الحرم، كان غاية في معرفة الاختلاف والدليل، ومجتهداً لا يقلد أحداً، مات بمكة سنة 318هـ، انظر : طبقات الحفاظ للسيوطي(ص330، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405هـ).

[2] ابن حجر : فتح الباري(ج12/ ص 314).

[3] طه السواح : التيار الشيعي الإمامي (ص143، 144).

[4] عبد المنعم النمر : الشيعة، المهدي، الدروز.. تاريخ ووثائق (ص108).

[5] انظر : بيان للناس من الأزهر الشريف(ص14).

[6] التفسير والمفسرون للذهبي(ج2/ ص9، مكتبة وهبة، ط3).

[7] مصطفي الشكعة : إسلام بلا مذاهب (ص197)، وانظر آية الله الخميني :كشف الأسرار (ص148).

[8] الصدوق :الاعتقادات (ص114).

[9] أصول الكافي(ج2/ ص219)، وانظر : الحر العاملي : وسائل الشيعة (ج7/ ص94).

 

[10] أصول الكافي(ج2/ ص217)، الحر العاملي : وسائل الشيعة (ج11/ ص460)، المجلسي : بحار الأنوار(ج75/ ص423).

[11] أحمد سيد أحمد علي : التقريب بين أهل السُّنَّة والشيعة ما له وما عليه (ص325).

[12] ابن حجر : فتح الباري (ج12/ ص317).

[13] الدكتور عبد الغني الغريب طه بقسم العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين والدعوة بالزقازيق.

[14] صحيح البخاري : كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام).

[15] عبد الغني الغريب طه : التقية بين الشيعة وأهل السُّنَّة (ص22، ط1، بدون دار نشر، 1432هـ = 2011م).

[16] المرجع السابق(ص25، 26).

[17] محمدالعسال : الشيعة ومنهجهم في تفسير القرآن (ص572).

[18] أحمد سيد أحمد علي : التقريب بين أهل السُّنَّة والشيعة ما له وما عليه (ص330).

[19] يقول الرازي عند تفسيره لقول الله تعالى (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) [آل عمران :28] : « ظاهر الآية يدل أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين، إلا أن مذهب الشافعي « أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلت التقية محاماة على النفس « انظر :الرازي :مفاتيح الغيب(ج8/ ص12).

[20] أحمد سيد أحمد علي : التقريب بين أهل السُّنَّة والشيعة ما له وما عليه (ص332).

[21] الحديث في سنن أبي داود : كتاب الأدب في المعاريض(ج2/ ص590، دار إحياء الكتب العربية، 371هـ).

 

  • الاحد PM 02:59
    2025-04-06
  • 518
Powered by: GateGold