المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1904393
يتصفح الموقع حاليا : 249

البحث

البحث

عرض المادة

غلو أهل الكتاب في طلب المعجزات تكلل بتنطع الحواريين

د/ احمد نصير

غلو أهل الكتاب في طلب المعجزات تكلل بتنطع الحواريين

 

 قال تعالى (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115) قال تعالى (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (120)

 

ففي قوله (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (109) نفي النبي لعلمه بمن أجابه يستظهر نيته وغايته من الدعوة ، بأنه يقف عند حد البلاغ ولا يبالي بأعداد من معه أكثير أم قليل ، فليس عليه عبء أن يحصي أعداد تابعيه ، فغايته أن يتم البلاغ للكافة ، ولا شأن له بنتيجة ذلك ، ولذلك كان الرسول يختم قوله r (اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ) [1]، وفي رواية كان يكررها ثلاثا ، وكان يقول بعدها (قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ)[2]، وكان يقول (هَلْ بَلَّغْتُ بَصْرَ عَيْنِي وَسَمْعَ أُذُنِي)[3] ، أي أنه كان يُشهد عينيه وأذنيه بأنه أتم البلاغ .

 

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r يُجَاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ يَا رَبِّ فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ فَيَقُولُ مَنْ شُهُودُكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ r (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) قَالَ عَدْلًا (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [4] .

 

وبذلك نفهم أن النبي ليس بمسيطر على الناس ، وسواء أتباعوه أو لم يتبعوه ، فعن النبي r  قَالَ (عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمْ الرَّهْطُ وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ قُلْتُ مَا هَذَا أُمَّتِي هَذِهِ قِيلَ بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ قِيلَ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلَأُ الْأُفُقَ ثُمَّ قِيلَ لِي انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَأَ الْأُفُقَ قِيلَ هَذِهِ أُمَّتُكَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ)[5]، وفي رواية فَجَعَلَ النَّبِيُّ يَمُرُّ وَمَعَهُ الثَّلَاثَةُ مِنْ أُمَّتِهِ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الْعِصَابَةُ مِنْ أُمَّتِهِ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ النَّفَرُ مِنْ أُمَّتِهِ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ مِنْ أُمَّتِهِ وَالنَّبِيُّ مَا مَعَهُ أَحَدٌ) [6].

 

 فالأنبياء والدعاة الصادقون لا ينظرون إلى أعداد من تبعهم ، وإنما ينظرون إلى قدر جهدهم في البلاغ ، ويأملون ألا يكونوا مقصرين في ذلك ، فإنما هم مؤذنون والله تعالى الذي يختار من عباده من يلبون ، قال تعالى(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (الحج/27).

 

وفي قوله (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ ..) استشهاد بنبوة عيسى ابن مريم وقد كان بينه وبين نبوة موسى عليه السلام زمن ، وبينهما رسل تترا لم يسلموا من أذى بني إسرائيل ، وقد شاءت إرادة الله تعالى أن يقيم الحجة على البشر بإرساله عيسى بن مريم رسولا ، بعدما ظهر من بني إسرائيل العتو والتكذيب لأنبيائهم وقتلهم طغيانا وكفرا ، فلا يكاد أن سلم منهم أحد ، فكان في إرسال عيسى بن مريم وتأييده بالمعجزات منذ ولادته الغاية في إعجاز البشر أن يمسوه بسوء ، وإتيان الحجة القاطعة على نبوته.. وسوف تتكرر هذه المعجزة ، عندما ينزل في آخر الزمان مصدقا لنبوة محمد r ومتبعا له .

 

قوله (إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ..) كانت الحاجة ملحة لتأييد عيسى بن مريم بمعجزات مادية حتى يقيم الحجة على قتلة الأنبياء ، فاستشهد الله بتلك المعجزات التي أيد الله بها عيسى بن مريم دليلا على نبوته ، حيث كانت من الظهور والبيان ما ينأى عن أن يكذب بها أحد ، إذ هي معجزات ملموسة ومحسوسة بالحواس مجتمعة ، أي بالسمع عندما سمعه الناس وهو يتكلم في المهد ، ما يحمل بني إسرائيل على عدم مساسه وهو في المهد ، فلا يقربونه وقد تكلم .

 

قوله (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ..) هذا فاصل بين معجزتين ، أي بين المعجزة التي أثرت في أسماعهم عند سماعه يتكلم في المهد  ، ومعجزة رؤيته وهو يخلق من الطين كهيئة الطير ، يتخللها فترة الرضاعة والطفولة والشباب يتعلم خلالها ويكبر ، وهم يرونه يعيش بينهم حياة البشر ، ويتعلم شيئا فشيئا ، أي إنه إبَّان هذه الفترة ظل يتعلم الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ، وهكذا لابد لكل رسول من تربية على كتاب الله ، فأدبه الله وأحسن تأديبه ، فالأنبياء هو صنعة الله ، فالتعليم هنا بمعنى الوحي ، فالله لم يتركهم لتعليم البشر ، بل إنه سبحانه علمهم بأن أوحى إليهم كلماته ، وقد بين سبحانه أنه أوحى لعبده عيسى عليه السلام أربعة أمور :-

"الكتاب" : قيل أن المقصود به ألواح إبراهيم وزبور داود ، وما أوحي لعباده الأنبياء من قبله .

"الحكمة" : قيل المقصود بها الفهم العميق لمقاصد الدين .

"التوراة" : وهي ما أنزل على موسى ، وفيها أحكام تكليفية تفصيلية نزلت على بني إسرائيل كان فيها تشديد عليهم بما يتناسب مع جبلتهم القاسية  .

"الإنجيل" : وهو ما اختصت به أمته ليحل لهم بعض ما حرم عليهم .

 

فإذا تعلم عيسى علوم ما قبله من الأنبياء ، ومقاصد الشريعة والدين ، وعلوم الدين التي تناسب قومه وعصره  كان علمه هذا معجزة معنوية ، وقد صار أعلمهم بما عند الله ، فكان حري بهم أن يتبعوه ، لكن اليهود كانوا على النقيض من ذلك تماما حيث حاولوا قتله .

 

يقول الشعراوي (ونلحظ أن هذه الآيات والنعم تنقسم إلى قسمين :-

والقسم الأول : يقنع أصحاب العقول والألباب والفكر والمواجيد النفسية ، فالذي يقنع أصحاب العقول والألباب هو تعليم الكتاب والحكمة والتوارة والإنجيل .

والقسم الثاني : يقنع القوم الماديين الذين لا يؤمنون بملكوت الله في غيب الله ، فالذي يقنع الماديين هو الأمور المادية الحسية التي يتعرف من يراها على أنها لا يمكن أن تجري على يد بشر ، كأن يخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيراً ، وإحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص)[7] .

 

قوله ( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي) هذه معجز بصرية أي تشهد عليها أبصار الناس عند رؤيتهم وهو يخلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله ، فيصير طيرا بإذن الله ، وتلك هي القدرة المطلقة للإله ، لأن الذي يستطيع أن يفعل شيئا لا يستطيع أن يجعل غيره يفعل مثله ذات الشيء ، فهذا يخرج عن حدود القدرة المطلقة ، مثل الذي يرسم لوحة فنية رائعة ، فإنه لا يمكنه أن يجعل غيره يرسم مثل هذه اللوحة فتكون مطابقة مثلها تماما ، ولكن الله بقدرته المطلقة جعل عيسى ابن مريم يخلق كهيئة الطير ، فيصير بعد ذلك طيرا بإذن الله بعدما ينفخ فيها ، فسبحان الذي له القدرة المطلقة .

 

وبيَّن الشيخ الشعراوي الإعجاز اللغوي والموضوعي في حكاية القرآن لهذه المعجزة بما يحول دون سوء فهمها فقال (جاءت دقة الأداء القرآني لتمنع أي تصور لتدخل من ذات عيسى فيما أجراه الله على يديه ، وذلك منعاً للفتنة ، فقال الحق (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير) إذن فعيسى لا يخلق الطير ، ولكن يصنع من الطين مثل "هيئة الطير" ، فالحق وحده هو الذي يخلق "الطير" ؛ فلأنه الإله فهو الذي يخلق خلقاً عاماً ، أما البشر فبإمكانهم أن يخلقوا أشياء ويشكلوها كمثل المخلوقات ، لكنها ليست مخلوقات.. إذن فعيسى صَنَع من الطين مثل هيئة الطير ، وكان ذلك "بإذن من الله" ، ونفخ فيه فكان طيرا بإذن الله ، والفارق بين قدرة الحادث وهو العبد ، وقدرة الباقي القدير وهو الرب أن الحق سبحانه وتعالى حينما يقدر أمرًا فهو يستطيعه بطلاقة قدرته أن يُقْدِر بعضًا من خلقه على أن يفعل الشيء ، لكن العبد لا يستطيع أن يُقْدر عبدًا آخر أن يصنع شيئاً مثل الذي يصنعه)[8] .

 

قوله (..وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ..) ذكر الشيخ الشعراوي سبب اختيار هذه المعجزات خصوصا لتأييد عيسى بن مريم ، فقال (كلمة رسول تحتاج إلى علامة ، فليس لأي أحد أن يقول : « أنا رسول من عند الله » دون أن يأتي بالدليل والبرهان من الله ، أي  يأتي بآية وعلامة تؤكد زعمه ، والأية هي الأمر العجيب الذي خرج عن القوانين والنواميس لتثبت صدق الرسول في البلاغ ،.. (وهكذا تلزم المعجزة المنكر وتفحمه) ، لأنه لا يستطيع أن يأتي بمثلها ، (فمن لوازم الإعجاز أن محله الشيء ذاته الذي هم أنفسهم نبغوا فيه)[9] ، .... وقوم عيسى كانوا مشهورين بالحكمة والطب ، فجاءت الآيات من جنس ذلك )[10] .

 

قوله (وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي) وهذه الآية من أكثر الآيات إشكالا على الناس ، ولكن الشيخ الشعراوي فسرها بيسر فقال (ثم تتسامى المعجزة ، لأن الذي يطبب جسما ويداويه لا يستطيع أن يعيد الميت إلى الحياة ، لأن الإنسان إذا ما مات فقد خرج الميت عن دائرة علاج الطبيب ، ولذلك رقّى الله آية عيسى ، إنه يشفي المرضى ، ويحيى الموتى أيضا ، وهذا ترق في الإعجاز)[11] .

أي ما كان لعيسى بن مريم أن يعجز الأطباء في زمانه لمجرد أنه يشف الأكمه والأبرص بإذن الله ، لأن ذلك ليس بمحال على البشر ، فقد يكون معجزا في زمان لكن حين يخترعوا لذلك دواء يصير غير معجز ، فأراد الله تعالى أن يعجزهم بآية يعجز الأطباء جميعا عن فعلها وهي إحياء الموتى  ، وهي من جنس ما برعوا فيه ورغم أنهم برعوا فيه عجزوا عنه ، فتكون تلك المعجزة هم أنفسهم الشاهدين عليها .

 

لكن يزداد الإشكال إشكالا عند معرفة أن في "صحيح مسلم" ورد حديث أنّ أنفاس عيسى تكون قادرة على قتل الكفار عندما يقومون بشمّها، فعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، قَالَ: " ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ r الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ... فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ) [12]، أي أنه كان سببا لإحياء الموتى في زمانه ، ثم سيكون سببا لإماتة الكفار وقتل الدجال آخر الزمان ، ودلالة ذلك أنه ينزل آخر الزمان لنصرة أمة محمد r وشريعتها ، ويهلك الكفار علي يديه بإذن الله .

 

لكن الشيطان الرجيم قلب هذه المعجزات لتكون وبالا على الناس بدلا من أن تكون فتحا لهم ، فجعلهم يؤمنون بأن هذه المعجزات ليست من الله تعالى على يد نبيه لتأييده بها ، فأوهمهم أن ذات الإله تجسدت في المسيح بن مريم ، فأحيا الموتى ، وطائفة أخرى زعموا أنه بهذه المعجزات ابن الإله ، لاسيما وأنه وُلد بغير أب ، وهكذا تشعبت معتقداتهم في ألوهية عيسى بن مريم ، لكن الله سبحانه استدرك عليهم هذا الفهم الخاطئ فكرر ذكر لفظ (بإذن الله) بعد كل معجزة سردها في كتابه ، ليعلم الناس أنه ما كان لعيسى بن مريم أن يفعل شيئا من ذلك إلا بإذن الله .

 

قال الشعراوي (وهذه الآيات خرق للناموس المادي – أي قوانين الطبيعة -  ، ولذلك يتبع الحق كل واحدة منها بذكر كلمة "بِإِذْنِي" أي "بإذن لله" بمعنى أن هذه المعجزات لم تكن لتحدث لو لم يأذن بها الله ، .. حتى يكون الأمر واضحاً أمام كل إنسان ممن يحبون عيسى ويرتفعون به إلى مقام أعلى من مقام النبوة ، وحتى لا يخدع قوم عيسى في هذه الآيات ويظنوها مزية مطلقة له ، ولكنها مجرد آيات معجزات لإثبات صدق الرسالة عن الله)[13].

 

قوله (وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ..) أي كففتهم عن قتلك ، فعصمه الله منهم ، لأنهم حسدوه وهكذا كان شأنهم مع كل الأنبياء ، فهم قتلتهم كما ذكر القرآن ، ولكن الله كفاه شرهم لما عزموا أن ينقلبوا عليه ورفعه إليه ، قال ابن كثير (وسعوا في قتلك وصلبك، فنجيتك منهم، ورفعتك إليَّ، وطهرتك من دنسهم، وكفيتك شرهم ، وهذا يدل على أن هذا الامتنان كان من الله إليه بعد رفعه إلى السماء الدنيا أو يكون هذا الامتنان واقعًا يوم القيامة، وعبر عنه بصيغة الماضي دلالة على وقوعه لا محال)[14].

 

والعجيب أن محاولة قتله جاءت بعدما جاءهم بالبينات والآيات الواضحات ، ما يعني الغرض من محاولة قتله هو طمس آيات الله وأنى لأحد أن يقدر على طمس آيات الله ، وهكذا كلما حاول اليهود طمس معالم هذا الدين ازدادت وضوحا ، وكلما حاولوا قتل الأنبياء وأتباع الأنبياء والذين يأمرون بالقسط من الناس كلما زاد أتباع الأنبياء وزاد الأمر بالقسط بين الناس ، وهكذا كلما حاولوا إطفاء نور الله يتم الله نوره ولو كرهوا  .

 

وفي قوله (فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) (110) استظهار لرد فعل اليهود ومن تبعهم إزاء هذه المعجزات إذ قابلوها بالتكذيب ، والافتراء على النبي بأنه ساحر ، لتبدو الإشكالية إذن بأنها لا تكمن في تصديق النبي أو عدم تصديقه ، فهذه المعجزات كافية لأن يصير المكذب به مصدقا له ، لكن لما يُزين التكذيب بالافتراء عليه بفرية أنه ساحر بعد رؤية المعجزات والإيمان بها ، دل ذلك على عنادهم وغطرستهم ، فالكبر هو (بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)[15].

 

قال الشعراوي مفصحا عن سبب ذلك (قد كانوا يعرفون أن مجرد النطق بـ « لا إله إلا الله محمد رسول الله » يعني فقدانهم لسلطان إرهاب الناس والقبائل ، ولو كانت المسألة مجرد كلمة تقال ، ويبقى الأمر على ما كان عليه لقالوها ، ولكنها كانت كلمة تغير من الأمر سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ، ولا يبقى من جبروت لأحد ، فكل الناس سواسية ، لذلك تصدى صناديد قريش لدعوة الإسلام ، وهكذا نجد أن كل رسول يأتي يبرز له من يعاديه من أصحاب الفساد والجبابرة في الأرض .... والكافرون بعيسى عليه السلام عندما رأوا قوة الآيات التي جاء بها عيسى عليه السلام . قالوا (إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ) وهذا يعني أن معجزات عيسى عليه السلام قد أغضبتهم وأحنقتهم وملأت مشاعرهم بالخيبة ، إنه قول من قوم يكرهون منهج الحق )[16].

 

وفي قوله (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) (111) بيان لحال قوم مؤمنين ،  فحالهم إزاء نبوة عيسى بن مريم بخلاف اليهود الذين حاولوا قتله ، بل هم متبعوه , وأشد مؤيدوه ، بل هم خاصته وناصروه ، وهم الذين مدحهم الله في القرآن في أكثر من موضع ، فقال سبحانه (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران 52) ، وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ)(الصف 14)  فلم يكونوا من الفريق المكذب بتلك الآيات ولا ذلك الفريق المغالي فيها ، وإنما هم أنصاره  .

 

قال ابن عطية (لا خلاف أحفظه في أنهم كانوا مؤمنين وأيد ذلك بقوله تعالى : (فمن يكفر بعد منكم) وبأن وصفهم بالحواريين ينافي أن يكونوا على الباطل وبأن الله تعالى أمر المؤمنين بالتشبه بهم والاقتداء بسنتهم في قوله عز من قائل (كونوا أنصار الله) الآية وبأن رسول الله r مدح الزبير فقال (إن لكل نبي حواريا وإن حواري الزبير)[17]

 

وفي قوله (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ.. ) (112) استظهار لنقطة ضعف هؤلاء المؤمنين ، أنهم إن سلموا من الغلو فلم يسلموا من التنطع ، وذلك لأن قلوبهم لم تخلص بعد لطلب الآخرة ، طلبوا المزيد من المعجزات رغم كثرة ما شاهدوه وعاينوه ، لكنهم سألوا معجزة جديدة ، ليست مما أيد الله نبيه بها ، بل هي من اختراعهم ،لم يطلع عليها أحد ولم يعرفها أحد من قبلهم ، طلبوا أن ينزل الله عليهم مائدة من السماء يأكلوا منها ، وبرروا طلبهم بأنهم حين يأكلوا منها فيتذوقوا الطعام يكونون شهداء على قومهم ، فيشهدوا بحاسة التذوق كما شهدوا بحاسة السمع والبصر ، فتجتمع حواسهم جميعا على الشهادة أنه الحق ، وكأنهم يريدون أن يرتقوا من مرتبة عين اليقين بالمشاهدة إلى مرتبة حق اليقين بالمعاينة واللمس والتذوق ، قال الثعالبي (والمعنى : هلْ يفعلُ ربُّك هذا ، وهلْ تَقَعُ منه إجابةٌ إليه ، ولم يكُنْ منهم هذا شَكًّا في قدرة اللَّه سبحَانَهُ؛ إذ هم أعرفُ باللَّه مِنْ أنْ يشكُّوا في قُدْرته)[18].

 

لكن طريقة عرضهم ، بقولهم (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ..) تكشف عن تمنيهم على الله وطمعهم فيما عنده من رزق الدنيا ، والألحاح على نبيهم أن يدعو الله لهم بخير الدنيا ، والمعنى كما قال السدي (قالوا: هل يطيعك ربُّك، إن سألته؟)[19]، قال الشعراوي (وكأن معنى سؤالهم : أيستجيب الله وينزل علينا مائدة من السماء؟)[20] ، فأنى لهم من سؤالهم نبيهم طلب الآخرة؟  وقيل قال الحواريون هذه المقالة في صدر الأمر قبل علمهم بأنه يبرىء الأكمه والأبرص ويحيى الموتى[21]، والله أعلم

 

وفي قوله (قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (112) أنكر عليهم نبيهم عيسى بن مريم طلبهم هذا ، فما كان لمؤمن أن يقترح على الله ، أو أن يكون همه شيء من الدنيا ، وإنما ينبغي أن يتجرد للآخرة ، كما قال النبي r (مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ)[22] ، ولكنهم لا يزالون يحملون هم الدنيا ، فاستحقوا الإنكار من نبيهم عليهم .

 

وفي قوله (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) (113) هو تعليل لطلبهم لكنه غير مبرر بشيء ، بل هو تأكيد على تنطعهم ، فماذا تعدل الآية التي يطلبون إزاء الآيات التي سمعوها بآذانهم ورأوها بأبصارهم ، فهم شاهدون عليها ، فعلام يطلبون مزيدا من الآيات ليكون شهداء عليها مرة أخرى .

بل إن طلبهم أن يأكلوا منها ، بحجة أنهم إذا تذوقوا الطعام اعترفوا بنعمة الله عليهم وقد استشعروا فضله العظيم ، فإنهم سوف يشهدون بالحق بعد أن تطمئن قلوبهم لما أيقنوا بحق التجربة والتذوق ، فإنه ليس بلازم لأن يكون يصلوا لهذه المرتبة بذلك الطريق المعوج وغير المستقيم ، بل إنه ليؤكد أن الدنيا هي مطلبهم الأساسي من وراء مطلبهم المقترح .

 

 وأما حجتهم أن تطمئن قلوبهم بها ، يحيلنا إلى التساؤل لماذا إذن لم تطمئن قلوبهم بما سبق من معجزات هم بأنفسهم عليها شاهدين ؟ وهل سوف تطمئن بعدما يجيبهم لها ؟ الحقيقة أنهم وبما أن الله تعالى أثبت لهم الإيمان لهم من ذلك مأرب آخر غير أن تطمئن قلوبهم ، حيث طمعوا فيما عند الله من رزق ، لذلك كان نوع الآية المقترحة "المائدة" ، فهم يعلمون أن الله لو أنزل عليهم مائدة تطعمهم لكفتهم الدنيا كلها ، وقد فهم نبي الله مأربهم فطلب من الله مائدة تكون لهم عيدا لأولهم وآخرهم ، وليتهم بعد أن تذوقوا طعم الإيمان اكتفوا به ، ولكنهم وقعوا في التنطع في الدين فسألوا رسولهم ما لا يبنغي أن يسألوه ، فالتكلف في طلب المعجزات المادية ، وكذا التكلف في طلب الدنيا ، والاستزادة منها ضرب من الغلو والتنطع ، وهو تكلف مذموم .

وفي قوله (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ) (114) يدل على أن عيسى بن مريم فهم الغرض من طلبهم ، بأن الدنيا لا تزال عالقة بأذهانهم قابعة في قلوبهم ، فهم يطلبون آية تعزز لهم مكانتهم فيها ، وتزيدهم رزقا من عند الله ، أي طمعا في الدنيا ، وتناسوا أنها دار ابتلاء وليست دار جزاء  .

 

ولكنه كنبي مرسل سأل الله لقومه أن يخفف عنهم الابتلاء بأن يجيبهم لطلبهم ، ويرزقهم من عنده ، ولكن الله تعالى يبتلي عباده بالشر والخير فتنة ، ولا يبتليهم بالشر وحده ولا بالخير وحده ، هكذا يكون ابتلاء الله لعباده (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (35) ، فإذا ما اختبرهم بالخير ، فعليهم أن يستعدوا لاختبار الله اللاحق لهم بالشر ، وهكذا يكون المؤمن أمره كله خير كما قال النبي r (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)[23] ، وهكذا يكون الاخشوشان في العيش لأن النعمة لا تدوم أبدا.

 

وفي قوله (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ)(115) تهديد من الله تعالى لمن يكفر منهم بعد تحقيق طلبهم وما اقترحوه من معجزة مفصلة من اختراعهم ، فرغم أنهم كانوا على الإيمان إلا أن تنطعهم في الدين كاد أن يهلكهم ، كما أهلك من كفر من قبلهم بتلك المعجزات ، لأن التكذيب بعد الإتيان بالمعجزة التي هي بحسب الطلب غاية في الحجود والنكران ، ولذلك قال تعالى (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ) (102) ، فتبع ذلك تهديد من الله لمن طلب معجزة إضافية وتفصيلية على نحو ما سلف وبحسب هواه ورغبته ولم يكفه الإتيان بالمعجزات الخارقات سواء المادية أو المعنوية على التفصيل السابق الإشارة إليه  .

 

وما سبق أن طلبه الحواريون قد وقع فيه بعض من مشركي مكة لما طلبوا من النبي r أن يشق لهم القمر ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ r أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمْ الْقَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتَّى رَأَوْا حِرَاءً بَيْنَهُمَا) [24] ،  قال البغوي (ذكره أهل العناية بالسير والتواريخ : هذا شيء طلبه قوم خاص ، فأراهم ذلك ليلا ، وأكثر الناس نيام ، ومستكنون بالأبنية ، والإيقاظ في البوادي والصحاري ، قد يتفق أن يكونوا مشاغيل فِي ذلك الوقت ، وقد يكسف القمر ، فلا يشعر به كثير من الناس ، وإنما كان ذلك فِي قدر اللحظة التي هي مدرك البصر ، ولو دامت هذه الآية حتى يشترك فيها العامة والخاصة ، ثم لم يؤمنوا ، لاستؤصلوا بالهلاك ، فإن من سنة الله تعالى فِي الأمم قبلنا أن نبيهم كان إذا أتى بآية عامة يدركها الحس ، فلم يؤمنوا أُهلكوا ، ..فلم يظهر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هذه الآية للعامة لهذه الحكمة)[25] .

 

 فكان فيما ذكر درس تطبيقي وعملي للأمة المسلمة ، لتتعلم منه ما يلخص لهم ما سبق أن درسته في سياق سورة المائدة من أحكام تبين غاية الشريعة الإسلامية وأنها لم تأت لتزيد الحرج على الناس وإنما جاءت برفعه والتيسير على الناس ، فليس الإيمان بالله المطلوب شرعا ذلك الإيمان المؤيد بالمعجزات المفصلة ولا بأعجز المعجزات ،وإنما يكفي أن يُعمل المرء عقله في تدبر آيات الله ليؤمن بأنه لا إله إلا الله ، شريطة أن يخلي قلبه من الكبر والغرور ، ومن طمع الدنيا اللذين يحولان دون الإفصاح عن التصديق بالله .

 

 

ختام سورة المائدة

 

خير ختام لهذه السورة من خمس آيات ، تضمن لوم وعتاب لأهل الكتاب ، وإن كان في صورة مناقشة الحساب مع نبيهم ، ولكنه لأجل الاستشهاد به عليهم لا للاستفصال والاستقصاء ، ثم تضمن بيان بالحساب والجزاء .

 

ففي قوله (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ) هذا السؤال توطئة لإلقاء اللوم على بعض النصارى الذين غالوا في تقدير عيسى ابن مريم وأمه الصديقة ، فجعلوهما إلهين من دون الله تعالى ، قَالَ رَسُولَ اللَّهِ r (لَا تُطْرُونِي كَمَا أُطْرِيَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ)[26] ، قال ابن الأثير (الإطْراءُ : مُجَاوَزةُ الحَدِّ في المَدْح والكَذِبُ فيه)[27]، قال ابن بطال (عرَّفهم ما خشى عليهم جهله ، والغلو فيه كما صنعت النصارى فى قولهم لعيسى أنه ابن الله عز وجل)[28].

 

وعن معاذ قال : قال : يا رسول الله أرأيت أهل الكتاب يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم أفلا نسجد لك ؟ قال : لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ولا تؤدي المرأة حق زوجها حتى لو سألها نفسها على قتب لأعطته)[29]، (هو منع من أمر يجوز أن يقع)[30].

 

روي أنه سبحانه لَمَّا قَالَ " أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إلهين من دون الله " ، قال:"زَالَ كُلُّ مَفْصِلٍ لَهُ عَنْ مَكَانِهِ خِيفَةً"، فَيَقُولُ " سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ " [31]، وهذا الأمر مقبول من حيث التصور العقلي لأن الجبال كادت أن تفعل مثل ذلك من ذلك القول ، قال تعالى (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا)  (مريم/90-92) .

 

وفي قوله (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ)(116) قوله "سبحانك" تضمن تقديس وتبرؤ من ذلك القول ، وتلك الفرية على الله تعالي ، فالله يتعالى عن أن يتجسد في صورة بشر أو أن يتمثل في شيء ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r قَالَ (اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ)[32]، فتبرأ النبي عيسى بن مريم u ممن ألهوه وغالوا في تقديسه في موطن الشهادة والاستشهاد به على قومه في الآخرة  .

 

وفي الآية تأكيد على أن دعوة الأنبياء لا تتجاوز حد البلاغ المبين ، وأن ما يبلغونه هو حكم الله ، وأنهم لم ينقصوا شيئا من البلاغ ولم يزيدوا على ذلك ، وما كان لنبي أن يكون مشرعا من نفسه ، وإنما هو مبلغ لما شرعه الله.

 

وفي قوله (إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) قال الشيخ صالح الفوزان (الله يعلم سبحانه وتعالى أن عيسى لم يقل هذه المقالة، وإنما هذا من باب التوبيخ لهؤلاء) [33]، ولذلك جاء الرد من عيسى عليه السلام بعد أن بين مقامه وأنه لا يتجاوز مقام العبودية لله ، فنفي عن نفسه أن يكون قد ارتكب هذا الذنب ، لا من حيث القول ذاته ، ولا من حيث الرضا به ، فهو لم يرض عبادة الناس له ، قال رسول الله r (فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ ،فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ)[34] .

 

 قال الشوكاني في قوله تعالى (تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ) (هذه الجملة في حكم التعليل لما قبلها ، أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك ، وهذا الكلام من باب المشاكلة كما هو معروف عند علماء المعاني والبيان)[35] ، فالمسألة التي يتبرأ عيسى u منها هي مسألة نفسية ، لا يعلمها إلا الله ، بأنه لم يرض عبادتهم له ، وليس مجرد أنه تبرأ من هذا القول وقلبه فرح به ، بل إن قلبه منكر تمام الإنكار لما قالوا في حقه ، ولذلك أوكل علم الله بما في خفايا نفسه إليه سبحانه ليكون شاهدا على ذلك ، فقد اتقى غضب الله تعالى من هذه المقالة بعلمه الواسع .

وهكذا كان حال الأنبياء جميعا مع الله تعالى بين الخوف والرجاء، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ r ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ فِرَاشِهِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)[36].

 

وفي قوله (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ...) تقرير بأن دعوة الأنبياء لا اجتهاد فيها ، وإنما هم مبلغين عن الله ، وأن جميع ما يأمرون به يدور حول عبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد .

 

وفي قوله (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ..) (117) أي (كنت مشاهدا لهم ورقيبا يمنعهم من أن يقولوا مثل هذه المقالة الشنعاء)[37] ، فقد تضمنت الآية شهادة الأنبياء على قومهم ، كما في قوله تعالى (يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [النحل/89] ، ذلك أن الأنبياء هم أشد الناس إنكارا للمنكر ، وهم أحرى الناس بأن يقاموا المنكر بكل ما أوتوا من قوة ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (يُوشِكُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ أَنْ يَنْزِلَ حَكَمًا قِسْطًا وَإِمَامًا عَدْلًا فَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَتَكُونَ الدَّعْوَةُ وَاحِدَةً)[38].

 

وفي قوله (..فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (117) والمعنى أني بذلت في واجب الدعوة إلى الله تعالى أقصى ما يفعله المكلف حتى توفيتني ، فانقطع البلاغ مني لهم [39]، وسبحانك أن الرقيب عليهم تصل البلاغ بعبادك الذين تختارهم لذلك  ، فيقيمون حجتك على خلقك ، كما في قوله (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) (فاطر24) ، وقوله (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) (النساء 41)

 

وفي قوله (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ) (118) تفويض النبي أمر قومه لله تعالى حيث إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم رغم ما صدر منهم من شرك ، ولعل ذلك بسبب تعمية الحقائق عن بعضهم وتعذر وصول البلاغ لهم ، قال ابن كثير (هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله عز وجل، فإنه الفعال لما يشاء، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)[40] .

 

ولعل منهم من يعذرون بجهلهم ، وقد بينا أن من لم تصله دعوة الإسلام صحيحة مبرأة من كل عيب فإنه معذور بجهله ، قال الزمخشري (إن عذبتهم عدلت ، لأنهم أحقاء بالعذاب ، وإن غفرت لهم مع كفرهم لم تعدم في المغفرة)[41]، قال الماوردي في قوله عز وجل (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ) يحتمل وجهين :-

أحدهما : أنه قاله على وجه الاستعطاف لهم والرأفة بهم كما يستعطف العبد سيده

 والثاني : أنه قاله على وجه التسليم لأمر ربه والاستجارة من عذابه)[42]

 

فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ r تَلَا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) الْآيَةَ وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ (اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي) وَبَكَى فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ r بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَمُ فَقَالَ اللَّهُ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ (إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ) [43] ، قال النووي (وهذا من أرجى الأحاديث لهذه الأمة)[44]

 

قوله (..فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (118) قال السعدي (ولم يقل: أنت الغفور الرحيم، لأن المقام ليس مقام استعطاف واسترحام، إنما هو مقام غضب وانتقام ممن اتخذه وأمه إلهين من دون الله، فناسب ذكر العزة والحكمة، وصار أولى من ذكر الرحمة والمغفرة)[45] .

 

وفي قوله ( قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (119) تقرير من الله تعالى  بأنه يفصل بينهم بمعيار الصدق ، وليس بمعيار الإيمان ، ذلك أن الإيمان يبنى على الخبر ، وبعض هؤلاء القوم لم يصلهم الخبر ولم يبلغهم الإسلام ، ومن ثم يكون الفيصل في تقرير أحقيتهم الجنة ورضوان الله تعالى قياس مدى صدقهم ، واختبارهم بذلك ، ففي الحديث عن رسول الله r قال (أربعة يحتجون يوم القيامة : رجل أصم ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في الفترة فأما الأصم فيقول : يا رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا وأما الأحمق فيقول : رب قد جاء الإسلام والصبيان يحذقوني بالبعر وأما الهرم فيقول : رب لقد جاء الإسلام وما أعقل، وأما الذي مات في الفترة فيقول : رب ما أتاني لك رسول ، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم رسولا أن ادخلوا النار قال : فوالذي نفسي بيده لو دخلوها كانت عليهم بردا وسلاما) [46] ، (فهذا برهانٌ على أنَّ العاجزَ عن فهمِ التَّكاليفِ الشَّرعيَّة لِزَوالِ العقلِ أو نقصِهِ أو عدَمِ بُلوغِ الحُلمِ لا يصلُحُ أن يكونَ مكلَّفًا)[47]

 

وفي قوله تعالى ( لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(120) ختام السورة ، تضمن تأكيد بأسلوب القصر والحصر على اختصاص الله تعالى بالملك ، واختصاصه بالقدرة المطلقة ، وبهما استحق أن يوحده الناس بالألوهية في التشريع والربوبية في الخلق .

 

ولعله ختام بخير ختام ، لتظل أحداث السورة جارية إلى أن ينزل الله عيسى بن مريم حكما مقسطا في آخر الزمان .

 

 

[1] ) رواه البخاري ج 6 ص 226 رقم 1623

[2] ) رواه البخاري ج6 ص 228 رقم 1625

[3] ) رواه البخاري ج21 ص 324 رقم 6464

[4] ) رواه البخاري ج 22 ص 331 رقم 6803

[5] ) رواه البخاري ج17 ص 473 رقم 5270

[6] ) رواه أحمد ج 8 ص 325 رقم 3790  صححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج 3 ص 239 رقم 3641

[7] )   تفسير الشعراوي ج1 ص 2394

[8] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2392

[9] ) مختصر مني وما بين القوسين قبله كذلك

[10] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 972

[11] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 972

[12] ) رواه مسلم 2937

[13] ) تفسيرالشعراوي ج1 ص 2394

[14] ) تفسير ابن كثير ج3 ص 224

[15] ) رواه مسلم ج1 ص 247 رقم 131

[16] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2398

[17] ) الألوسي : روح المعاني ج7 ص 58

[18] )  تفسير الثعالبي ج1 ص 447

[19] ) تفسير الطبري ج11 ص 222

[20] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2400 لأن « استطاع » تقابل : « استجاب »

[21] ) ابن عطية : المحرر الوجيز ج2 ص 371 ،  ابن جزي : التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 392

[22] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 299 رقم 253 وصححه الألباني : صحيح كنوز النة ج1 ص 129

[23] )  رواه مسلم ج14 ص 280 رقم 5318

[24] ) رواه البخاري ج12 ص 248 رقم 3579

[25] ) شرح السنة للبغوي ج6 ص 447

[26] ) رواه البخاري ج21 ص 106 رقم 6328

[27] ) النهاية في غريب الأثر ج3 ص 271 ، وانظر غريب الحديث لابن الجوزي ج2 ص 33

[28] ) شرح صحيح البخاري ج8 ص 460 وانظر فتح الباري لابن حجر ج12 ص 155

[29] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج 5 ص 208 رقم 5123 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج13 ص 169 رقم 3366 ، وقال : قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال البخاري؛ غير القاسم الشيباني، وهو صدوق يغرب؛ كما قال الحافظ في "التقريب "، وهو من رجال مسلم، واسم أبيه: عوف، وموسى بن هارون ثقة حافظ مشهور، مترجم في "تاريخ بغداد"، و"تذكرة الحفاظ " وغيرهما.

[30] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 43

[31] ) تفسير ابن أبي حاتم ج5 ص 173

[32] ) رواه أبو داود ج11 ص 127 رقم 3567 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج9 ص 90 رقم 4090

[33] ) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ج1 ص 273

[34] ) رواه مسلم ج9 ص 400 رقم 3445

[35] ) فتح القدير ج2 ص 385

[36] ) رواه ابن ماجة في سننه ج11 ص 294 رقم 3831 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 194 رقم 968 ورواه مسلم في صحيحه ج3ص36رقم751

[37] ) التحرير والتنوير ج5 ص 273

[38] ) رواه أحمد في مسنده ج18 ص 300 رقم 8758 وقال الالباني إسناده حسن : قصة المسيح الدجال ج1 ص 101 وروى ابن حبان في صحيحه بلفظ ("والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم بن مريم حكما مقسطا، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) ج15ص230 رقم 6818

[39] ) في هذا المعنى ابن عاشور : التحرير والتنوير ج5 ص 274

[40] ) تفسير ابن كثير ج3 ص 233

[41] ) الكشاف ج2 ص 85

[42] ) النكت والعيون ج1 ص 394

[43] ) رواه مسلم ج1 ص 465 رقم 301

[44] ) شرح النووي على مسلم ج3 ص 79

[45] ) القواعد الحسان في تفسير القرآن ج1 ص 56

[46] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج16 ص 356 رقم 7357 وصححه الالباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج 4 ص 8 رقم 1434

[47] ) تيسير علم أصول الفقه ج1 ص 59

  • الاربعاء PM 12:59
    2025-12-17
  • 394
Powered by: GateGold