المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1888703
يتصفح الموقع حاليا : 439

البحث

البحث

عرض المادة

نشأة فكرة الغيبة عند الشيعة الاثني عشرية وتطورها

بعد وفاة الحسن العسكري إمامهم الحادي عشرـ سنة (260ﻫ) : « لم يُر له خَلْف ولم يُعرف له ولد ظاهر، فاقتسم ما ظهر من ميراثه أخوه جعفر وأمه »[1].

وبسبب ذلك، اضطرب أمر الشيعة، وتفرق جمعهم، لأنهم أصبحوا بلا إمام، ولا دين عندهم بدون إمام، لأنه هو الحجة على أهل الأرض، وهو أمان للناس.

ولو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله[2]، ولكن الإمام مات بلا عقب، وبقيت الأرض بلا إمام، ولم يحدث شيء من هذه الكوارث فتحيرت الشيعة واختلفت في أعظم أمر عندها وهو تعيين الإمام، فافترقت إلى فرق كثيرة[3].

ولكن الذي يهمنا من كل هذه الفرق، فرقة الاثنا عشرية، حيث ذهبت إلى الزعم بأن للحسن العسكري ولدًا، قد أخفاه وستر أمره، لصعوبة الوقت وشدة طلب السلطان له....فلم يُظهر ولده في حياته، ولا عرفه الجمهور بعد وفاته[4].

ولادة المهدي : قصة المهدي في كتب الشيعة قصة غريبة، حيث أنها لا تجد إلى العقل منفذًا، ولا في الفطر السليمة قبولاً، وتبدأ قصة ولادته من حيث اختيار الحسن لأم المهدي المزعوم، فهو يبعث خادمه لسوق بيع الجواري، ويعطيه أوصاف الجارية، ونوع لباسها، والكلام الذي ستنطق به أثناء بيعها، فيقابلها، وتسرد له قصة حياتها، ووقوف الكوارث أمام زواجها من خطّابها، وأنها رأت في منامها أن رسول الله ﷺجاء يخطبها من المسيح[5]، وقال له : « يا روح الله جئتك خاطبًا من وصيك شمعون فتاته مليكة لابنى هذا، وأومأ بيده إلى أبي محمد الحسن العسكري ».

ثم تذكر قصة وقوعها في أسر المسلمين : واختيارها لاسم (نرجس)، إخفاءً لحقيقتها، ثم طلبها من مالكها ألا يبيعها إلا لمن ترضاه، وهو الذي يحمل المواصفات التي أوحي إليها بها في المنام، ثم تلتقي بعد ذلك بالحسن، ولا تجد غرابة في لقائه، لأنها تعرفه وتتصل به قبل ذلك من خلال الرؤى والأحلام، فيزفّ لها البشرى بولد يملك الدنيا شرقًا وغربًا، ويملأ الأرض قسطًا وعدلاً[6].

أما حملها بالمهدي : فأغرب وأعجب، إذ لم يظهر عليها أثـر الحمل، مـع أن حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى بن جعفر الصادق كما يقولون حاولت التثبت من حملها، فوثبت إليها فقلبتها ظهرًا لبطن، فلم تر فيها أثرًا للحمل، وعادت إلى الحسن وأخبرته، لكنه أكدّ لها وجود الحمل، وقال لها : « إذا كان وقت الفجر يظهر لك الحبل»، والأغرب من ذلك أن أم الولد حتى ليلة ولادتها لم تعلم بأمر حملها حتى قالت لحكيمة : « يا مولاتي ما أرى بي شيئًا من هذا »[7].

ويبدو أن نفي ظهور أثر الحمل عليها هي حيلة أو محاولة للتخلص مما ثبت، حتى لدى الشيعة من قيام جعفر أخي الحسن العسكري بحـبس نساء الحسن وإمائه بعد وفاة الحسن لاستبرائهن، حتى ثبت للقاضي والسلطان براءة أرحامهن من الحمل، وتم بعد ذلك قسمة ميراث الحسن[8].

وحينما ولد : « سقط... من بطن أمه جاثيًا على ركبتيه، رافعًا سبابتيه إلى السماء ثم عطس، فقال : الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله، زعمت الظلمة أن حجة الله داحضة، لو أذن لنا في الكلام لزال الشك »[9].

وفي رواية أخرى :أنه سقط ساجدًا لله وهو يتشهد ويدعو بقوله : « اللهم أنجز لي ماوعدتني...»[10]، ثم عُرج بهذا المولود إلى السماء بواسطة طيور خضر، وحينما تبكي الأم نرجس خوفًا على ولدها يجيبها الحسن بقوله : « سيعاد إليك كما رد موسى إلى أمه »[11].

أما عن نموه : فهو خارج تمامًا عن نطاق العادة، يُصور هذا النمو على لسان حكيمة بنت محمد، حيث تقول : « لما كان بعد أربعين يومًا، دخلت على أبي محمد عليه السلام، فإذا مولانا الصاحب يمشى في الدار، فلم أر وجهًا أحسن من وجهه، ولا لغة أفصح من لغته، فقال أبو محمد عليه السلام : هذا المولود الكريم على الله عز وجل، فقلت سيدي أرى من أمره ما أرى وله أربعون يومًا، فتبسم وقال : يا عمتي، أما علمت أنّا معاشر الأئمة ننشأ في اليوم ما ينشأ غيرنا في السُّنَّة »[12].

وفي رواية القمي : « إن الصبي مِنّا إذا كان أتى عليه شهر، كان كمن أتى عليه سنة، وإن الصبي منا يتكلم في بطن أمه ويقرأ القرآن، ويعبد ربه عز وجل عند الرضاع؛ تطيعه الملائكة، وتنزل إليه صباحًا ومساءًا »[13].

هل تعقل أن مولودًا صغيرًا تحدث له كل هذه الخوارق التي لا تحدث لأي مولود آخر من بني جنسه ولا يعلم به أحد؟

غيبة المهدي ومكانه الذي غاب فيه :

بعد أن ولد مهديهم المزعوم مباشرة، غاب بعد أيام قليلة، تحديد هذه الأيام اختلفت فيها رواياتهم، وتضاربت في تحديدها أقوالهم.

فيروي الطوسي أن حكيمة قالت : «... فلما كان بعد ثلاث (من مولده) اشتقت إلى ولي الله، فصرت إليهم، فبدأت بالحجرة التي كانت سوسن فيها، فلم أر أثرًا ولا سمعت ذكرًا، فكرهت أن أسأل، فدخلت على أبي محمد عليه السلام، فاستحيت أن أبدأ بالسؤال، فبدأني فقال : هو يا عمه في كنف الله وحرزه وستره وغيبته حتى يأذن الله له »[14].

وفي رواية ثانية : « أن حكيمة فقدته بعد سبعة أيام »[15].

وفي رواية ثالثة : « أنها رأته بعد أربعين يومًا يمشي في الدار ثم فقدته بعد ذلك »[16].

وفي رواية رابعة : أن حكيمة كانت تختلف إلى دار العسكري، تزوره كل أربعين يومًا، وقبل وفاته بأيام قلائل، كان عمر المهدي آنذاك خمس سنوات على الأكثر، فقال : هذا ابن نرجس هذا خليفتي من بعدي وعن قليل تفقدوني فاسمعي له وأطيعي[17].

والاختلاف في رواياتهم أيضًا طال المكان الذي يغيب فيه مهديهم.

فتذكر بعض رواياتهم : أنه غاب في طيبة[18]، وبعضها تذكر في جبل يدعى (رضوى)[19]، وتذكر روايات أخرى أنه يختص في بعض وديان مكة[20].

غير أن أحاديثهم في الأدعية والزيارة لمقامات الأئمة تلوح إلى أنه مقيم بسرداب سامراء[21]، ولذلك جاء في بعض هذه الروايات : « ثم ائتِ سرداب الغيبة وقف بين البابين، ماسكًا جانب الباب بيدك، ثم تنحنح كالمستأذن، وسمّ وانزل، وعليك السكينة والوقار، وصل ركعتين في عرضة السرداب وقل.... اللهم طال الانتظار وشمت بنا الفجار، وصعب علينا الانتصار، اللهم أرنا وجه وليك الميمون، في حياتنا وبعد المنون، اللهم إني أدين لك بالرجعة، بين يدي حب هذه البقعة، والغوث يا صاحب الزمان، قطعت في وصلتك الخلاف، وهجرت لزيارتك الأوطان وأخفيت عن أهل البلدان لتكون شفيعًا عند ربك وربي[22].

ولا أدري ماذا يبقى إذًا لرب العباد إذا كان الغوث يطلب من العباد؟ ولماذا يطلب هذا الذي يدعوا الشفاعة من ربه وفي السرداب طفل صغير يملك له الغوث والنجاة؟

علّة اختفاء المهدي :

تذكر رواياتهم : أن للإمام غيبة صغرى وكبرى، فالصغرى تبدأ من ولادته(منتصف شعبان 255ﻫ)، وتنتهي في بداية غيبته الكبرى التي بدأت في (15 شعبان 328ﻫ)، وما تزال مستمرة حتى اليوم[23].

وتقول هذه الروايات : أن سبب غيبة مهديهم هذا هو خوفه من القتل.

عن جعفر الصادق أنه قال : « إن للقائم عليه السلام غيبة قبل أن يقوم؛ قلت : ولم؟ قال : إنه يخاف، وأومأ بيده إلى بطنه يعني القتل »[24].

 

[1] القمّي : المقالات والفرق(ص102، ت : محمد جواد مشكور، طهران 1963م).

[2] الكليني : أصول الكافي(ص179).

[3] قيل : « إلى أربع عشرة فرقة »، انظر : النوبختي : فرق الشيعة(ص96)، وقيل : « خمس عشرة«، انظر : القمّي المقالات والفرق(ص102).

[4] علي بن الحسين بن علي المسعودي : مروج الذهب(ج4/ ص19).

[5] لأن الرواية تذكر أنها مسيحية وهي مليكة بنت يوشع بن قيصر ملك الروم، انظر إكمال الدين، لابن بابويه القمي (ص395- 400).

[6] انظر : ابن بابويه القمي : إكمال الدين (ص 395، 400).

[7] السابق(ص404).

[8] الطوسي : الغيبة(ص74).

[9] إكمال الدين(ص406).

[10] السابق(ص404، 405).

[11] السابق(ص405).

[12] الطوسي : الغيبة(ص144).

[13] القمي : إكمال الدين(ص405).

[14] الطوسي :الغيبة (ص142).

[15] المصدر نفسه.

[16] السابق(ص144).

[17] ابن بابويه : إكمال الدين (ص405، 406).

[18] طيبة هذا من أسماء المدينة المنورة : انظر : الكليني : أصول الكافي(ج1/ ص332).

[19] رضوى : جبل بالمدينة فيه أشجار ومياه كثيرة، وهو الجبل الذي يزعم الكيسانية أن محمد بن الحنفية به مقيم حي يرزق، انظر :الطوسي : الغيبة(ص103)، معجم البلدان (ج3/ ص51).

[20] سُمي هذه الوادي بـ (ذي طوى)، انظر تفسير العياشي(ج2/ ص56).

[21] هي بلد بالعراق فوق بغداد بثلاثين فرسخًا يقال لها : (سُرَّ مَنْ رَأى)، فخففها الناس وقالوا : (سامراء)، وفيها السرداب المعروف في جامعها الذي تزعم الشيعة أن مهديهم يخرج منه، انظر : البغدادي : معجم البلدان (ج3/ ص173).

[22] حسن الشيرازي : كلمة المهدي(ص471، 472، مؤسسة الوفاء، بيروت، ط 2، 1403هـ).

[23] محمد زكريا النداف : مسائل الاعتقاد(ج2/ ص759).

[24] الكليني : أصول الكافي(ج1/ ص338)، وانظر أيضًا : ابن بابويه : إكمال الدين(ص449).

  • الاحد PM 03:08
    2025-04-06
  • 516
Powered by: GateGold