ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
سبب قول الشيعة بالرجعة وإبطال ادلتهم وتأويلاتهم
يرى علماء الأزهر أن سبب قول الشيعة بالرجعة هو : الانتقام ممن سلبهم حقهم في الحكم على حد زعمهم واستعادة هذا الحق لهم مرةً أخرى.
يقول العلامة محب الدين الخطيب : « عقيدة (الرجعة) لمحاكمة حكام المسلمين هي من عقائد الشيعة الأساسية، حيث إن أبا بكر وعمر يصلبان يومئذ على شجرة في زمن المهدي (أي إمامهم الثاني عشر الذي يسمونه قائم آل محمد)، وتكون تلك الشجرة رطبة قبل الصلب فتصير يابسة بعده »[1].
أين قلب هذا القائم من قلوب اللاحقين من المؤمنين الذين يقولون عن سابقيهم تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر :10]؟ إن يقولون إلا كذبا !!
ويقول الدكتور الشكعة : « إن موضوع الرجعةهو من المعتقدات الأساسية في المذهب الشيعي، ومفاده : أن الأئمة الاثني عشر سيعودون إلى الدنيا في آخر الزمان، الواحد بعد الآخر؛ لكي يحكموا الدنيا تعويضاً لهم عن حرمانهم من حقهم في الحكم الذي حرموا إياه إبان حياتهم، ويكون أول إمام يرجع إلى الدنيا هو الإمام الثاني عشر « محمد بن الحسن العسكري » الذي يمهد الأمر لآبائه وأجداده؛ فيتولون الحكم من بعده واحداً بعد الآخر حسب التسلسل الزمني لهم، فيحكم الواحد منهم فترة من الزمن، ثم يموت مرة أخرى ليتولى بعده الحكم من يليه في الترتيب، وهكذا حتى الإمام الحادي عشر « الحسن العسكري »، وتقوم القيامة بعد ذلك »[2].
يتضح مما سبق، أن عقيدتهم في الرجعة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بخروج أئمتهم، وخصوصاً مهديهم المزعوم الذي سيكون أولهم خروجاً متقدماً عن إمامهم الأول أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبt.
وهذا ما يزيده وضوحاً الدكتور صابر طعيمة : « أن فكرة (الرجعة) تطورت إلى العقيدة الشيعية باختفاء الأئمة، وأن الإمام سيعود فيملأ الأرض عدلاً ومنها نبعت فكرة المهدي المنتظر »[3].
وإذا كانت عقيدة الرجعة عندهم سببها كما سبق رجوع أئمتهم الاثني عشر ليثأروا من خصومهم الذين يعتقد الشيعة أنهم اغتصبوا حكم بلاد المسلمين منهم، فإن المؤرخين أجمعوا على أن شخصية إمامهم الثاني عشر هي شخصية وهمية لا وجود لها، وهذا كاف لنسف عقيدة الرجعة من جذورها.
وهذا ما أبطل به الدكتور الشكعة اعتقادهم بهذه العقيدة : « إن مما يجعل من قضية رجعة الأئمة إلى الحياة قضية تستدعي الأناة والمراجعة؛ هو ذلك الكلام الكثير الذي يجري حول ما إذا كان الإمام محمد الثاني عشر شخصية حقيقية أم أنه شخصية وهمية، ذلك أن الإمام الثاني عشر هو أول الأئمة رجوعاً إلى الدنيا، يخرج من السرداب الذي اختفي فيه في مدينة (سامراء)؛ ليحكم المسلمين، وينشر العدل في أرجاء الأرض، ويمهد لآبائه وأجداده الأحد عشر؛ لكي يرجعوا أو يبعثوا من جديد، يتولى كل واحد منهم بالتسلسل حكم المسلمين على النحو الذي ذكرناه قبل قليل، فإذا ما كان هذا الإمام شخصية وهمية انهارت قضية الرجعة من أولها إلى آخرها.
إن الحقيقة الراجحة عند جمهرة المؤرخين المسلمـين هـي أن الإمـام الحـسن العسـكري الإمام الحادي عشرـ قد مات عن غير ولد له، إذ إن للعلويين سجل مواليد يقوم عليه نقيب، بحيث لا يولد لهم مولود إلا سجل فيه، وهذا السجل لم يسجل فيه للحسن العسكري ولد، ويشيع بين كثير من العلويين المعاصرين أن الحسن العسكري مات عقيماً، فإذا صحت هذه الأخبار يكون المعنى أن شخصية الإمام الثاني عشر شخصية غير حقيقية، وإنما اخترعها من اخترعوا غيرها من الموضوعات الشيعية التي ينكرها كثير من كبار عقلاء علماء الشيعة، فإذا ما كان الأمر على هذا النحو من الحقيقة؛ انهارت عقيدة الرجعة من أولها إلى آخرها » [4].
إبطال علماء الأزهر للأدلة التي استدل بها الشيعة على عقيدة الرجعة
أولاً : نقد مرويات أئمتهم :
يعتمد الدكتور الشكعة :على إبطال هذه المرويات ببعض مصلحي الشيعة الذين يستنكفون أن تصدر هذه الروايات التي تحرض على القتل والتشهير وسفك الدماء عن الأئمة المشهور عنهم حلمهم وعفوهم عن مخالفيهم، والمعروفين بزهدهم عن متاع الحياة الدنيا وزينتها.
« إنّ الشيء الذي يدعو إلى التوقف طويلاً والتأمل كثيراً، هو أن هذه الروايات منسوبة إلى إمامين عظيمين جليلين من أئمة بيت النبوة، لم يعرف عنهما شيء من هذا العنف في التفكير أو التعبير، هما : (محمد الباقر)، وولده (جعفر الصادق)، الأمر الذي أثار ثائرة بعض علماء الشيعة أنفسهم، وفي مقدمتهم الدكتور موسى الموسوي[5] في كتابه (الشيعة والتصحيح).
يقول الدكتور الموسوي : « إن مؤلفي هذه الكتب لم يكتفوا من القول برجعة أئمة الشيعة فحسب، بل أضافوا عليها أفكاراً أخرى، وكلها مستوحاة من تلك الروايات الموضوعة، وقالوا : إن الرجعة لا تشمل أئمة الشيعة وحدهم، بل تشمل غيرهم، وذكر أسماء نفر غير قليل من صحابة رسول الله ﷺ ؛زعم الشيعة أنهم من أعداء الأئمة، وأنهم منعوهم من الوصول إلى حقهم في الحكم، كل هذا حتى يتسنى للأئمة الانتقام منهم في هذه الدنيا ».
ويستطرد الدكتور الموسوي : قائلاً : « ولو أن الذين كانوا وراء فكرة الرجعة مخلصين لأئمة الشيعة لما صوروهم بهذا المظهر الراغب في الحكم، حتى إن الله سيعيدهم إلى هذا الدنيا الفانية مرة أخرى ليحكموا فيها بعض الوقت، وهم أئمة لهم جنة عرضها كعرض السماوات والأرض أعدت للمتقين.
والإمام عليٌّ نفسه يقول : « والله! إن دنياكم هذه لأهون عندي من ورقة في فم جرادة تقضمها ».
ويمضي الدكتور الموسوي في النكير على فكرة الرجعة، قائلاً : « وهذه البدعة تختلف عن البدع الأخرى التي أضيفت إلى الأفكار الشيعية، حيث لم يترتب عليها تنظيم سياسي عملي أو اجتماعي أو اقتصادي، اللهم إلا شيء واحد قد يكون هو السبب في اختلاق فكرة الرجعة، وهو استكمال العداء، وتمزيق الصف الإسلامي بمثل هذه الخزعبلات التي دونت وقيلت في انتقام الأئمة من صحابة رسول اللهﷺ »[6].
فإن قيل إن هناك عند الشيعة على مسألة الرجعة أحاديث متواترة[7]؟
وقد حكم الدكتور عبد المنعم عثمان على هذا التواتر بالكذب لأمرين :
أولاً : لأنها تتضارب مع كتاب الله تعالى، وعند علماء الحديث كل حديث لم يتوافق مع كتاب الله يضرب به عرض الحائط.
ثانيًا : فإن رواة الشيعة الذين عليهم مدار كل الأحاديث الشيعية؛ رواة مختلف في توثيقهم في قلب الدوائر الشيعية ذاتها، فمرة يصدقون ويوثقون، وأخرى يكذّبون ويضعفون، وذلك التضعيف والتوثيق من الأئمة ذاتهم وهم عند الشيعة معصومون.
وضرب مثلاً لذلك زرارة بن أعين؛فقد قال الشيعة : إن جعفر الصادق قال فيه : « يا زرارة إن اسمك من أسامي أهل الجنة»، وقال عنه أيضًا : « رحم الله زرارة بن أَعين؛ لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي »[8]، وللعجب أن هذا المدح يقابله ذم على لسان جعفر الصادق نفسه، فقد ذكر الكشّي أن جعفرًا قال : « لعن الله زرارة... ثلاث مرات »[9]سبحان الله، سبحان مغير الأحوال؛ رجل يمدح في وقت، ويذم في آخر! كيف بالله يقبل حديثه؟!! وكيف يعتقد بما قال ؟!! إن الاعتقاد في الرجعة مبني على أقوال زرارة ونظراءه[10].
بل ينقل الدكتور العسال : روايات عن آل البيت ينكرون فيها الرجعة.
أخرج ابن سعد بسنده : أنه قيل للحسن بن علي إن ناسًا من شيعة أبي الحسن عليّ عليه السلام يزعمون أنه دابة الأرض، وأنه سيبعث قبل يوم القيامة، فقال : « كذبوا؛ ليس أولئك شيعته، أولئك أعداؤه لو علمنا ذلك ما قسمنا ميراثه ولا أنكحنا نساءه »[11].
ها هو الحسن يردُّ ردًا منطقيًا ومعقولاً، إذ كيف يقسم ميراث رجل غاب بالموت قليلاً ثم يرجع؟ سبحان مثبت العقول.
وتنقل الباحثة آمال عبد القادر : عن الإمام جعفر الصادق : « أنه كان يتبرأ مما كان ينسب إليه من القول بالغيبة والرجعة والبداء »[12].
وينقل الأستاذ السواح عن محمـد الباقرـ رحمه الله ـ : لما سئل أكان منكم أهل البيت من يقول بالرجعة؟ قال : « لا »[13].
هذه الروايات إن دلت على شيء؛ فإنها تدل على أن آل البيت الأطهار لا يعتقدون ما لا يخالف كتاب الله، ولا ما صح عن رسول الله ﷺ، وأنهم برءآء مما نسبه إليهم الشيعة، وأن كل ما نسب إليهم من عقائد تخالف دين الإسلام فهو زور وبهتان وموضوع عليهم لا نصدقه.
ثانياً : إبطال علماء الأزهر لتأويلاتهم على هذه العقيدة من القرآن الكريم :
إن استدلال الشيعة بالأدلة السابق ذكرها على مسألة الرجعة وتطبيق الآيات وتأويلها عليها بهذه الطريقة لا شك أنه تم بطريقة عقلية سقيمة؛ تعتمد فقط على طريقتهم الباطنية في تفسير آيات القرآن الكريم.
وهاك تفنيد ردود علماء الأزهر على هذه الأدلة :
إبطال الدليل الأول :استدلت الشيعة كما سبق بآيتين من سورة البقرة على الرجعة :
الآية الأولى : ﴿ ﭝ ﭞ ﭟ﴾ [البقرة : 3]؛وأدخلوا الرجعة في الإيمان بالغيب.
يوضح الدكتور عبد المنعم فؤاد : أن الغيب في الآية كما ذكر المفسرون[14]هو ما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار وما ذكر في القرآن الكريم عن وصف للحق تعالى، وذكر الملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر؛ وهذا كله غيب، فلا علاقة للغيب في الآية بأقوال الشيعة وتأويلاتهم؛ لأن الغيب يستلزم التصديق به على وجه الجزم.
وهو لا يحصل إلا عن دليل، ولا شك أن قيام البراهين على صدق من أخبر بالغيب يجعل المؤمن بهذا الغيب مصدقًا عن دليل، فنحن لا نحـتاج فـي الإيمان بالملائكة والكتب السماوية والرسل الذين أرسلوا من قبل، والبعث وما فيه من ثواب وعقاب إلى دليل زائد على الأدلة التي قامت على صدق النبي ﷺ، ولم يخبر هذا الصادق عن الرجعة الشيعية بحديث صريح أبدًا، ولم يقل إن الرجـعة المزعومة داخلة فـي الإيمان بالغيب وعلـى الأمـة أن تصدق بها، فهي من مستلزمات الإيمان الحقيقي[15].
ويزيد الدكتور العسّال : أننا لا نطلق على الرجعة غيب، وإنما نطلق عليها أسطورة وخرافة، وأن العقل السليم يرفضها، وأن الآية بمنأى عن ذلك تمامًا[16].
ويحكم الدكتور عبد المنعم فؤاد : على أن من حكم بأن الإيمان بالرجعة إنما هو إيمان بالغيب بأنه ضيق العقل قليل الأفق منعدم التفكير؛ قائلاً : « وإن كان الإيمان بالغيب دليل واضح على اتساع العقول وسلامة الأفئدة؛ فإن الإيمان بالرجعة عند الشيعة دليل واضح أيضًا على ضيق العقول عندهم، وعدم سلامة القلوب، ذلكم لأن الآية الكريم في ظاهرها لا تشير إلى الرجعة، وفي سياقها لا يفهم منها غير مدح للمتقين، إذ أن ما قبلها يقول : ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ﴾، ثم يقول عن هؤلاء المتقين : ﴿ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ﴾، ثم يزداد في نعتهم بعد هذه الآية أيضًا فيقول : ﴿الم (1) ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة 1 : 4][17].
أما بخصوص الآية الثانية من سورة البقرة واستدلالهم بها على صحة الرجعة؛ فكأنهم بهذا النهج يستدلون على قدرة الله سبحانه وتعالى التي ليست هي موضع الخلاف، ذلك أنه لا أحد ينكر ما وقع مما ورد به الخبر الثابت القطعي المتواتر، ولكن الذي ينكر هو دعوى الرجعة إلى الدنيا بعد الموت للحساب والجزاء قبل يوم الحساب والجزاء، هذا هو المنكر الأعظم الذي ليس عليه دليل والذي أريد به إضعاف جانب اليوم الآخر في النفوس، وإلا فمعجزات الأنبياء آيات الله في خلقه ليست محل خلاف[18].
إبطال الدليل الثاني
أما استدلالهم بآية آل عمران؛ وقولهم : ليس من مؤمن إلا وله قتله وموته؛ إنه من قتل رجع حتى مات، ومن مات رجع حتى يقتل، واستعانتهم بتفريق القرآن بين القتل والموت ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران : 144]، : ﴿ وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [ آل عمران : 158 ].
فيصرّح الدكتور عبد المنعم فؤاد : أن هذا تأويل غير مقبول، ولا يمكن أن يجنّد في تأويل نصرة الرجعة الشيعية، ولا أظن أن أبا جعفر أو الباقر قد تفوهًا بهذا التأويل لأنه لا يصدر عن عقلاء، فضلاً عن كونهم أئمة من آل بيت النبيﷺ والقتل أو الموت كلاهما انتهاء للآجال، وخروج للروح عن الجسد[19].
ويستدل على ذلك بأن أبا بكر يدخل على رسول الله ﷺ وهو على فراش الموت، فيكشف عن وجهه الشريف، ويقبله ثم يبكي، ويقول بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها[20]، فلو علم أبو بكر أن لرسول الله رجعة بعد هذه الموتة في الدنيا لذكرها، وطمأنهم في هذه الساعة العسيرة التي بلغ من شدتها؛ أن عمرt قد فقد صوابه حينما سمع بوفاة النبي ﷺ، وهدد من يقول بأن محمدًا قد مات، فرده الصديق إلى صوابه؛ قائلاً : « اجلس يا عمر... »، وبهذا تأكد أن رجوع رسول الله ﷺ غير وارد وأن البقاء لله وحده[21].
ثم أخذ يفصل كلمات الآية وأنها لا تنتصر للرجعة بآية حال من الأحوال، وإنما منطوقها ينتصر فقط للرجوع إلى الله يوم القيامة.
فقوله تعالى : ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران : 185]، فالمرء بعد الموت يتوقف رجوعه على يوم القيامة لا على الدنيا.
وقوله تعالى : ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران : 185]، فما الداعي إذاً إلى الرجوع إليها بعد الموت أو القتل طالما أنها متاع الغرور، لا متاع الحقيقة الذي ينتظره الإنسان في آخرته. [22]
أما تفريق الله عز وجل بين الموت والقتل؛ ما هو إلا تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال، لأن إلاقدام أو الإحجام عن القتل لا ينقص من العمر أو يزيد فيه، فكل مسطّر في كتاب عند الرحمن : ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا ۚ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر : 11][23].
وحقًا ما رد به الدكتور عبد المنعم : فهذا تأويل يحمل جهلاً بلغة العرب التي نزل بها القرآن، حيث عدّ القتل ونحوه ليس من قبيل الموت الذي تنص عليه الآية، وهذا مبلغ علمهم، ثم إن هذه الرواية تجعل الرجعة لجميع الناس حتى يتحـقـق لكل أحـد منهم مـوت وقتل كمـا يعتـقدون ـ، بينـما هـم قالوا بأن الرجعة خاصـة بمن محّض الإيمان، ومحّض الكفر كما سلف[24].
إبطال الدليل الثالث :
من سورة الأنبياء، قوله : ﴿ وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء : 95].
وقالوا في تأويلها أن كل قرية أهلكها الله بعذاب فإنهم لا يرجعون؛ وعليه : فالرجعة ثابتة في الدنيا، ومحرمة على أقوام أهلكوا بعذاب.
فيفسّر الدكتور العسّال : الآية تفسيرها الصحيح، على لسان أحد مفسريهم قال : « كأن قائلاً يقول هل يبعث الله ثانية الذين أهلكهم في الدنيا بكفرهم؟ الجواب : أجل لا استثناء من البعث، وممتنع على الذين هلكوا ألا يرجعوا إلى الله، بل يرجعوا إليه لا محالة، ويحاسبهم على ذنوبهم وكفرهم، أجل لا يعاقبهم على تكذيب الأنبياء من حيث هو، لأن الإهلاك في الدنيا هو العقاب على هذا التكذيب، وما عداه يشتمل الحساب والعذاب هذا ما ندركه بعقلنا من حيث الاستحقاق في ظاهر الأمر والواقع لله وحده »[25].
أما الدكتور عبد المنعم فؤاد ؛ فيقول : « إن المعنى ظاهر من سياق الآية، وهو كما قال ابن عباس رضي الله عنهما : « إنه قدر أن أهل كل قرية أهلكوا أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قبل القيامة»، أي أن رجوعهم لا يكون إلا يوم القيامة وممتنع قبل ذلك »[26].
وهذا التفسير حجة عليهم، فهي تدل على نفي الرجعة إلى الدنيا، أي حرام على أهل كل قرية أهلكوا بذنوبهم أنهم يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة.
وإذا كان المقصود إثبات الرجعة؛ فهي رجعة الناس ليوم القيامة بلا ريب، أي ممتنع البتة عدم رجوعهم إلينا للعذاب، وتخصيص امتناع عدم رجوعهم بالذكر مع شمول الامتناع لعدم رجوع الكل حسبما نطق به قوله : ﴿ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ ۖ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء : 93]، لأنهم المنكرون للبعث والرجوع دون غيرهم[27]، وعليه؛ فالتأويل الشيعي لآية الأنبياء تأويل باطل.
إبطال الدليل الرابع :
أما استدلالهم بآية القصص : ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾ [القصص : 85]، حيث أولها الشيعة إلى الرجعة كما سبق.
لكنّ الباحثة آمال عبد القادر : تسجل أن هذا تفسير (ابن سبأ) للآية[28]، وتخطئ هذا التفسير، وتصححه بقولها : « أن الذي أنزل عليك يا محمد القرآن وفرض عليك العمل به لرادك إلى مكة كما أخرجك منها في الموعد الذي قدره يوم الفتح، وهو وعد منه بفتح مكة ورجوعه إليها بعد أن هاجر منها »[29].
وبعد : فتلكم هي أقوى الأدلة عند الشيعة في الاستدلال على الرجعة، وقد أُبطلت من قبل بعض علماء الأزهر، وعند الشيعة آيات أخرى تأولوها على الرجعة أيضًا وكلها قريبة في التأويل مما ذكر؛ إذ لا تعتمد على حجة ولا إجماع، ولا قياس، ولا لغة.
والصواب الذي ندين به هو أنه لا يكون رجوع ولا بعث إلا يوم الحساب، حين يجمع الله الخلائق، وعلى هذا أطبقت الأدلة النقلية والعقلية من قرآن وسنة وإجماع، وهذا هو الحق الذي ندين به وليس بعد الحق إلا الضلال.
[1] العلاًمة محب الدين الخطيب : الخطوط العريضة(ص22).
[2] مصطفي الشكعة : إسلام بلا مذاهب(ص203).
[3] صابر طعيمة : الأصول العقدية للإمامية(ص 58).
[4] مصطفي الشكعة : إسلام بلا مذاهب(ص205).
[5] من علماء النجف، صاحب كتاب (لله ثم للتاريخ، أو كشف الأسرار وتبرئة الأئمة الأطهار).
[6] مصطفي الشكعة : إسلام بلا مذاهب (ص204)، وانظر : موسى الموسوي : الشيعة والتصحيح (ص142، 143).
[7] انظر : السيد إبراهيم الموسوي : عقائد الإمامية (ص241، مطبعة نور الأمل، 1381هـ).
[8] رجال الكشي(ص122، 124).
[9] المصدر السابق(ص135).
[10] عبدالمنعم : قضية التأويل(ص306).
[11] العسال : الشيعة ومنهجهم في تفسير القرآن (ص559)، وانظر : ابن سعد : الطبقات الكبرى(ج3/ ص39، مطبعة بيروت).
[12] آمال عبد القادر :عبد الله بن سبأ وأثره على التفكير الإسلامي(ص180)، وانظر : الشهرستاني :الملل والنحل(ج1/ ص166).
[13] السواح : التيار الشيعي الإمامي(ص152).
[14] انظر مثلاً : تفسير ابن كثير(ج1/ ص42).
[15] قضية التأويل(ص287).
[16] الشيعة ومنهجهم في تفسير القرآن للعسّال(ص554)، قال هذا الكلام تأييدًا لتفسير محمد جواد ومغنية للآية، وانظرأيضًا : التفسيرالمبين لمغنية(ص7).
[17] قضية التأويل(ص287، 288).
[18] أصول مذهب الشيعة الاثني عشرية للقفارى(ج3/ ص923).
[19] السابق(ص293).
[20] تفسير ابن كثير(ج1/ ص410).
[21] عبد المنعم فؤاد : قضية التأويل(ص293)، وانظر أيضًا : النداف : مسائل الاعتقاد (ج2/ ص743).
[22] انظر : قضية التأويل (ص294).
[23] السابق (ص295).
[24] ناصر القفاري : أصول مذهب الشيعة الاثني عشرية (ج2/ ص922) بتصرف يسير.
[25] العسال :الشيعة ومنهجهم في تفسير القرآن(ص557)، وانظر : التفسير المبين لمغنية(ص374).
[26] عبدالمنعم فؤاد : قضية التأويل، وأيضاً : ابن كثير(ج3/ ص195).
[27] ناصرالقفاري : أصول مذهب الشيعة الاثني عشرية(ص918)، وانظر : روح المعاني للألوسي(ج17/ ص91، دار إحياء التراث العربي، بيروت).
[28] ذكرت الباحثة : أن ابن سبأ هو الذي فسر هذه الآية واحتج بها، لكن يبدوا أن دور ابن سبأ فقط أنه هو المؤسس لمبدأ الرجعة، لكن الذي تحمل كد نشره وتفسير هذه الآية بالرجعة هو جابر الجعفي، حيث امتدحته روايات الشيعة بفقهه في أمر الرجعة، حيث جاء في تفسير القمي أن أبا جعفر قال : «رحم الله جابرًا؛ بلغ فقهه أنه كان يعرف تأويل هذه الآية : (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد)؛ معنى الرجعة«، انظر : أصول مذهب الشيعة الاثني عشرية للقفاري (ج2/ ص927)، وانظر : تفسير القمي (ج2/ ص147).
[29] آمال عبد القادر : عبد الله بن سبأ وأثره على التفكير الإسلامي(ص127)، وانظر :الظلال(ج2/ ص448، ط الشرعية السابقة، دار الشروق بيروت، القاهرة، 1398هـ = 1978م).
-
الاحد PM 02:51
2025-04-06 - 521



