المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1888704
يتصفح الموقع حاليا : 436

البحث

البحث

عرض المادة

مفهوم الرجعة عند الشيعة وتعريفها واستدلالهم عليها

الرجعة في اللغة الانصراف، يقال : « رجع، يرجع، رجوعًا : انصرف، و «فلان يؤمن بالرجعة ؛ أي بالرجوع إلى الدنيا بعد الموت »[1].

وهذا الذي ذكره علماء اللغة هو المقصود بالرجعة الشيعية.

ويشير (ابن الأثير) :أن هذا مذهب قوم من العرب في الجاهلية معروف عندهم.

أما المفهوم العام لمبدأ الرجعة عند الاثني عشرية؛ فهو يشمل ثلاثة أصناف :

الأول : الأئمة الاثنا عشر، حيث يخرج المهدي من مخبئه، ويرجع من غيبته، وباقي الأئمة يحيون بعد موتهم ويرجعون لهذه الدنيا.

الثاني : ولاة المســلمــين الــذيــن اغتصـبوا الخــلافـــة فــي نــظـرهــم من أصـحابــهـا الشرعييـن الأئمة الاثني عشر، فيُبـعث خلفـاء المسلـمين وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر وعثمان من قبـورهم، ويرجعون لهـذه الدنيا للاقتصـاص منهم بأخذهم الخلافة من أهلها، فتجري عليهم عمليات التعذيب والقتل والصلب.

الثالث : عامة الناس ويخص منهم : من محض الإيمان محضًا وهم الشيعة عمومًا؛ لأن الإيمان خاص بالشيعة، ومن محّض الكفر محضًا وهم كل الناس ما عدا المستضعفين[2].

أو بعبارة شيخهم المفيد : « من علت درجته في الإيمان، ومن بلغ الغاية في الفساد كلهم يرجعون بعد موتهم[3]، وكذا من كان له قصاص فيرجع ويقتص من قاتله[4]، وزمن الرجعة العامة عند قيام مهدي آل محمد عليهم السلام[5]، ورجوعه من غيبته.

ولكن بعض شيوخهم يقول : « إن الرجعة العامة غير مرتبطة بأمر ظهور المهدي؛ ذلك أن الرجعة غير الظهور، لأن الإمام عليه السلام حي غائب، وسيظهر إن شاء الله، ولم يسلب الملك فيرجع إليه، فمبدأ الرجعة من رجوع الحسين إلى الدنيا[6].

وقد ذكرت بعض رواياتهم أن (مهديهم) يقول : « وأجيء إلى يثرب، فأهدم الحجرة، وأخرج من بها وهما طريّان، فأمر بهما تجاه البقيع، وآمر بخشبتين يصلبان عليهما فتورقان من تحتهما، فيفتتن الناس بهما أشد من الأولى، فينادي منادي الفتنة من السماء؛ يا سماء انبذي، ويا أرض خذي، فيومئذ لا يبقى على وجه الأرض مؤمن »[7].

والغرض من هذه الرجعة، هو انتقام الأئمة والشيعة من أعدائهم حتى قال أبو عبد الله : « كأني بحمران بن أعين، وميـسر بن عبد العزيز؛ يخبطان الناس بأسيافهما بين الصفا والمروة »[8].

وعند ذكر هذه الروايات، لا بد من طرح عدة أسئلة :

لماذا المسجد الحرام بالذات الذي يجري فيه هذا القتل؟

وهل سيقتل الذين يطوفون بالبيت ويسعون بين الصفا والمروة أم غيرهم؟

هل لبعض ما جرى في التاريخ من قيام القرامطة بقتل حجاج بيت الله داخل الحرم علاقة بذلك؟

وهل جلب المتفجرات مع حجاج إيران، وتسيير المظاهرات تهتف باسم خميني تسد الشوارع وتؤذي المارة فيها، وتتجه إلى دخول الحرم، وهو مزدحم غاية الازدحام، وهي تضم عشرات الآلاف من المتحمسين الثائرين، هل لكل هذا علاقة بهذه الروايات أيضًا؟

بل الأدهى من ذلك، أن يتحول صفوة الخلق وهم أنبياء الله ورسله إلى جند لعلي! قالوا : « ولم يبعث الله نبيًا ولا رسولاً إلا رد جميعهم إلى الدنيا حتى يقاتلوا بين يدي علي بن أبيطالب أمير المؤمنين »[9].

ويزعمون بأن حياتهم في الرجعة ستكون منعمة حتى « يكون أكلهم وشربهم من الجنة، ولا يسألون الله حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا وتقضي لهم »[10].

وتنتهي الرجعة بالنسبة للشيعة بالقتل لمن مات من قبل، وبالموت لمن قتل، وهذه النهاية إحدى أغراض الرجعة؛ فهم يقولون في رواياتهم : « ليس أحد من المؤمنين قتل إلا سيرجع حتى يموت، ولا أحد من المؤمنين مات إلا سيرجع حتى يقتل »[11].

وهذه العقيدة كانت سرًا من أسرارهم، عن (أبي جعفر) قال : « ولا تقولوا الرجعة، فإن قالوا لكم فإنكم قد كنتم تقولون ذلك، فقولوا : أما اليوم فلا نقول ».

مكانتها عند الشيعة الإمامية وأصلها

الرجعة من أصول المذهب الشيعي، وقال ابن بابويه في الاعتقادات : « واعتقادنا في الرجعة أنها حق »[12]، وقال المفيد : « واتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات »[13].

ومما يدل على تغلغل هذه العقيدة في نفوس الشيعة كلهم : أن عبارات الرجعة ترد في أدعيتهم الشهيرة ولا ينكرها أحد، فهي واردة في فضل زيارة مشاهد الأئمة، وهي التي تقرؤها الشيعة أمام قبور ومشاهد أئمتها عندما تذهب للسلام عليهم.

فقد جاء في إحدى فقرات هذه الزيارة هذه العبارة : « مؤمن بإيابكم، مصدق برجعتكم، منتظر لأمركم مرتقب لدولتكم »[14].

أما عن أصلها عند الشيعة : قد ذهبت فرق شيعية كثيرة إلى القول برجوع أئمتهم إلى هذه الحياة، ومنهم من يقر بموتهم ثم رجعتهم، ومنهم من ينكر موتهم؛ ويقول : بأنهم غابوا وسيرجعون، وكانت عقيدة الرجعة خاصة برجعة الإمام عند السبئية، والكيسانية وغيرها، ولكنها صارت عند الاثني عشرية عامة للإمام وكثير من الناس، ويشير (الألوسي) : إلى أن تحول مفهوم الرجعة عند الشيعة من رجعة الإمام فقط إلى ذلك المعنى العام كان في القرن الثالث[15].

استدلالهم على هذه العقيدة

اعتمدت الشيعة في الاستدلال لهذه العقيدة بعدة استدلالات، منها :

أولاً :روايات الأئمة :

فلقد نسبت روايات كثيرة في هذا الأمر إلى كل من الإمامين الجليلين محمد الباقر، وولده جعفر الصادق : منها علـى سبـيل المـثال : قال أبو عـبد الله يعني سيدنا جعفرًا : « ينادى باسم القائـم أي : الإمام محمد الثاني عشر، في ليلة ثلاث وعـشرين، ويقوم يوم عاشوراء، لكأني به في اليوم العاشر من المحرم قائماً بين الركن والمقام، جبريل عن يمينه ينادي : البيعة لله، فتسير إليه الشيعة من أطراف الأرض تطوى لهم طياً حتى يبايعوه، وقد جاء في الأثر : إنه يسير من مكة حتى يأتي الكوفة، فينزل على نجفنا، ثم يفرق الجنود منها في الأمصار ».

وروى الحجال عن ثعلبة عن أبى بكر الحضرمي عن سيدنا محمد الباقر؛قال : « كأني بالقائم عليه السلام على نجف الكوفة، وقد سار إليها من مكة في خمسة آلاف من الملائكة، جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله، والمؤمنون بين يديه، وهو يفرق الجنود في البلاد ».

وروى عبد الكريم الجعفي ؛ قال : « قلت لأبي عبد الله ـ يعني سيدنا جعفراً ـ كم يملك القائم عليه السلام ؟ قال : سبع سنين، تطول حتى تكون السُّنَّة من سنيّه مقدار عشر سنين من سنيّكم، فتكون سنوّ ملكه سبعين سنة من سنيّكم هذه ».

وروي عبد الله بن المغيرة عن أبي عبد الله يعني سيدنا جعفراً الصادق عليه السلام قال : « إذا قام القائم من آل محمد أقام خمسمائة من قريش فضرب أعناقهم، ثم خمسمائة أخرى، حتى يفعل ذلك ست مرات، قلـت : يعني ابن المغيرة، ويـبلغ عدد هؤلاء هـذا؟ قال جعفر الصادق : نعم، منهم ومن مواليهم »[16].

ثانياً : من القران الكريم :

إنّ الشيعة لمَّا رأوا أنّ ظاهر القرآن يحارب فكرة الرجعة ولا يناصرها على الإطلاق جذبوا عددًا من الآيات واستخدموا فيها المنهج الباطني وهاك طرفًا من تأويلاتهم.

الدليل الأول : من سورة البقرة :اختاروا آيتين :

قوله : ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة :3] ؛ زعم الطبرسي والكاشاني وأكثر مفسريهم : أن الإيمان بالغيب في الآية الكريمة هو « بما غاب عن حواسهم من توحيد الله ونبوة الأنبياء وقيام القائم والرجعة »[17].

قوله تعالى : ﴿  ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَﯠ﴾ [البقرة : 56]؛قال الطبرسي : « واستدل أكثر أصحابنا بهذه الآية على جواز الرجعة، وقول من قال لا تجوز إلا في زمن النبي لتكون معجزة له ودلالة على نبوته باطل، لأن عندنا بل عند أكثر الأمة يجوز إظهار المعجزات على أيدي الأئمة والأولياء »[18].

الدليل الثاني :

من سورة (آل عمران)قوله تعالى : ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران : 185]؛قال القمي في تفسيره : « في البصائر عن جابر الجعفي عن أبي جعفر قال : « ليس من مؤمن إلا وله قـَتْلة، وموته إنه من قتل نُشر أي رجع حتى مات ومن مات نشر حتى يقتل»، قال جابر ثم تلى الآية عن أبي جعفر فقال هو : « كل نفس ذائقة الموت، ومنشورة « فقلت قولك : ومنشورة ما هو؟ فقال هكذا أنزل بها جبريل علي محمد يريد الرجعة[19].

الدليل الثالث : من سورة الأنبياء :

قوله : ﴿ وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء : 95]؛قالوا في تأويلها : « إن هذه الآية من أعظم الدلالة على الرجعة؛ لأن أحدًا من أهل الإسلام لا ينكر أن الناس كلهم يرجعون يوم القيامة من هلك ومن لم يهلك »[20].

الدليل الرابع : من سورة القصص :

اختاروا قول الله : ﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [القصص : 85] ؛يقول (القمي) في تفسيره : عن أبي جعفر قال : « رحم الله جابرًا بلغ فقـهه أنه كان يعـرف تـأويل هذه الآيـة يعني الرجعة يرجع إليكم نبيكم وأمير المؤمنين والأئمة ».

ولهم أدلة كثيرة ولكني ذكرت أقواها.

 

[1] انظر :الجوهري :الصحاح، الفيروز : أبادي القاموس المحيط، مادة ( ر ج ع ).

[2] المستضعفون : مصطلح عند الشيعة يرد في مصادرهم وهم : ضعفاء العقول مثل النساء العاجزات، والبله وأمثالهم ومن لم يتم عليه الحجة ممن يموت في زمن الفترة؛ انظر : بحار الأنوار (ج8/ ص363).

[3] أوائل المقالات(ص 95).

[4] كريم إبراهيم : الفطرة السليمة(ص 383، إيران، 1340هـ).

[5] الشيخ المفيد : أوائل المقالات(ص 95).

[6] كريم بن إبراهيم : الفطرة السليمة(ص383).

[7] المجلسي : بحار الأنوار (ج53/ ص39).

[8] السابق(ج53/ ص40).

[9] السابق(ج53/ ص41).

[10] السابق(ج53/ ص116).

[11] بحار الأنوار(ج53/ ص39).

[12] الاعتقادات(ص 90).

[13] المفيد : أوائل المقالات(ص51).

[14] موسى الموسوي : الشيعة والتصحيح(ص144، الزهراء للإعلام العربي، ط1، 1409هـ = 1989م).

[15] الآلوسي : روح المعاني (ج20/ ص27).

[16] أبوعبد الله محمد بن محمد بن النعمان المشهور بالشيخ المفيد : الإرشاد في تاريخ حجج الله على العباد (ص398-402 طبعة حجر، إيران).

[17] الطبرسي : مجمع البيان (ج1/ ص82)، وتفسير الصافي (ص58).

[18] الطبرسي : مجمع البيان(ج1/ ص257).

[19] تفسيرالقمي(ص115).

[20] انظر في تأويل هذه الآية عندهم : تفسيرالقمي (ص433)، تفسير شبّر(ص321)، الطبرسي : مجمع البيان (ج17/ ص59).

 

  • الاحد PM 02:47
    2025-04-06
  • 535
Powered by: GateGold