ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
الرد على عقيدة البداء
القول بالبداء كما يقول فضيلة الأستاذ الدكتور فتحي محمد الزغبي[1] : « يستتبع الجهل بالأشياء قبل وقوعها والأخذ بهذا الرأي يفسح المجال للقول بأن علم الله يتأثر بحدوث أشياء جديدة وأنه جل جلاله يغير إرادته ثانية، والجهل بالأشياء قبل وقوعها لا يجوز على الله بل لا يليق في حقه سبحانه »[2].
ثم يكمل فضيلته حاكما على من يتجرأ على الله تعالى بهذا القول بقوله « ومن ثم فإن هذا الاعتقاد يؤدي إلى الكفر الصريح »[3].
لأنه كما يقول الدكتور عبد المنعم النمر : « إن هذا والعياذ بالله يعني اتصاف الله بالجهل»[4].
وهذا ما أكده الدكتور محمود أحمد خفاجي : « إن هذه العقيــدة الباطلة اتهام صريـح لله بالجـهل نعوذ بالله من الخذلان ــ، فليت هؤلاء وأمثالهم يتأملون قول الله عز وجل : ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة : 255]، ليتهم يتأملون »[5].
بالإضافة إلى أنه كما يقول الدكتور مصطفي مراد : « إنه يتناقض مع قول الله تعالى : ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [يونس : 61][6].
يقول (ابن كثير) في تفسير هذه الآية : يخبرتعالى نبيه ﷺ أنه يعلم جميع أحواله وأحوال أمته، وجميع الخلائق في كل ساعة وآن ولحظة، وأنه لا يعزُب عن علمه وبصره مثقالُ ذرة في حقارتها وصغرها في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر منها ولا أكبر إلا في كتاب مبين[7].
إضافة كما مر فإن منبعه وأصله الذي جاء منه إنما هم اليهود وهذا ما أكده الدكتور فتحي الزغبي حيث قال : « وبقي أن نبحث عن المصدر الذي استقى منه القول بالبداء قد جاء في سفر التكوين « ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم، فحزن أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه. فقال الرب : أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته. الإنسان مع بهائم ودبّابات وطيور السماء، لأني حزنت أني عملتهم ».
ولا شك أن تأسف الرب وحزنه على ما فعل الإنسان يعكس أنه تعالى ما كان يعلم بما سيحدثه الإنسان ولذلك فقد قرر الندم على هذا الخلق وأراد أن يمحوه وهو قول بالبداء الصريح الذي لا يجوز في حق الله أبدا
الرد على تأويلهم البداء
الرد على تأويلهم البداء بالنسخ :
إن محاولة الخلط بين النسخ والبداء، وإلصاق البداء بالنسخ، هي إحدى محاولات الشيعة الفاشلة حتي تصبغ هذه العقيدة بصبغة القبول، وهذا محال... لأن النسخ له معنى والبداء معنى أخر
يقول فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله[8] : « ما معنى البداء؟ هو أن تأتي بحكم ثم يأتي التطبيق فيثبت قصور الحكم عن مواجهة القضية فيعدل الحكم... وهذا محال بالنسبة لله سبحانه وتعالى...، نقول لهم طبعا هذا المعنى مرفوض ومحال أن يطلق على الله تبارك وتعالى،... ولكننا نقول إن النسخ ليس بداء، وإنما هو إزالة الحكم والمجيء بحكم آخر،... ونقول لهم ساعة حكم الله الحكم أولا فهو سبحانه يعلم أن هذا الحكم له وقت محدود ينتهي فيه ثم يحل مكانه حكم جديد،... ولكن الظرف والمعاجلة يقتضيان أن يحدث ذلك بالتدريج،... وليس معنى ذلك أن الله سبحانه قد حكم بشيء ثم جاء واقع آخر أثبت أن الحكم قاصر فعدل الله عن الحكم... إن هذا غير صحيح.
لماذا؟... لأنه ساعة حكم الله أولا كان يعلم أن الحكم له زمن أو يطبق لفترة... ثم بعد ذلك ينسخ أو يبدل بحكم آخر. إذن فالمشرع الذي وضع هذا الحكم وضعه على أساس أنه سينتهي وسيحل محله حكم جديد،...وليس هذا كواقع البشر...فأحكام البشر وقوانينهم تعدل لأن واقع التطبيق يثبت قصور الحكم عن مواجهة قضايا الواقع...لأنه ساعة وضع الناس الحكم علموا أشياء وخفيت عنهم أشياء...فجاء الواقع ليظهر ما خفي وأصبح الحكم لابد أن ينسخ أو يعدل...ولكن الأمر مع الله سبحانه وتعالى ليس كذلك...أمر الله جعل الحكم موقوتًا ساعة جاء الحكم الأول »[9].
وهذا هو نفس ما قاله الدكتور العسال : وهو أن البداء معناه الظهور بعد الخفاء، وأما النسخ فهو : رفع الحكم الشرعي بخطاب شرعي متراخٍ عنه، وهو مستلزم لتحويل العباد من حكم كان لحكمه ومصلحة لهم في وقت ما إلى حكم أخر لحكمه ومصلحة في وقت أخر، وكل ذلك كان في سابق علم الله تعالى؛ لجواز اختلاف المصالح باختلاف الأحوال والأزمان، فقد تكون مصلحة أهل زمان في المساهلة، ومصلحة أهل زمان في الشدة أو بالعكس.
فالفرق واضح بين النسخ والبداء، وإذا علمنا ذلك عُلِم بالضرورة أن البداء مستحيل في حقه تعالى؛ لاستلزامه الجهل، وهو عليه محال، وأما النسخ فجائز لاشتماله على الحكم والمصالح المعلومة ولعدم استلزامه الجهل »[10].
ويعود فضيلة الشيخ الشـعراوي رحمه الله وبطريقته المفـضلة (بالمثال يتضح المقال) : يضرب مثالاً يوضح به الأمر :
« مثلًا حين وجه الله المسلمين إلى بيت المقدس.أكانت القضية عند الله أن القبلة ستبقى إلى بيت المقدس طالما وجد الإسلام وإلى يوم القيامة؟ ثم بدا له سبحانه وتعالى أن يوجه المسلمين إلى الكعبة؟ لا... لم تكن هذه هي الصورة...ولكن كان في شرع الله أن يتوجه المسلمون أولا إلى بيت المقدس فترة ثم بعد ذلك يتوجهون إلى الكعبة إلى يوم القيامة.
إذن فالواقع لم يضطر المشرع إلى أن يعدل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة... وإنما كان في علمه وفي شرعه أنه سيغير القبلة بعد فترة إلى الكعبة...ولعل لذلك هدفا إيمانيًّا في أن العلة في الأمور هي أنها من الله؛ فالاتجاه إلى بيت المقدس أو الاتجاه إلى الكعبة لا يكلف المؤمنين جهدًا إيمانيا إضافيًّا...ولا يضع عليهم تكاليف جديدة. فالجهد نفسه الذي أبذله للاتجاه إلى الشرق أبذله للاتجاه إلى الغرب. ولكن الاختبار الإيماني أن تكون علة الأمر أنه صادر من الله...فإذا قال الله اتجه إلى بيت المقدس إتجهنا...فإذا قال اتجه إلى الكعبة اتجهنا...ولا قدسية لشيء في ذاته...ولكن القدسية لأمر الله فيه »[11].
وإذا كان مقصود هؤلاء النسخ فلماذا لا يستخدمون نفس اللفظ الواضح، يقولون : النسخ هكذا بدلاً من استخدام مثل هذه الألفاظ الموهمة الغريبة.
لذلك يعلق الدكتور عبد المنعم البري على قياس البداء على النسخ : « يظل لنا على هذا المعتقد بعض التحفظ والحذر، فإن استخدام العبارات الموهمة الغريبة لا يصح في الأمور الاعتقادية، ويجب أن تظل العقائد واضحة حتى لا يحدث بها اللبس والتشويش » [12].
ويَنْحى الدكتور مصطفي مراد نفس المَنْحَى : « أن القول بالبداء والإصرار عليه والإبقاء عليه في كتب الزيارات والروايات معاً هو النموذج الأكمل في الإصرار على العزة بالإثم »[13].
رد التأويل الثاني :
أما التأويل الثاني الذي أوله (الطبرسي، البحراني)[14] بأن المحو والإثبات فيما هو عند الله عز وجل وحده ولم يطلع عليه أحد من خلقه، وهذا يجوز فيه البداء، أما الذي لا يجوز فيه فهو الذي اطلع عليه بعضاً من خلقه.
يشفق ساخراً الدكتور محمد العسال : على الطبرسي، لأنه كلف نفسه فوق طاقتها ليأتي بما يوافق مذهب طائفته عن كبار الصحابة ليجد في الأخير أن روايات الصحابة التي أتى بها متناقضة مع روايات أل البيت، مع أن أل البيت أصلاً براء من هذه الروايات المفتراه عليهم.
يقول الدكتور العسال : « فإن مفاد أخبار أبي جعفر وأبي عبد الله التي أوردها، هو أن المحو والإثبات إنما هو مما كان مثبتاً في أم الكتاب التي لم يطلع عليه نبي مرسل ولا ملك مقرب، فهذا ليس فيه البداء، وهو الذي عبّر عنه أبو جعفر بقوله : « وأمر ما عنده موقوف له فيه المشيئة... الخ »، وفي الرواية الأخرى : «وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه أحداً يحدث فيه ما يشاء »، وعّبر عنه أبو عبد الله بقوله : « وما كان من موقف فله فيه المشيئة... إلخ ».
فهذا النوع هو الذي يجوز فيه البداء بناءً على روايات الشيعة عن أئمتهم، أما ما لا يجوز فيه البداء عندهم فهو ما اطلع عليه ملائكته ورسله وأمر الملائكة بكتابته مما يصيب العباد، كما في رواية أبي جعفر، وعبر عنه أبو عبد الله بقوله : « فما كان من محتوم أمضاه... ».
في حين أن مفاد روايات الصحابة التي أوردها على العكس من ذلك، وليس فيها شائبة بداء كما زعم، فإن مفادها : أن الله يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء وعنده أم الكتاب، الذي لا يغير منه شيء كما هو صريح كلام ابن عباس حيث قال : « كتاب سوى أم الكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت وأم الكتاب لا يغير منه شيء ».
فدل ذلك على أن المحو من كتاب أخر أو هو كتاب الملائكة، أما أم الكتاب فلا، والحاصل أن روايات أهل السُنة التي ذكرها على النقيض من أخبار الشيعة، حيث تفيد الأولى أن أم الكتاب لا يغير منه شيء، بينما تفيد الثانية جواز البداء عليه فيما حجبه عنده في أم الكتاب، وهذا يستلزم العلم بعد الجهل، تعالى الله عن ذلك، ونحن نجل أل البيت أيضاً عن أن يقولوا بالبداء أو يعتقدوه [15].
ونجد الدكتور البري - ينقل روايات عن أهل البيت تشهد لذلك : قال الصادق عليه السلام : « من زعم أن الله تعالى بدا له شيء بدا ندامة، فهو عندنا كافر بالله العظيم »[16]
[1] الأستاذ الدكتور فتحي محمد الزغبي، أستاذ العقيدة والفلسفة، عين مدرسا بقسم العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين والدعوة بطنطا بتاريخ 17-10-1987م، وهو أول من منح الماجستير بالكلية بتاريخ 25-1-1984بأطروحته : « غلاة الشيعة وتاثرهم بالأديان المغايرة للإسلام اليهودية والمسيحية والإسلام «.
[2] الدكتور فتحي محمد الزغبي، غلاة الشيعة وتأثرهم بالأديان المغايرة للإسلام اليهودية والمسيحية والإسلام ص425، الطبعة الأولي، 1409هـ - 1988م. مطابع غباشي، طنطا، مصر.
[3] المصدر السابق، نفس الموضع.
[4] عبد المنعم النمر : الشيعة. المهدي. الدروز... تاريخ ووثائق(ص74).
[5] محمود أحمد خفاجي : عبد الله بن سبأ وأثره في وضع أصول الرافضة (ص351).
[6] مصطفي مراد : رؤية إصلاحية لعقائد الشيعة (ص298).
[7] تفسير ابن كثير : (ج4/ ص277).
[8] الشيخ محمد متولي الشعراوي : (1329 - 1419هـ، 1911 - 1998م)، العالم الفقيه المفسر، من أبرز علماء عصره، أحد دعائم الفكر الإسلامي الحديث بمصر، ركيزة من ركائز الدعوة الإسلامية في النصف الثاني من القرن العشرين، وُلِدَ في مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية بمصر، حصل على الشهادة العالمية من كلية اللغة العربية بجامعة الأزهرعام 1941، وتدرج في سلك التدريس الأزهري بمختلف المعاهد الدينية أعير للملكة العربية السعودية عام 1950 مدرسًا بكلية الشريعة بجامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة، ثم عاد فترة إلى مصر عُيّن فيها وكيلاً لمعهد طنطا الديني، ثم انتقل مديراً للدعوة بوزارة الأوقاف عام 1961، ثم مفتشاً للعلوم بالأزهر عام 1962، ثم عُين بعد ذلك مديراً لمكتب شيخ الأزهر عام 1964، ثم عُين وزيراً للأوقاف وشئون الأزهر (1976 1987م) في عهد الرئيس أنور السادات، وهو عضو في مجلس الشورى ومجمع اللغة العربية ورابطة العالم الإسلامي والهيئة التأسيسية لها وكثير من الهيئات والجامعات العربية والإسلامية، للشيخ الشعراوي أسلوب فريد في التفسير يجمع بين أصالة التفاسير القديمة ومعاصرة الواقع العلمي المبتكر، له باع طويل في التوفيق بين الدين والعلم، ربط حقائق الإسلام بأحدث النظريات العلمية المعاصرة، هذا بالإضافة لما يتمتع به من ثقافة شمولية في معظم العلوم المعاصرة وذكاء متوقد، ليس للشيخ الشعراوي مؤلفات بعينها، غير أن أصحاب الأقلام ودور النشر الكبرى وهيئات علمية كثيرة أخذت أحاديثه المذاعة تليفزيونياً وإذاعياً وطبعتها في صورة مجلدات وكتب كبيرة بموافقته وإذنه، وهي تملأ السوق العربي والإسلامي كله ودور النشر الكبرى، بالإضافة إلى مئات المقالات في الصحافة العربية والإسلامية، حصل الشيخ الشعراوي على جوائز عديدة وأوسمة ونياشين دولية، كما حصل على جائزة الدولة التقديرية بمصر عام 1988م. انظر : فتاوى كبار علماء الأزهر الشريف (ج6/ ص60، دار اليسر، ط3، 1431ه = 2010م).
[9] انظر : تفسير الشيخ الشعراوي، سورة البقرة آية 106 (ص509، دار أخبار اليوم).
[10] محمد العسال : الشيعة ومنهجم في تفسير القران(ص647، 648).
[11] تفسير الشعراوي : (ص 509، 510).
[12] أنظر :د.محمد البري : الشيعة في دائرة الضوء، ص278.
[13] مصطفي مراد : رؤية إصلاحية شيعية لعقائد الشيعة ص298، نقلاً عن :موسى الموسوي : الشيعة والتصحيح ص147.
[14] حيث روي هو أيضاً :عن أبي جعفر قال : العلم علمان : علم عنده مخزون لم يطلع عليه أحداً من خلقه منه، يكون البداء... الخبر، أنظر : البرهان في تفسير القران للبحراني، جـ2 ص529.
[15] محمد العسال :الشيعة ومنهجهم ص652.
[16] محمد رضا المظفر : عقائد الإمامية، ص124.
-
الاحد PM 02:42
2025-04-06 - 501



