المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1888704
يتصفح الموقع حاليا : 423

البحث

البحث

عرض المادة

رد علماء الأزهر على عقيدة الشيعة في أن الإمامة أصل من أصول الإيمان وركن من أركانه عندهم

يتفق علماء الأزهر أن الإمامة عند الشيعة الاثني عشرية ليست بالأمر اليسير، بل هي أساس الدين وأصله المتين.

يقول الشيخ إسماعيل صادق العدوي : إن « الركن الخامس عندهم هو الإمامة... فكيف تكون الأركان الخمسة بهذه الصفة : الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج، الإمامة » ؟![1].

بل يذهب الدكتورمحمد حسين الذهبي[2] رحمه الله إلى أبعد من ذلك؛ حيث بين أنهم قالوا : « إن الإيمان بالإمام جزء من الإيمان بالله، وأن من مات غير معتقد بالإمام فهو ميت على الكفر »[3].

وبذلك قال الكثير من علماء الأزهر الشريف منهم :

الشيخ حسنين مخلوف[4].

والشيخ محمد الخضر الحسين[5] [6].

والدكتور عبد المنعم النمر[7]، [8].

والدكتور محمد عبد المنعم البري[9] [10].

والشيخ عطية صقر[11]، [12].

والشيخ محمد عرفة[13] [14].

والدكتورمحمد قمر الدولة ناصف[15] وغيرهم.

وقد رد الدكتورالبري على هذه الفرية بقوله : « إن الله تعالى وصف المؤمنين وأحوالهم، وكذلك فسّر النبي ﷺ الإيمان وذكر شعبه، فلم يكن للإمامة نصيب فيما وصف الله به المؤمنين، ولا ما ذكره رسوله الأمين من شعب الإيمان، وقال تعالى : ﴿ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴾ [الأنفال : 2، 3]، شهد لهؤلاء بالإيمان من غير ذكر للإمامة[16].

هذا بينما ينقل الأستاذ الدكتورمصطفي الشكعة[17] : عن الإمام الخميني[18] اعترافه بعدم وجود نص واحد على إمامة عليّ وبقية الأئمة في القرآن الكريم بقوله : « إنه كان من الخير أن ينزّل الله آية تؤكد كون علي بن أبي طالب وأولاده أئمة من بعد النبيّ، إذ أنّ ذلك كان كفيلًا بعدم ظهور أي خلاف في هذه المسألة »[19].

ويعقبه مباشرة بالرَّد قائلًا : « وهو قول خطير، لأن آية الله يوجه نقداً إلى المولى عز وجل وهو ما نعيذ به أي مسلم من التورط فيه، على أن الرجل لا يلبث أن يناقض نفسه قائلاً : « إلا أننا على ثقة بأن الله حتى لو فعل ذلك؛ فإن الخلافات لم تكن لتزول، بل إن أموراً مفسدة أخرى كانت ستقع حتماً »[20].

وحول حديث النبي ﷺ : « الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا... الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه »[21].

يعقب عليه الدكتور عبد المنعم فؤاد عثمان : « لماذا لم يذكر الرسول صلوات الله وسلامه عليه في هذا المقام وهو مقام تبيان الأصول العامه للإسلام والإيمان الإمامة على أنها أصل من أصول العقيدة؟ أم أن جبريل عليه السلام تنزل على الشيعة بعد رسول الله وأخبرهم أن محمدًا ﷺ نسي هذا الركن وطلب منهم قوله وعلى الملإ إشهاِره؟

وإن لم يكن هذا ولا ذاك؛ فهل يخبرنا علماء الشيعة أن الكفار في عصر النبوة أو حتى في عصر الخلفاء y كانوا إذا أرادوا الدخول في الإسلام أجريت عليهم أحكام الإسلام بما فيها الإمامة؟. إن هذا الحكم فيه افتراء على الحق؛ وإثمه أكبر من نفعه، أو على الأقل يشير إلى أن النبي ﷺ بناء على أقوال الشيعة يكون قد خان الأمانة؛ وحاشاه في ذلك، وقصر في تبليغ الرسالة كاملة، لأنه لم يذكر الإمامة لأحد، مع أن الله تعالى أوجبها على نفسه، فكيف لم يفطن المصطفي ﷺ إلى ما فطن إليه الشيعة على حسب ادعائهم ـ؟ »[22].

فالفرق إذن بين أهل السُّنَّة والشيعة في قضية الإمامة يلخصه لنا الدكتور محمد عمارة : أنها عند أهل السُّنَّة من السياسات والفقهيات والفروع؛ تختارها الأمة التي هي مصدر السلطات السياسية بالشورى والاختيار والبيعة... ثم تراقب الأمة الإمام... وتحاسبه... وتعزله عند الاقتضاء،... بينما رأتها الشيعة (إمامية إلهية) وشأنًا سماويًّا يعين الله سبحانه وتعالى فيها الأئمة بالنص والوصية...[23].

 

[1] الشيخ إسماعيل صادق العدوي : نظرة في فكرة الشيعة (ص71 - 72، مكتبة التراث الإسلامي، ط 1، 1427هـ = 2006م).

[2] محمد محمد حسين الذهبي : من علماء مصر والأزهر، تولى وزارة الأوقاف المصرية، من أهم كتبه (التفسير والمفسرون)، وهو رسالته لنيل درجة (الدكتوراه) وكان فضيلته رئيسًا للجنة الفتوى.

[3] الذهبي : التفسير والمفسرون (جـ2/ ص8، مكتبة وهبة، ط 2، عام 2000م).

[4] محمد يسري : فتاوى كبار علماء الأزهر الشريف في الشيعة ص 38، دار اليسر ط 2، 1430هـ = 2009م).

[5] سبق ترجمته.

[6] انظر : مواقف العلماء والمفكرين من الشيعة الاثني عشرية (ص229، إعداد موقع الراصد، ط 1429.

[7] ولد بمحافظة كفر الشيخ : حصل على الشهادة العليا من كلية أصول الدين، والدكتوراه من جامعة الأزهر، عمل مدرسًا بالأزهر عام 1942م، قام بأعمال شيخ الأزهر عام 1987م، له نحو 35 مؤلف منها : (تاريخ الإسلام في الهند)، (الإسلام والمبادئ المستوردة)، (الشيعة المهدي الدروز)، وغيرها.

[8] مواقف العلماء والمفكرين من الشيعة (ص281).

[9] سبق ترجمته.

[10] انظر : د. البري : الشيعة الاثني عشرية في دائرة الضوء (ص205- 206).

[11] هو فضيلة الشيخ عطية صقر، مواليد محافظة الشرقية، الأحد في محرم سنة 1333هـ، 22 نوفمبر سنة 1914م، حفظ القرآن الكريم وسنه تسع سنوات في كُتاب القرية، ثم التحق بالمعهد الديني بالزقازيق سنة 1928م، ثم تخرج في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، وحصل على العالمية 1941م، وعين فور تخرجه إمامًا وخطيبًا ومدرسًا بوزارة الأوقاف، وشغل عدة وظائف منها : عمله مدير بمكتب شيخ الأزهر سنة 1970م وأمينًا مساعدًا لمجمع البحوث الإسلامية - ومستشارًا لوزير الأوقاف - وعضوًا بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وكانت أبرز المناصب التي شغلها هي : رئاسة لجنة الفتوى في الأزهر في الثمانينات - عضويته في مجمع البحوث الإسلامية لفترة طويلة امتدت حتى منتصف التسعينات من القرن الماضي، وتوفي يوم السبت 19 ذوالقعدة 1427هـ الموافق 9 ديسمبر 2006م. انظر : فتاوى كبار علماء الأزهر الشريف في الشيعة (ص46).

[12]انظر : بيان للناس من الأزهر الشريف (ج2/ ص13، مطبعة الأزهر، 1989م، صدر في عهد فضيلة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق رحمه الله).

[13] الشيخ محمد عرفة من أفاضل علماء الأزهر، كان وكيلاً لكلية الشريعة، ثم عضو في جماعة كبار العلماء عام 1943م، ثم مدير الوعظ في مصر عام 1946م، ثم مدير حملة الأزهر، كان عضو في (جماعة التقريب بين السُّنَّة والشيعة) ثم تركها بعد أن تيقن حقيقة المطامع الشيعية خلفها، توفي عام 1332هـ = 1972م. انظر : جهود الأزهر (ص156).

[14]انظر : فتاوى كبار علماء الأزهر الشريف في الشيعة (ص58).

[15] هو فضيلة الأستاذ الدكتور : محمد قمر الدولة ناصف : أمد الله في عمره - أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين والدعوة بالزقازيق سابقا، والمشرف على هذا البحث له العديد من الحوارات والندوات العلمية في إذاعة القرآن الكريم، وسطر قلمه العديد من المؤلفات القيمة في العقيدة والفرق والفلسفة والتصوف، التي تتميز بالتأصيل والإنصاف في عرض المسائل العلمية منها « العقيدة الإسلامية في ضوء النصوص القرآنية « جزئين- دراسات في الفرق الإسلامية - شرح المواقف لعضد الدين الإيجي - دراسات في التصوف - وغيرها.. وقد أورد في كتابه (العقيدة الإسلامية في ضوء النصوص القرآنية ج 2، ص302) فصلا كاملا عن الإمامة.

[16] انظر : البري : الشيعة الاثنا عشرية في دائرة الضوء (ص205- 206).

[17] مصطفي الشكعة : عميد كلية الاداب عين شمس، وعميد الدراسات العليا بجامعة الإمارات العربية المتحدة سابقاً، وتولى عضوية مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، من مؤلفاته : (إسلام بلا مذاهب)، وله العديد من البحوث والمقالات القيمة. انظر : مواقف العلماء والمفكرين من الشيعة الاثني عشرية (ص27).

[18] الخميني : روح الله الخميني، عالم شيعي وزعيم سياسي، ذاع اسمه وانتشر صيته، ولد بأصفهان عام 1320هـ، وثار على الثورة البيضاء التي أعلنها الشاة بهلوي، فنفي إلي تركيا، ثم إلى العراق، وتزعم الشعب الإيراني الذي ثار على الشاة وأجبره على ترك البلاد، وعاد الخميني معلناً قيام الثورة الإسلامية في سنة1979م، والتي استندت في قيامها على مبدأ (ولاية الفقيه)، مات سنة 1989م، ودفن بطهران. انظر : نور الدين الشاهروردي : المرجعية الدينية ومراجع الإمامية (ص148- 150، مطبعة هادي، طهران، 1416هـ = 1995م).

[19] الإمام الخميني : كشف الاسرار (ص124).

[20] مصطفي الشكعة : إسلام بلا مذاهب (ص200، الدار المصرية اللبنانية، ط16، 1425هـ = 2004م).

[21] انظر : صحيح مسلم باب الإيمان والإسلام (ج1/ ص36).

[22] عبد المنعم فؤاد عثمان : قضية التأويل بين أهل السُّنَّة والشيعة والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله (ص188).

[23] محمد عمارة : أضواء على الموقف الشيعي من أصحاب رسول الله ﷺ (ص17، مكتبة الإمام البخاري، ط 1، 1430 = 2009م).

رد علماء الأزهر على أدلة الشيعة على وجوب الإمامة

أولاً : دليلهم العقلي :

يستغرب الدكتور الشكعة من مبدأ الاستدلال على عقيدة الإمامة بالعقل لأن : أئمة الشيعة يعترفون وفي مقدمتهم آية الله الخميني بأنه : لم يرد نص في القرآن الكريم بشأن الإمامة، وإنما هي عقيدة فرضها العقل.

ويذهب آية الله الخميني في تعبيره مذهبًا غاليًا حيث يقول : « إن العقل ذلك المبعوث المقرب من لدن الله؛ الذي يعد بالنسبة للإنسان كعين ساهرة، لا يستطيع أن يحكم بشيء، إما أن يقول : بأنه لا حاجة لوجود الله ورسوله، وأن الأفضل أن يكون التصرف في ضوء العقل، أو أن يقول : بأن الإمامة أمر مسلم به في الإسلام، أمر الله به نفسه، سواء جاء ذلك في القرآن أم لم يجئ »[1].

وهذا كلام بالغ الغرابة، خاصة تلك المعادلة التي قالها آية الله الخميني بأنه إما أن توجد الإمامة، وإما أنه لا حاجة إلى وجود الله ورسوله ﷺ [2].

وإذا كانت الإمامة كما يقولون لطفًا واجبًا على الله سبحانه وتعالى ؛ فأي لطف حصل للأمة بالأئمة كما صرّح بهذا الدكتور محمد العسال ؟.

ومن الذي انتفع به في دين أو دنيا، أو حصلت له به منفعة أو مصلحة أو لطف من الألطاف؟ هذا والشيعة يقولون : إن الأئمة كانوا مظلومين مقهورين عاجزين ليس لديهم سلطان ولا قدرة، بما فيهم عليّ نفسه، باستثناء فترة خلافته، وهي خمس سنين فأي لطف يحصل بأئمة هذه صفاتهم؟ فإن قيل : « إنما أوجب على العباد طاعتهم فإذا أطاعوهم هدوهم ولكن الخلق عصوهم ».

فيقال : لم يحصل بمجرد ذلك في العالم لا لطف ولا رحمة، وإنما حصل نقيضه وهو تكذيب الناس لهم ومعصيتهم إياهم والمنفعة المطلوبة من أولي الأمر لم تحصل بهم باستثناء فترة ولاية عليّ الخلافة، فتبين أن ما ذكر من اللطف كذب وتلبيس. بل لم تعدل عن شاكلة الصواب إذا قلنا : إن ولاية الخلفاء الثلاثة كانت لطفًا ورحمة[3].

بل قد حدث ما هو عكس ذلك كما يقول الأستاذ طه علي السواح[4] : « إن في عهد بني أمية وبني العباس قد انتفع الناس بولايتهم نفعًا عظيمًا؛ إذ اتسعت الفتوحات الإسلامية حتى وصلت أوربا، وكذلك في عهد الخلافة العثمانية التي دخل الإسلام في عهدها شرق أوربا »[5].

ولكن ما هو أصل هذا الدليل العقلي؟

يجيب الدكتور عبد المنعم فؤاد عثمان : « إن الدليل الشيعي الذي تمثل في نظرية اللطف الإلهي؛ يرجع في أصله إلى نظرية العدل الإلهي التي قال بها المعتزلة، بل هذه هي تلك ولا شك في ذلك.

والشيعة يثبتون بذلك أنهم قد تأثروا بالمعتزلة؛ الذين يوجبون فعل الأصلح على الله، فأوجبوا هم فكرة اللطف الإلهي، ولم يقفوا عند ذلك الحد، بل رأوا المعتزلة يقدمــون الوجوب العقلـي على الأوامــر الـشرعية، فأوجبــوا هم الإمامة بالعقل لا بالسمع كما يراها أهل السُّنَّة، فالتأثر هنا واضح جلي »[6].

والقول بالوجوب على الله سبحانه وتعالى كما يقول الأستاذ الدكتورمحمود مزروعة[7] : « مذهب فاسد؛ يقول به فريق، ويناقضه آخر. ونحن أهل السنّة لانؤمن بوجوب شئ على الله؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرا[8].

فهذا الدليل كما يقول فضيلته : « يزعمون أنه عقلي، وما هو بعقلي، بل هو وهمي، تخييلي، فقد خيل لهم هواهم أنه عقلي، ولكنه تحت النظرة الصحيحة يظهر تهافته[9].

وما سبق من ردود لعلماء الأزهر يثبت هذا التهافت.

ثانياً : رد علماء الأزهر على أدلتهم من القرآن الكريم على وجوب تعيين الإمام :

الدليل الأول : وهو قوله تعالى : ﴿ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﴾ [المائدة : 3].

أثبت الدكتور محمد العسال : أن الآية نزلت على رسول الله ﷺ وهو واقف بعرفة قبل يوم الغدير بتسعة أيام، وكان يوم الجمعة؛ كما روى ذلك عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغير واحد من الأئمة والعلماء واختاره ابن جرير الطبري[10].

ويمكن توثيق هذا الكلام : برواية البخاري عن عمر بن الخطاب t أن رجلًا من اليهود قال له : « يا أمير المؤمنين؛ آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا؛ قال : أيّ آية؟ قال : ﴿ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﴾ [المائدة : 3]. قال عمر : قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي وهو قائم بعرفة يوم جمعة[11].

وعلى هذا؛ يستنتج الدكتور عبد المنعم فؤاد عثمان : بأن الوقت والمكان الذي قال الشيعة بأن الآية فيه وبه نزلت وهو (غدير خُم)... غير صحيح؛ لأن : (غدير خُمّ) مكان بعيد عن مكة، وفيه تتشعب الطرق إلى المدينة والعراق ومصر، وقد وصل إليه النبي ﷺ بعد حجة الوداع يوم الثامن عشر من ذي الحجة، فكيف يقال بعد ذلك أن الآية نزلت فيه ويوم عرفة يسبقه بتسعة أيام؟[12].

ثم لنتأمل في نص الآية، يبين الدكتور محمد العسال : أنه ليس فيها أي دلالة على ولاية عليّ بإشارة أو عبارة[13]، وإنما هي امتنان الله على عباده بإكمال الدين وإتمام النعمة، ورضاه لهم بالإسلام دينا[14].

وهذا الدعاء : « اللهم وال من والاه وعاد من عاداه » ؛ لو دعاه النبي ﷺ لاستُجيب له، ومعلوم أن هذا لم يحدث لعلي، فلم يزل علي في قتال، ولم تزل الشيعة التي تدّعي نصرته مخذولين مقهورين؛ بخلاف أهل الشام الذين لم يزالوا منصورين، فعلم بذلك أن النبي ﷺ لم يدع بهذا الدعاء[15].

ولكن لمَ ذكرت بعض مراجع أهل السُّنَّة أن هذه الآية نزلت بعد أن نصب النبي عليا خليفة يوم (غدير خُم) ؟

يجيب الدكتور عبد المنعم فؤاد عثمان على هذا التساؤل : إن أهل السُّنَّة وإن كانوا ذكروا الرواية عن الشيعة؛ فـما ذكروها إلا للنقد وابن كثير ومعه ابن تيمية قد أفاضا في ذلك جيدًا، ووضعا الأمر في نصابه، وأثبتا أن الآية لم تنزل يوم الغدير[16].

الدليل الثاني : أما آية الولاية، وهي قوله تعالى : ﴿ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﴾ [المائدة : 55]؛ تأويلهم لها تأويل غاية في البعد ولقد أفاض علماء الأزهر في الرد عليهم من عدة وجوه.

أبدأ هذه الوجوه بتقرير العلامة المحدث أحمد شاكر بأنه « أمر من أكاذيب الشيعة، الذين يلعبون بتأويل القرآن، لينسبوا لعلي كرم الله وجهه مآثر وفضائل غير ثابتة، ثم أعجب من ذلك يستدلون بهذه الأكاذيب في هذا الموضع على وجوب إمامة علي.. »، ويعقب في الهامش قائلا : « والفخر الرازي -على جهله بعلوم الحديث- رفضها رفضاً شديداً، وندد بمخترعيها ومصدقيها »[17].

بينما ينكر الدكتورمصطفي مراد دعوى الشيعة إجماع أهل السُّنَّة على أن الآية نزلت في عليّ، وأجمع أهل العلم بالحديث على أن القصة المروية في ذلك من الكذب الموضوع أن الآية نزلت في عليّ، وأنها من أعظم الدعاوى الكاذبة، بل أجمع أهل العلم على أنها لم تنزل في عليّ بخصوصه، وأن عليًّا لم يتصدق بخاتمه في الصلاة[18].

ويعرّض بهم الدكتور عبد المنعم فؤاد عثمان : أن الأمة لم تجتمع على ما قاله الشيعة مطلقًا، اللهم إلا إذا كان المقصود بالأمة أمة الشيعة دون غيرهم، وأنهم هم وحدهم المسلمون دون سواهم، والدليل على ذلك هو : اعتراضات أهل السُّنَّة الكثيرة على ما قاله الشيعة؛ فيذكر صاحب مختصر التحفة الاثني عشرية بأنها نزلت في أبي بكر[19].

ويذكر فضيلة الأستاذ الدكتور محمد قمر الدولة ناصف : الروايات التي تؤكد : أن هذه الآية وغيرها نزلت في عبادة بن الصامت حين تبرأ من حلف اليهود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله ـ : ﴿ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﴾، وعليه : فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين؛ فهو مفلح في الدنيا والآخرة[20].

ويخطئهم في استدلالهم لغويًّا أحد الباحثين : بأن قوله سبحانه وتعالى : ﴿ ﯷ ﴾ صفة جمع؛ فلا يصدق على عليّ وحده[21].

فإن قيل : إن المسألة تعظيم وثناء كما يقول الشيعة ـ؟

يوضح الدكتور مصطفي مراد : إن الثناء والتعظيم للمرء كما هو معلوم لا يكون إلا بعمل محمود، وإيتاء الزكاة في الصلاة ليس كذلك؛ فهو ليس بواجب، ولا مستحب باتفاق علماء الأمة[22].

ويزيد الدكتور العسال : أنه من الممكن إعطاؤه بعد الصلاة، وإن في الصلاة لشغلاً، ولو كان مستحبًا لحض عليه رسول الله ﷺ، وقال كثير من العلماء : إن الحركة في الصلاة تبطلها؛ وهذا لا يليق بأمير المؤمنين[23].

بينما يصحح لهم غلطهم الدكتور مصطفي مراد، بأنه : لم يكن التصدق على سائل بحُلّة يعد من إيتاء الزكاة، فإن الزكاة كانت تعطى من أموال خاصة، وكان لها عُمَّال يجبونها لبيت المال[24].

بالإضافة إلى أن الحديث موضوع بإجماع أهل العلم : لأنه رواية عن الثعلبي وهو كذاب أشر[25].

يُضاف إلى ذلك : أن الألفاظ التي في الحديث من أعظم الدلائل على كذبه، لأن عليًّا ليس قائد البررة، بل قائدهم رسول الله ﷺ، ولا هو أيضًا قاتل الكفرة، بل قَتل كغيره بعضهم وقوله : « منصور من نصره، مخذول من خذله » خلاف الواقع، فمن المعلوم أن الأمة كانت في عصور الثلاثة قبله أعظم نصرًا، وكذلك عهد معاوية؛ كان المسلمون في عهده أكثر نصرًا على الكفار »[26].

ويواصل الدكتور عبد المنعم التأكيد على وضع الحديث : فمن تَصَدَّق عليه عليّ t فقد قالوا عنه : إنه من الملائكة، وهذا القول يوحي بأن القصة خرافية ومخترعة، وأن الكذب فيها متعمد؛ فالمَلك ليس بحاجة إلى صدقة، وإذا أخذها ففيما تكون مصارفها؛ في الأكل أم في الشرب؟ فالملائكة لا يأكلون ولا يشربون لأنهم أجسام نورانية كما تعلمنا من خلال كتب العقائد، فأخذها سيكون فيه عبث، وهو على الملائكة ممنوع، فمن ذا الذي أخبر الشيعة إذن بهذا؟ وعن مَن كانت الرواية؟[27].

ويتدبر الدكتور العسال الآيات، ويكشف أن السياق في الآيات يدل على أن المراد بالموالاة في الآية هو : موالاة المحبة والألفة : لا تولي الأمور والتصرف فيها بالمعنى الشيعي، فالله يقول : ﴿ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﴾ [المائدة : 51].

ففي هذه الآية، نهيٌ صريح عن موالاة اليهود والنصارى بالود والمحبة وليس بمعقول أن يراد بذلك : ولاية التصرف في الأمور، ولا يقل بذلك سنّي، ولا شيعي، ثم أردف ذلك بحكم المقابلة من يجب موالاته؛ وهو الله ورسوله والمؤمنون في قوله : ﴿ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﴾، ولا بد أن تكون موالاة المحبة التي نهى عنها في الأولى؛ هي بعينها التي أمر بها المؤمنين في هذه الآية، وذلك أمر بديهي بحكم المقابلة، وإلا لما كان للكلام معنى، فعلاقة الضدية بين الأمر والنهي تجيز ذلك المعنى وتحتمه؛ يدل على ذلك : أنه بعد ذلك عاب على أهل الكتاب موالاتهم الكفار من دون المؤمنين في قوله تعالى : ﴿ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﴾ [المائدة : 80].

وبما أن الشيعة لم تفسر موالاة اليهود والنصارى بولاية الأمر، بل تفسرها بالمحبة؛ وجب أن تكون كذلك في مقابلها[28].

ويفرّق الدكتور مصطفي مراد بين « الوَلاية » بالفتح و « الوِلاية » بالكسر :

فالوَلاية ضد العداوة وهي المذكورة في هذه النصوص، ليست هي الوِلاية بالكسر التي هي الإمارة، لأن الأمير إنما يسمى الوالي لا الولي، وإذا أُطلق عليه الولي إنما يضاف إلى غيره فيقال : ولي الأمر، ووليت أمركم، وأولو الأمر، وأما إذا أطلق لفظ المولى فلا يراد به الوالي إنما يراد به الولي، وإذا أراد الولاية التي بمعنى الإمارة لقال : إنما يتولى عليكم الله ورسوله والذين آمنوا، ولم يقل : ومن يتولى الله ورسوله، فإنه لا يقال لمن ولي عليهم والٍ : تولوه، بل يقال : تولى عليهم[29].

ويميل الأستاذ الدكتور محمد قمر الدولة ناصف إلى أن قوله تعالى ﴿ ﯰ ﯱ ﴾ يعنى به وهم خاضعون لربهم منقادون لأمره متواضعون متذللون في أدائهم للصلاة وإيتائهم للزكاة فهو بمعنى الركوع الذي هو في أصل اللغة بمعنى الخضوع، والذي يؤيد هذا المعنى مجئ الآية الكريمة بالفعل المضارع فهو يدل على أن الآية الكريمة لا تشير إلى حادثة وانتهت وإنما على الاستمرار والدوام أي أن صفات المؤمنين وطبيعتهم في الصلاة والزكاة وهم راكعون ولا يستقيم المعنى بغير تكلف أن يكون من صفاتهم إخراج الزكاة أثناء الصلاة[30].

ويبحث الدكتور عبد المنعم فؤاد عثمان في كتب الشيعة : وبيّن أنهم يناقضون أنفسهم بأنفسهم بالنسبة لظروف سبب نزول الآية، وكذلك بالنسبة لحقيقة ما تصدق به عليّ على السائل قائلاً : « فالطبرسي يؤكد : أنه أثناء تصدق علي في صلاة الظهر؛ كان المصطفي ﷺ معه في المسجد، وأنه رأى ذلك بعينه، فدعا الله سبحانه أن يشرح له صدره ويجعل عليًّا وزيره، فنزلت الآية، ووافقه في هذه الرواية صاحب منهاج الكرامة »[31]، لكن القُمي يروي : « بأن الآية نزلت على النبي ﷺ وهو جالس مع نفر من اليهود قبل أن يخرج إلى المسجد للصلاة، وكان ذلك في عقب تصدق علي بن أبي طالب على السائل »[32].

أما الكُلَيني : في كتابه (الأصول)؛ لم يبين لنا أين كان النبي ﷺ حين تصدق على t على السائل[33]. هذا بالنسبة لظروف نزول الآية.

أما بالنسبة لحقيقة ما تصدّق به عليّ على السائل : فيذكر البحراني ومعه الكُليني أنه : « حلة قيمتها ألف دينار؛ كساه إياها النبي ﷺ بعد أن أهداها إليه النجاشي »[34]، على حين يذكر ابن المطهر الحلي ومعه الطبرسي أنه : « كان خاتمًا بخنصر يده اليمنى »[35] [36].

ويختم الأستاذ الدكتور محمد قمر الدولة ناصف إبطاله لإستدلال الشيعة بقوله : وإذا الشيعة يرون أن التصدق أثناء الركوع لم يقتصر على أمير المؤمنين ولكن اقتدى به باقي أئمتهم جميعا فهنا يرد التساؤل : إذا كان هذا العمل من الفضائل التي امتُدح بها أبوالأئمة وتبعه جميعهم فكيف لم يحرص على هذه الفضيلة سيد الخلق أجمعين ﷺ وكذلك سائر الأمة ؟[37].

ولا ريب أن اختلاف الروايات الشيعية في هذه الأمور لا يصح فيها التوفيق؛ لأنها تتحدث عن حادثة واحدة في وقت واحد، وهذه الحادثة لم تتكرر حتى يقال بالتوفيق، وهذا التضارب في الآراء الشيعية يشكك في صحة التأويل الذي قال به الشيعة، ويضيّق الاستدلال بالآية على إمامة علي بن أبي طالب.

وبناءً عليه : (فالآية : 55 من سورة المائدة) لا تدل من قريب أو بعيد على إمامة على بن أبي طالب بعد رسول الله ﷺ كما تأول الشيعة، بل هي عامة لكل المؤمنين.

الدليل الثالث : قال تعالى : ﴿ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﴾ [آل عمران : 61]. نقل جمهورهم كافة : أن (أبناءنا) إشارة إلى الحسن والحسين، و(نساءنا) إشارة إلى فاطمة و(أنفسنا) إشارة إلى علي، وهذه الآية دليل ثبوت الإمامة لعلي وذريته[38].

أبدأ رد علماء الأزهر على استدلالهم بهذه الآية بنقل العلامة محمد رشيد رضا[39] عن الإمام محمد عبده[40] في تفسير المنار : اعتراضه على هذه الرواية مبيناً أنها من وضع الشيعة لترويج عقيدة الإمامة في جمهور المسلمين من أهل السنّة.

يقول العلامة محمد رشيد رضا : « قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ : الرِّوَايَاتُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اخْتَارَ لِلْمُبَاهَلَةِ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَوَلَدَيْهِمَا، وَيَحْمِلُونَ كَلِمَةَ (وَنِسَاءَنَا) عَلَى فَاطِمَةَ، وَكَلِمَةَ (وَأَنْفُسَنَا) عَلَى عَلِيٍّ فَقَطْ، وَمَصَادِرُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الشِّيعَةُ، وَمَقْصِدُهُمْ مِنْهَا مَعْرُوفٌ، وَقَدِ اجْتَهَدُوا فِي تَرْوِيجِهَا مَا اسْتَطَاعُوا حَتَّى رَاجَتْ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ »[41].

وقد أبطل الدكتور محمد قمر الدولة استدلال الشيعة بالآية على وجوب الإمامة من عدة وجوه :

1ـ فإن الآية الكريمة لا تنص على إمامة أحد، لأن ولاية أمر المسلمين تحتاج إلى قدرات خاصة تتوافر في صاحبها، حتى يستطيع أن يقود الأمة بسلام، ويرعى مصالحها على الوجه الأكمل، والآية الكريمة لا تشير إلى شيء من هذا ولاتتعرض للخلافة على الإطلاق، وإنما تذكر الأبناء والنساء والأنفس في مجال التضحية لإثبات صحة الدعوى، وهؤلاء المذكورون من أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ، وبهذا يتحقق للمعاندين صحة دعواه لتقديمه للمباهلة أقرب الناس إليه. وفرق شاسع بين مجال التضحية ومجال الإمامة، ففي التضحية يمكن أن يقدم النساء والصغار ولكنهم لا يقدمون للخلافة.

2ـ القول بأن الإمام عليًّا يساوى الرسول ﷺ غلو لا يقبله الإمام نفسه كرم الله وجهه، ويجب ألا يذهب إليه مسلم، مكانة الرسول المصطفي غير مكانة من اهتدى بهديه واقتبس من نوره.

3ـ لو قلنا : أن الآية الكريمة تدل على أفضلية الإمام على رضي الله عنه فإن إمامة المفضول مع وجود الأفضل جائزة حتى عند بعض فرق الشيعة أنفسهم كالزيدية، وهذا لا يمنعه الشرع ولا العقل، لأن المفضول بصفة عامة قديكون أفضل بصفة خاصة فيما يتعلق بأمور الخلافة ومصلحة المسلمين، وكان الرسول الكريم يولى الأنفع على من هو أفضل منه[42]

وقد تنبه الدكتور عبد المنعم فؤاد إلى : « إن التأويل الشيعي الذي يقرر أن عليًّا هو نفس النبي ﷺ بناءاً على قوله تعالى : (ندع أنفسنا) يلزم عليه أن المصطفي ﷺ غير داخل في المباهلة إذا وقعت؛ لأنه ليس داخلاً في الأبناء ولا في النساء ولا في الأنفس ما دام المدعو غيره وهو الذي عينه الشيعة بعلي، فيخرج النبي ﷺ من المباهلة وهذا غير منطقي ».

ويفترض الدكتور جدلاً : « أنه لو وضع بدل (أنفسنا) لفظ (نفس) فلربما كان له وجه من القبول، لكن هذا الوجه لا يؤدي من قريب أو بعيد إلى ولاية عليّ وإمامته، لأنه لو دل على إمامته لكان من باب أولى دالًّا على ولاية فاطمة لأنها مشاركة في الدعوة لكن فاطمة - رضي الله عنها - بإجماع الشيعة وغيرهم مقطوعة عن الولايات كسائر النساء »[43].

ويحكم الدكتور عبد المنعم فؤاد على ما ذكره (الطبرسي) : « أن النبي ﷺ قال لبريدة : « إن الناس خلقوا من شجرتين وخلقت أنا وعليّ من شجرة واحدة » فهذا حديث موضوع بلا خلاف ».

بينما يبيّن الدكتور العسال الغرض من الآية فيقول : « إن أقصى ما فيها أنها دعوة إلى المباهلة، وليس فيها أنهم خرجوا لها، ولا أن النبي دعا عليًا أو فاطمة أو الحسن والحسين، ولذلك ورد من عدة طرق أن النبي ﷺ دعا نصارى نجران إلى المباهلة فأبوا ».

فقد أخرج (البخاري) بسنده عن حذيفة، قال : « جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه فقال أحدهما لصاحبه لا تفعل فوالله لئن كان نبيًا فلاعننا لا نفلح ولا عقبنا من بعدنا، قالا إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينًا ولا تبعث معنا إلا أمينًا، فقال لأبعثن معكم أمينا حق أمين، فاستشرف له أصحاب رسول الله، فقال قم يا أبا عبيدة بن الجراح فلما قام قال رسول الله ﷺ : « هذا أمين هذه الأمة »[44] [45].

وأكذب من ذلك الذي أورده (الطبرسي) فيما ذكره البلاغي عن النبي ﷺ : « عليّ كنفسي » ؛ فهو بجميع طرقه موضوع إذ أن عليًّا ليس كالنبي ﷺ، فالنبي ﷺ عنده خصائص النبوة دون عليّ، ومن ثم يرد على زعم الشيعة بأن : عليّ تابع والنبي متبوع، والتابع دون المتبوع قطعًا، بالإضافة إلى أن البلاغي نقل الحديث من كتاب موضوعات عن أهل السُّنَّة وهو (اللائي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي) واحتج به عليهم، علمًا بأنه يعلم أن الحديث موضوع وأن أهل السُّنَّة ما وضعوه في كتبهم إلا لكي ينبهوا على كذبه وعدم الأخذ به، بل يبالغ البلاغي كعادته في الكذب والتمويه حتى يثبت الصحة كتأويله، فيذكر عن الإمام (ابن تيمية) أنه اعترف بصحة الحديث؛ مع أن الإمام (ابن تيمية) في الموضوع الذي ذكره البلاغي أكد بطلان الخبر وأنه موضوع[46].

وبعد إبطال علماء الأزهر لأشهر الآيات القرآنية التي استدل بها الشيعة على عقيدة الإمامة، يتقرر ما يلي :

الأول : أن القرآن الكريم ليس فيه ما يدل على إمامة عليّ t مطلقًا، فضلاً عن بقية الأئمة؛ لا من قريب ولا من بعيد.

الثاني : أن بإمكان أي طـائفـة أن تدعـي لإمامها مثـل ما ادعـت الشيعة لعلي t بطريقة ليّ النصوص التي اتبعتها الشيعة.

الثالث : أن هذه الروايات معارضة بما صح عن طريق أهل السُّنَّة.

الرابع : أن دلالة القرآن الكريم على فضل أبي بكر t وغيره من الصحابة y أوضح وأصح، وهو ما عليه إجماع الأمة ما عدا الشيعة[47].

والأدلة التي تأولها الشيعة الإمامية الاثنا عشرية من القرآن الكريم على إثبات عقيدة الإمامة كثيرة جدًا حصرها يطول لكن هذه الآيات التي تناولتها بردود علماء الأزهر عليها هي أهم هذه الأدلة.

ولا نجد في ختام الحديث عن استدلالهم على عقيدة الإمامة بتأويل آيات من القرآن الكريم أفضل مما قاله الدكتور محمد حسين الذهبي : « إن الإمامية الاثني عشرية، قرروا أن الإقرار بإمامة علي ومن بعده من الأئمة؛ والتزام حبهم وموالاتهم، وبغض مخالفيهم وأعدائهم، أصل من أصول الإيمان، بحيث لا يصلح إيمان المرء إلا إذا حصل، إن كل آيات المدح والثناء وردت في الأئمة ومن والاهم، وأن آيات الذم والتقريع وردت في مخالفيهم وأعدائهم، بل ويدّعون ما هو أكثر من ذلك فيقولون : إن جل القرآن بل كله، أنزل في الإرشاد إليهم، والإعلان بهم والأمر بموافقتهم والنهي عن مخالفتهم »[48].

 

[1] آية الله الخميني : كشف الأسرار (ص :54، ترجمة الدكتور محمد البندارى).

[2] مصطفي الشكعة : إسلام بلا مذاهب (ص200).

[3] العسال : الشيعة الاثنا عشرية ومنهجهم في تفسير القرآن (ص409- 410).

 

[4] طه علي السواح : إمام وخطيب بوزارة الأوقاف حاليًا؛ له رسالة ماجستير بكلية الدعوة الإسلامية بالقاهرة بعنوان : (التيار الشيعي الإمامي وموقفه من أهل السُّنَّة)، لكنه بعد أن ناقشها في الكلية؛ ذيلها ببعض المواقف البسيطة لعلماء الأزهر، فقامت دار اليسر بنشرها بعنوان : (موقف الأزهر الشريف من الشيعة الإمامية الاثني عشرية).

[5] طه علي السواح : التيار الشيعي الإمامي وموقفه من أهل السُّنَّة (ص101).

[6] انظر : قضية التأويل (ص191- 192)، وللإيضاح أيضاً : أحمد محمود صبحي : نظرية الإمامة (ص76-77، دار المعارف، مصر، 1969م).

[7] محـــمود محمـــد مزروعة، أستاذ العــــقيدة بجامعــــة الأزهــــــر ســـابقاَ، والأســـتاذ بجـــامعة أم القــــــرى حالياَ، أمدّ الله في عمره.

[8] محمود مزروعة : دراسات في الفرق المنتسبة إلى الإسلام (ج1/ ص323، مطابع ابن سينا، القاهرة 2009م).

 

[9] الموضع نفسه بتصرف ـــ.

[10] تفسير ابن كثير : (ج2 ص14)، نقلًا عن د. محمد العسال : الشيعة الاثنا عشرية ومنهجهم في تفسير القرآن (ص417).

[11] طه علي السواح : التيار الشيعي الامامي وموقفه من اهل السنة، والحديث عند البخاري : كتاب الإيمان : باب زيادة الإيمان ونقصانه.

[12] عبد المنعم فؤاد : قضية التأويل (ص206- 207).

[13] محمد العسال : الشيعة ومنهجم في التفسير (ص418).

[14] طه السواح : التيار الشيعي (ص111).

[15] السابق : (ص112)، وللتفصيل انظر : منهاج السُّنَّة (ج7/ ص36) بتصرف واختصار.

[16]عبدالمنعم فؤاد : قضية التأويل (ص207).

[17] أحمد شاكر. عمدة التفسير عن الحافظ بن كثير مختصر تفسير القرآن العظيم، أعده :أنور الباز، ج1/ص701.

[18] مصطفي مراد : الفرق الإسلامية المعاصرة (ص170، بدون دار نشر، 1425 = 2004م)، وانظر : ابن تيمية : منهاج السُّنَّة (ج7/ ص65).

[19] عبد المنعم فؤاد عثمان : قضية التأويل (ص201)، وانظر : مختصر الاثني عشرية (ص121)، والصواعق المحرقة (ص24).

[20] محمد قمر الدولة ناصف، العقيدة الإسلامية في ضوء النصوص القرآنية ج2، ص307، وانظر : تفسير ابن كثير ج2، ص71.

[21] السواح : التيار الشيعي، وانظر : تفسير القرطبي (ج3/ ص145)، وانظر أيضاً : د. مصطفي مراد : رؤية إصلاحية (ص266).

[22] مصطفي مراد : الفرق الإسلامية المعاصرة (ص 171).

[23] العسال : الشيعة ومنهجهم في التفسير (ص432).

[24] مصطفي مراد : رؤية إصلاحية (ص266).

[25] مصطفي مراد : رؤية إصلاحية، ص266..

[26] طه السواح : التيار الشيعي الإمامي، ص110.

[27] عبدالمنعم فؤاد : قضية التأويل بين أهل السُّنَّة والشيعة، ص202.

[28] محمد العسال : الشيعة ومنهجهم (ص435).

[29] مصطفي مراد : الفرق الإسلامية المعاصرة (ج1/ ص 172)، وانظر : ابن تيمية : منهاج السُّنَّة (ج7/ ص28، 29)، المقدسي : رسالة في الرد على الرافضة (ص220 - 221، السلفية، الهند، ط 1، 1403هـ تحقيق / عبد الوهاب خليل الرحمن)، وانظر : ابن منظور : لسان العرب؛ مادة : (ولى).

[30] محمد قمر الدولة ناصف، العقيدة الإسلامية في ضوء النصوص القرآنية ج2، ص307-308.

[31] عبد المنعم فؤاد عثمان : قضية التأويل (ص203)، وانظر : الحلي : منهاج الكرامة (ص139، 140).

[32] السابق : (ص204)، وانظر : تفسير القمي (ص108).

[33] السابق : (ص204)، وانظر : الكليني : أصول الكافي (ص288، 289).

[34] المرجع نفسه : نقله عن (البحراني) : تفسير البرهان (ج1/ ص292)، والكليني : أصول الكافي (ج1/ ص228).

[35] السابق : (ص204) نقله عن الحلي : منهاج الكرامة (ص139)، والطبرسي : مجمع البيان (ج6/ ص124).

[36] عبد المنعم فؤاد : قضية التأويل بين أهل السُّنَّة والشيعة (ص204).

[37] محمد قمر الدولة ناصف، العقيدة الإسلامية في ضوء النصوص القرآنية ج2، ص308.

[38] الحلي : منهاج الكرامة (ص123- 124).

[39] محمد رشيد رضا (1282-1354هـ = 1865-1935م)، من الكتاب والعلماء بالحديث والأدب والتاريخ والتفسير، ولد ونشأ في القلمون (من أعمال طرابلس الشام) وتعلم فيها وفي طرابلس وتنسك، ونظم الشعر في صباه، وكتب في بعض الصحف، ثم رحل إلى مصر سنة 1315 هـ، فلازم الشيخ محمد عبده وتتلمذ له، وكان قد اتصل به قبل ذلك في بيروت، ثم أصدر مجلة (المنار) لبث آرائه في الاصلاح الديني والاجتماعي، وأصبح مرجع الفتيا، في التأليف بين الشريعة والأوضاع العصرية الجديدة، إلى أن توفي فجأة في (سيارة) كان راجعا بها من السويس إلى القاهرة، ودفن بالقاهرة. انظر : الزركلي : الأعلام (ج6/ ص126).

[40] الإمام محمد عبده (1266 - 1323 هـ = 1849 - 1905 م) محمد عبده بن حسن خير الله، من آل التركماني، مفتي الديار المصرية، ومن كبار رجال الإصلاح والتجديد في الإسلام؛ ولد في شنرا (من قرى الغربية بمصر) ونشأ في محلة نصر (بالبحيرة) وتعلم بالجامع الأحمدي بطنطا، ثم بالأزهر، وتصوف وتفلسف، وعمل في التعليم،..، ولما احتل الانكليز مصر ناوأهم، وشارك في مناصرة الثورة العرابية، فسجن ثلاثة أشهر للتحقيق، ونفي إلى بلاد الشام، سنة (1299هـ = 1881م) وسافر إلى باريس فأصدر مع صديقه وأستاذه جمال الدين الأفغاني جريدة (العروة الوثقى) وعاد إلى بيروت فاشتغل بالتدريس والتأليف، وسمح له بدخول مصر، فعاد سنة (1306هـ = 1888م) وتولى منصب القضاء، ثم جعل مستشارًا في محكمة الاستئناف، فمفتيا للديار المصرية (سنة 1317هـ. توفي بالإسكندرية، ودفن في القاهرة. له (تفسير القرآن الكريم) لم يتمه ـ، و (رسالة التوحيد).. وللسيد محمد رشيد رضا كتاب جمع فيه آثاره وأخباره سماه : (تاريخ الأستاذ الإمام) في ثلاثة أجزاء كبيرة. انظر : الزركلي : الأعلام (ج6/ ص253).

[41] محمد رشيد رضا : تفسير المنار (ج3/ ص266، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة 1990).

[42] محمد قمر الدولة ناصف، العقيدة الإسلامية في ضوء النصوص القرآنية ج2، ص308، وانظر : على السالوس : عقيدة الإمامة عند الشيعة الإثني عشرية ص28-30، طبعة دار الاعتصام القاهرة 1987.

[43] قضية التأويل : (ص210، 211).

[44] صحيح البخاري (حديث 4380، كتاب المغازي، باب قصة أهل نجران).

[45] محمد العسال : الشيعة ومنهجهم في تفسير القرآن (ص439).

 

[46] محمد العسال : الشيعة ومنهجهم في تفسير القرآن (ص211، 212)، وانظر : شمس الدين الذهبي : المنتقى من منهاج الاعتدال (ص7).

[47] عبد المنعم فؤاد : قضية التأويل (ص219).

[48] محمد حسين الذهبي : التفسير والمفسرون (ج2/ ص19، 20).

  • الاحد PM 02:12
    2025-04-06
  • 530
Powered by: GateGold