ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
ردود علماء الأزهر على قول الشيعة بأن الأئمة اختصوا بمعرفة القرآن لا ينازعهم فيه أحد
مما يجب أن يُعلم، أن النبي ﷺ بيّن لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه، فقوله تعالى ﴿ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﴾[النحل : 44]، يتناول المعاني والألفاظ.
وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي :[1] حدّثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كـ (عثمان بن عفان، عبد الله بن مسعود... غيرهما) أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا : فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا[2].
ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة، وأئمة الشيعة وعلى رأسهم الإمام علي تبدأ من نسبة هذا الكلام إليه، فضلاً عن أن هذه المقالة مخالفة صراحة لآيات كثيرة من القرآن، تأمر الناس بالتدبر والتفكر في آياته، ناهيك عن أن بضاعة تفسير القرآن عند آل البيت مزجاة، مقارنة بما عند بقية علماء الأمة.
فقد أخرج البخاري بسنده، عن أبي جحيقة، قال : (قلت لعلي : هل عندكم كتاب؟ قال : لا، إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة، قال : قلت : فما في هذه الصحيفة قال : العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر)[3].
فهو صريح في عدم اختصاص الأئمة من آل البيت بشيء من العلم سوى الناس كافة، كما أنه صريح في أن فهم القرآن منحة من الله متاحة لمن وفقه الله لذلك من الناس، وذلك قوله أو فهم أعطية رجل مسلم.
أما دعوى الشيعة في اختصاص الأئمة بذلك : فهي مناقضة لصريح القرآن في غير آية، منه قال تعالى : ﴿ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ﴾ [النساء : 82]، فهي صريحة في طلب التدبر في القرآن، وأصرح منها ما نعاه الله على من لا يتدبره في قوله تعالى : ﴿ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﴾.
بل قد أخبر الله عز وجل بأنه قد يسر القرآن للذكر والتدبر للجميع حيث قال : ﴿ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ﴾ [القمر : 17]، إلى غير ذلك من الآيات التي طلبت التفكر والتدبر في آيات الذكر الحكيم [4].
بل قد ندب الله إلى الاستنباط، وأوضح السبيل إليه فقال : ﴿ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ﴾ [النساء : 83]، فكل ذلك صريح في أن القرآن قد ندب الله إلى التدبر والتفكر والاستنباط منه، وأن ذلك متاح للجميع من غير اختصاص بيت دون بيت أو جنس دون جنس.
والإمام محمد أبو زهرة - بعد أن ذكر ادَِّعاء الشيعة : « أن العلم بالقرآن كله عند علي h، وعند الأوصياء الاثنى عشر من بعده، فكلهم إمام وكلهم عنده علم القرآن الكريم، وكلهم قد أشرف على ينابيع الحكمة فيه، ولا يشركهم في ذلك سائر الناس؟ »[5]. وضرب مثلاً بالرموز التي تشتمل عليها ألفاظ القرآن الكريم في نظرهم، لفظ (الصمد) : فقد قالوا إن كل لفظ منه يدل على معنى يرمز إليه لا يدركه إلا الوصي بما ألهمه الله تعالى، أو بالأمانة التي حملها في الوصية، ونقل فضيلته عن كتاب الوافي روايتين، إحداهما منسوبة للإمام الحسين، والثانية للإمام الباقر [6]- علّق فضيلته على هاتين الروايتين : « أنه لا تصح في نظرنا نسبة هذا الكلام إلى الإمامين العظيمين »، وذلك للأسباب الآتية :
أولًا : التعبير : فإن التعبير لا يمكن أن يكون صادق النسبة إلى الإمام الحسين، لأنه لا بلاغة فيه، وقد تكون المعاني بالنسبة لما نسب للإمام الحسين صادقة في معناها، ولكن لا يمكن أن تكون صادقة في ذات العبارة، فلعلهم اتجهوا إلى الرواية بالمعنى.
وأن عدم نسبة العبارة إلى الباقر، أوضح لأن فيه ألفاظًا اصطلاحية لم تدخل في اللغة العربية إلا بعد أن ترجمت العلوم الفلسفية في القرن الثالث، مثل كلمة (الآنية) بمعنى (الذات)، ومثل كلمة (الماهية) بمعنى (الحقيقة)، ومثل كلمة (الكيفية) بمعنى (الحال)، فإن تلك الكلمات ولدتها الاصطلاحات العلمية التي جاءت في القرن الثالث وما يليه من قرون.
ثانيًا : أن هذه الرموز لا يمكن أن تكون قاطعة في دلالة على معنى من المعاني : إذ أن مثل هذا اللفظ يجري في عبارات القرآن الكريم، ولا تدل على معنى من هذه المعاني.
ثالثًا : أن بعض الرموز قد استقاها الخبر من المكتوب لا من المنطوق وليس المكتوب ثابتًا : فقد تتغير طريقة الكتابة من غير أن تتغير لفظ من الألفاظ الدالة على معنى النص، فإن كتب الصمد هكذا اصّمد، من غير لام، فالقرآن لا يتغير، لأنه ليس هو الخطر، إنما هو اللفظ المنطوق به، فلا يتأتى رمز الإخفاء والإضمار.
رابعًا : أنالروايتين في كتاب الوافي : وقد كُتب الوافي في القرن الحادي عشر، إذ قد كتبه الملا الكاشاني، وهو من أعيان القرن الحادي عشر الهجري، فقد توفي سنة 1091 من الهجرة النبوية، ولم يرجع السُّنَّة إلى كتاب من الكتب الأربعة، على أن ما في الكتب الأربعة ذاته يحتاج إلى مراجعة وتمحيص، والله الأعلم بالصواب[7].
ويضيف الدكتور العسّال :
هذا والأمة لم تر عند أهل البيت علمًا امتازوا به عن غيرهم، كما هو صريح خبر الإمام علي المتقدم بل المأثور عن ابن عباس في التفسير أكثر مما أثر عن علي نفسه، والمأثور عن علماء الأمة عشرات الأضعاف عن المأثور عن آل البيت... بالإضافة إلى أن عددًا من الأئمة لم يشتغلوا بالعلم فضلاً عن أن يشتهروا به، فلم يؤثر عنهم فيه شيء عند العلماء، والمأثور عمن اشتغل بالعلم منهم لم يخالفوا فيه علماء الأمة قيد أنملة، وما شذوا في شيء من ذلك.
فثبت أن ما تلصقه بهم الشيعة كذب وافتراء، لا يصح نسبته إلى آل البيت الأطهار، لما يلوح عليه من علامة الوضع، فإن آل البيت لا يحجرون على عقول الناس، وإنما أراد الشيعة أن يروجوا لهذه الأخبار مستغلين في ذلك عواطف الناس من جهة آل البيت وحبهم لهم، فادعوا لهم تلك الدعوى وزعموا أن عقول الناس قاصرة عن الفهم لا يجوز لها أن تأخذ التفسير إلا عن طريق الأئمة، أهل التفسير والتأويل الذين كانوا ينزل في بيتهم جبريل، وآل البيت بما فيه أدرى... الخ.
بهذا الأسلوب العاطفي، الذي يبدوا كأنه صحيح، فيؤثرون به على السذج وضعاف العقول، فيقع في حبائل الشيعة مسلمًا قياده لهم، فيلقنونه حينئذ تلك الأكاذيب التي تهدم معاني القرآن وشرائع الإسلام، فيصل بذلك الشيعة إلى ما يريدون[8].
السبب في ذلك :
لكن يبدوا أنهم ألصقوا معرفة وتفسير وتأويل القرآن للأئمة وحدهم دون غيرهم، نظرًا لتقديسهم وتعظيمهم لهؤلاء الأئمة.
يقول محمد جواد مغنية في كتابه (عليّ والقرآن) الذي قال فيه : أن قول الله ومحمد وعليّ، واحد من حيث الحجة، ووجوب الإتباع، وأن عليًّا عالم بحقائق القرآن ودقائقه، وأنه كالقرآن لايخطئ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه خالد بخلود القرآن، وأن القرآن مفتقر إلى علي...الخ [9].
ويعلق الدكتور عبد المنعم النمر على هذه الهالة المُغالى فيها التي أحاط بها مغنية ُ الإمامَ علي h بقوله : « وقد كنت أنتظر من الشيخ المعاصر المثقف الباحث أن يقدم لنا ولطائفته قولاً طيباً، يرشد إلى صواب، ويخفف من تعصب الماضين والحاضرين، وقد نعى في أول كتابه على التعصب والتقليد، ثم لم يلبث أن حكمهما في قلمه، مع الأسف الشديد، إلى حد أن يجعل كلام عليّ h كالقرآن ﴿ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﴾ــ !! ولله في خلقه شئون[10].
ويقول الدكتور محمد حسين الذهبي :
كما كان الإمام عندهم فوق أن يُحكم عليه، وفوق الناس في طينته وتصرفاته، فإنا نراهم يعتقدون بأن له صلة روحية بالله تعالى لتلك الصلة التي للأنبياء والرسل، وأنه مُشرّع ومنفّذ، وأن الله قد فوّض النبي والإمام في الدين.
ويروون عن الصادق أنه قال : إن الله خلق نبيه على أحسن أدب وأرشد عقل، ثم أدب نبيه فأحسن تأديبه، فقال : ﴿ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ﴾ [الأعراف : 199]، ثم أثنى الله عليه فقال : ﴿ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﴾ [القلم : 4]، ثم بعد ذلك فوض الله إليه دينه، فوض الله التشريع فقال : ﴿ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ﴾ [الحشر : 7] و﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ﴾ [النساء : 80] الله فوض دينه إلى نبيه، ثم إن نبي الله فوض كل ذلك إلى عليّ وأولاده سلمتم وجحده الناس، فوالله لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا، وأن تصمتوا إذا صمتنا، ونحن فيما بينكم وبين الله، وما جعل الله لأحد في خلاف أمرنا.
وحيث إن الله تعالى خلق النبي وكل إمام بعده على أحسن أدب وأرشد عقل، فلا يختار النبي ولا الإمام إلا ما فيه صلاح وثواب، ولا يخطر بقلب النبي ولا بقلب الإمام ما يخالف مشيئة الله وما يناقض مصلحة الأمة، فيفوض الله تعيين بعض الأمور إلى رأي النبي ورأي الإمام، مثل الزيادة في عدد ركعات الفرد، ومثل تعيين النوافل من الصلاة والصيام، وذلك إظهارًا لكرامة النبي والإمام، ولم يكن أصل التعيين إلا بالوحي، ثم لم يكن الاختيار إلا بالإلهام.
وله في الشرع شواهد : حرم الله الخمر، وحرم النبي كل مسكر فأجازه الله، وفرض الله الفرائض ولم يذكر الجد، فجعل النبي للجد السدس، وكان النبي يبشّر ويعطي الجنة على الله ويخبره الله.
وأيضًا فوض الله للنبي والأئمة من بعده أمور الخلق، وأمور الإدارة والسياسة من التأديب والتكميل والتعليم، واجب على الناس طاعتهم في كل ذلك.
قالوا : وهذا حق ثابت دلت الأخبار عليه.
وأيضًا فوضهم الله تعالى في البيان : بيان الأحكام والإفتاء، وتفسير آيات القرآن وتأويلها، ولهم أن يبنوا ولهم أن يسكتوا، ولهم فوق ذلك البيان كيفما أرادوا وعلى أي وجه شاءوا تقيّة منهم، وعلى حسب الأحوال والمصلحة[11].
[1] مقرئ الكوفة الإمام العلم عبد الله بن حبيب بن ربيعة الكوفي : من أولاد الصحابة، مولده في حياة النبي ﷺ، وقد أخذ القراءات عن (عثمان، عليّ، زيد، أُبيّ، ابن مسعود)، انظر : الذهبي، سير أعلام النبلاء (ج4/ ص267)، السيوطي : طبقات الحفاظ (ص19).
[2] ابن تيمية : مجموع الفتاوى (ج13/ ص331)، تفسير الطبري : تحقيق وتعليق / محمود شاكر وأحمد شاكر (ج1/ ص80).
[3] صحيح البخاري : كتاب العلم، باب كتابة العلم.
[4] من هذه الآيات غير ما ذكر : ﴿ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ﴾ [ص :29]، وقوله تعالى : ﴿ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﴾ [المؤمنون :68]، وقوله تعالى : ﴿ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﴾ [يوسف :2].
[5] الإمام محمد أبو زهرة : الإمام الصادق (ص307).
[6] للاطلاع على نص الروايتين انظر : الفيض الكاشاني : الوافي (ص42 - 45)، وانظر أيضًا : الإمام أبو زهرة : الإمام الصادق (ص308، 309).
[7] السابق : (ص310، 311).
[8] محمدالعسال : الشيعة الاثنا عشرية ومنهجهم في تفسير القرآن الكريم (ص125 - 127).
[9] عبد المنعم النمر : الشيعة، المهدي، الدروز... تاريخ ووثائق (ص 80)، وانظر : محمد جواد مغنيه : عليّ والقرآن (ص 38).
[10] عبد المنعم النمر : الشيعة، المهدي، الدروز... تاريخ ووثائق (ص81).
[11] محمد حسين الذهبي : التفسير والمفسرون (ج2/ ص19، 20).
-
الاحد PM 12:56
2025-04-06 - 657



