ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
اعتقاد الشيعة الاثني عشرية في القرآن الكريم ومذهبهم في حجيته
لعل أهم سبب وجّه الشيعة الاثني عشرية إلى هذا الانحراف في كتاب الله عز وجل هو : أن لهم معتقدات خاصة يدينون بها وينفردون بها عمن عداهم من طوائف الإسلام، وهم حين يعتقدون هذه المعتقدات لا بد لهم ما داموا يقرون بالإسلام ويعترفون بالقرآن ولو بوجه ما أن يقيموا هذه العقائد على دعائم من نصوص القرآن الكريم، وأن يدافعوا عنها بكل ما يمكنهم من سلاح الجدل وقوة الدليل.
وهذا ما فسّر به الدكتور محمد حسين الذهبي[1] السبب في هذه الانحرافات حيث يقول : « ويظهر لنا أن الإمامية الاثني عشرية لم يجدوا في القرآن كل ما يساعدهم على أغراضهم وميولهم، فراحوا أولاً يدّعون أن القرآن له ظاهر وباطن، بل وبواطن كثيرة، وأن علم جميع القرآن عند الأئمة سواء في ذلك ما يتعلق بالظواهر وما يتعلق بالبواطن، وحجروا على العقول، فمنعوا الناس من القول في القرآن بغير سماع من أئمتهم. وراحوا ثانيًا يدّعون أن القرآن كله أو جُلّـه وارد في أئمتهم ومواليهم، وفي أعدائهم ومخالفيهم كذلك. وراحوا ثالثًا يدّعون أن القرآن حُرّف وبُدّل عمّا كان عليه زمن النبي ﷺ، وكل هذا لا أعتقد إلا أنه من قبيل الاحتيال على تركيز عقائدهم، وإيهام الناس أنها مستقاة من القرآن الذي هو المنبع الأساسي والأول للدين »[2].
في هـذا الفصـل إن شـاء الله تعـالـى أتنـاول أقـوال الشـيـعة التي تبين اعتقادهم في كتاب الله تعالى.
فأعرض أولاً مذهبهم في حجية القرآن وخروجهم في هذا الأمر عما أجمع عليه المسلمون، وذلك بقولهم : إن علم القرآن عند الأئمة، وقد اختصوا بمعرفته لا ينازعهم فيه أحد، وكذا زعمهم بأن قول الإمام يخصص عام القرآن ويقيد مطلقه.
ثم أعرض ثانيًا عقيدتهم في تأويل القرآن، وأتناول فيه قولهم : بأن للقرآن معاني باطنة لا يعرفها إلا الأئمة.
ثم أتناول ثالثًا عقيدتهم في نص القرآن وهل الشيعة تقول بنقص القرآن وتغييره؟ ثم أعقب ذلك كله ببيان جهود علماء الأزهر في الرد عليهم.
أولاً : مذهبهم في حجية القرآن
اعتقادهم بأن الأئمة اختُصُّوا بمعرفة القرآن لا ينازعهم فيه أحد، وأنهم ينسخون القرآن ويقيدون مطلقه ويخصصون عامه :
مما هو معلوم من الدين بالضرورة أن علم القرآن لم يكن سرًا تتوارثه ذرية معينة أو سلالة خاصة، ولم يكن لعليّ بن أبي طالب h اختصاص بهذا دون سائر الصحابة j، وأنهم هم الطليعة الأولى الذين حازوا شرف تلقي هذا القرآن عن رسول البشرية ﷺ ونقله إلى الأجيال كافة... ولكن الشيعة تخالف هذا الأصل، وتعتقد أن الله سبحانه قد اختص أئمتهم الاثني عشر بعلم القرآن كله، وأنهم اختصوا بتأويله، وأن من طلب علم القرآن من غيرهم فقد ضل.
وقد استفاضت هذه المقالة في كتب الاثني عشرية بألوان الأخبار وصنوف الروايات :
جاء في أصول الكافي، في خبر طويل، عن أبي عبد الله، قال :« إن الناس يكفيهم القرآن ولو وجدوا مفسرًا، وإن رسول الله ﷺ فسره لرجل واحد، وفسره للأمة شأن ذلك الرجل، وهو علي بن أبي طالب »[3].
وجاء في طائفة من مصادر الشيعة المعتمدة عندهم، أن رسول الله ﷺ قال : « إن الله أنزل القرآن، وهو الذي من خالفه ضل، ومن يبتغي علمه عند غير عليّ هلك »[4].
وجاء عندهم أيضًا، أن أبا جعفر قال :
« يا قتادة؛ أنت فقيه أهل البصرة؟ فقال : هكذا يزعمون، فقال أبو جعفرt : وبلغني أنك تفسر القرآن؟ فقال له قتادة : نعم إلى أن قال ـــ : ويحك يا قتادة إنما يعرف القرآن من خوطب به »[5].
وفي تفسير فرات :
«... إنما على الناس أن يقرأوا القرآن كما أنزل، فإذا احتاجوا إلى تفسيره فالاهتداء بنا وإلينا »[6].
ورواياتهم في هذا الباب كثيرة جدًا حصرها يطول، ففي الكافي مجموعة من الأبواب، كل باب يتضمن طائفة من أخبارهم في هذا الموضوع، مثل :
۞ باب أن الأئمة j ولاة أمر الله وخزنة علمه.
۞ باب أن أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة.
۞ باب أن من وصفه الله تعالى في كتابه بالعلم هم الأئمة.
۞ باب أن الراسخين في العلم هم الأئمة.
۞باب أن الأئمة قد أوتوا العلم، وأثبت في صدورهم [7].
أما المجلسي صاحب (بحار الأنوار) ـــ : فقد كان له نصيب وافر من هذه الروايات، ومن أبوابه في ذلك :
۞ باب أنهم أهل علم القرآن، وذكر في هذا الباب أربعًا وخمسين رواية [8].
۞ وباب أنهم خزائن الله على علمه : وفيه أربع عشرة رواية [9].
أما الحر العاملي في كتابه (وسائل الشيعة) : فقد بوَّب بابًا بعنوان « باب عدم جواز استنباط الأحكام من ظواهر القرآن إلا بعد معرفة تفسيرها من كلام الأئمة j » منه ثمانون حديثًا من أحاديثهم [10].
وفي كتابه أيضًا (الفصول المهمة في أصول الأئمة) : فقد بوَّب بعنوان « أنه لا يعرف تفسير القرآن إلا الأئمة »[11].
وفي تفسير الصافي : يخصص إحدى مقدمات تفسيره لهذه القضية، وهي « المقدمة الثانية في نُبَذ مما جاء في أن علم القرآن كله إنما هو عند أهل البيت j »[12].
وبناء على ذلك : فإن مسألة تخصيص عام القرآن، أو تقييد مطلقه، أو نسخه هي مسألة لم تنته بوفاة الرسول ﷺ، لأن النص النبوي والتشريع الإلهي استمر ولم ينقطع بوفاة الرسول ﷺ، بل استمر عندهم إلى بداية القرن الرابع الهجري، وذلك بوقوع الغيبة الكبرى لإمامهم الثاني عشر، والتي انتهت بها صلتهم بالإمام، وانقطع تلقي الوحي الإلهي عنه.
لأنهم يعتقدون : « أن حديث كل واحد من الأئمة الطاهرين قول الله عز وجل ولا اختلاف في أقوالهم كما لا اختلاف في قوله تعالى »[13].
وقالوا : « يجوز لمن سمع حديثًا عن أبي عبد الله (يعنون جعفر بن محمد الصادق) أن يرويه عن أبيه أو أحد أجداده، بل يجوز أن يقول : قال الله تعالى »[14].
فكان للإمام (في اعتقادهم) : تخصيص القرآن أو تفسيره أو نسخه، وهو تخصيص أو تقييد أو نسخ للقرآن بالقرآن، لأن قول الإمام كقول الله - كما يفترون!!
ذلك أنهم يرون كما يقول أحد آياتهم في هذا العصر/ محمد حسين آل كاشف الغطاء : « أن حكمة التدريج اقتضت بيان جملة من الأحكام وكتمان جملة، ولكنه سلام الله عليه أودعها عند عليّ وأوصيائه : كل وصي يعهد بها إلى الآخر، لينشرها في الوقت المناسب لها حسب الحكمة : من عام مخصص، أو مطلق، أو مقيد، أو مجمل مبين إلى أمثال ذلك، فقد يذكر النبي عامًا، ويذكر مخصصة بعد برهة من حياته، أو قد لا يذكره أصلاً، بل يودعه عند وصيه إلى وقته »[15].
ومسألة النسخ والتخصيص والتقييد... ليست إلا جزءًا من وظيفة الأئمة الكبرى، وهي (التفويض في أمر الدين)، والتي يقررها صاحب الكافي في باب يعقده في هذا الشأن، بعنوان « باب التفويض إلى رسول الله ﷺ وإلى الأئمة (عليهم السلام) في أمر الدين »[16]. فالأئمة قد فوضوا في أمر هذا الدين : كما فوض رسول الله ﷺ، فلهم حق التشريع.
تقول كتب الشيعة عن الأئمة : « إن الله عز وجل فوض إلى نبيه ﷺ، فقال : ﴿ مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [ الحشر : 7]، فما فوض إلى رسول الله ﷺ قد فوضه إلينا [17].
ويزعمون أن أبا عبد الله قال : « لا والله ما فوض الله إلى أحد من خلقه إلا إلى رسول الله ﷺ وإلى الأئمة ».
قال عليه السلام : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴾ [النساء : 105]، وهي جارية في الأوصياء[18].
أما التطبيق العملي لهذه العقيدة، فهو ذلك الكم الهائل من الروايات في مسائل العقيدة وغيرها، والتي شذوا بها عن أمة الإسلام، فمثلاً ألفاظ الكفر والكفار والشرك والمشركين والواردة في كتاب الله عز وجل، والتي تعم كل من كفر بالله وأشرك... جاءت عندهم روايات كثيرة تخص هذا العموم بالكفر بولاية على والشرك باتخاذ إمام معه.
بداية يقرر يوسف البحراني في « الحدائق الناضرة « معنى الكفر بالله عزوجل بقوله :
« وليت شعري أي فرق بين من كفر بالله سبحانه ورسوله وبين من كفر بالأئمة عليهم السلام مع ثبوت كون الإمامة من أصول الدين »[19]
ويؤكد على ذلك المعنى المنحرف المجلسي في « بحار الأنوار » :
« اعلم أن إطلاق لفظ الشرك والكفر على من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين والائمة من ولده عليهم السلام وفضل عليهم غيرهم يدل على أنهم كفار مخلدون في النار »[20]
ويقول العياشي في تفسيره في قول الله تعالى : ( ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) : قال العياشي : (يعني التسليم لعلي رضي الله عنه، ولا يشرك معه في الخلافة من ليس له ذلك، ولا هو من أهله)[21] انتهى كلامه.
فخصصوا عموم كتاب الله تعالى بلا مخصص، حرفوا معاني آياته الكريمة لتتوافق مع عقيدتهم الفاسدة، وزعموا أنه تخصيص، واعتبروا مسألة الإمامة أخطر من الشرك والكفر، بلا دليل من عقل أو نقل صحيح، وخرجوا عن إجماع المسلمين.
﴿ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ ۖ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَٰذَا ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [ الأنعام : 144 ]
ثانيا ً :اعتقادهم في تأويل القرآن بأن له معاني باطنه تخالف الظاهر، وأن جل القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم
وهذه المسألة قد أخذت بعدًا كبيرًا وخطيرًا عند الشيعة، حيث تحوّل كتاب الله عندهم بتأثير هذا المعتقد إلى كتاب آخر غير ما في أيدي المسلمين، وقد ذهب شيوخ الشيعة وفي تطبيق هذا المبدأ شوطًا بعيدًا، وقدم الشيعة مئات الروايات والتي تؤول آيات الله على غير تأويلها... ونسبوها للأئمة الاثني عشر.
وليس لهذا التأويل الباطني من ضابط له قاعدة يعتمد عليها... وهي محاولة يائسة لتغيير هذا الدين وطمس أركانه.
وعليه فإن دين الشيعة له ركنان أساسيان هما : الإيمان بإمامة الاثني عشر، والكفر واللعن لأعدائهم.
جاء في أصول الكافي للكليني ما نصه : «... عن محمد بن منصور قال : سألت عبدًا صالحًا[22]، عن قول الله عز وجل : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾[الأعراف : 33].
قال : فقال : « إن القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر، والباطن مــن ذلــك أئمة الجــور، وجميـع ما أحــل الله في الكتاب هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الحق »[23].
تقرر هذه الرواية : صراحة مبدأ أن للقرآن معاني باطنه تخالف الظاهر مخالفة كاملة، وتضرب المثل بما أحل الله وحرم في كتابه من الطيبات والخبائث، وأن المقصود بذلك رجال بأعيانهم هم الأئمة الاثنى عشر، وأعدائهم وهم كل خلفاء المسلمين، وهذا التأويل لا أصل له من لغة أو عقل، أو دين، وهو محاولة لتغيير دين الإسلام من أساسه، ودعوة إلى التحلل والإباحية.
وفي هذا النص الوارد في أصح كتبهم : يظهر من خلاله الدافع إلى القول بأن القرآن له ظهر وبطن، وهو أن كتاب الله سبحانه خلا من ذكر أئمتهم الاثني عشر، ومن النص على أعدائهم، وهذا الأمر أرّق مضاجعهم وأفسد أمرهم، فلما لم يكن لأصل مذهبهم وهو (الإمامة) والأئمة ذكر في كتاب الله قالوا بهذه المقالة لإقناع أتباعهم، وترويج مذهبهم بين الأغرار والجهلة، وحتى يجعلوا لهذه المقالة القبول أسندوها لبعض آل البيت.
ومسألة القول بأن لنصوص القرآن باطنًا يخالف ظاهرها : شاعت في كتب القوم وأصبحت أصلاً من أصولهم، لأنه لا بقاء لمذهبهم إلا بها، ولهذا عقد (المجلسي) في كتابه (البحار) باباً لهذا بعنوان « باب أن للقرآن ظهرًا وبطنًا[24]، وقد ذكر في هذا الباب أربعًا وثمانين رواية، وهذه الروايات هي قليل من كثيرٍ أورده في كتابه في هذا الموضوع.
فقد قال بنفسه في صدر هذا الباب إنه : « قد مضى كثير من تلك الأخبار في أبواب كتاب الإمامة »، ونورد هنا مختصرًا من بعضها[25]، ثم ساق الروايات الأربع والثمانين.
وقد قررت كثير من كتب التفسير عندهم في مقدماتها هذه المسألة كأصل من أصولهم[26].
ومن نصوصهم في هذه المسألة : « أن للقرآن ظهرًا وبطنًا، وببطنه بطن إلى سبعة أبطن [27].
وعن جابر الجعفي قال : « سألت أبا جعفر عن شيء من تفسير القرآن فأجابني، ثم سألت ثانية فأجابني بجواب آخر، فقلت : جعلت فداك كنت أجبت في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم؟ فقال لي : يا جابر : إن للقرآن بطنًا، وللبطن بطنًا وظهرًا، وللظهر ظهرًا، يا جابر، وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إن الآية لتكون أولها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل يتصرف على وجوه »[28].
وتقرر نصوص الشيعة : أن لكل آية معنىً باطنيًا، بل قالوا أكثر من ذلك، فقالوا : لكل آية سبعة بطون.
ثم طاشت تقديراتهم فقالت : بأن لكل آية سبعين باطنًا، واستفاضت بشأن ذلك أخبارهم.
قال أحد شيوخهم : «... لكل آية من كلام الله ظهر وبطن، بل لكل واحدة منها كما يظهر من الأخبار المستفيضة سبعة وسبعون بطنًا »[29].
وما ندري ما حقيقة هذه البطون؟! والمعنى الذي يحاولون إثباته لا يخرج عن أحد أمرين : إثبات إمامة الاثنى عشر، أو الطعن في مخالفيهم وتكفيرهم، فلماذا تتعدد هذه البطون...؟!
فهم يقولون بأن : « جل القرآن إنما نزل فيهم، يعني في الأئمة الاثنى عشرية، وفي أوليائهم وأعدائهم »[30].
مع أن البحث في كتاب الله عز وجل، بالاستناد إلى جميع قواميس اللغة العربية، لن يساعد على وجود ذكر لواحد من هؤلاء الاثني عشر، ومع هذا فإن شيخهم (البحراني) يزعم أن عليًّا وحده ذكر في القرآن أربعًا وخمسين ومائةً وألف مرة، ويؤلف في هذا الشأن كتابًا سمّاه (اللوامع النورانية في أسماء علي وأهل بيته القرآنية)[31].
يحطم هذا الكتاب : كل مقاييس لغة العرب، ويتجاوز فيه أصول العقل والمنطق، وكشف حقيقة قومه على رؤوس الأشهاد، لأنه جمعها من طائفة من مصادرهم المعتبرة عندهم.
يقول الكافي في إحدى رواياته : « نزل القرآن أثلاثًا، ثلث فينا وفي عدونا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام »[32].
ولكن تأتي رواية ثالثة، يزيد فيها نصيب الأئمة، ومخالفيهم من الثُلث إلى النصف، تقول الرواية : نزل القرآن على أربعة أرباع (ربع فينا، ربع في عدونا، ربع سُنن وأمثال، ربع فرائض وأحكام)[33].
يقول شيخهم الفيض الكاشاني (مؤلف الوافي أحد مصادرهم المعتمدة عندهم في الحديث) : وردت أخبار جمة عن أهل البيت، في تأويل كثير من آيات القرآن وبأوليائهم وبأعدائهم، حتى أن جماعة من أصحابنا صنفوا كتبًا في تأويل القرآن على هذا النحو، جمعوا فيها ما ورد عنهم في تأويل القرآن آية آية، إمامهم أو بشيعتهم، أو بعدوهم.
على ترتيب القرآن يقول : وقد رأيت منها كتابًا، كاد يقرب من عشرين ألف بيت، وقد روي في الكافي، وفي تفسير العياشي، وعلي بن إبراهيم القمي، والتفسير المسموع من أبي محمد الزكي، أخبارًا كثيرة من هذا القبيل[34].
هذا اعتراف من أحد كبارهم بوجود هذا المقالة بينهم، وأنها أصبحت هي القاعدة المتبعة في كتب التفسير عندهم، وفي أصح كتب الحديث لديهم.
ويعقد شيخهم الحر العاملي في كتابه : (الفصول المهمة في أصول الأئمة) بابًا في هذا الشأن بعنوان (باب أن كل ما في القرآن من آيات التحليل والتحريم)، فالمراد بها ظاهرها، والمراد بباطنها أئمة العدل والجور[35].
فهو يعتبر آيات أحكام الحلال المقصود بها أئمتهم، وآيات الحرام المقصود بها خلفاء المسلمين، باستثناء الإمام علي وبقية الأئمة الاثني عشر.
وكذلك يفعل (الكليني) في كتابه (الكافي)[36]، (المجلسي) في (بحار الأنوار)[37].
هكذا حصر الشيعة كل معاني الإسلام في بيعة رجل، وغيرت مفهوم الشرك في عبادة الله، والكفر به، والطواغيت والأصنام إلى مفاهيم غريبة، فأعداء الأمة كل خليفة من خلفاء المسلمين، باستثناء الاثني عشر، من أبي بكر إلى أن تقوم الساعة، وكل من بايع هؤلاء الخلفاء من الصحابة ومن بعدهم إلى نهاية الدنيا، هؤلاء الأعداء الذين تؤول بهم ألفاظ الكفر والشرك.
[1] الشيخ محمد محمد حسين الذهبي( 1915 م - 1977 م ) : مفسر من كبار علماء الأزهر، شغل منصب أستاذ بالمعهد الديني بالقاهرة، ثم بكلية أصول الدين بالأزهر، وكان فضيلته رئيسًا للجنة الفتوى. فوزيرا للأوقاف.، له مؤلفات كثيرة، من أشهرها وأهمها : التفسير والمفسرون، وهو رسالته لنيل درجة (الدكتوراه)، مقدمة في علم التفسير، مقدمة في علوم القرآن، مقدمة في علوم الحديث، الإسرائليات في التفسير والحديث، نور اليقين من هدي خاتم المرسلين، وغيرها.
[2] محمد حسين الذهبي : التفسير والمفسرون (ج2/ ص22).
[3] الكليني : أصول الكافي (جـ/1 ص25).
[4] الحر العاملي : وسائل الشيعة (ج18/ ص138)، المجلسي : بحار الأنوار (ج7/ ص3002).
[5] وسائل الشيعة (ج18/ ص136)، تفسيرالصافي (ج1/ ص21، 22)، بحارالأنوار (ج24/ ص237، 238).
[6] تفسير فرات (ص91)، وسائل الشيعة (ج18/ ص149).
[7] أصول الكافي (ج1/ ص192، 210، 212، 213).
[8] المجلسي : بحار الأنوار (ج 23/ ص188 - 205).
[9] السابق (ج26/ ص105).
[10] وسائل الشيعة (ج18/ ص129 - 152).
[11] الحر العاملي : الفصول المهمة في أصول الأئمة (ص173).
[12] تفسير الصافي (ج1/ ص19).
[13] السابق (ج2/ ص272).
[14] محمد حسين آل كاشف الغطاء : أصول الشيعة (ص77).
[15] السابق (ج2/ ص272).
[16] الكليني : أصول الكافي (ج1/ ص265).
[17] الكليني : أصول الكافي (ج1/ ص266).
[18] السابق.ج1/ ص268.
[19] الحدائق الناضرة.يوسف البحراني، ج18/ص153.
[20] بحار الأنوار. المجلسي.، ج23/ص390.
[21] تفسير العياشي. العياشي، ج2/ص353.
[22] يعنون به موسى الكاظم والذي يعتبرونه الإمام السابع. انظر : أصول الكافي، الهامش (ج1/ ص374).
[23] أصول الكافي : (ج1/ ص374)، النعماني : الغيبة (ص )83، تفسير العياشي : (ج2/ ص16).
[24] انظر : المجلسي : البحار (ج92/ ص78 - 106).
[25] السابق (ج92/ ص87).
[26] انظر : تفسير القمي (ج1/ ص14، 16) تفسير العياشي : (ج1/ ص11)، تفسير الصافي : (ج1/ ص29).
[27] تفسير الصافي (ج1/ ص31).
[28] تفسير العياشي (ج1 ص11)، البرهان في تفسير القرآن : (ج1/ ص20، 21)، تفسير الصافي (ج1/ ص 29)، بحار الأنوار (ج 92/ ص95).
[29] انظر : أبو الحسن الشريف : مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار (ص3، طهران، 1374هـ).
[30] تفسير الصافي (ج1/ ص24)، وهذا النص جعله صاحب الصافي عنوانًا للمقدمة الثانية.
[31] وقد طبع في المطبعة العلمية بقم، 1394هـ.
[32] أصول الكافي (ج2/ ص627).
[33] أصول الكافي (ج2/ ص627)، البرهان (ج1/ ص21).
[34] الكاشاني : تفسير الصافي (ج1/ ص24، 25).
[35] الحر العاملي : الفصول المهمة في أصول الأئمة (ص256).
[36] انظر : الكليني : أصول الكافي (ج1/ ص206، 207، 210)، وغيرها من الأبواب.
[37] انظر : المجلسي : بحار الأنوار (ج 23/ ص354 - 390).
-
الاحد PM 12:50
2025-04-06 - 703



