المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1916833
يتصفح الموقع حاليا : 854

البحث

البحث

عرض المادة

التشيع واستشهاد الحسين

في يوم العاشر من المحرم سنة 61ﻫ استشهد ابن بنت رسول الله ﷺ ؛ على رأس فئة قليلة من آل البيت لم يبلغ عددها ثمانين رجلاً وكان ذلك في أرض كربلاء بالعراق، وكان استشهاده مأساة دامية أحدثت جرحًا عميقًا في قلوب المسلمين.

من هنا؛ ركّز أكثر الباحثين اهتمامهم على فاجعة كربلاء، وما نتج عنها من تنظيم شيعي دقيق لأول مرة في تاريخ التشيع، وعدّوا أن هذه الحادثة بمثابة الجسر الحقيقي الذي عبر عليه الفكر الشيعي من حيز الخمول والكمون، إلى حيز الانبثاق والظهور، حيث بدأت المطالبة بحقوق آل البيت لأول مرة تحت قوة السلاح، ولما أصيبت هذه القوة بالهزيمة والدماء؛ لجأ الشيعة بعد ذلك إلى قوة معنوية لا تصمد لها أيدلوجية الدولة الأموية في الحكم، وهي قوة الفكر الذي ارتبط بالدين فأصبح في النفوس عقيدة... وبسبب هذه العقيدة انفصل الشيعة عن أهل السُّنَّة انفصالًا يكاد يكون تامًّا في الآراء والمعتقدات[1].

ولذلك؛ «كانت هناك نتائج دينية هامّة تخلفت عن فاجعة كربلاء، بحيث لا يمكننا أن نفسر دعوة شيعة الكوفة للحسينt ثم خذلانهم له إلا لضعف العقيدة في نفوسهم في ذلك الوقت. فهذه العقيدة لم تكن قد اختمرت في نفوسهم، ولا تملكت قلوبهم ولكن اختلفت الحال بعد مقتل الحسين رضي الله عنه، فقد كانت دماء الحسين أثرًا من دماء علي في نمو حركة التشيع وازدياد أنصارها، وصبغت مبادئ الشيعة بصبغة دينية، فاتجهت الشيعة بعد مقتل الحسين اتجاهًا دينيًا »[2].

من هنا نرى أن الجانب الديني عقب استشهاد الحسين tقد تغلب على الجانب السياسي، حيث أدرك الشيعة أنهم : لا قبل لهم بمقاومة سلطان بني أمية بالقوة والسيف، فاستعانوا على شد أزرهم بمبدأ هام؛ يرتبط أوثـق ارتبـاط بعقائد الشيعة؛ ألا وهو : مبدأ التقية، وحولوا الحرب بينهم وبين الأمويين من حرب سياسية إلى حرب فكرية ترتبط بالدين[3].

مناقشة هذا الرأي عند علماء الأزهر :

أستطيع أن أقول :إن مأساة كربلاء هي حجر الزاوية في تحويل عواطف الشيعة إلى دعوة ذات ركائز وخصائص، وقد نشأ اسمهم الاصطلاحي عقب هذه المأساة، خاصة أنّ السبب الأول في استشهاده tهو خذلان أهل الكوفة وتخليهم عنه بعد أن كاتبوه لينصروه[4]

وهذا ما يراه الدكتور عبد المنعم النمر : حيث قد عاد الذين تخاذلوا عن الإمام الحسين، وأسلموه لجيش يزيد، يؤَنِبون أنفسهم، وقد فجعتهم النتيجة، واعتبروا أنفسهم أنهم السبب في كل ماحدث من المآسي، فصار أكثرهم أشد التصاقًا بآل البيت مما كانوا من قبل، تعويضاً عن خطيئتهم، وناصبوا الأمويين العداء.

والفُرْس الذين أسلموا عن صدق أوعن تظاهر، واعتقدوا أن الحكم يجب أن يستمر في آل البيت كما يستمر الملك، فجعهم كذلك ما حدث، فتحمسوا أكثر لآل البيت صدقاً، أو تظاهراً، ووجد الحاقدون فرصة لتنفيذ خططهم المسمومة ضد الإسلام في هذا الجو.

وتكون من هؤلاء المناصرين لآل البيـت من العـرب، ومن الفرس مايمكن أن يسمى حزباً متميزاً أو(شيعة)، وفيهم من يناصرون حق آل البيت في الحكم، ويبغضون الأمويين عن صدق، وفيهم من تظاهر بذلك بينما هم يبغضون الجميع، ويريدون التخلص من الإسلام والمسلمين ودولتهم، ليعيدوا دولتهم، ويعيدوا مجد فارس الذي حطّمه المسلمون.

ولم تنقطع الدعوة إلى حق آل البيت في الحكم، بل كان يحملها داع أو إمام مستور أوظاهـر، حسب الظروف، وكان يجد له أنصاراً ولو في الخـفاء عن صدق وإخلاص، أو كماقيل (لاحباً في علي ولكن كراهة في معاوية)، أو كراهة للجميع[5].

ومال إلى هذا الرأي الدكتور محمد عمارة : فهو يرى أن مصطلح الشيعة ظهر بعد استشهاد الإمام الحسين، وبخاصّة في عصر الإمام (جعفر الصادق)، لأنه العصر الذي ظهر فيه المذهب الشيعي بمعناه الفني والاصطلاحي، حيث ظهرت في هذا العصر قاعدة التشيع الأساسية وهي (النص) و(الوصية)، وهي القاعدة التي اعتبرت الإمامة عقيدة دينية؛ بل جعلتها أصلًا من أصول الدين[6].

وهو ما يؤكده إمام وخطيب الجامع الأزهر الشيخ اسماعيل صادق العدوي في أسئلته المشروعة بعد أن استعرض طرفاً من أسباب النشأة بقوله :« أما التشيع فمنذ عهد يزيد نشأ هذا المذهب، كيف ينشأ مذهب، ولا أصول له من قبل ؟ ومن الذي أقر هذا المذهب ؟ ومن الذي أوصى به؟ ومن الذي حقق معالمه. هذا سؤال لا إجابة عليه »[7]

ويفصل الدكتور محمود خفاجي حقيقة الذي دار : وهو أنه كان هناك جماعة شعارهم الثأر للحسين تسمى بـ(التوابين)؛ وقد ضمت حركتهم حوالي مائة رجل، على رأسهم (سليمان بن صرد الخزاعي)[8]، وهؤلاء التوابون؛ رأوا أنهم غرروا بالحسينt حينما استدعوه لكي يكون على رأسهم، ثم تخلوا عنه ليلقى حتفه بطريقة فردية مزرية بهم.

وقد تكاثر عدد التوابين وخرجوا إلى قبر الحسين بكربلاء يعترفون بخطئهم حين تقاعسوا عن نصرته ويبكون، ثم صعدوا إلى الشمال يريدون الإيقاع بالأمويين، ووقعت بينهم وبين الجيش الأموي معركة كبرى في (عين الوردة)ـ قرب (الرقة)، وانتهى الأمر بقتل قائدهم (سليمان بن صرد الخزاعي) وكثير من أتباعه[9].

ومن بعد حركة التوابين ظهرت كلمة الشيعة الحسينية على يد (المختار بن عبيد الثقفي)[10]، وهي الشيعة التي تنسب إلى محمد بن الحنفية[11]، وبقيادة المختار تحدد نطاق التشيع، واتخذ شيئًا فشيئًا صورة فرقة دينية، وفي الكوفة بعد مقتل المختار عام 67ﻫ؛ أخذت الشيعة تتكون كفرقة دينية كلامية تضع أصول التشيّع، وتقعد المبادئ وتدافع عنها[12].

وقد وافق الدكتور جميل أبو العلا[13]على هذا القول في النشأة الاصطلاحية للتشيع، وقال بأن :«مأساة كربلاء هي حجر الزاوية في تحويل عواطف الشيعة، وصهرها وتحويلها إلى دعوة ذات ركائز وخصائص »[14].

ويصرح الدكتور محمد عبد المنعم البري قائلاً : «ونرى أن الشيعة كفرقة كلامية تكونت في الكوفة حيث ظهر التوّابون البكّاؤون الذين تكتّلوا ضد الأمويين »[15].

ولهذا التعليل أميل، وعلى تلك الأقوال لعلماء الأزهر أوافق؛ على أن طائفة الشيعة قد نشأ اسمها الاصطلاحي عقب استشهاد سيد شباب أهل الجنة الحسين بن عليt، غير أنه يجب التنبيه على : أن التشيّع إذا كان قد ظهر على السطح اصطلاحًا عقب حادثة كربلاء؛ فإنه لم يكن قد تكامل في إطاره النهائي ولا وُضعت أصوله، وفي عقب هذه الحادثة الفاجعة؛ دخلت عناصر وأجناس مختلفة، تحمل في طياتها أيضًا آراء ونظريات مختلفة أضفت من خلالها القداسة والعصمة لآل البيت تحت ستار المحبة لهم دون غيرهم.

 

[1] راجع : أحمد محمود صبحي :نظرية الإمامة لدى الشيعة الإثني عشرية(ص48).

[2] علي حسين الخربوطلي :تاريخ العراق في ظل الأمويين (ص 132، مكتبة الدراسات التاريخية، دار المعارف، 1959م

[3] دراسات في نشأة الفرق الإسلامية(ص 142).

[4] انظر :عثمان بن محمد الخميس :حقبة من التاريخ(ص237، وما بعدها، مكتبة الإمام البخاري، ط 2، 1427هـ = 2006م)بتصرف يسير.

[5] عبد المنعم النمر : الشيعة، المهدي، الدروز، تاريخ ووثائق (ص47، 48).

[6] محمد عمارة : تيارات الفكر الإسلامي (ص203، دار الشروق القاهرة، 1411هـ = 1991م) بتصرف.

[7] الشيخ إسماعيل صادق العدوي. نظرة في فكر الشيعة، ص26-27.

[8] هو سليمان بن صرد الخزاعي، وسُمّوا (التوابين) لاستنادهم إلى الآية (51) من سورة البقرة «فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم«، وهي الآية التي كان يرددها سليمان على مسامع أصحابه حينما كانوا يجتمعون حول منزله كل جمعه، راجع : الطبري : تاريخ الرسل والملوك(ج7/ ص 47، وما بعدها).

[9] خفاجي : دراسات في نشأة الفرق(ص 142- 144).

[10] المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي، أبو إسحاق : من زعماء الثائرين على بني أمية، وأحد الشجعان الأفذاذ من أهل الطائف؛ انتقل منها إلى المدينة مع أبيه في زمن عمر، وتوجه أبوه إلى العراق فاستشهد يوم الجسر، وبقي المختار في المدينة، وسكن البصرة بعد علي، ولما قتل الحسين سنة 61هـ انحرف المختار عن عبيد الله بن زياد أمير البصرة، فقبض عليه ابن زياد وجلده وحبسه ونفاه بشفاعة ابن عمر إلى الطائف، ولما مات يزيد بن معاوية سنة 64هـ توجه إلى الكوفة وكان أكبر همه منذ دخل الكوفة أن يقتل من قاتلوا (الحسين) وقتلوه، فدعا إلى إمامة محمد بن الحنفية وظل يواجه بني أمية حتى حوصر وقتل عام 67هـ. انظر :الزركلي : الأعلام(جـ7/ ص192، دار العلم للملايين، ط 15، أيار/ مايو 2002م).

[11] هو أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب t المعروف بـ (ابن الحنفية)، أمه الحنفية خوله بنت جعفر بن قيس ويقال : بل كانت من سبي اليمامة، وأما كنيته بأبي القاسم؛ فيقال : إنها رخصة من رسول ﷺ، وإنه قال لعلي t :«سيولد لك بعدي غلام، وقد نحلته اسمي وكنيتي، ولا تحل لأحد من أمتي بعده، كان كثير العلم، والورع وكانت راية أبيه بيده يوم صفين؛ رفض مبايعة ابن الزبير، ولادته :لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وتوفي رحمه الله في أول المحرم سنة إحدى وثمانين للهجرة. انظر : ابن خلكان : وفيات الأعيان(جـ4/ ص172، دار صادر - بيروت).

[12] محمود أحمد خفاجي :دراسات في نشأة الفرق(ص 144 .

[13] هو الأستاذ الدكتور جميل محمد أبو العلا، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، وعضو المجلس الأعلى للأزهر، ونائب رئيس جامعة الأزهر لفرع أسيوط - قنا - أسوان.

[14] انظر : جميل أبو العلا : الباطنية وموقف الإسلام منهم(ص371، دار المعارف).

[15] محمد عبد المنعم البري :الشيعة في دائرة الضوء(ص 26، دار الحقيقة للإعلام الدولي، ط1، 1410هـ = 1989م).

  • الاحد PM 12:31
    2025-04-06
  • 609
Powered by: GateGold