المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1916833
يتصفح الموقع حاليا : 852

البحث

البحث

عرض المادة

هل التشيع بدأ في أواخر عهد عثمان على يد ابن سبأ

 

قامت الشيعة ظاهرة في آخر عصر الخليفة الثالث عثمان وقد نمت وترعرعت في عهد عليّ .

قال الإمام محمد أبوزهرة : «والذي تولى رعاية هذا المذهب هو عبد الله بن سبأ الذي بدأ حركته في أواخر عهد عثمان والذي ترأس مجموعة ممن دخلوا في الإسلام ظاهرًا وأضمروا الكفر باطنًا فأخذوا يشيعون السوء عن ذي النورين عثمان tويذكرون علي بن أبي طالب tبالخير »[1].

ذكر الإمام الطبري رواية عن يَزِيدَ الْفَقْعَسِيِّ، قال : «كان عبد الله بن سبأ يهوديًا من أهل صنعاء؛ أمه سوداء، فأسلم زمن عثمانt، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم.

فقال لهم : فيما يقـول : لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمداً يرجع، وقد قال الله عز وجل : ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾ [القصص : 85]، فمحمد أحق بالرجوع من عيسى. قال : «فقبل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها ثـم قال لـهم بعد ذلك ـ : إنه لكل نبي وصيّ وكان عليّ وصيّ محمد.

ثم قال : محمد خاتم الأنبياء وعليّ خاتم الأوصياء، ثم قال لهم بعد ذلك، وإن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله ﷺ، فانهضوا في هذا الأمر فحركوه وابدءوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الرأي »[2].

بل يقول ابن عبد ربه : «أنه كان يقول : أنّ عليًّاtقد يأتي من الأمور ما لا يقدر عليه أحد من البشر؛ من إحياء للموتى، وإخبار بالمغيبات، وبيان الحقائق الإلهية الكونية، وقد روي أنه كاشف عليًا بهذه الأمور فنفاه إلى المدائن خوفًا على عقائد المسلمين »[3].

من كلام الطبري وابن عبد ربه يتضح لنا أن ابن سبأ هو من أول من نادى :

أولاً : بالهجوم على الخلفاء واعتبارهم مغتصبين للخلافة.

ثانيًا : أول من نادى بالرجعة والوصية.

ثالثًا : أنه أول من نادى بقداسة عليّ ونقل وصايته عن النبي ﷺ.

وهذه الآراء موجودة في عقائد معظم الشيعة ويؤولون لأجلها نصوص القرآن الكريم كما سنرى بمشيئة الله تعالى.

وقـد حاول علماء الشيعة نفي نسبة التشيع إلى ابن سبأ ؛ بل والتبرؤ منه وانتقاده، أو إنكار شخصيته نهائيًا؛ نظرًا لأن نسبة التشيّع إلى ابن سبأ تُرجع صميم العقيدة وجوهرها إلى أصل يهودي.

يقول كاشف الغطاء : «إن ابن سبأ هذا قد لُعن في كل كتب الشيعة وهو ألعن من أن يُذكر »[4].

ويميل إلى هذا الرأي بعض الكتاب الغربيين ومن تأثر بهم، مثل (برنارد لويس) [5]، و(طه حسين)[6].

مناقشة هذا الرأي من قبل علماء الأزهر :

يقول الإمام محمد أبوزهرة[7] : أن الشيعة نشأت كظاهرة في آخر عصر الخليفة الثالث عثمان بن عفان t، ونمت وترعرعت في عهد عليّt؛ من غير أن يعمل على تنميتها، ولما قبضه الله سبحانه وتعالى تحولت الفكرة الشيعية إلى مذاهب؛ منها ماكان فيه مغالاة، ومنها ما كان فيه اعتدال[8].

أما عن الشخصية التي وضعت هذه البذرة في هذا الوقت؛ فيكشف عنها الحافظ ابن حجر العسقلاني قائلاً : «عبد الله بن سبأ؛ من غلاة الزنادقة، ضال مضل؛أحسب أن عليًّا حرقه بالنار، وزعم أن القرآن جزء من تسعة أجزاء، وعلمه عند علي؛ فنفاه عليّ بعد ما هم به... وأخبار عبد الله بن سبأ شهيرة في التواريخ، وليس له رواية ولله الحمد وله أتباع يقال لهم السبئية معتقدون الإلهية في على بن أبي طالب t، وقد أحرقهم علي بالنار في خلافته »[9].

ويقول الدكتور عبد المنعم النمر : « وانتهز بعض أحبار اليهود الذين أسلموا كعبد الله بن سبأ وقد أسلم في عهد عثمان الفرصة ليبث أفكاره الهدامة اليهودية وسط المسلمين، مدعياً حبه للإسلام ولآل البيت... »[10].

فالتشكيك من قِبل علماء الشيعة؛ لا يمكن أن يطمس الحقيقة المتمثلة في أن نشأة التشيع وأصوله ترتبط بظهور عبد الله بن سبأ، لأن الطبري لم يكن الوحيد الذي تكلم عن ظهور ابن سبأ، بل بجانبه كثيرون من ثقات المؤرخين عندنا.

ولقد ذكرت الباحثة آمال عبد القادر سيد [11]؛ في بحثها : (عبد الله بن سبأ؛ وأثره على التفكير الإسلامي) أسماء الكثيرين من هؤلاء المؤرخين القدماء منهم والمحدثين [12].

بل ويذهب الدكتور محمودأحمد خفاجي في بحثه : (عبد الله بن سبأ وأثره في وضع أصول الرافضة)[13] إلى القول بأن قدماء المؤرخين والمفسرين من الشيعة تكلموا عن ظهور عبد الله بن سبأ؛ فها هو النوبختي(310ﻫ)، وهو وإن لم يتقدم؛ يكفي أنه ليس بمـتأخـر عـــــــــــن الطـبـري(ت310هـ)، بــل هــو معـاصر لـه؛ يقـول في كتـابـه (فــرق الشـيعة)ـ والذي يعتبر المحور والمدار لكل مَن كتب مِن الشيعة في الفرق ـ : «إن عبد الله بن سبأ كان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابةy وقال إن عليًّا أمره بذلك».

يقول الدكتور عبد المنعم فؤاد عثمان : «ومن المعروف أن النوبختي لم ينقل عن الطبري ولم نر أحدًا من الشيعة اتهمه بذلك، وكذلك من سبقه وهو القمي لأن السابق لا يمكن أن ينقل عن اللاحق؛ ثم كيف بالشيخ (كاشف الغطاء) يقول : «إن ابن سبأ قد لعن في كل كتب الشيعة ».

ثم يقول :«هو أسطورة ؟ ما هذا التناقض الظاهر؟!! ومن ذا الذي لعنته كتب الشيعة إذا كان الموجه إليه اللعن غير موجود؟ وهل يصح عقلاً القول بأن أئمة الشيعة كانوا يوجهون اللعن والتوبيخ إلى شخصية وهمية لا وجود لها إلا في الخيال؟ »[14].

كما ذكر الدكتور خفاجي أيضا من الأقدمين عندهم الذين تكلموا عن ابن سبأ؛ فذكر منهم : (محمد بن عمر الكشّي)[15] في كتاب (اختيار معرفة الرجال) المعروف بـ(رجال الكشّي)[16]، وشيخ الطائفة (الطوسي)[17] في كتابه (رجال الطوسي)[18]، و(ابن المطهّر الحلّي)[19] في كتابه (رجال العلاّمة الحلّي)[20]، كمـا ذكر مـن المتأخرين ـ(محمد باقر المجلسي) (1111ﻫ) في كتابه) بحار الأنوار)[21]، و(يوسف البحراني) (1186ﻫ) في كتابه (الحدائق الناضرة في أحكام الفترة الطاهرة)[22]، و(الاسكوني الحائري) صاحب كتاب (إحقاق الحق)[23].

والصحيح أن الشيعة لا حجة لهم فيما يدعون؛ وأن الرجل له أياد واضحة في عقائدهم التي يدافعون عنها[24] [25].

ويذكر شيخ الأزهر : محمد الخضر حسين [26] بعض الآراء التي بثّها ابن سبأ في عصره مثل : «إن عليًّا إله»، زعم ابن سبأ ذلك، ودعا إليه قوماً من غلاة الكوفة، وبلغ عليًّا أمرهم، فأحرق فرقاً منهم بعد أن دعاهم إلى التوبة وأجّلهم ثلاثاً، ولم يقتل بقيتهم كابن سبأ بل نفاه إلى المدائن حذراً من اختلاف أصحابه عليه.

ولما قتل علي، زعم ابن سبأ أن المقتول شيطان تمثل بعلي، وأن عليًّا صعد إلى السماء، وأنه سينزل إلى الدنيا وينتقم من أعدائه، وأتباع ابن سبأ يزعمون أن المهدي المنتظر هو علي، ويزعم بعضهم أنه في السحاب [27].

وهذا ما يؤكده الدكتورمحمود خفاجي : حيث أنه بعد التحقق من الوقائع المحيطة بابن سبأ وتمحيص أخبارها وإثباتها بما لا يدع مجالاً للشك من كثير من الباحثين والتأكد على ضوء ذلك من حقيقة وجوده، والدور الذي قام به في تحريك الفتن وتخطيط المؤامرة مع الحاقدين الموتورين؛ الذين يتربصون بالإسلام، ويتحينون الفرص لإثارة الفتن والقلاقل في صفوف المسلمين [28].

ولكن الدكتور يبين : أنه إذا جاز لنا أن نعدّ الآراء السبئية أصل للتشيع، وأن ابن سبأ هو شيخ الفكر الشيعي، أو هو المعلم الأول لذلك الفكر؛ فإنه لا يجوز القول : بأن الشيعة نشأوا منذ ذلك الوقت بوصفهم فرقة متكاملة ذات نزعة جماعية؛ ذلك لأن نظريات ابن سبأ لم تلق قبولاً في أول أمرها؛ إلا عند قلة قليلة ابتعدت هذه القلة عن الجماعة العامة بغطاء التستر، واصطنعت لنفسها المنهج التأويلي بالباطن؛ الذي رسمه ذلك اليهودي.

لذلك، احتاجت آراؤه إلى مضي وقت مناسب، وحدث جلل؛ حتى تخامر العقول، وتلقى الاستجابة المطلوبة لدى الأعداء والحاقدين، ثم تنفرج بعد ذلك؛ نظراً لتعذر ذيوع الأفكار، واستقرارها في المجتمعات بطريقة مفاجئة[29].

 

[1] محمد أبو زهرة : تاريخ المذاهب الإسلامية(ص29 - 34، دار الفكر العربي )بتصرف.

[2] ابن جرير الطبري : تاريخ الأمم والملوك (ج2/ ص480، 481، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، ط1، 1405هـ=1985م).

[3] ابن عبد ربه : العقد الفريد (جـ2/ ص 405، لجنة البيان العربي، 1950م).

[4] آل كاشف الغطاء : أصل الشيعة وأصولها (ص26، 27).

[5] برنارد لويس : أصول الإسماعيلية، ترجمة خليل جلو(ص86، 87، بيروت، 1980م).

[6] طه حسين : الفتنة الكبرى علي وبنوه(ص90- 92، بدون دار نشر، 1960م).

[7] الإمام محمد أبوزهرة، ولد عام 1898م، في مدينة المحلة بمصر، حصل على عالمية القضاء الشرعي مع درجة أستاذ 1924م، تولى التدريس في دار العلوم، وكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، وكلية الحقوق بجامعة القاهرة، ثم شغل منصب محاضر للدراسات العليا، ورئيس لقسم الشريعة، وكيل لكلية الحقوق ومعهد الدراسات الإسلامية، لديه العديد من الكتب والأبحاث والفتاوى، كانت له مواقف مشهورة صدع فيها بالحق منها رفضه لمحاولة ترسيخ مفهوم (اشتراكية الإسلام)، له الكثير من المؤلفات التي ملأت فراغًاكبيرًا في المكتبة الإسلامية، وله فيها فضل السبق، منها ( محاضرات في النصرانية)، و(تاريخ المذاهب الإسلامية)، و(موسوعة تراجم)، وغيرها، توفي رحمه الله عام 1979م.

[8] محمد أبو زهرة : تاريخ المذاهب الإسلامية(ص31، 32).

[9] أحمد بن علي بن حجر العسقلاني : لسان الميزان (ج4/ص485، مكتب المطبوعات الإسلامية، تحقيق : عبدالفتاح أبو غدة، بدون تاريخ).

[10] عبدالمنعم النمر : الشيعة المهدي الدروز، تاريخ ووثائق(ص44).

[11] باحثة في كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بسوهاج (قسم العقيدة والفلسفة)، لها رسالة تخصص ماجستير موضوعها « عبد الله بن سبأ وأثره في التفكير الإسلامي »، إشراف : الدكتور إنعام محمود حمادة والدكتورة. قدرية شهاب الدين.

[12] أجمع أهل السُنة قديماً وحديثاً على وجود شخصية ابن سبأ وذكروه في مصادرهم بما ينبه على أنه من أعداء الإسلام، وأنه سعى إلى الفتنة، وأنه كون فرقة الشيعة لهدم العقيدة الإسلامية.

[13] بحث بحولية كلية أصول الدين والدعوة بالزقازيق، العدد الثامن، المجلد الأول (جمادي الآخرة 1416هـ نوفمبر 1995م).

[14] عبدالمنعم فؤاد : قضية التأويل(ص52).

[15] محمد بن عمر الكشّي : من علمائهم في القرن الرابع الهجري كتابه المعروف بـ(رجال الكشّي) هو أقدم كتاب عندهم في الجرح والتعديل.

[16] محمد بن عمر الكشّي : رجال الكشّي ص98، 99، مؤسسة الأعلمي، بيروت، تحقيق : أحمد الحسيني.

[17] الطوسي : محمد بن الحسن الطوسي من أكابر علماء الإمامية، كان ملماً بالكثير من العلوم العقلية والنقلية على مذهب الإمامية ولد سنة 672هـ، ودفن في مشهد الكاظمين انظر :علي أصغر الجابلقي : طرائف المقال(ج2/ ص444، مطبعة بهمن، قم، ط1، سنة1410هـ).

[18] محمد بن الحسين الطوسي : رجال الطوسي (ص51، تحقيق : محمد صادق آل بحر العلوم، ط1، 382هـ = 1961م).

[19] ابن المطهر الحلي هو : الحسن بن يوسف بن عليّ بن المطهر الحلي (648- 726هـ)صاحب كتاب(منهاج الكرامه) الذي تناوله بالرد شيخ الإسلام (ابن تيمية) رحمه الله في كتابه (منهاج السُّنَّة النبوية).

[20] ابن المطهر الحلي : رجال العلامة الحلي (ص237، تحقيق : محمد صادق آل بحر العلوم، 1392هـ =1972م).

[21] محمد باقر المجلسي : بحار الأنوار(ج25/ ص287، دار إحياء التراث العربي - بيروت ط3، 1403هـ = 1983م).

[22] يوسف البحراني : الحدائق الناضرة (ج8 /ص511ــ514، دار الأضواء، بيروت، ط2، 1405هـ = 1985م).

[23] ميرزا موسى الاسكوني الحائري : إحقاق الحق (ص386، الكويت، ط3، 1402هـ = 1982م).

[24] ولهذا يلحظ أن ثمة اتجاهاً أخيراً لدى بعض شيوخ الشيعة المعاصرين إلى العدول عن إنكاره، يقول مثلاًـــ محمد حسين الزيني : وعلى كل حال فإن الرجل أي : ابن سبأ كان في عالم الوجود، وأظهر الغلو، وإن شك بعضهم في وجوده وجعله شخصاً خيالياً. أما نحن بحسب الاستقراء الأخير فلا نشك بوجوده وغلوه. انظر : الشيعة في التاريخ (ص213).

[25] محمود أحمد خفاجي : عبد الله بن سبأ وأثره في وضع أصول الرافضة(ص305، 309).

[26] شيخ الأزهر محمد الخضر حسين ولد سنة 1876م بتونس، وتوفي بالقاهرة سنة 1958م. درس بجامع الزيتونة، وعمل في القضاء. ضيق عليه الاستعمار الفرنسي لتونس، حين ناصر الدولة العثمانية في حربها مع إيطاليا. أسس مجلة (السعادة العظمى) في تونس، ورأس فيما بعد مجلة (الهداية) تولي مشيخة الأزهر إقراراً بفضله وعلمه. له العديد من الكتب والأبحاث، أهمها رده على كتابي (الإسلام وأصول الحكم) لعلي عبد الرازق و(في الشعر الجاهلي) لطه حسين. انظر : الأستاذ/ أشرف فوزى صالح :شيوخ الأزهر(ج4/ ص27 33، الشركة العربية للنشر والتوزيع، بدون).

 

[27] بحث موجز في أشهر الفرق الإسلامية؛ نشر في (مجلة الهداية الإسلامية، الجزء الرابع، شوال 1356هـ = ديسمبر1937م).

[28] محمود أحمد خفاجي : دراسات في نشأة الفرق الإسلامية(ص137).

[29] انظر السابق : (ص53)، نقله عن عقائد الإمامية للدكتور السنهوتي(ص13، رسالة ماجستير، بمكتبة جامعة القاهرة ودار العلوم، 1967م)

 

  • الاحد PM 12:27
    2025-04-06
  • 639
Powered by: GateGold