المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 402294
يتصفح الموقع حاليا : 188

البحث

البحث

عرض المادة

ما حكمة الزكاة؟ وما نصابها؟

البخل عاهة قديمة في الطبيعة البشرية، ترجع إلى حب المرء لنفسه وحرصه على مصلحته، وارتيابه في المستقبل ارتياباً يغريه بالإدخار، والجمع بعد الجمع!..

 

والدين لا يبغض للمرء نفسه ولا يزهده في مصالحها، ولكنه يرفض أن يتحول ذلك إلى تجاهل للآخرين، وفقدان للشعور بوجودهم وحقوقهم! ولعل ذلك هو الفارق بين الإنسان والحيوان!..

 

فالحيوان ما يتحرك إلا وفق قوانين اللذة والألم، إنه يستقبل من أجل قوته أو قوت صغاره الذين هم امتداد له، والعالم في عينه لا يتجاوز هذا النطاق..

 

والإنسان القريب من الحيوان يصبح ويمسي محصوراً في مآربه ومطالبه، لا يفكر أبعد من ذلك فليحي هو ولتمت الدنيا كلها بعدئذ.

 

وقد جاء الإسلام فخلع الفرد من هذه الأثرة، وجعله جزءاً من كيان مشترك أو جسد واحد، وأفهمه أن الإيمان يقتضي محبة الآخرين والرحمة بهم، واحترام مصالحهم، وقد يقتضي الإيثار والعطاء المبرأ من المن..

 

قال تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُولَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [التغابن: 16] وقال: {وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلْأَتْقَى ٱلَّذِى يُؤْتِى مَالَهُۥ يَتَزَكَّىٰ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعْمَةٍۢ تُجْزَىٰٓ  إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلْأَعْلَىٰ} [الليل: 17-20].

 

وعند التأمل نجد أن حب المرء لنفسه ونسياته لغيره يكمن وراء تشبعه مع جوع الآخرين، وتطلعه إلى مزيد مع فقدان غيره للضرورات الماسة! ولم أعرف شيئاً يورث الضغائن كهذا التفاوت، إنه يحول الجماعة البشرية إلى قطيع متوحش!..

 

ومحنة الدين في المجتمعات التي تحولت إلى الماركسية أتت من ذلك التفاوت الظالم، والثوار ما كانوا حاقدين على الوجود الإلهي قدر ما كانوا ضائقين ببطنة الكهان ومسبغبة البائسين..

 

وقد رأينا القرآن الكريم يعد أولئك الكهنة البطان هم السبب في كفر الناس! ويعتبر مسلكهم صدا عن سبيل الله {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۗ  وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ} [التوبة: 34].

 

والكلام في الزكاة فرع تنقية الطباع من الشح، وغرس الأخوة المتحابة المتراحمة المتكاملة..

 

وقبل أن أعطى أحداً من مالي أنا باسم الزكاة يجب أن أضمن للكادح ثمن عرقه، وجزاء سعيه!..

 

لقد رأيت قاعدين يشركون الآخرين في ربحهم تحت عناوين ما أنزل الله بها من سلطان! رأيت الأعرابي يكفل عشرة من الناس ليستولى على نصف رواتبهم جميعاً والإسلام بريء من هذا الجشع والغصب!.

 

إن دور الزكاة يجيء بعد إرساء قواعد الحلال والحرام، فإذا حدثت تغرات في المجتمع بعد تسييره وفق سنن عادلة فإن الزكاة تمسح الآلام، وتنشر الرحمة والوئام، إن الزكاة طهارة نفسية واجتماعية قبل أن تكون مساعدات مادية {خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة:103].

 

لم أعرف نظاماً دينياً في الأولين والآخرين اهتم بالزكاة والصدقة مثلما اهتم الإسلام، وفي كتاب الله وسنة رسوله آيات وحكم تحس معها كيف يريد الإسلام تعميم الخير وإشاعة النعمة ومطاردة البأساء والضراء، وجعل بسمة الرضا يصطبغ بها كل فم!..

من قديم والناس يكرهون استخراج المال من خزائنهم، ويودون لو بقى لهم وحدهم، بيد أن الإسلام يقاوم هذه الرغبة، ويكسر حدتها، وإذا احتاج الأمر إلى مقاتلة أصحابها أعلن عليهم الحرب حتى يفيئوا إلى أمر الله، وهكذا فعل الخليفة الأول، فهل يتكرر ما فعل؟

 

عن الأحنف بن قيس قال: "كنت في نفر من قريش قمر أبو ذر رضي الله عنه وهو يقول: بشر الكافرين بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ يَتَزَلْزَلُ، فَوَضَعَ الْقَوْمَ رُءُوسِهِمْ  فمَا رأيت أحداً مِنْهُم رَجَعَ إِلَيِه شيئاً! فأدبر، فاتبعته حَتَّى جَلَسَ إِِلََى سَارِيَةٍ فَقُلْتُ لَهُ لَا أُرَى الْقَوْمَ إِلَّا قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلْتَ قَالَ إِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا إن خَلِيلِي  أَبَا الْقَاسِمِ  دَعَانِي فَأَجبته، فقال: أترى أحداً؟ فقُلْتُ: أَرَاه! فَقَالَ: مَا يَسُرَنِي أَن لِي مِثْلَه ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ وَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا لَا يَعْقِلُونَ شيئاً".

 

 وقد جاءت عَنْ أَبِي ذَرٍّرواية أخرى تفسر ما نقلناه هنا قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ هُمْ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ قَالَ فَجِئْتُ حَتَّى جَلَسْتُ فَلَمْ أَتَقَارَّ أَنْ قُمْتُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي مَنْ هُمْ قَالَ هُمْ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ثلاث مرات مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ".

 

وهذا الحديث يفيد إخراج الحقوق المعلومة، والتيقظ إلى كل خلل يقع في المجتمع والمسارعة إلى سده، وهو ما قاله الله سبحانه: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274].

 

وهذا الإنفاق المطلوب لا يعني أبداً أن يظل المرء ينفق حتى يفلس، ويصبح مساوياً لمن كان يعطيهم! فهذا فهم سخيف، وإنما القصد قهر البخل وإحسان المواساة! عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ بِمِثْلِ بَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْتُ هَذِهِ مِنْ مَعْدِنٍ فَخُذْهَا فَهِيَ صَدَقَةٌ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَتَاهُمِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الْأَيْسَرِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَذَفَهُ بِهَا فَلَوْ أَصَابَتْهُ لَأَوْجَعَتْهُ أَوْ لَعَقَرَتْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ فَيَقُولُ هَذِهِ صَدَقَةٌ ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ! خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى!..

 

وإنما شرحنا هذه القضية لأن البعض نسب إلى أبي ذر أنه يحرم الكنز، ويأمر بالنفقة حتى لا يبقى شيء!..

 

هناك حق معلوم قدر في السنة الشريفة بربع العشر في الأموال المدخرة وعروض التجارة، وبنصف العشر في المحاصيل التي يتكلف فيها أصحابها، وبالعشر في المحصولات السهلة. واختار في الأرض الزراعية المستأجرة أن تكون الزكاة بين المالك والمستأجر، كما أختار القول بأن الزكاة في جميع ما تخرجه الأرض من حبوب وفواكه وثمار..

 

وقد جدت في ميادين المال أشياء تقتضي النظر في أحكام المتوارثة، فإن القواعد التي درسناها تجعل الوزير مثلاً لا يخرج زكاة عن مرتبه الذي ينفقه في بيته، مادامت النفقة تستغرقه! على حين توجب الزكاة على فلاح يزرع فدان شعير، وتطالبه بحق الفقير يوم الحصاد! كما أن أغلب الفقهاء القدامى لا يأخذون زكاة من فدان فاكهة يدرألف جنيه، يأخذونها من فدان يدر ربع هذه القيمة..

 

وقد لفت النظر من أربعين سنة في أول كتاب ألفته إلى هذا التفاوت المثير، وتحدثت عما أسميته زكاة المال وزكاة الدخل! وقد كان ذلك إشارة محدودة إلى ما يجب عمله، لا سيما أن الزكاة ليست عبادة محصنة يستحيل فيها التغيير، بل هي عبادة مربوطة بحكمة، وتترتب عليها مصالح متجددة..

 

ثم جاء الشيخ يوسف القرضاوي فوضع كتابه فقه الزكاة الذي قلت: إنه أهم كتاب ألف في هذا الركن الإسلامي منذ بدأ تاريخنا الثقافي..

 

والواقع أنه يجب أن تقوم على عجل لجنة من الفقهاء والاقتصاديين تترجم المصطلحات القديمة إلى مفاهيمها الحديثة، تبين كم تساوي عشرون مثقالاً من ذهب، ومئتا درهم من الفضة وخمسة أوسق من الحبوب، وماذا يتركه التضخم من آثار في قيم الأنصبة؟..

 

إن الزكاة عمل رائع في ديننا العظيم، وقد حصنت المجتمع الإسلامي من زلازل دكت غيره، ولكن الأمر يحتاج إلى مزيد من الدرس والتطبيق الواعي، وضبط الحقوق المعلومة، وإيصالها إلى أصحابها بأشراف أسلوب.

 

  • الخميس AM 10:41
    2022-03-24
  • 1158
Powered by: GateGold