المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 421131
يتصفح الموقع حاليا : 221

البحث

البحث

عرض المادة

وإلهكم إله واحد

بقلم: فاتن صبري
Www.fatensabri.com 
من كتاب: دين عالمي

منذ عهد آدم أبو البشر، كان الخالق يختار الأتقى في قومه كرسول لهم كلما حُرِّفت رسالة النبي السابق وحادوا عن الطريق المستقيم، واختلفوا فيما بينهم بعبادة غير خالقهم، ولتقديم أجوبة شافية لهم عن الأسئلة الوجودية التي تدور في خلدهم (مصدر وجودهم والهدف من وجودهم ومآلهم بعد الموت).

وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ … (النحل: 36).

وقد استخدم الخالق في الآية السابقة صيغة الجمع في الإشارة إلى نفسه للدلالة على عظمته سبحانه وتعالى.

 تتلخص رسالة الرسل بما يلي:

  • الإيمان بأنه لا إله إلا الله (الخالق) وحده، الذي ليس له شريك ولا ولد، وهو الخالق والرازق للكون وما يحتويه.
  • اجتناب الطاغوت (الوثنية). بمعنى الالتزام بعبادة الله وحده بدون وسيط، كما فعل الرسول، وليس عبادة الرسول نفسه باللجوء إليه بالطلب، أو جعله إلهًا.
  • اتباع الشريعة التي جاء بها الرسول مناسبة لزمانهم. مع تصديق الرسالات السابقة في أصل التوحيد، ومن ضمن وصايا الرسل البشارة بقدوم خاتم النبيين، محمد عليه الصلاة والسلام، والحث على الإيمان به واتباعه لمن أدرك زمانه أو سمع عن رسالته لاحقًا.
  • فعل الخيرات واجتناب السيئات، استعدادَا للقاء الخالق بعد الموت للحساب، ومن ثم الثواب أو العقاب.

وكما تشابهت القيم والأخلاق والطموحات بين الشعوب، اشتركوا أيضًا في أصل الدين، وقد وُجدت شواهد على ذلك من كتبهم المقدسة رغم تحريفها، بينما حُفظ خاتم هذه الكتب- القرآن الكريم- من التحريف.

ونذكر فيما يلي بعض هذه الشواهد:

قل هو الله أحد:

في الإسلام:

(الإخلاص: 1-4)

"قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) ".

في النصرانية:

(إنجيل مرقس 12: 29)

" فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: ‘إِنَّ أَوَّلَ كُلّ الوَصايا هيَ: اسْمَعْ يا إِسْرائِيل. الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ ".

في النصرانية / اليهودية:

(سفر أشعياء 43: 11)

"أنا الرَّبْ وَليْسَ غَيْرِي مُخَلّصْ".

(سفر أشعياء 46: 9)

"… لأَنِّي أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرُ. الإِلهُ وَلَيْسَ مِثْلِي".

 في الهندوسية:

( Chandugya Upanishad 6: 2-1) 

"إنَّه إلهٌ (كيان) واحدْ فَقطْ ليسَ لهُ ثاني".

في السيخية:

( Sri guru Granth Sahib. Vol:1, Japuji, verse11)

"يُوجدْ هُناكَ إلهٌ واحدٌ يُسمَّى الحَقيقة. الخالق".

في المجوسية (الزرادشتية):

 ( Dasatir, Ahura Mazda, Yasna 31: 7- 11)

"هُو واحدْ؛ هُو بِدون بِداية أو نِهاية. ليسَ لهُ أبْ أو أمْ، زوجة أو وَلد".

 في البوذية:

( India in Primitive Christianity- صفحة 85)

يقول أحد العلماء المشهورين- آرثر ليلي- أن الكلام التالي كان منحوت على حجر. (ما كان يعتقد به تلاميذ بوذا عن الإله، الروح ومستقبل الإنسان).

"نَعْترِف ونُؤمِن بالإله، الذَّي هو كائن يستحق من أجل هذا (إيمان) ".

ليس كمثله شيء:

 في الإسلام:

(الشورى: 11)

"… لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير".

 في النصرانية / اليهودية:

(سفر الخروج 20: 3 – 5)

"لا يَكُنْ لَكَ آلِهَة أخْرَى أَمَامِي. لا تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلا صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لا تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ… ".

 في الهندوسية:

 (VedasSvetasvataraUpanishad: 4:19، 4:20، 6: 9) 

" الإِلهْ لا يُوجَدْ له آباءْ ولا سَيّد".

" لا يُمْكِنْ رُؤيَتهِ، لا أَحدْ يَراهُ بالعَيْن".

"لا يُوجَد شَبيه لَه".

 

لا تدعوا مع الله أحدا:

 في الإسلام:

(الجن:18).

" وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ".

 في النصرانية:

(إنجيل ماثيو 4: 10)

" حِينَئِذٍ قالَ لهُ يَسوع: ‘اذْهَبْ يا شَيطانْ لَأنَّهُ مَكْتوب: للرَّبْ إِلهَكْ تَسْجُد وَإيَّاهُ وَحْدَه تَعْبُد’ ".

 في النصرانية / اليهودية:

 (سفر التثنية11: 16)

"فاحْتَرزوا مِن أنْ تَنْغوي قُلوبكم وتَعبدوا آلهةً أُخرى وتَسْجدوا لها ".

في الهندوسية:

(Yajurverda   9:40)

"يَدْخُلون الظُلمات، أُولئِكَ الذينَ يَعبدون العَناصِر الطبيعِيَّة (الهَواء ، الماء والنَّار ، إلخ). يَغْرَقونَ في الظُّلمات، أُولئك الذينَ يَعْبُدون سامْبوتي (أشياء مصنوعة باليد مثل الوثن، الحجر، إلخ)".

 

 

 

 

 

 

معرفة الخالق

 

قال لي مسن لاتيني يومًا:

من خلق الخالق؟

قلت له:

إن هذا السؤال المتكرر لا معنى له. أنت كمن يسأل: من خبز الخباز.

قال:

إذا سلمنا بوجود خالق للكون فيجب أن يكون هذا الخالق معقد التركيب والصفات، لأن هذا الكون معقد فخالقه يجب أن يكون أكثر تعقيدًا، فكرة الثالوث أقرب إلى الصواب من فكرة أن الخالق فرد صمد.

قلت له ما سمعته مرة وأعجبني:

يقول الفيلسوف المشكك" أنتوني كيني”:

"الحجة التي يتداولها الملحدون بحتمية تعقيد تركيب خالق للكون وأنه ليس واحد أحد واهية، آلة الحلاقة الالكترونية مع تعقيدها الشديد والتي هي عبارة عن قطع وأجزاء إلا أنها لا تعمل بكفاءة موس الحلاقة الذي يتكون من قطعة واحدة. موس الحلاقة يحلق ويقتل انسان ويقطع ثمرة فاكهة".

قال السائل:

برهان الثالوث أن الله في الأزل وقبل خلقه للكون، لو كان واحدًا فقط، لتعطلت صفاته، فكان يجب أن يكون ثلاثة، ليرحم ويرزق ويتفاعل من خلال الثلاثة الذين في داخله.
قلت له:

 أنا مثلاً أحمل صفة "متحدثة جيدة"، وعندما أقرر أن أصمت ولا أتحدث الآن، هل تتعطل هذه الصفة عندي؟

قال:

ألا يتعارض مفهوم الله الصمد الذي لا يحتاج إلى غيره مع حاجة الإله في الإسلام لوجود بشر يرحمهم ويغفر لهم؟

قلت له:

الله لديه إرادة وليس حاجة.

قال:

لماذا لا يتجسد الخالق في أحد مخلوقاته؟
قلت له:

هل يمكن قبول تزاوج إنسان من بقرة أو غيرها (من الحيوانات بمختلف أنواعها) ليولد ما نصفه إنسان ونصفه حيوان، ومن ثم تكون الطبيعة الحيوانية هي إحدى طبائع وصور الإنسان (بمعنى أن تكون الطبيعة الحيوانية تجسيدًا للصورة البشرية)؟

بالتأكيد: كلا، فإن ذلك يعد انحطاطًا أخلاقيًا وتقليلاً  من قدر البشر الذين أكرمهم الله تبارك وتعالى، فالبشر أشرف قدرًا وأرفع منزلة من الحيوانات، وذلك على الرغم من أنهم جميعًا من مخلوقات الإله سبحانه وتعالى.

فما بالنا إذا كان الأمر متعلقًا بالإله الخالق سبحانه وتعالى المتفرد بالألوهية؟

فهل يمكن التقاء الطبيعة الإلهية مع الطبيعة البشرية (المخلوق وٌلد من امرأة، ضعيف ويصير رضيعًا  بحاجة إلى الاحتضان والرعاية، والذي سوف يؤول به الأمر لأن يموت ويدفن بعد ذلك كغيره من المخلوقات الأخرى)، أو غيرها لتكون الطبيعة البشرية أو غيرها تجسيدًا للصورة الإلهية ؟!

بالتأكيد هذا يعد انتقاصًا و تقليلاً من قدره سبحانه وتعالى.

قال:

أنتم تؤمنون أن للخالق يد، أليس هذا تجسيمًا؟

قلت له:

الخالق واحد أحد، لا نظير له ولا ندّ له، ولا شبيه له ولا مثيل. فأنا كبشر لي يد، والباب له يد، ولكن الفارق شاسع بينهما، وقياسًا على هذا المثال نقول أن الخالق لا يشبه البشر.

قال تعالى في سورة الشورى:

فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الشورى:11).

فقد جاء الإسلام داعيًا إلى تنزيه الإله سبحانه وتعالى عن فعل التفاهات والنقائص. الله سبحانه وتعالى هو الإله الأحد الواحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له مكافئًا أو مماثلاً أو مشابه.

قال لي هندوسي من حملة شهادة الدكتوراة:

 إذا كان الله قادرًا على كل شيء فما المانع من نزوله في صورة البشر؟

أجبته بمثال كنت قد سمعته مرة وأعجبني:

لو نزل الله في صورة البشر فإنه يتخلى عن صفة الألوهية، فهناك فرق بين صفات الخالق وصفات المخلوق. فلو قيل لك بأن الهواء أصبح طائرة في نيويورك فهل تصدق؟

لا علاقة بين الهواء والطائرة فصفة الهواء تختلف تمامًا عن صفة الطائرة فلا يمكن أن يختار هذا صورة ذاك.

قال:

نحن  نعبد التماثيل لكي نحصل على التركيز الذهني أثناء عبادة الخالق، ونتفادى شرود الذهن إلى الأشياء الدنيوية، وإن لم يكن للخالق صورة فلن نحصل على التركيز الكامل.

تعجبت جدًا من كلام هذا الرجل الحاصل على هذه الدرجة العلمية الرفيعة وتذكرت قول الله تعالى:

أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج:46).

وقوله تعالى:

لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ  (اﻷعراف:179).

قلت له: فهل يتصور أن تنظر إلى الشجرة وتقول أنظر إليها للحصول على التركيز إلى والدي المسافر، فلا علاقة بين الشجرة والوالد؟

فما بالك بالله تعالي فأين هذه التماثيل الضعيفة وأين الله القوي العزيز المالك الملك ذو الجبروت والإكرام ؟

هل هذا يركز الأذهان أم يشردها؟ ولو كانت عبادة الأصنام لأجل التركيز فقط، فلماذا تعتنون فيها وتزينوها، وتصرفون آلاف النقود عليها، وتأتون لعبادتها من الأماكن البعيدة؟

 فربما يفكر الشخص في قضية من القضايا حتى ينسى مايحدث حوله وعيناه مفتوحتان، مع أنه ليس لديه صورة معنوية.  والله سبحانه وتعالي لما أودع في الفطرة الإنسانية العبادة والإفتقار إليه فإنه أرشدهم  لكيفية العبادة عن طريق إرسال الأنبياء والرسل ولم يتركهم على أهوائهم يفعلون ما يشاؤون. لقد وُلد اﻹنسان من ماء مهين، فما الهدف من خلقه، وما علاقته مع الخالق؟ وما مصيره بعد موته؟ فهذه الأسئلة لا يستطيع الإجابة عنها حسب عقله واستيعابه من غير هداية الله تعالى. والإسلام عالج هذه المشكلة بقوله صلي الله عليه وسلم عن اﻹحسان في العبادة:

 الإحسانُ أن تعبدَ اللهَ كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يَراك (صحيح البخاري).

قال: التماثيل المنحوته تعود إليها الروح بعد قراءة التراتيل.

فلت له: هذا وهم ولا علاقة له بالحقيقة.

 ولوسلمنا جدلاً بأن الحياة تعود إليها بعد قراءة التراتيل عليها فأصبحت تمشي وتتكلم وتتصرف كيفما شاءت، فهل يقدر الإنسان إيجاد حياة؟

فلم يدعِ عالم من العلماء حتى الآن إعادة الحياة لما لا حياة فيه، والحقيقة أن النفع والضر بمشيئة الله تعالى والإنسان يتوهم بأن ماحدث له من النفع سببه التعلق بتمثال من التماثيل.

قال:

ألم  تشاهدي من خلال شاشات التلفاز والقنوات الفضائية  جريان الدموع على وجوه التماثيل وتناثر الأزهار من أياديها؟

قلت له: إنني أعجب من رجل في مثل منصبك العلمي وتنطوي عليه هذه اﻷساليب في الخداع لكسب المال. 

يرد الخالق على هؤلاء:

 يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ  (الحج: 73 )

الإسلام ليس توحيد الربوبية فقط (الإيمان بإله واحد فقط)، بل وتوحيد الإله في العبادة (توحيد الألوهية بمعنى عبادته وحده أيضًا). إن الإيمان بإله واحد موجود في ديانات كثيرة، وكان موجود في عقيدة كفار قريش (قوم النبي محمد) أيضًا؛ فعندما سُئلوا عن سبب عبادتهم للأصنام قالوا: لتقربنا إلى الله زُلفى، فهم لا ينكرون وجود الله.

قال الخالق:

...وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ …(الزمر:3).

وكان ذلك كله بسبب الجهل بالمفهوم الحقيقي للخالق، مما أدى إلى تشويش الأذهان وبالتالي اللجوء إلى الإلحاد، والتساؤل عن أسباب وجود الخالق وغيرها من الأسئلة المشككة بوجوده.

فنتخيل أن أشيع بين الناس أن كاتبة هذا الكتاب قد صعدت إلى القمر، وجابت الفضاء، فمن يعرفها جيدًا لن يصدق هذه المعلومة وسوف يستهزء بها، لأنه يعرف جيدًا أنها تخاف من ركوب الطائرة.

ولله المثل الأعلى، فمن يعرف صفات الله الحقيقية لن يصدق ما يُنسب إليه من صفات بشرية.

الخالق خلق قانون السببية، فلا يخضع له، بمعنى أنه اﻷول قبل كل شيء، واﻵخر بعد كل شيء، وأنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته. لذلك فهو لا يمر بنفس المراحل الزمنية التي نمر بها من خلال خضوعنا للوقت، ولا يتعب، ولا يحتاج إلى وضع نفسه في شكل مادي.  فلا يمكننا رؤيته، لأننا محاصرون في الزمان والمكان. فعلى الشخص الذي يجلس في غرفة بلا نوافذ مثلاً، مغادرة الغرفة لرؤية ما في الخارج.

ومع أن الخالق فعالٌ لما يريد وله طلاقة القدرة، فيجب أن نُسلّم أيضًا بأنه لا يفعل ما لا يليق بجلاله وحكمته، تعالى عن ذلك علوًا كبيرا.

ولله المثل الأعلى: فعلى الرغم من استطاعة رجل دين ذو منزلة رفيعة الخروج الى الملأ عاري الجسد، فإنه لا يفعل ذلك، لأن هذا التصرف لا يليق بمكانته الدينية.

الوجود كما نراه (الكون والإنسان) لابد أن يوجده الذي يستوعبه بالكامل، فيجب أن لا تكون صفات خالق الوجود بمستوى هذا الوجود أو أقل منه.

الكمال المطلق صفة الموجِد المطلق الذي يحتوي ويستوعب كل الوجود ويخلق قوانينه ويسيِّرها، والطريق لمعرفة الخالق يبدأ من معرفة النفس (فمن عرف نفسه فقد عرف ربه).

 وبعد أن نتعرف على عظمة الموجد والمبدع لهذه النفس البشرية ولهذا الوجود الكوني، ندرك تمامًا أن الموجودات ناقصة ومحدودة رغم آفاقها قياسًا بالخالق المبدع، وبالتالي نستنتج أن صفاتنا تختلف عن صفات خالقنا. فالخالق لا يتجسد في صورة إنسان أو حيوان، ولا صنم أو حجر، وعلى البشر عبادته مباشرة دون قسيس ولا قديس أو أي وسيط.

التوحيد طريق الخلاص

 

يؤكد الإسلام على عصمة الأنبياء من الخطأ فيما يُبلغوا عن الخالق، ولا عصمة ولا وحي لقسيس أو قديس، ومن المحرم تمامًا في الإسلام اللجوء لغير الخالق في الاستعانة والطلب، حتى لو كان الطلب من الأنبياء أنفسهم.  والطلب من الخالق عز ومن غيره مذلة.  فهل يُعقل أن يُساوى بين الملك وعامة الشعب بالطلب؟

قال الله:

لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ … (الرعد:14).

وقال تعالى مخبرًا عن رسوله:

 قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (الأعراف:188).

إن الميزة التي اختص بها دين الإسلام عن بقية ديانات الأرض هو المفهوم الحقيقي عن صفات الخالق، والذي هو مفهوم عالمي مشترك بين الجميع ولا يختلف عليه أحد.

في القانون البشري، المساس بحق الملك أو صاحب الأمر لا يستوي مع غيرها من الجرائم. فما بالك بحق مَلك الملوك. إن حق الله تعالى على عباده أن يُعبد وحده، وحق العباد هو الحصول على علاقة مباشرة معه، وبالتالي الحصول على الأمان في الدنيا والآخرة. إنه يكفي لأن نتخيل أن نهدي أحدا بهدية ويشكر هو شخصًا آخر ويتوجه له بالثناء. ولله المثل الأعلى فهذا حال العباد مع خالقهم، أعطاهم الله ما لا يُعد ولا يُحصى من النعم، وهم بدورهم يشكرون غيره. والخالق في كل الأحوال غنيٌّ عنهم.

هل إذا دلني حمّال الحقائب في المطار على بوابة الطائرة، أقوم أنا حينها بالركوب على ظهره بدلاً من ركوب الطائرة؟

لنفترض مثلا لو صنعتُ جهاز تلفاز بنفسي فهل أنا بحاجة أن أتشكل في صورة تلفاز لمعرفة الآليات الصحيحة والآليات غير الصحيحة؟ 

ما سأفعله في هذه الحالة هو أن أضع بعض الإرشادات لتشغيلها حتى يسهل لكل شخص استخدام هذا الجهاز.

إعطاء حق الخالق لأحد من مخلوقاته من أعظم الذنوب، فاتخاذ قسيس أو قديس بيني وبين الخالق يعني أن أنني أعطيت حق الخالق والذي هو عبادته مباشرة لغيره، وتصوري أن الخالق يتجسد في صورة إنسان أكون بذلك أعطيته صفات بشرية والذي هو منزه عنها.

على سبيل المثال: هل تتساوى فظاعة جرم قطع شجرة إلى نصفين، وقطع جسد طفل صغير إلى نصفين؟

بالطبع لا. قيمة صفات البشر أعلى من قيمة صفات النبات.

والخالق قيمة صفاته أعلى من قيمة صفات خلقه، إضافة إلى أنها غير محدودة أيضًا لأنه غير محدود.

ولهذا يكون عقاب من اتخذ وسطاء في علاقته بينه وبين الخالق أبدي وغير محدود.

الإسلام هو:

الإيمان بأن لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له ولا ولد، وأنه هو الخالق والرازق للكون كله وما يحتويه، لقد خلق الخالق المسيح بلا أب وخلق آدم من غير أب ولا أم، فهو يخلق ولا يلد، وعلينا عبادة الخالق مباشرة بدون قسيس ولا قديس ولا أي وسيط.

عندما يجد الإنسان نفسه غني جدًا وكريم للغاية، فإنه سوف يدعو الأصدقاء والأحباب إلى الطعام والشراب. صفاتنا هذه ما هي إلا جزء بسيط مما عند الله، فالله الخالق له صفات جلال وجمال.

هو الرحمن الرحيم، المعطي الكريم، لقد خلقنا لعبادته، كما تسبحه وتعبده كل مخلوقات الكون. وخلقنا ليرحمنا ويسعدنا ويعطينا، إن أخلصنا له العبادة وأطعناه وامتثلنا أمره، وكل الصفات البشرية الجميلة مشتقة من صفاته. علمًا بأن اﻹنسان  يستخدم صفاته لحاجة، والخالق ليس له حاجة بل إرادة.

إنه خلقنا ومنحنا القدرة على الاختيار، فإما أن نختار طريق الطاعة والعبادة، وإما أن ننكر وجوده ونختار طريق التمرد والمعصية. وهذا بلا شك أعظم درجةً وتكريمًا للإنسان من الإجبار على الطاعة المؤدي إلى السعادة المزيفة.

قال الله تعالى:

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (الذاريات:56).

 

 

قانون طوارئ

 

كان مما قرأت وأعجبني:

لم تكن موجودًا أيها الإنسان ثم كنت، وقد علمت أنك لم توجد نفسك ولا أوجدك من هو مثلك.

فإذا كنت أنا لم أُوجد نفسي يقينًا، و لم يوجدني الذي هو مثلي يقينًا، فيبقى الاحتمال الثالث الذي لا خيار غيره وهو أن الذي أوجدنا ليس مثلنا – فلو كان الذي أوجدنا مثلنا ويتصف بأوصافنا لاستطعنا نحن كذلك أن نوجِدَ خلقًا مثلنا، و قد تكون اللغة عاجزة عن التعبير الدقيق لهذا المعنى، وحتى العقل البشري أيضًا عاجز عن أن يصل لمعرفة كنه الخالق العظيم – وبين اللغة والعقل في قصورهما يمكن أن نخرج بحقيقة واحدة مطلقة، وهي أن الذي أوجدنا وأوجد الكون وأوجد قوانين الكون التي اكتشفها العلم المادي ليس مثلنا. فإذا لم نستطع دفع الضرر عنا، ولم نستطع الإبقاء على أنفسنا وأحبابنا من الفناء، فقطعًا نحن لا نستطيع أن نوجد أنفسنا، فالمسألة بالفعل خارجة عن إرادتنا.

نحن لا نعلم ما في أحشائنا، وحتى المتخصصين في تشريح جسم الإنسان يقفون حيارى لعظيم الصنع والإبداع في الجسم البشري.

قال الخالق:

وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (الذاريات:21)

قال تعالى:

أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ  (الطور).

ولو نحن أوجدنا أنفسنا لأوجدناها كاملة دون نقص، قوية، وليست بحاجة إلى موجودات الكون، ومن ثم لاستطعنا أن نُبقي أنفسنا وأحبابنا دون أن نموت، لأن الإبقاء أسهل من الخلق والإيجاد.

إن الإنسان يجب أن ينظر لذاته أولاً قبل أن يأخذه الغرور بعيدًا عن الحقيقة، فمهما تطورت العلوم والتكنولوجيا حوله، فالإنسان لا يستطيع أن يطور نفسه إلى خلق آخر قابل للخلود أو حتى أن يعيش مستقلاً بذاته ودون الحاجة للطعام، الشراب، الهواء أو حتى الاستغناء عن الذهاب للخلاء لقضاء حاجته. ويحاول الإنسان جاهدًا أن يبحث في هذا الفضاء الفسيح عن حياة توفر له الديمومة والسعادة، وهو يعلم يقينًا أنه يعجز أن يصل للقمر بدون ألبسة واقية أو يكون في داخل مركبة تخرجه عن نطاق الأرض، وكل ذلك خشية أن يدركه الموت. وهكذا نتيقن أننا لا نستطيع إعادة الحياة إلى أعزّ الخلق إلينا أو حتى أنفسنا مهما أوتينا من قوة علمية.

قال الخالق: قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا (الإسراء).

لماذا لا نطبق على معرفة مصدر وجودنا أبسط قوانين الكون وأبسط بديهيات الحياة وهي: ” لا شيء يأتي من لاشيء”؟

لو تلقى أب مكالمة عاجلة من طوارئ مستشفى معين يخبره أن ابنه الوحيد قد تعرض لحادث مروع وحياته في خطر، طالبين من هذا الأب التبرع لولده بجزء ما من جسمه لينقذ حياة ولده.

سوف يذهب الأب مسرعًا بلا تردد ودون أي شكوك حول درجة شهادة الطبيب العلمية ومدى صحتها، ولا حتى كفاءة الأجهزة، ولا كفاءة الممرضين، ولا دقة بناء مبنى المستشفى، ولا الآلية التي تعمل بها أجهزة المستشفى، ولا يطلب الأب أن يدرس هو بنفسه الطب كاملاً ليصبح طبيبًا يفهم في الأحياء العضوية والتشريح وما إلى ذلك.

لو تعامل الإنسان مع معرفة مصدر وجوده بهذه الدرجة من الخطورة فسوف ينجو بنفسه.

أي قيمة لهذه الحياة التي تساوي صفرًا مقارنة باللانهاية.

إن أي رقم مقارنة باللانهاية هو صفر وفقًا للرياضيات. فحياتنا عبارة عن مجموعة أرقام، ينقص يوميًا من حياتنا رقم من هذه الأرقام، فحتى لو عشنا مائة أو مائتي سنة فمقارنة باللانهاية هو صفر، وان الموت آتٍ لا محالة في أي عمر، بمرض أو بدون مرض وساعة الموت محددة. فنحن نعيش في الصفر. إن الملحد لم يعرف الله حق المعرفة، لأنه لو عرفه حقًا لما رفض الإيمان به والتسليم له، فجهله بصفات الله تجعله يعامله وكأنه إنسان أمامه يقايضه بالمثل، ويشترط رؤية الخالق للإيمان به. فهل نفضل الصفر على اللانهاية.

فإننا إما أن نعيش سنوات أطول من غيرنا فنفقد خلالها ما نملك من ولد وأهل، أوأن نموت قبلهم ونترك وراءنا كل شيء.

ومع علم الملحد اليقيني أنه ممكن أن يموت فجأة في أي مكان وأي زمان ويلقى حتفه، إلا أنه لا زال يجيب عندما يسأله البعض:

من أين أتيت؟

إلى أين تذهب؟

لماذا أنت هنا؟

فيقول:

نحن أتينا من لا شيء، ونحن لا شيء، ونصير إلى لاشيء. لا أدري. أنا غير مهتم. ربما أعرف لاحقًا. 

 يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري: " يعيش العالم اليوم أزمة نسيان جوهر الأمر، فيقف العالم بلا  ركيزة أساسية جوهرية وهي المرجعية. لقد فُقدت الذاكرة الإنسانية،  والذاكرة الإنسانية هي ما تجعل الإنسان إنسان. من خلال الذاكرة نتعلم ويصبح لنا تاريخ، من خلال الذاكرة نعرف الخير والشر، و نعرف الحق والباطل، وبالتالي نؤسس حياتنا على هذا اﻷساس ونختار بين الخير والشر. ولو نسينا جوهر الحياة لتعلقت حياتنا بين السماء و اﻷرض".

يقول الدكتور المسيري أيضًا: "اللَه (الخالق) هو الركيزة الأساسية لكل شيء، الركيزة الأساسية للتواصل بين الناس، لضمان أن الحقيقة حقيقة، فإن نسِي البشر اللَه - الذي هو ركيزة الكون - فكل شيء ينتهي".

وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (الحشر:19).

  • السبت PM 03:03
    2022-06-04
  • 1100
Powered by: GateGold