المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 421132
يتصفح الموقع حاليا : 234

البحث

البحث

عرض المادة

بابا البوذية: بين شهادة الحق والحقيقة المطلقة

بقلم: فاتن صبري
Www.fatensabri.com 
من كتاب: دين عالمي

يُعتبر" الدالاي لاما" بابا البوذيين، إذا جاز التعبير، مثلما أن "فرنسيسك" هو بابا النصارى. كلمته مسموعة ليس فقط في بلاد التيبت، وإنما في كل أرجاء العالم البوذي. فهو أحد حكماء العصر الراهن وأحد الشخصيات الروحية الكبرى التي تحظى بالاحترام لديهم.

 يرى هذا الزعيم الديني أن خصوصية الإسلام التي تميزه عن غيره تكمن في تلك العلاقة القوية جدًا التي تربط بين المسلم وربه. وهذا التعالي الرباني يرافقه اقتراب الله من المؤمن وقد ذكر" الدالاي" هذه الآية القرآنية:

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (ق:16).

ويقول:

"بالتالي، فالله قريب وبعيد في الوقت ذاته. والإسلام يطلب من معتنقيه الإيمان بالطبيعة اللانهائية والأبدية الخالدة لله. وكل تصوير لله ممنوع، لأن ذلك يشجع على عبادة الأوثان التي يحرمها الإسلام تحريمًا قاطعًا. ولذلك لا توجد صور في أماكن العبادة الإسلامية. ومن سمات هذا الدين أن المسلم يسلم نفسه كليًا للإرادة الإلهية ويخضع لها دون نقاش. ومن هنا جاءت كلمة «إسلام»".

لكن الشيء المهم في الإسلام الذي لفت انتباه" الدالاي لاما" هو تركيز القرآن الكريم على الرحمة والتسامح. فقد فوجئ بأن كل سورة من سور القرآن تُفتتح بهذه الآية الكريمة: «بسم الله الرحمن الرحيم».

 ومع ذلك، فإن الصورة الشائعة عن الدين الحنيف حاليًا هي أنه دين القسوة والعنف والرعب! فكيف حصل ذلك؟

 قبل أن يجيب "الدالاي لاما" عن هذا السؤال، نلاحظ أنه يتوقف مطولاً عند سورة الفاتحة، بل ويوردها مترجمة بشكل كامل. ويبدي أشد الإعجاب بورود كلمتي "الرحمن الرحيم" أكثر من مرة فيها:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7).

يتوقف "الدالاي لاما" عند هذه النقطة أكثر من غيرها لأن مفهوم الشفقة أو الرحمة والرأفة يشكل القيمة الأساسية في الديانة البوذية التي ينتمي إليها. والدين الذي يدعو إلى الشفقة والرحمة بالعباد والكائنات لا يمكن أن يكون إلا دينًا عظيمًا.

من هنا جاء سر إعجابه بالإسلام و دهشته واستغرابه عندما تعرف عليه لأول مرة. فقد كان يعتقد أنه دين القوة والعنف والضرب والقتل، فإذا به يكتشف العكس تمامًا. ويقول بأنه لم يكتشف الإسلام إلا متأخرًا، وقد فوجئ بما اكتشفه وأعجب به أشد الإعجاب.

 وقد كانت أول زيارة له إلى بلد عربي مسلم عام 2005 حيث استقبلوه بحفاوة في الأردن. وقد أعجب بالآذان الذي يتعالى من المساجد كثيرًا.

وفي إحدى المرات قال له شيخ مسلم: إن من يقتل إنسانًا بريئًا لا يمكن أن يكون مسلمًا حقيقيًا. فقتل النفس البريئة محرم بالكلية في القرآن؛ حيث تقول الآية الكريمة من سورة المائدة:

مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32).

"الدالاي لاما" يقول بأن التفسير الحرفي المتشدد  للآيات القليلة نسبيًا في القرآن هو الذي يوهم الناس بأن الإسلام هو دين عنف بشكل حصري.

في حوار لي مع بوذي بخصوص خطاب" الدالاي":

قال البوذي:

  لقد قال" الدالاي":

"يا ناس اسمعوا وعوا. لا توجد حقيقة واحدة في العالم، وإنما عدة حقائق وديانات" .

وأضاف" الدالاي":

"فجميع الديانات تنهى عن القتل والكذب والسرقة والنميمة” والرذيلة وتدعو إلى مكارم الأخلاق. وبالتالي، فهناك نواة أخلاقية مشتركة عظيمة بين جميع الديانات على اختلاف طقوسها وشعائرها وعقائدها".

ثم أضاف البوذي:

وأنا أؤيد "الدالاي" وأقول جميع الديانات صحيحة ولا توجد حقيقة مطلقة.

قلت له:

هل أنت متيقن من ذلك تمامًا؟

قال: نعم.

قلت له: كيف يمكن لمن لا يؤمن بالحقيقة أو بأي مطلق، وليس لديه مرجعية أن يصدر حكمًا على اﻷشياء؟

 إنك قد أصدرت الآن عبارة مطلقة – وهذا في حد ذاته يؤكد وجود ما هو مطلق.

قال: إن عدم وجود حقيقة مطلقة هو الحقيقة الوحيدة، يستطيع الإنسان الإيمان بما يحلو له طالما لا يفرض آرائه على الغير. فلا يوجد معنى مطلق بل معنى يُفرض.

قلت له:

عبارتك هذه بحد ذاتها هي إيمان بشأن ما هو صواب وخطأ، وأنتم تحاولون فرضها على الغير، فأنتم تتبنون معيارًا للسلوك وتجبرون الجميع على الالتزام به، وبذلك تنتهكون ذات الشيء الذي تزعمون أنكم تتمسكون به – وهذا موقف فيه تناقض ذاتي.

قال:

 التسامح هو المطلق الوحيد، وبناءً عل ذلك فعدم التسامح هو الشر الوحيد. فإصراركم أنتم المسلمون على أن إيمانكم هو الحق المطلق يُعتبر ضد التسامح، بل ويُعتبر الجريمة العظمى.

قلت له:

 التسامح هو في احترام إرادة الاختيار التي وهبها الله للجميع، وبانصاف المسلم غير المسلم في التعامل معه، وعدم ظلمه ولا أن يبخسه حقه. ولكن في المقابل التسامح ليس في الاعتراف بالتصرف الخاطئ نفسه والتسليم به على أنه صواب.

إن وجود نظريات وقناعات متنوعة عند البشر لا يعني بعدم وجود حقيقة واحدة صحيحة.

قلت له أيضًا:

قبل اكتشاف أطول جبال العالم  جبال" ايفرست"، ماذا كان أطول جبل في العالم؟

قال:

الجواب يعتمد على كل معلومات وثقافة وبيئة كل شخص.

قلت له: جوابك ليس فيه منطق، فجهل البشر في معلومة معينة أو قناعتهم بمفهوم معين لا يغير حقيقة وجود معلومة صحيحة أصلية مطلقة لا تتغير. فجبال "ايفرست" اﻷطول في العالم حتى وإن تم اكتشاف هذه المعلومة مؤخرًا وحتى لو جهلها جميع البشر.

فمهما تعددت مفاهيم الناس وتصوراتهم عن وسيلة المواصلات التي أستخدمها أنا يوميًا للتنقل، لا ينفي حقيقة أنني أملك سيارة سوداء اللون، ولو اعتقد العالم بأسره أن سيارتي حمراء، فهذا الاعتقاد لا يجعلها حمراء، فهناك حقيقة واحدة وهي أنها سيارة سوداء.

فلا يصح إلا الصحيح ولو اجتمع العالم بأسره على بطلانه، والخطأ واضح كوضوح الشمس ولو أقر بصحته جميع البشر.

يتبنى البعض هذا الرأي ببساطة لرغبتهم في التخلي عن مسؤولياتهم تجاه أفعالهم. فوجود حقيقة مطلقة يعني بحتمية وجود مبادئ مطلقة للصواب والخطأ، وبالتالي وجود مسؤولية تجاه هذه المبادئ. وهذه المسؤولية هي ما يتهربون منه.

الحقيقة مطلقة شئنا أم أبينا، والدين واحد، وهو:

الاعتراف بخالق الكون الذي ليس له ولد ولا شريك ولا يتجسد في صورة إنسان ولا حيوان، ولا يتحد مع مخلوقاته. والتواصل مع هذا الخالق مباشرة وليس من خلال قديس ولا قسيس، وهناك يوم آخر يحاسب الخالق فيه البشر على أعمالهم.

ونستطيع أن نعيش بسلام ونحصل على دين عالمي بهذه الطريقة فقط.

قال البوذي:

ولماذا الحقيقة المطلقة عندكم؟ لماذا لا تكون عند الهندوسي الذي يقول أن الخالق يتجسد في كريشنا، ولماذا لا تكون عند النصراني الذي يقول أن الخالق يتجسد في المسيح؟

قلت له:

لأن المسلم عنده العامل المشترك بين الجميع وهو الإيمان بالخالق، وهي حقيقة مُسلَّم بها عند الجميع حتى لو أنكروا، فالجميع يلجأ إلى الخالق في المحن بما فيهم الملحدون والبوذيون.

أما التجسد فهو عبارة عن مفهوم غير منطقي ولا يليق بجلال الخالق، وهو لغز باعتراف المؤمنين به، ودين الله ليس فيه ألغاز.

ولله المثل الأعلى، فإن لاعب الألعاب اﻹلكترونية لا يمكن أن يكون جزء من اللعبة داخل هاتفه.

الخالق يتحكم في الكون من خارج الكون، فهو خلق الزمان والمكان لنا نحن البشر.

أغلب الديانات الهندية والصينية قائمة على تعاليم مؤسسيها، ولا تدعي اتباع الوحي المباشر، لا يُعرف للهندوسية مؤسسًا فهو دين تقليدي متوارث، وترجع البوذية إلى "سدارتا جوتاما"، والجينية إلى "مهافيرا"، والسيخية إلى "غورو ناناك"، والكونفوشية إلى" كونفوشيوس"، والطاوية إلى" لاو تسي”.

الإسلام دين قائم على الوحي.

قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (اﻷحقاف:9).

كل الديانات السابقة تقوم على عبادة أكثر من إله، أما الإسلام فيتميز بعبادة الخالق الواحد اﻷحد. فلا تثليث ولا ألوهية لبشر ولا حجر.

إن النظرة التوحيدية الخالصة في الإسلام هي الفاصل بينه وبين هذه العقائد.

  • السبت PM 02:59
    2022-06-04
  • 1227
Powered by: GateGold