المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 425990
يتصفح الموقع حاليا : 350

البحث

البحث

عرض المادة

سؤال وجواب في توحيد الألوهية

سؤال (1):

نرى كثيراً من ضعفاء الناس والمحتاجين يذهبون لأهل الجاه في البلد لكي يتوسطـوا لهم عند أصحاب السلطة والرياسة لقضاء حوائجهم الدنيوية.

ونحن لنا حاجاتنا مع الله، فلما كنا نحب الأولياء وخاصة من آل بيت النبي ونتبع طريقهم لأنه هو الحبل المؤدي إلى صراط النجاة، فمن باب أولى أنهم لن يتركوا من يودهم ويحبهم، فحينئذٍ سيكونون لنا وسائط عند الله عز وجل في الدنيا والآخرة.

الجواب:

أولاً: إن هذا الكلام غير صحيح، بل فيه طعن في علم الله عز وجل ورحمته بخلقه، وفيه أيضاً تشبيه للخالق بالمخلوق.

فإن أصحاب السلطة والنفوذ لا يحيطون بكل ما يحصل بين الناس وبكل ما يحتـــاجونه من نصرة ومساعدة، وربما لا يعطون كل ذي حق حـقه، ولا يستطيعون أن يسمعوا ويروا كل أحوال الناس وما يحتاجون إليه، وهذا الميت إذا طلب منه التوسط هل سيسمع من عند قبره فقط أو يسمع البعيد أيضاً، وهل بمقدوره أن يسمع جميع من يدعونه في وقت واحد؟

وإذا كان لا يستطيع ذلك في الدنيا وهو حي فكيف بعد موته؟! وهل من يستطيع ذلك غير الله؟!

أما الله عز وجل فإنه يعلم كل ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، ولا يظلم عباده أبداً، ويسمع كل من يناجيه من مختلف البلدان والألسن والأزمنة سبحانه وتعالى.

ثانياً: إن الله تبارك وتعالى قد بيّن كيفية نهج الأنبياء عليهم السلام في اللجوء إليه سبحانه في كتابه العزيز.

فهذا نوح عليه السلام نادى ربه فنجاه من الكرب العظيم، وإبراهيم عليه السلام صدع في قومه مظهراً تعلقه بربه، فقال: ((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)) [الزخرف:26-28], وهذا موسى عليه السلام تحدى آل فرعون، فالتجأ إلى ربه، فقال عند اقتراب جيش فرعون من بني إسرائيل: ((قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ)) [الشعراء:62]، وزكريا عليه السلام لما نزل به العجز نادى ربه نداءً خفياً، وأيوب عليه السلام عندما مسه الضر نادى ربه وحده، ويوسف عليه السلام نادى ربه في حال الفتنة، فقال: ((مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)) [يوسف:23]، ويونس عليه السلام نادى الله وحده في الظلمات.

 وسيد البشر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال لصاحبه وهما في الغار: ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟! فقال تعالى: ((إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ)) [التوبة:40].

لذلك فمن جعل بينه وبين الله من الواسطات، فإنه ما أحسن الظن بربه أنه هو كاشف الضر والنافع والرزاق، وما سار على نهج المرسلين، وللعلم فإنه ما اتخذ إنسان الواسطة إلا أنه شبه الخالق بالمخلوق.

ثالثاً: إن طلب السؤال من العبد لربه لا يحتاج إلى واسطة كما يظنه بعضهم، فالدعاء وغيره من العبادات الخاصة والمتوجه إلى الله عز وجل، ولا شأن للأنبياء والأولياء فيها، إنما أمرهم منحصر في تبليغ الناس رسالة الله تبارك وتعالى، وتعليم الناس شرع ربهم سبحانه من بعد أن يسألهم الناس.

 وقد بين ذلك الله عز وجل في كتابه العزيز؛ فقال تعالى: ((يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ)) [البقرة:189]، وقال تعالى: ((يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ)) [البقرة:217].. وقال تعالى: ((يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا)) [البقرة:219].. وقال تعالى: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ)) [البقرة:220].. وقال تعالى: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى)) [البقرة:222].. وقال تعالى: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)) [الإسراء:85].

فهذه­ الآيات جميعها فيها لفظ (يسألونك)، وفيها الرد التعليمي (قل)، إلا آية واحدة جاءت على خلاف هذا النسق، وهي قوله تعالى: ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)) [البقرة:186] فلم يقل سبحانه: (قل)، بل قال سبحانه مباشرة: (فإني قريب)، لأن طلب السؤال خاص بالله ولا يحتاج إلى واسطة بين العبد وربه، حتى من النبي صلى الله عليه وسلم، والصالحين من باب أولى، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم هو رسول بين الله والناس في تبليغ الرسالة والشرع، وأما الدعاء والعبادة فليس بين العبد وربه حجاب أو واسطة، وهو مصداق قوله تعالى: ((أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي)) [البقرة:186].

رابعاً: إن الله هو وحده الذي كشف ضر الأنبياء والمرسلين، وهو الذي حفظهم، مثلما حفظ موسى في التابوت وهو رضيع، وأنجى يونس من بطن الحوت، وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

فالسؤال العظيم:

إذا أصابك الكرب هل يقدر الله على كشفه أم لا ؟

- وهل يعلم سبحانه بحالك ويسمع صوتك أم لا ؟ وأليس اللهُ بكافٍ عباده ؟

- أليس الله يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ؟

- وهل الأولياء والصالحون من الوسطاء يخافون عليك أكثر من الله ؟

أو سيلطفون بك أكثر من الله ؟ أو سيحبونك أكثر من الرحمن الرحيم ؟

فنعلم يقيناً أنك ستقول: الأمر لله وحده..

إذاً: يا عبد الله.. لماذا لا تلجأ إلى الله مباشرة دون واسطة ؟!

ونقول لك أيضاً: لماذا تجعل في عبادتك واسطة من الأولياء والصالحين ؟

أتظن أن هؤلاء الأولياء أعلم من الله بحالك وأقدر على عطاء سؤالك ؟

فإن قلت: (نعم).. فهذا كفر بالله عز وجل، وإن قلت: (لا).. فنقول لك: فلماذا تعدل عن سؤال الله عز وجل إلى سؤال غيره ؟!

 

 

 

سؤال (2):

إن الله عز وجل يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ)) [المائدة:35]. ونحن المذنبون نعلم أن الصالحين لهم من الجاه والمنزلة عند الله ما نؤمل به أننا إذا توسلنا إليه بهم وتقربنا إليه من طريقهم أن يستجيب الله ما طلبناه منه من قضاء الحوائج ودفع الضر وجلب النفع.

الجواب:

لا حجة لهؤلاء على ما استدلوا به في تلك الآية الكريمة من وجوه:

الوجه الأول: أن الوسيلة الشرعية التي أمر الله بها في القرآن الكريم إنما هي عبادة الله عز وجل والتقرب إليه بما شرع([1])، لا أن يكون التقرب بأن يشرك معه في عبادته من دعاء وتوسل وشفاعة ورجاء وخوف أحد من الأولياء والصالحين.

قال تعالى: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً)) [الإسراء:57].

قال مير سيد الحائري الطهراني:

((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ)) إلى الله ويطلبون القربة و((الْوَسِيلَةَ)) بالعبادة إليه ((أَيُّهُمْ)) أفضل و((أَقْرَبُ))، وذكر ذلك حثاً على الاقتداء بهم وترك هذه الطريقة الخبيثة، فليكن الإنسان يرجو رحمة الله ويخاف عذابه ((إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ)) يجب أن يحذر منه([2]).

وقال الشيخ محمد باقر الناصري:

أي يطلبون التقرب إليه بفعل الطاعات... لأن الأنبياء مع علو مرتبتهم وشرف منزلتهم لم يعبدوا غير الله، فأنتم أولى أن لا تعبدوا غير الله([3]).

الوجه الثاني: إذا أذنب الإنسان أو أخطأ فعليه أن يتوب إلى الله عز وجل، ولا يحتاج إلى واسطة تقربه إلى ربه، كما قال تعالى: ((أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ)) [النمل:62]، وأما من جعل في عبادته واسطة تقربه ويتشفع بها عند ربه فإنه يتعبد كما يتعبد النصارى باتخاذهم عيسى وأمه مريم العذراء عليهما السلام شفعاء عند الله، وكما يتعبد العرب في الجاهلية للصالحين واتخاذهم اللات والعزى شفعاء ووسطاء.

وقال تعالى: ((مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) [المائدة:75-76].

فقوله تعالى: ((كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ)) [المائدة:75] يبين لنا فيه حكمة عظيمة من أن عيسى ابن مريم عليه السلام كان وأمه يأكلان الطعام، فقد أراد الله سبحانه أن يبين لنا صفة الحاجة والفقر في المسيح وأمه، وأن صفتي الحاجة والفقر لا يليقان بمقام الإله العظيم، وأنهما عبدان مخلوقان لله، ولا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم ضراً ولا نفعاً، لذلك ذكرت الآية التي بعدها على حصر النفع والضر بيد الله تبارك وتعالى.

وهذا ما أكده العلامة ناصر مكارم الشيرازي أيضاً، فقال عن تلك الآية:

إن من تكون له أم حملته في رحمها، ومن يكون محتاجاً إلى كثير من الأمور، فكيف يمكن أن يكون إلهاً؟ ثم إذا كانت أمه صدّيقة فذلك لأنها هي أيضاً على رسالة المسيح، منسجمة معه، وتدافع عن رسالته، لهذا فقد كان عبداً من عباد الله المقربين، فينبغي أن لا يتخذ معبوداً كما هو السائد بين المسيحيين الذين يخضعون أمام تمثاله إلى حد العبادة([4]).

وقال محمد جواد مغنية:

فإن المراد من (ما) كل ما اتخذ معبوداً من المخلوقات، فيدرج فيه عيسى ومريم والأصنام... أما وجه الاحتجاج على النصارى بهذه الآية: فلأن الإله المعبود هو الذي يملك لعباده ضراً ونفعاً، وأما العاجز فمحال أن يكون إلهاً، وقد ذكرت الأناجيل أن عيسى الذي يَدَّعُون له الألوهية قد أهين وصُلب ودُفن بعد أن وضعوا إكليل الشوك على رأسه، ومن لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، فبالأولى أن لا يملكها لغيره، ومن كان هذا شأنه لا يعبده عاقل، قال إبراهيم لأبيه: ((إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً)) [مريم:42]، وكان لأعرابي صنم يقدسه ويعبده وجاءه ذات يوم ليسجد له كعادته فرأى ثعلباً بالقرب منـه، فظن أن الثعلب قصده ليتبرك به، وحين أراد السجود له رأى قذارة الثعلب على رأسه، فثاب إليه رشده، وأخذ يحطم الصنم ويقول:

أرب يبــول الثعـلبان بـرأسـه           لقد ذل من بالت عليه الثعالب([5])

وهذا ما نعتقده بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد رماه قومه بالحجارة، ووصفوه بالكاهن والساحر والمجنون، ورُمي على رأسه الشريف صلى الله عليه وسلم سلا الجزور، وهُزم في معركة أحد، وكسرت رباعيته، وشق رأسه الشريف، وطُرد من أرضه وأهله، وحاولوا قتله.

وكذلك الأنبياء والرسل من قبله، كإبراهيم ونوح وزكريا ويوسف وغيرهم، فهم لا يملكون النفع والضر للناس وهم في قبورهم، بل هم مأمورون بتبليغ الناس ما شرع الله عز وجل لهم من توحيده وغير ذلك من العبادات والمعاملات، محذرين من خالفهم بنار جهنم، مبشرين من أطاعهم بجنة عرضها كعرض السموات والأرض.

وما وقع على الآل من بيت النبي صلى الله عليه وسلم من كرب وضيق يدل على ضعف حالهم وقلة حيلتهم في دفع قدر الله عنهم، لأنهم لا يملكون لأنفسهم قوة في دفع القتل عنهم وهم أحياء مثل ما وقع لعلي والحسين عليهما السلام، فكيف سيملكون الحول والقوة لغيرهم وهم أموات؟

ولهذا قال تعالى: ((وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ)) [الأعراف:197].

وقال تعالى على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) [الأعراف:188].

قال محمد جواد مغنية:

هذه عقيدة المسلمين بنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم أشرف خلق الله أجمعين، لا يملك لنفسه شيئاً فضلاً عن أن يملك لغيره، وهذا الاعتقاد بمحمد صلى الله عليه وسلم هو نتيجة حتمية لعقيدة التوحيد... ولكن([6]) مهمة الرسول تنحصر بتبليغ الناس رسالات ربهم وإنذار من عصى بالعقاب، وبشارة من أطاعه بالثواب، وأما علم الغيب والنفع والضر فبيد الله وحده([7]).

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم تبرأ من أن يملك ضراً أو نفعاً أو هداية لأحد من الخلق استقلالاً من غير إذن الله في هذا.

وقال تعالى على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً)) [الجن:21].

قال أبو جعفر الطوسي:

أمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقول للمكلفين:...إني لا أقدر على دفع القدر عنكم ولا إيصال الخير إليكم، وإنما يقدر على ذلك الله تعالى، وإنما أقدر على أن أدعوكم إلى الخير وأهديكم إلى طريق الرشاد، فإن قبلتم نلتم الثواب والنفع، وإن رددتموه نالكم العقاب وأليم العذاب([8]).

وقال السيد محمد تقي الدين المدرسي:

وهذه قمة التجرد لله وتوحيده، ودليل إخلاص المساجد له من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، والآية تحريض على التوجه لله وحده؛ لأنه الذي يملك الضر والرشد، كما أن فيها تحريضاً على الاعتماد على مواهب الله للنفس البشرية والسعي الذاتي كمنهجية سليمة وكجزء من الطريقة([9]).

 

 

 

سؤال (3):

إن الآيات السابقة قد نزلت فيمن عبد الأصنام، فكيف تجعلون الأنبياء والصالحين كالأصنام؟

الجواب:

أولاً: قبل الرد على الشبهة لنتذكر الآيات الكريمة الآتية، قال تعالى: ((وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ)) [فاطر:22].. وقـال تعـــالى: ((وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)) [النحل:20-21].

ولنسأل أنفسنا التساؤل الآتي: هل الأحجار تبعث الأموات ؟!

الجواب البديهي أن نقول: لا، فهي تماثيل للصالحين، وقوله: (والذين) هي أداة صلة موصولة بالعقلاء على الدوام، وليس لها علاقة بالجمادات.

ثانياً: إن الآيات نزلت في عبادة المشركين، ومن ماثلهم ممن جعل الوسائط من الأولياء والصالحين بينهم وبين الله في عباداتهم، سواء كان توسلاً أو استغاثة أو شفاعة أو غيرها من العبادات، وسواء أكان عن طريق الأصنام أو الصور أو الأضرحة أو آثارهم.

فالنصارى يتوسلون ويتشفعون بعيسى وبأمه مريم العذراء عليهما السلام ومشركو العرب في الجاهلية يتوسلون ويتشفعون باللات والعزى ومناة وآلهة أخرى من الأولياء والصالحين.

قال مير سيد علي الطهراني:

ولما اعتذر المشركون: إننا لا نعبد هؤلاء الأصنام لاعتقادنا أنها آلهة مستقلة، وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند الله من المقربين فنحن نعبدها لأجل الشفاعة([10]).

وكما في عصرنا الحاضر فإننا نرى كثيراً من الناس سلكوا مسلك هؤلاء المخالفين، فإنهم يتوسلون ويتشفعون بالرسول صلى الله عليه وسلم وبالأئمة من أهل بيته عليهم السلام، وغيرهم من الأولياء والصالحين، فالأمر سواء.

 

 

سؤال (4):

إن الأولياء والصالحين وهم في قبورهم ليسوا كالجمادات، بل هم أحياء يسمعوننا ويعلمون ما يحصل بين الناس، كما قال عز وجل: ((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)) [آل عمران:169]. وكما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يردّ السلام على من يسلم عليه وهو في قبره.

لذلك فإننا نتوجه إلى أضرحة الأولياء والصالحين ونطلب منهم المدد وأن يتوسطوا لنا ويقربونا عند الله تعالى لقضاء حوائجنا من النفع والضر والرزق والشفاء في الدنيا والآخرة.

الجواب:

هذا تساؤل حق يراد به إثبات باطل، ولبيان مجانبته عن إثبات الحق نذكر الآتي:

أولاً: إن الاستدلال بهذه الآية على أن الأموات يسمعون ويعلمون ما يحصل بين الناس هو استدلال باطل، وليس له من الحق شيء.

بل الشهداء والصالحون لهم حياة برزخية غيبية لا نعلم كيفيتها، وهم مشغولون بالنعيم الذي أنعم الله عليهم به.

قال ناصر مكارم الشيرازي عن حياة الشهداء:

والمقصود من الحياة في الآية هي الحياة البرزخية في عالم ما بعد الموت لا الحياة الجسمانية، وإن لم تختص حياة البرزخية بالشهداء، فللكثيرين من الناس حياة برزخية أيضاً، ولكن حيث إن حياة الشهداء من النمط الرفيع جداً([11]).

وقال الحاج سلطان الجنابذي أيضاً:

حياة أتم وأكمل وأشرف وأعلى من هذه الحياة الدانية عند ربهم يرزقون بالرزق المناسب لمقامهم عند الرب([12]).

وعن أمير المؤمنين عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل في وصف الشهيد، قال: (ويجعل الله روحه في حواصل من طير خضر تسرح في الجنة حيث يشاء، ويأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة بالعرش)([13]).

وإذا مات الإنسان وفارق الدنيا ستنقطع أعماله، ويكون مصيره في القبر، إما منعم وإما معذب، فهو في كلتا الحالتين مشغول بما أسلف في دنياه من نعيم أو جحيم، أو بما يقدم له من أعمال نص عليها نبينا صلى الله عليه وسلم.

قال صلى الله عليه وسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم كان علمه للناس فانتفعوا به، أو ولد صالح يدعو له)([14]).

ثانياً: وأما سماع النبي صلى الله عليه وسلم سلامنا وصلاتنا له فإنها من خصائصه لا يشاركه فيها أحد من الخلق؛ لأنها ثبتت بالنص الشرعي الذي لا يقاس عليه غيره من الخلق.

فعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تتخذوا قبري مسجداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا عليَّ حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم وسلامكم يبلغني)([15]).

ثالثاً: وأما قولهم بأنهم يذهبون إلى أضرحة الأولياء والصالحين ويطلبون منهم التوسط إلى الله عز وجل لقضاء حوائجهم، فهذا من الشرك بالله عز وجل، ذلك أن أهل البيت عليهم السلام لا يسمعونهم، ولا يستجيبون لهم من باب أولى، بل هم براء منهم وممن توسل بهم، كبراءة الذئب من دم نبي الله يوسف عليه السلام، ولنا فيهم -ومن قبلهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة فيما ثبت عنهم بالنص الصحيح.

وهذا كما قال تعالى: ((وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ)) [الأحقاف:5].

قال المولى محسن الكاشاني:

إنكار أن يكون أحد أضل من المشركين، حيث تركوا عبادة السميع المجيب القادر الخبير إلى عبادة من لا يستجيب لهم ولو سمع دعاءهم، فضلاً أن يعلم سرائرهم ويراعي مصالحهم إلى يوم القيامة ما دامت الدنيا، وهم عن دعائهم غافلون؛ لأنهم إما جمادات، وإما عباد مسخرون مشتغلون بأحوالهم([16]).

وقال السيد محمد تقي المدرسي:

هكذا هم الشركاء، إنهم لو دعاهم الإنسان إلى يوم القيامة لما استجابوا له، بل هم غافلون عن دعائه يشغلهم شَأْنُهُمُ الخاص عن شؤون الداعين، سواء كان الشركاء الحجرية أو الأموات ممن يزعم الشركاء المشركون أنهم شفعاؤهم يوم القيامة، أو الأصنام البشرية التي تعبد من دون الله، فإن لكل واحد منهم سبب لغفلته عما يدعونهم، أما الأحجار فإنها لا تعي شيئاً، وأما الأموات فهم عند ربهم مجزيون بأعمالهم([17]).

ولنتذكر أن يوم القيامة ستظهر الدعاوى الصادقة من الباطلة، وذلك حين يرى كل مخلوق النار والحساب.

قال تعالى: ((إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا)) [البقرة:167].

وقال تعالى: ((وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاء شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمْ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ)) [النحل:86]، وكأن الرد عليهم كما في قوله: ((وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ)) [غافر:18].

 وقال تعالى عن عيسى عليه السلام: ((وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ)) [المائدة:116]، فقال عيسى متبرئاً: ((مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)) [المائدة:117].

أي: ليس لي علم إلا بما شاهدته وحضرته حال معيشتي معهم، وأما وأنا غائب عنهم فلا أعلم عنهم شيئاً.

وقال تعالى: ((إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)) [فاطر:14].

قال السيد محمد تقي المدرسي:

فكيف يسمعون نجواكم أو سركم، أو حين تدعونهم في الظلمات؟ ولو افترضنا أنهم سمعوا دعاءكم لم يستجيبوا لكم؛ لأنهم لا يملكون دفع الضر عن أنفسهم، فكيف بجلب الخير لكم؟ ((وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ)) الملائكة والأنبياء كعيسى والأولياء الصالحون سيكفرون بشرككم ((وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)) الخبير هو الذي خَبَرَ الشيءَ، وعرف أبعاده، وَمَنْ أَخْبَرُ من الرب وهو الخالق المحيط بكل شيء علماً؟([18]).

وقال محمد جواد مغنية:

((إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ)) إن كانوا بلا إحساس وشعور كالأحجار والأشجار والكواكب ((وَلَوْ سَمِعُوا)) إن كانوا من الإنس أو الجن أو الملائكة ((مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ)) لأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، فكيف يملكون ذلك لغيرهم؟ ((وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ)) يبرأون منكم ويوبخونكم على الشرك والضلال ((وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)) بمصير هؤلاء المكذبين بنبوتك يا محمد وغيرهم من العصاة والطغاة([19]).

وقال تعالى: ((وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ)) [يونس:28].

قال محمد حسين فضل الله:

((وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً)) فلا يتخلف منهم أحد ((ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ)) قفوا... لا تتحركوا، وليلزم كل واحد منكم مكانه، وليلزم كل واحد من شركائكم مكانه، وواجهوا الحقيقة الساحقة التي تتساقط فيها الآمال أمام تساقط المواقف، فهاهم أولاء الذين أشركوهم بعبادة ربهم، وعبدوهم من دونه، لا يتعرفون بهم، ولا يملكون لهم نفعاً ولا شفاعة ((فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ)) أي: قطعنا الروابط بينهم، فلا صلة تربطهم بهم , وهاهم يواجهونهم بالتنكر لهم والرفض لعبادتهم ليتخلصوا من مسؤوليتهم، فينكروا عليهم عبادتهم لهم؛ لئلا يتحملوا مسؤولية شركهم وضلالهم من موقع الإغراء والخديعة والتضليل، فما كانوا يمارسونه معهم ((وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ)) لأننا لم نأمركم بذلك ليكون عملكم عبادة لنا من موقع الخضوع والطاعة للأمر الصادر منا، وربما كان ذلك على سبيل الكناية من جهة عدم استحقاقهم للعبادة حتى لا يواجهوا مسؤولية ذلك أمام الله([20]).

 

 

 

 

 

([1]) انظر: التوسل المشروع (ص:75) من هذا الكتاب.

([2]) تفسير مقتنيات الدرر: (6/246).

([3]) مختصر مجمع البيان: (2/225).

([4]) تفسير الأمثل: (4/105).

([5]) تفسير الكاشف: (3/106)، وانظر: تفسير الميزان: (6/77)، مختصر مجمع البيان: (1/419).

([6]) في الأصل (ولكنه).

([7]) تفسير الكاشف: (3/431)، وانظر: من هدي القرآن: (3/512).

([8]) تفسير التبيان: (10/157)، وانظر: مجمع البيان: (5/373)، جامع الجوامع: (4/759).

([9]) تفسير من هدي القرآن: (16/466).

([10]) تفسير مقتنيات الدرر: (9/217)، وانظر: تفسير الجديد: (6/171).

([11]) تفسير الأمثل: (2/605).

([12]) تفسير بيان السعادة: (1/313).

([13]) تفسير نور الثقلين: (1/409)، وانظر: مستدرك الوسائل: (11/10)، بحار الأنوار: (97/12).

([14]) شرح نهج البلاغة: (20/258)، بحار الأنوار: (2/23)، عوالي اللآلي: (1/97).

([15]) بحار الأنوار: (80/324)، مستدرك الوسائل: (3/343)، كنـز الفوائد (2/152).

([16]) تفسير الصافي: (5/11)، وانظر: كنـز الدقائق: (12/171)، الجوهر الثمين: (6/7).

([17]) تفسير من هدي القرآن: (13/131).

([18]) تفسير من هدي القرآن: (11/39).

([19]) تفسير الكاشف: (6/284)، وانظر: من وحي القرآن: (19/104).

([20]) تفسير من وحي القرآن: (11/292).

  • الاحد PM 04:23
    2022-04-10
  • 1135
Powered by: GateGold