المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 426279
يتصفح الموقع حاليا : 293

البحث

البحث

عرض المادة

شبه الرافضة عن عائشة رضي الله عنها في وقعة الجمل

الشُّبهة الأولى: قول الرافضة إنَّ عائشة خرجت لقتال علي

يقول الرافضة: إنَّ عائشة رضي الله عنها خرجت لتقاتل عليا رضي الله عنه ظلما وعدوانًا، واستدلُّوا على ذلك بحديث نسبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ((تقاتلين عليا وأنت ظالمة له)).

واستدلُّوا برواية أخرى ذكرها المجلسي في (بحار الأنوار) عن الصادق عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام في خبر الطير : ((أنه جاء علي عليه السلام مرتين، فردته عائشة رضي الله عنها، فلما دخل في الثالثة، وأخبر النبي صلى الله عليه وآله به، قال النبي صلى الله عليه وآله أبيت إلا أن يكون الأمر هكذا يا حميراء، ما حملك على هذا؟ قالت: يا رسول الله، اشتهيت أن يكون أبي أن يأكل من الطير. فقال لها: ما هو أول ضغن بينك وبين علي، وقد وقفت على ما في قلبك لعلي، إن شاء الله تعالى لتقاتلينه !! فقالت يا رسول الله، وتكون النساء يقاتلن الرجال؟ فقال لها : يا عائشة، إنَّك لتقاتلين عليا، ويصحبك ويدعوك إلى هذا نفر من أهل بيتي وأصحابي، فيحملونك عليه، وليكوننَّ في قتالك أمر يتحدث به الأولون والآخرون...))[1].

الجواب عن هذه الشبهة:

أولا: هذه الروايات باطلة مكذوبة ومن وضع الرافضة، فكلُّ هذه الأخبار التي

ساقوها، ونسبوها كذبًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تُعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة، وليس لها أسانيد معروفة، وهي بالموضوعات أشبه منها بالأحاديث الصحيحة، بل هي كذب قطعا[2].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما الحديث الذي رواه، وهو قوله لها: ((تقاتلين عليا وأنت ظالمة له. فهذا لا يُعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة، ولا له إسناد معروف، وهو بالموضوعات المكذوبات أشبه منه بالأحاديث الصحيحة، بل هو كذب قطعا)[3].

ثانيا: المعروف والموقن به من موقف عائشة رضي الله عنها، ومن معها أنهم خرجوا للإصلاح لا القتال، (فإنَّ عائشة رضي الله عنها لم تقاتل ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت لقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنت أنَّ في خروجها مصلحة للمسلمين، فلم يكن للصحابة قصد في الاقتتال يوم الجمل، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم، فإنَّه لما تراسل علي وطلحة والزبير، وقصدوا الاتفاق على المصلحة، وأنهم إذا تمكنوا طلبوا قتلة عثمان أهل الفتنة، وكان علي غير راض بقتل عثمان، ولا معينًا عليه، كما كان يحلف فيقول: (والله ما قتلت عثمان، ولا مالات على قتله). وهو الصادق البار في يمينه، فخشي القتلة، فحملوا على عسكر طلحة والزبير، فظنَّ طلحة والزبير أنَّ عليا حمل عليهم، فحملوا دفعا عن أنفسهم، فظنَّ على أنهم حملوا عليه، فحمل دفعا عن نفسه، فوقعت الفتنة بغير اختيارهم، وعائشة رضي الله عنها كانت راكبة؛ لا قاتلت، ولا أمرت بالقتال، هكذا ذكره غير واحد من أهل المعرفة بالأخبار)[4].

ويتضح كون عائشة رضي الله عنها خرجت للإصلاح من خلال الآتي:

1- أنَّ عائشة رضي الله عنها تقول بلسانها: إنَّها خرجت للإصلاح، فروى الطبري بإسناده قال: (فخرج القعقاع حتَّى قدم البصرة، فبدأ بعائشة رضي الله عنها، فسلم عليها، وقال: أي أُمَّه، ما أشخصك، وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت : أي بني، إصلاح بين الناس...)[5].

٢ - أنَّ عائشة رضي الله عنها كتبت بأنها ما خرجت إلا للإصلاح، فروى ابن حبان في كتاب (الثقات): (وقدم زيد بن صوحان من عند عائشة؛ معه كتابان من عائشة إلى أبي موسى والي الكوفة، وإذا في كلّ كتاب منها: بسم الله الرحمن الرحيم، من عائشة أم المؤمنين إلى عبد الله بن قيس الأشعري، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنَّه قد كان من قتل عثمان ما قد علمت، وقد خرجتُ مُصلحة بين النَّاس، فمُر مَن قِبلك بالقرار في منازلهم، والرضا بالعافية حتّى يأتيهم ما يحبون من صلاح أمر المسلمين، فإنَّ قتلة عثمان فارقوا الجماعة، وأحلُّوا بأنفسهم البوار)[6].

٣- أن عائشة رضي الله عنها وقعت على الصلح، فجاء في كتب السير: (كان القتال يومئذ في صدر النهار مع طلحة والزبير، فانهزم النَّاس، وعائشة رضي الله عنها توقع الصلح)[7].

4- (لما ظهر علي - أي: يوم الجمل - جاء إلى عائشة، فقال: غفر الله لك. قالت: ولك، ما أردت إلا الإصلاح)[8].

ونخلص مما سبق إلى أنَّ عائشة رضي الله عنها لم تخرج لقتال عليّ، ولم تخرج المنازعته في الخلافة، وإنما خرجت بقصد الإصلاح.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (لم تقاتل ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت لقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنت أنَّ في خروجها مصلحة للمسلمين، ثمَّ تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتّى تبل خمارها)[9].

يقول ابن حزم رحمه الله: (وأمَّا أُمُّ المؤمنين والزبير وطلحة رضي الله عنهم، ومن كان معهم، فما أبطلوا قط إمامة علي، ولا طعنوا فيها، ولا ذكروا فيه جرحة تحطه عن الإمامة، ولا أحدثوا إمامة أخرى، ولا جدَّدوا بيعة لغيره، هذا ما لا يقدر أن يدعيه أحد بوجه من الوجوه، بل يقطع كلُّ ذي علم على أنَّ كلَّ ذلك لم يكن، فإن كان لا شك في كلّ هذا، فقد صح صحة ضرورية لا إشكال فيها أنهم لم يمضوا إلى البصرة لحرب علي، ولا خلافًا عليه، ولا نقضا لبيعته، ولو أرادوا ذلك لأحدثوا بيعة غير بيعته، هذا ما لا يشك فيه أحد، ولا يُنكره أحد، فصح أنهم إنما نهضوا إلى البصرة لسد الفتق الحادث في الإسلام من قتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ظلما)[10]. وقال ابن حجر رحمه الله: (ولم يكن قصدهم القتال، لكن لما انتشبت الحرب، لم يكن لمن معها بد من المقاتلة،... ولم يُنقل أنَّ عائشة رضي الله عنها ومن معها نازعوا عليا في الخلافة، ولا دعوا إلى أحد منهم ليُولُّوه الخلافة، وإنَّما أنكرت هي ومن معها على على منعه من قتل قتلة عثمان، وترك الاقتصاص منهم، وكان علي ينتظر من أولياء عثمان أن يتحاكموا إليه، فإذا ثبت على أحد بعينه أنه ممن قتل عثمان اقتص منه، فاختلفوا بحسب ذلك، وخشي من نُسب إليهم القتل أن يصطلحوا على قتلهم، فأنشبوا الحرب بينهم، إلى أن كان ما كان)[11].

وادعى الشيعة أيضًا أنها كفرت بقتال علي مع علمها بحديث: ((يا علي، حربي حربك، وسلمي سلمك)) وحديث لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض))[12].

والجواب عن الحديث الأول بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، قال: (هذا الحديث ليس في شيء من كتب علماء الحديث المعروفة، ولا روي بإسناد معروف، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله لم يجب أن يكونوا قد سمعوه، فإنَّه لم يسمع كل منهم كل ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف إذا لم يُعلم أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قاله، ولا روي بإسناد معروف، بل كيف إذا علم أنَّه كذب موضوع على النبي صلى الله عليه وسلم، باتفاق أهل العلم بالحديث)[13].

وقال في موضع آخر : ( من العجائب وأعظم المصائب على هؤلاء المخذولين، أن يثبتوا مثل هذا الأصل العظيم بمثل هذا الحديث الذي لا يُوجد في شيء من دواوين أهل الحديث التي يعتمدون عليها، لا هو في الصحاح ولا السنن ولا المساند ولا الفوائد ولا غير ذلك مما يتناقله أهل العلم بالحديث، ويتداولونه بينهم، ولا هو عندهم لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف، بل هو أخس من ذلك، وهو من أظهر الموضوعات كذبًا، فإنَّه خلاف المعلوم المتواتر من سنة رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، من أنه جعل الطائفتين مسلمين). ا.هـ.[14]

وأما الحديث الثاني فتأويله بأنَّ المراد الكفر الأكبر المخرج من الملة إنما هو تأويل الخوارج الذين يُكفّرون أصحاب الكبائر، ومعلوم أنَّ هذا القول ضلال مبين، مصادم لنصوص كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ)[15] وهذه الآية في غير التائب؛ إذ إنَّ التائب من الشرك مغفور له بالنص وبإجماع المسلمين، وكقوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما .. )[16]. فوصفهم بالإيمان رغم القتال، ثم قال بعدها: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)[17]. فلم ينف عنهم الأخوة كذلك.

و معلوم حال أصحاب هذا التأويل من الخوارج وأشباههم؛ من كونهم كلاب أهل النار، وأنَّ القرآن لا يجاوز تراقيهم[18] ، كما ورد في الأحاديث الصحيحة. والحديث الذي احتجوا به ليس الوحيد في بابه، بل له نظائر كقوله صلى الله عليه وسلم: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر))[19]. وقوله : ((اثنتان في النَّاس هما بهم كفر؛ الطعن في النسب، والنياحة))[20]. وتأويل هذه الأحاديث كما ذكر الحافظ في (فتح الباري)[21] قال في شرح حديث سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)): (ولا متمسك للخوارج فيه؛ لأنَّ ظاهره غير مراد، لكن لما كان القتال أشدَّ من السباب؛ لأنَّه مُفض إلى إزهاق الروح، عبّر عنه بلفظ أشدَّ من لفظ الفسق، وهو الكفر، ولم يُرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملة، بل أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير، معتمدًا على ما تقرر من القواعد أنَّ مثل ذلك لا يُخرج عن الملة، مثل حديث الشفاعة، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ)[22]... أو أطلق عليه الكفر لشبهه به؛ لأن قتال المؤمن من شأن الكافر). وذكر الحافظ وجوهًا أخرى في تأويل الحديث.

وهذا إنَّما هو فيمن تعدى وظلم وفعل ذلك دون تأويل سائغ معتبر، وأما من اجتهد وهو أهل للاجتهاد فأخطأ، فليس داخلا في هذا الوعيد أصلا، بل هو داخل في مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ))[23].

ثمَّ إِنَّ عليا رضي الله عنه لم يُكفّر الخوارج الذين قاتلوه، بل وأجمعوا على تكفيره، والذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم كلاب أهل النار، فعن طارق بن شهاب[24] قال : (كنتُ عند علي حين فرغ من قتال أهل النهروان، فقيل له: أمشركون هم؟ قال: من الشرك فرُّوا، فقيل : فمنافقون؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل: فما هم؟ قال: قوم بغوا علينا فقاتلناهم)[25]. فهذا صريح أنَّه لم يُكفّرهم رضي الله عنه، مع أنَّ تأولهم كان غير سائغ، ولكن وجود الشبهة عندهم منعه من تكفيرهم، فكيف بمن اجتهدوا وهم أهل للاجتهاد وما اتهموا عليا بالكفر قط، بل ولا قصدوا قتاله كما ذكرنا.

الشبهة الثانية: أنَّها خالفت أمر الله في قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى)[26]

والجواب: من خمسة أوجه[27]:

الوجه الأول: نعم خرجت رضي الله عنها، لكنها لم تتبرج تبرج الجاهلية الأولى، وحاشاها منه، وقائل ذلك عليه الدليل، وإلا فهو الكذب عليها، كما سلف أن اختلقوا الأكاذيب في حقها.

الوجه الثاني: أنَّ الأمر بالقرار في البيوت لا يدلُّ على عدم الخروج لمصلحة وحاجة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه: ((إنَّه قد أُذن لكنَّ أن تخرجن لحاجتكنَّ))[28]. فيجوز للمرأة أن تخرج لصلة الرحم، وعيادة المريض، وغير ذلك مما فيه مصلحة، وعائشة رضي الله عنها خرجت لمصلحة الأمة بأكملها، وهو إصلاح ذات البين، واجتهدت في ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والأمر بالاستقرار في البيوت لا ينافي الخروج لمصلحة مأمور بها، كما لو خرجت للحج والعمرة، أو خرجت مع زوجها في سَفْرة، فإنَّ هذه الآية قد نزلت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سافر بهنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم بعد ذلك، كما سافر في حجة الوداع بعائشة رضي الله عنها وغيرها، وأرسلها مع عبد الرحمن أخيها، فأردفها خلفه، وأعمرها من التنعيم، وحجّة الوداع كانت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأقل من ثلاثة أشهر بعد نزول هذه الآية، ولهذا كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يحججن، كما كنَّ يحججن معه في خلافة . عمر رضي الله عنه وغيره، وكان عمر يُوكل بقطارهنَّ[29] عثمان، أو عبد الرحمن بن عوف، وإذا كان سفرهنَّ لمصلحة جائزا، فعائشة اعتقدت أنَّ ذلك السفر مصلحة للمسلمين، فتأوَّلت في ذلك)[30]. وعليه يقال:

الوجه الثالث: أنها إذا خرجت مجتهدة فقد مرَّ بيان حال المجتهد، لا سيما وقد وافقها صحابة مجتهدون لا يوصفون بجهل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( والمجتهد المخطئ مغفور له خطؤه، وإذا غُفِر خطأ هؤلاء في قتال المؤمنين- يعني عليًّا ومن قاتله- فالمغفرة لعائشة لكونها لم تقر في بيتها – إذ كانت مجتهدة- أولى)[31].

الوجه الرابع : أنه قد ثبت بطريق التواتر في كتب الشيعة أنفسهم أن الأمير أركب فاطمة رضي الله عنها على مطيَّة، وطاف بها في محلات المدينة ومساكن الأنصار، طالبًا منهم الإعانة على ما غُصِب من حقها في زعمهم[32]، ولم يعدُّوا ذلك مطعنا في فاطمة أن خرجت من دارها، وهذا من اتباعهم الهوى في الانتقاص من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الوجه الخامس: أنَّ عائشة رضي الله عنها ندمت على خروجها ندامة كلية بلا ريب، وكانت رضي الله عنها إذا ذكرت يوم الجمل تبكي حتَّى تبل خمارها، والندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والتائب لا يُعيَّر بذنبه، ومَن عير تائباً بذنب قد تاب منه فقد ظلمه، فهب أنَّ ما وقع منها رضي الله عنها ذنب تلزم التوبة منه، فقد وقع منها الندم الشديد، وهو من كمال دينها وورعها رضي الله عنها، ومن ذكر ذنب التائب دون توبته فقد بهته وافترى عليه، ولئن كان هذا في حق آحاد النَّاس فهو في حقٌّ صحابة رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أكد وأوجب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فمن ذكر ما عيب عليهم، ولم يذكر توبتهم التي بها رفع الله درجتهم، كان ظالما لهم)[33].

الشبهة الثالثة : أنَّ طلحة والزبير أخرجاها من منزلها وسافرا بها[34]

والجواب على ذلك من وجوه[35]:

الوجه الأول: أنهما لم يخرجاها من منزلها، وإنَّما التقت بهما في مكة، وكانا قد استأذنا عليًّا في الاعتمار فأذن لهما.

الوجه الثاني: أنَّ طلحة والزبير كانا معظمين لعائشة، وثلاثتهم من أبعد الناس عن المنكر.

الوجه الثالث: أنها سافرت مع محارمها؛ كابن أختها عبد الله بن الزبير، وهو الذي كان يحملها، ومسه لها جائز بالكتاب والسنة والإجماع، وأما العسكر الذين قاتلوها، فكان منهم محمد بن أبي بكر، وهو الذي مد يده إليها ليساعدها، حتى إنَّ عائشة رضي الله عنها دعت على من مديده إليها، وقالت: (يد من هذه، أحرقها الله بالنار، فقال: أي أخيَّة، في الدنيا قبل الآخرة، فقالت: في الدنيا قبل الآخرة). فأحرق بالنَّار بمصر[36].

وكل ذلك مما يرى به المؤمن لطف الله تعالى وتدبيره بزوج نبيه صلى الله عليه وسلم، وأنَّ الله يحفظها حتَّى مِن أنْ تُمس من غير محرم لها، وقد أتى جبار من الجبابرة فأراد أن يتناول هاجر زوج نبي الله إبراهيم، فقبضت يده قبضةً شديدة، ثلاث مرات، فما مسَّها[37] ، فلئن كان هذا في زوج نبي الله إبراهيم عليه السلام، فكيف بزوج أشرف الخلق وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم؟ وهذا مما يستبين به بطلان أي تهمة رميت بها أُمُّ المؤمنين، المبرأة عائشة رضي الله عنها في عرضها، والله أعلم.

الشُّبهة الرابعة: أنَّها في طريقها سمعت نباح كلاب الحوأب فلم ترجع فعن قيس بن أبي حازم قال: ((لا أقبلت عائشة، مرت ببعض مياه بني عامر، طرقتهم ليلًا، فسمعت نباح الكلاب فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا: ماء الخواب. قالت: ما أظنني إلا راجعة قالوا مهلا يرحمك الله، تقدمين فيراك المسلمون، فيصلح الله بك. قالت: ما أظنُّني إلا راجعة، إنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب))[38].

والجواب عن هذه الشبهة من وجهين:

الوجه الأول: أنَّ الحديث مختلف في صحته، فضعفه جماعة من الحفاظ، كيحيى ابن سعید القطان[39]،[40] وابن طاهر المقدسي[41]،[42] وابن الجوزي[43]، وابن العربي[44] فإن قيل بضعفه سقطت الشبهة رأسًا، وإن قيل بصحة الحديث – وهو الذي عليه بعض المتأخرين[45] - فيقال: الوجه الثاني: في نص الرواية ما يُبيِّن أنَّ عائشة رضي الله عنها كانت راجعة، وأعادت ذلك مرتين، لكن قال لها الزبير: (ترجعين، وعسى الله أن يصلح بك بين الناس؟!)، فمضت ولم ترجع.

ثم إنَّه ليس في الخبر نهي صريح ينافي الاجتهاد، على أنه لو كان فلا يرد محذور أيضًا؛ لأنها اجتهدت، فسارت حين لم تعلم أنَّ في طريقها هذا المكان، ولو أرادت الرجوع لم يمكنها لعدم الموافقة عليه، وليس في الحديث بعد هذا النهي أمر بشيء لتفعله، فلا جرم مرَّت على ما قصدته من إصلاح ذات البين المأمورة به بلا شبهة[46] .

وأيضًا فقد روى الصدوق في كتاب (مَن لا يحضره الفقيه) بإسناده أن جيش عائشة مروا بماء يقال له: ماء الخواب، فنبحتهم كلابه، فقالت عائشة: ((ما هذا الماء؟ فقال بعضهم: ماء الخواب فقالت عائشة: إنَّا لله وإنا إليه راجعون.. ردُّوني ردُّوني! هذا الماء الذي قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكوني التي تنبحك كلاب الحوأب. فأتاها القوم بمن شهد، وأقسم أنَّ هذا الماء ليس بماء الحوأب))[47].

وفي هذه الرواية في كتاب إمامهم الأكبر المفيد تبرئة أُم المؤمنين من هذا الضغن الذي نسبوه إليها، فهل من تتجرأ على حرمات الله، وتكسر وصاة النَّبي صلى الله عليه وسلم، وتخرج متبرجة بين الرجال، عازمة عزما مؤكّدًا لا تردد فيه على الفتك بعلي، وشفاء صدرها المثقل بالعداوة بقتله، وتأليب الناس عليه.. أفتكون تلك الصورة التي رسموها لأمناره نا رضي الله عنها، متساوقة مع هذه الرواية التي تدل على خوفها من رب العالمين، وندمها على الخروج، واسترجاعها بالتأسف عند علمها باسم المكان، وأنه ماء الحوأب؟!

أتكون العاصية الله ولرسوله - وحاشاها - المصممة على القتال، الضاربة عرض الحائط بوصاة النبي صلى الله عليه وسلم، المجترئة على الحدود – كما افترى الشيعة وكذبوا- مظهرة للأسف، نادمة، مسترجعة، رقيقة القلب، خاشعة، منيبة، يحتاج القوم حسب الرواية المكذوبة - للكذب عليها بالأيمان المغلظة، أنَّ هذا ليس ماء الحوأب ؛ لكي تسير معهم، خشية رجوعها عنهم، وتركها للأمر كله؟!

فأين قيادتها للناس؟! وأين حشدها لهم؟! وأين بغضها لعلي؟! وأين خروجها عن طاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وأين عزمها المتوقد لسفك دم علي وخلع ولايته إذن؟!

 

[1]  انظر هذه الشبهة في: (بحار الانوار) (32/93)، و(الاحتجاج) للطبرسي (1/293)، و(مدينة المعاجز) لهاشم البحراني (1/390 ، 391) وقد تقدم ذكرها في ص: 404.

[2]  (الصاعقة في نسف اباطيل وافتراءات الشيعة) لعبدالقادر محمد عطا صوفي (ص: 212 ، 213 )

[3]  (منهاج السنة النبوية) لابن تيمية (4/316).

[4]  (منهاج السنة النبوية) لابن تيمية (4/317)، و(شبهات حول الصحابة: ام المؤمنين عائشة) لمحمد مال الله ص:14.

[5]  (الفتنة ووقعة الجمل) لسيف بن عمر ص:145، و(تاريخ الطبري) (4/488)، و(الكامل في التاريخ) لابن الاثير (2/591).

[6]  رواه ابن حبان (الثقات) (2/282).

[7]  رواه سيف بن عمر في (الفتنة ووقعة الجمل) ص: 168، والطبري في تاريخه (3/52).

[8]  (شذرات الذهب) لابن العماد (1/42)

[9]  (منهاج السنة النبوية) لابن تيمية (4/316)

[10]  (الفصل في الملل والاهواء والنحل)) لابن حزم (4/123)

[11]  (فتح الباري) لابن حجر (13/56)

[12]  رواه البخاري (121) ومسلم (65)، من حديث جرير رضي الله عنه.

[13]  (منهاج السنة النبوية) لابن تيمية (4/496)

[14]  (منهاج السنة النبوية) لابن تيمية (8/533)

[15]  النساء: 48

[16]  الحجرات: 9

[17]  الحجرات: 10

[18]  رواه البخاري (3610)، ومسلم (1064)، من حديث ابي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[19]  رواه البخاري (48)، ومسلم (64)

[20]  رواه مسلم (67)

[21]  فتح الباري لابن حجر (1/112)

[22]  النساء: 48

[23]  رواه البخاري (7352)، ومسلم (1716)، من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، بلفظ: (اذا حكم الحاكم فاجتهد ثم اصاب فله اجران، واذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله اجر).

[24]  هو طارق بن شهاب بن عبد شمس، ابو عبدالله البجلي، رأى النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسمع منه شيئا ً، توفى سنة 82هــ، وقيل 83هــ.

انظر: (الاصابة) (3/510)، و(تهذيب التهذيب) كلاهما لابن حجر (3/6)

[25]  ذكره شيخ الاسلام في (منهاج السنة النبوية) (5/242) من رواية محمد بن نصر.

[26]  (منهاج الكرامة) للحلي ص: 75

[27]  استفدنا بعضه من (منهاج السنة النبوية) لابن تيمية(4/317)، و(مختصر التحفة الاثنى عشرية) لشاه عبدالعزيز الدهلوي (268)

[28]  رواه البخاري (4795) ومسلم (2170)

[29]  القطار: قطار الابل: ان تشد الابل على نسق، واحدا ً خلف واحد.

انظر: (النهاية في غريب الحديث والاثر) لابن الاثير (4/80)

[30]  (منهاج السنة النبوية) (4/317-318)

[31]  (المصدر السابق) (4/320)

[32]  (مختصر التحفة الاثنى عشرية) لشاه عبد العزيز الدهلوي ص: 269

[33]  (منهاج السنة النبوية) (6/207)

[34]  (منهاج الكرامة) للحلي (75)

[35]  مستفاد من كلام شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله (منهاج السنة) (4/194) وما بعدها.

[36]  (منهاج السنة) لابن تيمية (4/355)

[37]  رواه البخاري (3358)، ومسلم (6294) بهذا اللفظ.

[38]   رواه أحمد (٥٢/٦) (٢٤٢٩٩)، وأبو يعلى (۲۸۲/۸) (٤٨٦٨) ، وابن حبان (١٢٦/١٥) (٦٧٣٢)، والحاكم (١٢٩/٣).

وصحح إسناده الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (۲ (۱۷۷)، وقال ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (٢١٧/٦): إسناده على شرط الصحيحين، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (۲۳۷/۷): رجال أحمد جدا، رجال الصحيح، وقال الألباني في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (٨٤٧/١): إسناده صحيح .رجاله ثقات أثبات من رجال السنة

[39]  (سير اعلام النبلاء) للذهبي (4/200)

[40]  هو يحيى بن سعيد بن فروخ أبو سعيد التميمي القطان، الحافظ، أمير المؤمنين في الحديث، ولد سنة ۱۲۰هـ، كان رأسًا في العلم والعمل، وهو الذي مهد لأهل العراق رسم الحديث، واحتج به الأئمة كلهم، توفي سنة ١٩٨هـ.

انظر: ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (۱۷۵۹)، (تهذيب التهذيب)) لابن حجر (١٣٨/٦)

[41]  (ذخيرة الحفاظ) (4/1922)

[42]  هو محمد بن طاهر بن علي، أبو الفضل المقدسي، المعروف بابن القيسراني، ولد سنة ٤٤٨ هـ الإمام الحافظ، الرحال، كان حسن الاعتقاد أثري، ظاهري المذهب، خالف في أمور مثل جواز السماع، من مصنفاته: (المؤتلف والمختلف)، و (الجمع بين رجال الصحيحين)، توفي سنة ٥٠٧هـ.

انظر: ((سير أعلام النبلاء)) (٣٦١/١٩) ، و ((تاريخ الإسلام)) كلاهما للذهبي (١٦٩/٣٥)

[43]  (العلل المتناهية) (2/366)

[44]  (العواصم من القواصم) (128)

[45]  صححه الحافظ الذهبي في (المغنى) (2/124)، والحافظ في (الفتح) (13/55)، والالباني في (سلسلة الاحاديث الصحيحة) (474)

[46]  انظر (مختصر التحفة الاثنى عشرية) لشاه عبدالعزيز الدهلوي (269)

[47]  ((من لا يحضره الفقيه)) (٤٤/٣. قال المسعودي وهو شيعي معتزلي في كتابه ((مروج الذهب)) (٣٩٥/٢): (وسار القوم نحو البصرة في ستمائة راكب فانتهوا في الليل إلى ماء لبني كلاب يعرف بالحواب عليه ناس من بني كلاب، فَعَوَتْ كلابهم على الركب، فقالت عائشة: ما اسم هذا الموضع ؟ فقال لها السائق لجملها: الحوأب، فاسترجعت، وذكرت ما قيل لها في ذلك، فقالت: ردُّوني إلى حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا حاجة لي في المسير، فقال الزبير بالله ما هذا الحوأب، ولقد غلط فيها أخبرك به، وكان طلحة في ساقةِ النَّاس، فلحقها فأقسم أن ذلك ليس بالحوأب، وشهد معهما خمسون رجلا ممن ، فكان ذلك أول شهادة زور أقيمت في الإسلام)، قال ابن العربي: (وأما الذي ذكرتم من الشهادة على ماء الحوأب، فقد بؤتم في ذكرها بأعظم حوب، ما كان قط شيء مما ذكرتم) ((العواصم من القواصم)) (ص: ١٦٢)، وبالغ عليه رحمة الله فأنكر حديث الحواب جملة إنكارًا شديدا، وقد تعقبه الشيخ الألباني رحمه الله فقال: (ونحن وإن كنا نوافقه على إنكار ثبوت تلك الشهادة، فإنها مما صان الله تبارك وتعالى أصحابه صلى الله عليه وسلم منها، لاسيما من كان منهم من العشرة المبشرين بالجنة كطلحة والزبير، فإنَّنا ننكر عليه قوله: ((ولا) قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الحديث))! كيف وهو قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم الصحيح في عدة مصادر من كتب السنة المعروفة عند اهل العلم) (السلسلة الصحيحة) (1/849).

  • الاثنين PM 12:14
    2023-05-08
  • 1773
Powered by: GateGold