المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 412559
يتصفح الموقع حاليا : 302

البحث

البحث

عرض المادة

مذهب أهل السنّة والجماعة فيما شجر بين الصحابة

يحسن قبل الحديث عن وقعة الجمل ذكر معتقد أهل السنة والجماعة فيما وقع بين أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلم على وجه الاختصار، حتّى لا ينجر المسلم من حيث لا يشعر إلى تتبع كتب التاريخ للعلم بتلك الفتن، فيعلق في قلبه شيء نحو الصحابة رضي الله عنهم، لا سيما أن كثيرًا من كتب التاريخ قد جمعت الغثّ والسمين، وقليل من المؤرخين من يُعنى بنقد الأخبار وتمحيصها.

قال أبو بكر المروذي[1]: (سمعت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل- يقول: إنَّ قوما يكتبون هذه الأحاديث الرديئة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حكوا عنك أنك قلت: أنا لا أنكر أن يكون صاحب حديث يكتب هذه الأحاديث يعرفها. فغضب وأنكره إنكارًا شديدا، وقال: باطل، معاذ الله، أنا لا أنكر هذا؟! لو كان هذا في أفناء النَّاس لأنكرته ، كيف في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

وقال: أنا لم أكتب هذه الأحاديث. قلت لأبي عبد الله: فمن عرفته يكتب هذه الأحاديث الرديئة ويجمعها، أيُهجر ؟ قال: نعم، يستأهل صاحب هذه الأحاديث الرديئة الرجم. وقال أبو عبد الله : جاءني عبد الرحمن بن صالح، فقلت له: تُحدث بهذه الأحاديث؟ فجعل يقول : قد حدث بها فلان، وحدث بها فلان، وأنا أرفق به، وهو يحتج، فرأيته بعد، فأعرضت عنه ولم أكلمه)[2].

ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلام كثير متفرق في هذا، نُحيل على بعضه خشية الإطالة، وننقل منه ما خصَّ به عائشة، قال: (ونعتقد أنَّ ما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم إلى الله، ونترحم على عائشة، ونترضى عليها)[3].

وننقل هنا نقلين مهمين؛ لوجودهما في غير مظنَّة، الأول: للإمام الزاهد أبي المظفر الخزاعي[4]، قال ابن المستوفي الإربلي[5]: (أردت أن أسمع عليه كتاب (مقتل عثمان رضي الله عنه لابن أبي الدنيا، فأبى عَلَيَّ، وقال: لو رأيناه ما رويناه[6].

والثاني: لعصري ابن تيمية الإمام ابن دقيق العيد[7]، قال رحمه الله: (ما نقل فيما شجر بينهم واختلفوا فيه، فمنه ما هو باطل وكذب، فلا يلتفت إليه، وما كان صحيحًا أوَّلناه على أحسن التأويلات، وطلبنا له أجود المخارج؛ لأن الثناء عليهم من الله سابق، وما نُقل عنهم محتمل التأويل، والمشكوك لا يبطل المعلوم)[8].

وهذا الذي قاله نحو ما قال حَبر الأمة ابن عباس، قال رضي الله عنهما: (لا تسبوا أصحاب محمد صلَّى الله عليه وسلم؛ فإنَّ الله عزَّ وجلَّ قد أمر بالاستغفار لهم، وهو يعلم أنهم سيقتتلون)[9].

وهناك أصول متفق عليها بين أهل السُّنَّة والجماعة، لم يخالف فيها إلا أهل البدع والأهواء؛ فمنها:

أولا: إحسان الظن بصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، لاسيما من شُهد لهم بالجنة، وتُوفّي وهو عنهم راض، صلَّى الله عليه وسلم، ومنهم – بلا شك - علي، وعائشة، وطلحة، والزبير، رضي الله عنهم جميعا.

ثانيا: عدم القول بعصمة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بل يجوز أن تقع منهم الكبائر، فضلا عن الصغائر، فضلا عن أن يقع منهم خطأ في الاجتهاد، يؤجرون عليه.

ثالثا: نرى تحريم سَبِّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ونعتقد أنه من كبائر الذنوب، وأنَّ الطاعن في عدالتهم إنَّما هو طاعن في رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، الذي بشرهم بالجنة، وطاعن في الدين، الذي نُقل إلينا على أيديهم. وقد قال صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد وقد نال من عبد الرحمن بن عوف، أحد السابقين الأولين- قال: ((لا تسبوا أصحابي، فلو أنَّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا،ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه))[10].

فإذا قيل هذا الكلام لسيف الله المسلول رضي الله عنه وأرضاه، الذي نصر الله الدين على يديه، وهو من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن لا يبلغ مثقال ذرة، مقارنةً بخالد رضي الله عنه، وليس معدودًا أصلا في الصحابة ؟! فكما لا يجوز للصحابي المتأخر أن يسب المتقدم، فلا يجوز لمن هم دون الصحابة أن يتعرض لواحد منهم، رضي الله عنهم أجمعين.

رابعا: الإمساك عن الخوض فيما شجر بين الصحابة، ونرى الصحابة في هذا المقام بين مجتهد مصيب له أجران، وآخر مخطئ له أجر.

 بيان وقعة الجمل

قتل عثمان رضي الله عنه يوم الجمعة، لثمان عشرة خلت من ذي الحجة، سنة خمسة وثلاثين، على المشهور، وعلم الناس ومنهم أُمنا رضي الله عنها- بمقتل عثمان رضي الله عنه، واجتماع النَّاس لبيعة علي رضي الله عنه، فدخلت فيما دخل فيه الناس، وأوصت الآخرين بالبيعة لعلي رضي الله عنه، ولكن القلوب كانت مُتفجِّعةً بمقتل النقي التقي أبي عبد الله؛ ذي النورين رضي الله عنه، على يد الفئة الآثمة، التي روعت الناس، وقتلت أمير المؤمنين.

فنهض طائفة من الصحب الكرام، إلى بيعة علي رضي الله عنهم أجمعين، وسألوه

القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه، فاستأناهم، وسألهم الصبر؛ لأن للقوم منعة، وقد اختلطوا بالناس، ومن ورائهم قبائلهم تمنعهم، وتحوطهم، وتحول دون القصاص منهم، فلابد من تثبيت الأمر ، ودعم أركان الخلافة، حتّى يتم القصاص، ولا تهيج الفتن من جديد حتَّى إنَّ ابن عباس رضي الله عنهما كان يُخشَى على علي أن يصيبه أولئك القوم بسوء، فنصحه ألا يقوم في المسجد ليبايعه الناس، وليختر مكانا آخر، فأبى علي رضي الله عنه إلا المسجد[11].

ومضت الأيام، حتّى فنيت شهور أربعة على مقتل عثمان، ولم يقتص من قتلته، واختلف الصحابة في اجتهادهم، وكان علي رضي الله عنه أولى الطائفتين بالحق، ولكن قضى الله أن ينشب الخلاف، وتتعارض الأمور، وينفث السبئية وأهل الحقد نفثهم في القوم؛ ليفسدوا بين الفريقين، فأثاروا الناس، وألبوا القوم، وكان ما كان. وتداعت الجموع مطالبة بدم عثمان رضي الله عنه، واجتهدت أُمُّ المؤمنين رضي الله عنها في الخروج، متأوَّلةً قوله تعالى: ﴿ لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نُّجْوَنَهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَح بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا )[12]. ورأت لما لها من مكانة وفضل في قلوب المؤمنين، أن تنهض لهذا الأمر، لاسيما وأنَّ الأمر بالقرار في البيت، لا ينافي السعي لمصلحة، وقضاء حاجة، وما أعظمها من غاية أن تسعى أُمنا رضي الله عنها للصلح بين الطائفتين، مسلّمةً لخلافة علي رضي الله عنه ، لا خارجة عليه، ولا ناكثة لبيعته.

يقول الإمام ابن بطال[13] رحمه الله تعليقا على موقف أبي بكرة[14] رضي الله عنه في حديث: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) : (وأما حديث أبي بكرة، فإنَّ في ظاهره توهية لرأي عائشة في الخروج قال المهلب وليس كذلك؛ لأنَّ المعروف من مذهب أبي بكرة أنه كان على رأي عائشة، وعلى الخروج معها، ولم يكن خروجها على نية القتال، وإنما قيل لها: اخرجي لتصلحي بين الناس؛ فإنكِ أُمُّهم، ولم يعقُوكِ بقتال. فخرجت لذلك، وكان نية بعض أصحابها إن ثبت لهم البغي أن يقاتلوا التي تبغي، وكان منهم أبو بكرة، ولم يرجع عن هذا الرأي أصلا.

ثم قال رحمه الله: (وليس في الإسلام أحد يقول: إن عائشة دعت إلى أمير معها، ولا عارضت عليا في الخلافة، ولا نازعته لأخذ الإمارة، وإنما أنكرت عليه منعه من قتلة عثمان، وتركهم دون أن يأخذ منهم حدود الله، ودون أن يقتص لعثمان منهم، لا غير ذلك .... إلخ كلامه رحمه الله[15].

ومع هذا العزم الشريف، وهذه النية المباركة، عندما بلغت ماء الحوأب[16]، استرجعت، وأرادت الرجوع، أخذا بالسلامة، ونأيا عن الأمر كله، خشية أن يكون فيه شيء.

فقد أخرج أحمد في (المسند)، والحاكم في (المستدرك): ((أنَّ عائشة رضي الله عنها لما بلغت مياه بني عامر ليلًا، نبحت الكلاب، قالت: أي ماء هذا؟ قالوا: ماء الخواب، قالت: ما أَظنُّني إلا راجعة؛ إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا:

كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب؛ فقال لها الزبير: ترجعين! عسى الله عزّ وجل أن يصلح بكِ بين الناس))[17].

ويقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى مبينًا أصل الأمر، ومحليا لنا حقيقة ما كان: (وأشرف القوم على الصُّلح؛ كره ذلك من كرهه، ورضيه من رضيه، وأرسلت عائشة إلى عليَّ تُعلمه أنها إنما جاءت للصلح، ففرح هؤلاء وهؤلاء، وقام علي في النَّاس خطيبًا، فذكر الجاهلية وشقاءها وأعمالها، وذكر الإسلام وسعادة أهله بالألفة والجماعة، وأنَّ الله جمعهم بعد نبيه صلى الله عليه وسلم على الخليفة أبي بكر الصديق، ثم بعده على عمر بن الخطاب، ثمَّ على عثمان، ثمَّ حدث هذا الحدث الذي جره على الأمة أقوام طلبوا الدنيا، وحسدوا من أنعم الله عليه بها، وعلى الفضيلة التي من الله بها، وأرادوا ردَّ الإسلام والأشياء على أدبارها، والله بالغ أمره، ثم قال: ألا إني مرتحل غدًا فارتحلوا، ولا يرتحل معي أحد أعان على قتل عثمان بشيء من أمور الناس. فلما قال هذا، اجتمع من رؤوسهم جماعة؛ كالأشتر النخعي، وشريح بن أوفى، وعبد الله بن سبأ، المعروف بابن السوداء، وغيرهم في ألفين وخمسمائة، وليس فيهم صحابي، ولله الحمد، فقالوا: ما هذا الرأي؟ وعلي- والله أعلم بكتاب الله ممن يطلب قتلة عثمان، وأقرب إلى العمل بذلك، وقد قال ما سمعتم، غدًا يجمع عليكم الناس، وإنَّما يريد القوم كلُّهم أنتم، فكيف بكم وعددكم قليل في كثرتهم؟ فقال الأشتر : قد عرفنا رأي طلحة والزبير فينا، وأما رأي علي، فلم نعرفه إلَّا اليوم، فإن كان قد اصطلح معهم، فإنَّما اصطلح على دمائنا، فإن كان الأمر هكذا ألحقنا عليا بعثمان، فرضي القوم منا بالسكوت. فقال ابن السوداء: بئس ما رأيت، لو قتلناه قتلنا، فإنَّا يا معشر قتلة عثمان في ألفين وخمسمائة، وطلحة والزبير وأصحابها في خمسة آلاف، ولا طاقة لكم بهم، وهم إنما يريدونكم. فقال عِلْباء بن الهيثم: دعوهم، وارجعوا بنا حتى نتعلق ببعض البلاد، فنمتنع بها. فقال ابن السوداء: بئس ما قلت، إذا والله ، كان يتخطفكم الناس. ثم قال ابن السوداء، قبحه الله: يا قوم، إنَّ عزّكم في خُلطة الناس، فإذا التقى النَّاس فأنشبوا القتال، ولا تُفرغوهم للنظر، فمن أنتم معه لا يجد بدا من أن يمتنع، ويشغل الله طلحة والزبير ومن معهما عما تكرهون فأبصروا الرأي وتفرَّقوا عليه)؛ انتهى كلام ابن كثير[18].

وقال رحمه الله في موضع آخر: (وبات النَّاس بخير ليلة، وبات قتلة عثمان بشر ليلة، وباتوا يتشاورون، وأجمعوا على أن يثيروا الحرب من الغَلَس[19]، فنهضوا من قبل طلوع الفجر، وهم قريب من ألفي رجل، فانصرف كلُّ فريق إلى قراباتهم، فهجموا عليهم بالسيوف، فثار كلُّ طائفة إلى قومهم؛ ليمنعوهم، وقام الناس من منامهم إلى السلاح، فقالوا: ما هذا؟ قالوا طَرَقنا أهل الكوفة ليلا، وبيتونا وغدروا بنا. وظنُّوا أنَّ هذا عن ملأ من أصحاب علي، فبلغ الأمر عليا، فقال: ما للناس؟ فقالوا: بيتنا أهل البصرة. فثار كلُّ فريق إلى سلاحهم، ولبسوا اللأمة[20]، وركبوا الخيول، ولا يشعر أحد منهم بما وقع الأمر عليه في نفس الأمر. وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، فنشبت الحرب، وتواقف الفريقان، وقد اجتمع مع علي عشرون ألفا، والتف على عائشة ومن معها نحو من ثلاثين ألفًا، وقامت الحرب على ساق، وتبارز الفرسان، وجالت الشجعان، فإنَّا الله وإنا إليه راجعون. والسبئية أصحاب ابن السوداء قبحه الله لا يفترون عن القتل، ومنادي على ينادي: ألا كُفُّوا! ألا كُفُّوا! أحد، وجاء كعب بن سور قاضي البصرة، فقال: يا أُمَّ المؤمنين، أدركي الناس، لعل الله أن يُصلح بك بين الناس فجلست في هودجها فوق بعيرها، وستروا الهودج بالدروع، وجاءت فوقفت بحيث تنظر إلى النَّاس في معركتهم)[21].

فهؤلاء هم جماعة التأليب وأصل التخريب الذين أفسدوا ما بين الفريقين من المؤمنين، وأثاروا الناس، ودفعوهم إلى القتال، في معركة اضطروا إليها، ولم يختاروها، وإنما هو اختلاف الاجتهاد فيما بينهم، والكلُّ على خير، وما منهم من أحد يرضى لأخيه مسَّ الأذى، وأوَّلهم أُمنا عائشة رضي الله عنها، وعلي رضي الله عنه.

يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: (وقد قتل مع هذا بشر كثير جدا، حتّى جعل علي يقول لابنه الحسن: يا بني، ليت أباك مات قبل هذا اليوم بعشرين سنة. فقال له: يا أبه، قد كنتُ أنهاك عن هذا.

وعن قيس بن عبّادٍ قال: قال علي يوم الجمل: يا حسن، يا حسن، ليت أباك مات منذ عشرين سنة. فقال له: يا أبه، قد كنتُ أنهاك عن هذا. قال: يا بني إنِّي لم أرَ أنَّ الأمر يبلغ هذا. وقال مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أبي بكرة: لما اشتدَّ القتال يوم الجمل، ورأى على الرءوس تندر[22]، أخذ علي ابنه الحسن، فضمه إلى صدره، ثم قال: إنَّا الله يا حسن! أي خير يُرجَى بعد هذا[23])[24].

وهذه أمنا الصِّدِّيقة تسأل عمن قتل معها من المسلمين، ومن قتل من عسكر علي، فجعلت كلما ذكر لها واحد ترحمت عليه ودعت له[25]، فعن ابن سيرين قال: (دخل خالد بن الواشمة على عائشة بعد الجمل، فقالت: ما فعل فلان؟ - تعني طلحة – قال: قتل يا أُمَّ المؤمنين! قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، يرحمه الله، ما فعل فلان؟ قال: قتل. قال: فرجعت أيضًا، وقالت: يرحمه الله، وإنَّا الله على زيد وأصحاب زيد -يعني زيد بن صوحان قالت: وقتل زيد؟ قال: قلت: نعم. قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، يرحمه الله. قال: قلتُ: يا أُمَّ المؤمنين، هذا من جند، وهذا من جند، ترحمين عليهم جميعًا، والله لا يجتمعون أبدا، قالت: أو لا تدري؟ رحمة الله واسعة، وهو على كل شيء قدير)[26].

وندمت أمنا على خروجها ندما أسيفا، ورأت أنَّ الأولى بها كان عدم الخروج، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وكذلك عائشة رضي الله عنها ندمت على مسيرها إلى البصرة، وكانت إذا ذكرته تبكي حتّى تبل خمارها)[27].

ويقول أبو عبد الله الذهبي رحمه الله : ( ولا ريب أن عائشة ندمت ندامةً كليَّةً على مسيرها إلى البصرة، وحضورها يوم الجمل، وما ظنت أنَّ الأمر يبلغ ما بلغ)[28].

وكانت أمنا تذكر ذلك، وتتحدث به ندما على ما كان، وتقول: وددت أنّي كنت غصنًا رطبًا ولم أسر مسيري هذا)[29]. وتقول: (لأن أكون جلست عن مسيري كان أحب إلي من أن يكون لي عَشَرة من رسول الله، مثل ولد الحارث بن هشام)[30].

وتقول: (إنّي أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثًا، ادفنوني مع أزواجه). فدفنت بالبقيع رضي الله عنها، ويُعلّق الإمام الذهبي قائلا: (قلتُ: تعني بالحدث: مسيرها يوم الجمل، فإنَّها ندمت ندامةً كُليَّةً، وتابت من ذلك، على أنها ما فعلت ذلك إلا متأوّلةً، قاصدةً للخير، كما اجتهد طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وجماعة من الكبار، رضي الله عن الجميع)[31].

وقد عتبت على ابن عمر رضي الله عنه تركه لنهيها عن الخروج، فعن ابن أبي عتيق، قال: قالت عائشة: (إذا مرَّ ابن عمر فأرونيه، فلما مرَّ قيل لها: هذا ابن عمر. قالت: يا أبا عبد الرحمن، ما منعك أن تنهاني عن مسيري؟ قال: رأيت رجلًا قد غلب عليكِ، وظننت أنك لا تخالفينه -يعني ابن الزبير- قالت: أما إنَّك لو نهيتني ما خرجت). تعني مسيرها في فتنة يوم الجمل[32].

وكانت تعزي نفسها بأنَّ ما جرى هو من قدر الله تبارك وتعالى، فكانت تقول إذا سئلت عن مسيرها : (كان قدرًا)[33]. وهو شبيه بصنيع آدم عليه الصلاة والسلام، حين احتج بالقدر في مقابل لوم موسى له، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ آدم حج موسى، وفيه امتثال لأمر النبي صلى الله عليه وسلم: ((... وإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أنّي فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل. فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان))[34].

فهذه صورة أُمنا الحقة التي أراد القوم هدمها، والطعن فيها بما هي براء منه، وإنما خرجت متأولة مجتهدة، فكان اجتهادها من الخطأ المغفور، بل من الاجتهاد المأجور. وقد كان علي رضي الله عنه يعلم ذلك منها، ويُعظم قدرها، وينفذ فيها وصيَّة النَّبي صلَّى الله عليه وسلم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: ((إنَّه سيكون بينك وبين عائشة أمر . قال: أنا يا رسول الله ؟! قال: نعم. قال: أنا؟! قال: نعم. قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله، قال: لا، ولكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها))[35].

يقول أبو الفداء ابن كثير رحمه الله تعالى: (ولما أرادت أم المؤمنين عائشة الخروج من البصرة، بعث إليها علي ، رضي الله عنه، بكل ما ينبغي من مركب وزادٍ ومتاع وغير ذلك، وأذن لمن نجا ممن جاء في جيشها أن يرجع معها، إلا أن يحب المقام، واختار لها أربعين امرأةً من نساء أهل البصرة المعروفات. وسير معها أخاها محمد ابن أبي بكر، فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه، جاء علي فوقف على الباب، وحضر النَّاس معه، وخرجت من الدار في الهودج، فودَّعت الناس ودعت لهم، وقالت: (يا بني، لا يعتب بعضنا على بعض، إنَّه والله ما كان بيني وبين علي في القدم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنَّه على معتبتي لمن الأخيار). فقال علي: (صدقت والله، ما كان بيني وبينها إلا ذاك، وإنَّها لزوجة نبيكم، صلَّى الله عليه وسلم، في الدنيا والآخرة).

وسار علي معها مودِّعًا ومشيعًا أميالا، وسرح بنيه معها بقية ذلك اليوم- وكان يوم السبت مستهل رجب سنة ست وثلاثين وقصدت في مسيرها ذلك إلى مكة، فأقامت بها إلى أن حجت عامها ذلك، ثم رجعت إلى المدينة، رضي الله عنها)[36].

هذه هي أُم المؤمنين رضي الله عنها في سعيها النبيل بين المسلمين، والنهوض بما يُوجبه عليها شرف المكانة؛ من الإصلاح بينهم، وجمع قلوبهم، وتوحيد كلمتهم، يعرف ذلك لها كلُّ مؤمن تقي القلب، نقي الصدر من شوائب الحقد، وأولهم علي رضي الله عنه، الذي اختلق القوم ما اختلقوا من روايات الإفك عنه. ها هو يعرف لأُمه قدرها، ويعاملها بما تستحق من الإجلال والتقدير، ويسلك معها خير سبيل بأقوم خُلُق.

 

[1]  هو احمد بن محمد بن الحجاج، ابو بكر المروذي، شيخ الاسلام، كان اماما ً في السنة، شديد الاتباع من اجلّ اصحاب الامام احمد، وكان يأنس به، وهو الذي تولى اغماضه لما مات، وغسله، ومن مصنفاته: (اخبار الشيوخ واخلاقهم) توفى سنة 275هــ.

انظر: (طبقات الحنابلة) لابن أبي يعلى (1/56) و(سير اعلام النبلاء) للذهبي (13/173)

[2]  (السنة) للخلال (3/501)

[3]  (الفتوى الحموية) لابن تيمية 448، وانظر: (مجموع الفتاوى) لابن تيمية (5/78) و(الفتاوى الكبرى) لابن تيمية (6/658) ، (3/445).

[4]  هو المبارك بن طاهر بن المبارك، أبو المظفر الخزاعي البغدادي الصوفي، المقرئ، ولد سنة ٥٣٣ هـ، كان زاهدًا ورعًا متعبدًا، منقطعًا إلى تعليم القرآن شافعيا يكره الرأي والقياس، سمع الكثير من الحديث، مع التحري والتثبت، توفي سنة ٦٠٠ هـ.

انظر: ((تاريخ إربل)) لابن المستوفي (٤١١)، و ((تاريخ الإسلام)) للذهبي (٤٢ / ٤٨٢).

[5]  هو المبارك بن أحمد بن المبارك، أبو البركات الإربلي، العلامة المحدث، ولد سنة ٥٦٤ هـ كان ماهرًا في الآداب والشعر وأيام العرب، مواظبا على العبادة بارعا في حساب الديوان، ولي نظر إربل مدة، من مصنفاته: (تاريخ إربل)، توفي سنة ٦٣٧ هـ

انظر: ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٤٩/٢٣)، ((الأعلام )) للزركلي (٢٦٩/٥)

[6]  ((تاريخ إربل)) لابن المستوفي (٤٤/١).

[7]  هو محمد بن علي بن وهب أبو الفتح القشيري ابن دقيق العيد، الإمام الفقيه المحدث، شيخ الإسلام، ولد سنة ٦٢٥ هـ، كان من أذكياء زمانه، واسع العلم، ورعًا، ولي القضاء بمصر، من تصانيفه (الاقتراح)، (شرح عمدة الأحكام)، توفي سنة ٧٠٢هـ انظر: ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (۲۲۵/۲)، و ((شذرات الذهب)) لابن العماد (6/5).

[8]  (تشنيف المسامع) للزركشي (4/842)

[9]  رواه ابو القاسم الاصبهاني في (الحجة في بيان المحجة) (2/395)

وصحح اسناده ابن تيمية في (منهاج السنة) (2/22)

[10]  رواه البخاري 3673، ومسلم 222، من حديث ابي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[11]  تاريخ الطبري (4/427)

[12]  النساء: 114

[13]  هو علي بن خلف بن عبدالملك ابو الحسن القرطبي، العلامة كان من كبار المالكية، ومن اهل العلم والمعرفة، عنى بالحديث العناية التامة، ولى القضاء بحصن لوْرقة بالاندلس، من مصنفاته: (شرح البخاري) توفى سنة 449هــ.

انظر: سير اعلام النبلاء للذهبي (18/47)، (شذرات الذهب) لابن عماد 3/282.

[14]  هو نفيع بن الحارث بن كلدة، ابو بكر الثقفي، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتزل يوم الجمل ولم يقاتل مع واحد من الفريقين، توفى سنة 51 هـــ، وقيل 52هـــ.

انظر: الاستيعاب لابن عبد البر (1/484)، و(الاصابة) لابن حجر (6/467)

[15]  شرح صحيح البخاري لابن بطال (10/51)

[16]  الحوأب: منزل بين مكة والبصرة

انظر: (النهاية في غريب الحديث والاثر) لابن الأثير (1/456)

[17]  رواه احمد (6/52) (24299) وابو يعلى (8/282) (4868) وابن حبان (15/126) (6732) والحاكم (3/129)

وصحح إسناده الذهبي في (سير اعلام النبلاء) (2/177) وقال ابن كثير في (البداية والنهاية) (6/217): اسناده على شرط الصحيحين وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (7/237): رجال احمد رجال الصحيح، وقال الالباني في (سلسلة الاحاديث الصحيحة) (1/847): اسناده صحيح جدا ً، رجاله ثقات اثبات، من رجال السنة.

[18]  (البداية والنهاية) لابن كثير (10/450)

[19]  الغلَس: ظلمة اخر الليل اذا اختلطت بضوء الصباح.

انظر: (النهاية في غريب الحديث والاثر) لابن الاثير (3/377)

[20]  اللأمة: الدرع، وقيل: السلاح.
انظر: (النهاية في غريب الحديث والاثر) لابن الأثير (4/220)

[21]  (البداية والنهاية) لابن كثير (10/455)

[22]  تندر: ندر الشيء يندر، سقط

انظر: لسان العرب لابن منظور (5/199)

[23]  رواه الخطابي في (العزلة) ص:14

[24]  (البداية والنهاية) لابن كثير (10/456) بتصرف.

[25]  انظر: المصدر السابق (10/471)

[26]  رواه عبدالرازق (11/289)

[27]  (منهاج السنة النبوية) لابن تيمية (6/208)

[28]  (سير اعلام النبلاء) للذهبي (2/177)

[29]  رواه ابن شيبة (38973)

[30]  رواه ابن شيبة (38966)

[31]  (سير اعلام النبلاء) للذهبي (2/193)

[32]  (تاريخ الاسلام) للذهبي (4/246)

[33]  (الزهد) للإمام احمد 165

[34]  رواه مسلم (2664)، وابن ماجه (79)، والامام احمد في المسند (8573).

[35]  رواه الامام احمد في (المسند) 27242، وحسّن اسناده ابن حجر في (الفتح) (13/59).

[36]  (البداية والنهاية) لابن كثير (10/ 472)

  • الاثنين PM 12:12
    2023-05-08
  • 866
Powered by: GateGold