المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 418881
يتصفح الموقع حاليا : 209

البحث

البحث

عرض المادة

التعريف بتوحيد الربوبية

وهو إفراد الله بأفعاله، كالخلق والرزق والإحياء والإماتة وإنزال الغيث وإنبات الزرع.

ومعناه: إيمان المسلم بوحدانية الله عز وجل، والاعتقاد الجازم بأنه لا خالق ولا مالك ولا متصرف أو مدبر في الخلق والملك إلا هو سبحانه، لا شريك له ولا ند له.

وهذه العقيدة هي فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا ينكرها ولا يماري فيها إلا جاهل أو متكبر، فينبغي على العبد أن يعلم أن الله سبحانه له الخلق والملك والتدبير.

وأدلة ذلك من كتاب ربنا سبحانه وتعالى كثيرة، فمما جاء من الآيات الدالة على تفرده بالخلق، قوله سبحانه: ((هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)) [فاطر:3].

ومما جاء من الآيات الدالة على تفرده بالملك، قوله سبحانه وتعالى: ((تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) [الملك:1].

 ومما جاء من الآيات الدالة على تفرده بالتدبير، قوله سبحانه: ((أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)) [الأعراف:54].

ولقد أقر كفار قريش بهذه العقيدة، وهم من أكابر الوثنيين، فكانوا يعلمون حقيقة أن الله عز وجل هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا رزق إلا من عنده، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، ولا مدبر للأمور إلا هو، وأن جميع السموات ومن فيهن، والأرضين السبع ومن فيهن تحت تصرفه وقهره.

قال تعالى: ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)) [العنكبوت:61].

وقال سبحانه: ((قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ)) [يونس:31-32].

وقال عز ثناؤه: ((قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ)) [المؤمنون:84-89].

لكن في عصرنا الحاضر نرى كثيراً من الناس يخالفون فطرة الله عز وجل في خلقه، معتقدين بأن للأولياء والصالحين حق التصرف والتدبير في خلق الله وملكه معه سبحانه، وخاصة آل البيت عليهم السلام كعلي بن أبي طالب عليه السلام.

فقد نسبوا زوراً لأمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام بأنه هو رب الأرض([1])، وأنه المتصرف بالدنيا والآخرة كيف يشاء )[2](، وله جزئية إلهية في الخلق والرزق وإحياء الأموات([3])، وقد أحيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ([4])، وله من الأمر ما يشاء من استحضار السحب وإنزال الأمطار وصوت الرعود([5]).

 بل زادوا في ذلك بأن بمقدوره عليه السلام أن يركب السحاب ويذهب عليها لأي مكان يريد([6])، سالكين في إمكانية وقوع هذه الخوارق مخرجاً سمجاً لا ينطلي على العقلاء، وهو أن هذه الأمور والأعمال الخارقة كلها قد أذن الله في وقوعها على يده، وهذا القول زعموه من بعد عجزهم عن إيجاد دليل وحجة من القرآن أو السنة النبوية المباركة على ذلك.

وهذه المعتقدات الخطيرة منافية لتوحيد الله عز وجل في ربوبيته؛ لأن الله جل شأنه يقول: ((أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ)) [البقرة:107].

وقال تعالى: ((الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ)) [الفرقان:2].

وقال تعالى: ((هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)) [فاطر:3].

وقال تعالى: ((الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ)) [الروم:48].

وقال تعالى: ((هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ)) [الرعد:12].

وقد ذكر العلامة الكشي في رجاله بأن أقواماً من الناس يُحَدِّثون الناس بأحاديث منكرة ومكذوبة على جعفر بن محمد عليه السلام وعلى آله الطاهرين عليهم السلام، فيزعمون: بأن علياً في السحاب يطير مع الريح، وأنه كان يتكلم بعد الموت، وأنه كان يتحرك على المغتسل، وأن إله السماء وإله الأرض الإمام، فجعلوا لله شريكاً جهلاً وضلالاً، والله ما قال جعفر شيئاً من هذا قط، وكان جعفر أتقى لله وأورع من ذلك، فسمع الناس ذلك فضعفوه، ولو رأيت جعفرَ لعلمت أنه واحد الناس([7]).

وهنا قد يتساءل العاقل اللبيب ويقـول: كيـف نوفـق بين ما نعتقده في توحيد الله عز وجل في خلقه وملكه وتدبيره وحده لا شريك له، وأنه لا ند ولا نظير له، وبين ما جرى للأنبياء والرسل والأولياء من المعاجز والكرامات الكثيرة: من إحياء الموتى، وشفاء المرضى، وتحويل العصا إلى ثعبان وغيرها؛ أليس في ذلك مشاركة في التصرف بخلق الله وملكه؟

 

والجواب من وجوه:

أولاً: أننا لا ننكر ما حصل للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام من الآيات والمعجزات، ولا ننكر ما يحصل للأولياء والصالحين من الكرامات؛ لأنه حق ثابت ورد في كتاب الله عز وجل وفي سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ومما أجمع أئمة الإسلام عليه.

قال تعالى: ((أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)) [يونس:62-63].

 فكل مؤمن هو ولي لله عز وجل بقدر إيمانه وتقواه، وقد يُظهر الله على يديه ما يظهر من خوارق العادات، وهي الكرامات.

ثانياً: لا بد للمسلم أن يتأكد من صحة الروايات التي تُروى عن كرامات الأولياء والصالحين، حتى لا ينسب إليهم أعمالاً لم يعملوها، وهذا يدخله في الكذب، كما كُذِب على أمير المؤمنين علي عليه السلام فنسبوا إليه كرامات وأقوالاً وأعمالاً لم يعملها، كما أسلفنا في القول من قبل.

ثالثاً: ليس بلازم أن كل ولي تقع له كرامة لابد أن تقع لغيره من الأولياء، وليس بحتم لازم أن كل من ظهرت له كرامة فهي الدلالة على أنه أفضل من غيره من الأولياء.

والعكس صحيح؛ من أن عدم وقوعها لا يدل على نقصهم؛ لأن وقوع الكرامة تأييد وتثبيت وإعانة للشخص في دينه، ولهذا كانت الكرامات في عهد التابعين أكثر منها في عهد الصحابة رضي الله عنهم، لأن الصحابة رضي الله عنهم عندهم من التثبيت والتأييد والنصر ما يستغنون به عن الكرامات، وهو وجود النبي صلى الله عليه وسلم، ووقوعها بعد عهد التابعين كان أكثر ممن قبلهم، وهذا معلوم مشاهد.

فلا يلزم على هذا أن تقع الكرامات والمعاجز لكل ولي، بل الكثير من الأولياء لم تحصل لهم الخوارق.

رابعاً: قد تُنسب بعض الكرامات زوراً إلى بعض الناس، لأننا لوفتشنا عن دلائل إيمان هذا الرجل والتزامه بالهدي النبوي، لوجدناه عاصياً مفرطاً في الطاعات، لا يحافظ على الصلوات المفروضة، فضلاً عن محافظته على السنن المؤكدة، بل قد نجده أيضاً يدعو غير الله، ويتوجه بالعبادات إلى الأموات، فكيف يمكن أن نطلق على مثل هذا أنه ولي متقٍ، يحبه الله ويتولاه؟!

ولنتذكر أن أعظم كرامة تقع للعبد المسلم هي هدايته إلى الحق، وثباته على الصراط المستقيم وفق ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفهمه ونشره أصحابه وآله رضي الله عنهم.

وبعد ما سبق بيانه نحتاج إلى التوسع شيئاً قليلاً في جانب من جوانب توحيد الربوبية، وهو معتقد توحيد الله بالتدبير، وأن الله سبحانه له الخلق والأمر، أو ما يسمى الإيمان بالقضاء والقدر.

 

 

([1]) بحار الأنوار: (7/326)، (7/194)، وانظر: تأويل الآيات: (736).

 ([2])الكافي: (1/408).

([3]) انظر: بحار الأنوار: (42/17-50) (باب جوامع معجزاته)، (42/50-56) باب غرائب معجزاته، وانظر كتاب: مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني.

([4]) انظر: إرشاد القلوب: (265).

([5]) بحار الأنوار: (27/32)، الاختصاص: (327).

([6]) الاختصاص: (199).

([7]) رجال الكشي: (324)، بحار الأنوار: (25/302).

  • الاحد PM 04:15
    2022-04-10
  • 972
Powered by: GateGold