المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1927276
يتصفح الموقع حاليا : 278

البحث

البحث

عرض المادة

توسيع دائرة العمل المجتمعي مع وضع ضوابط احترازية ضد الخائنين

د / احمد نصير

توسيع دائرة العمل المجتمعي مع وضع ضوابط احترازية ضد الخائنين

 

قال تعالى (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121)

 

قال تعالى (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ) (126)

 

أشارت الآيات إلى محاولة الخارجين عن نظام الحكم شق صف المسلمين ، فأظهرت كيف يسرون النجوي فيما  بينهم بالباطل ، ويتناجون بالإثم والعدوان لتدبير الحيل وعقد المؤامرات ضد  المسلمين ، وذلك في أول فرصة نسحت لهم بعدما أجازت الدولة للناس حرية الاجتماع ، فالإسلام شرع الجهاد لأجل تحرير الناس من العبودية لغير الله ، ومن ثم أطلق مزيدا من الحريات ، ومنها حرية الاجتماع ، وتلك هي إحدى إنجازات الفتوحات التي حصلت بسبب الجهاد في سبيل الله ، فالجهاد يحرر الإنسان ويساعد على إطلاق الطاقات ، ويسمح بمزيد من الحريات الفردية والجماعية ، بيد أن المنافقين يستغلون توسيع الإسلام من الحريات الفردية والاجتماعية بسوء نية ، فينشغلون في اجتماعاتهم بالتدبير لشق صف المسلمين ، فكان واجبا الانتباه لما يفعلون ، حيث يصنعون جيوبا تحض على الفتنة ، وقلوبهم لم تسلم من أمراض الحقد والحسد ، كما أنهم يجتمعون سرا لإقامة طقوس سحرية يستعينون فيها بالشياطين ، (وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا) ، وتلك محاولات بائسة منهم للإنقلاب على المؤمنين .

 

والإسلام ولأنه منهج تطبيقي عملي وليس مجرد نظريات جوفاء خالية من التطبيق يعالج هذه الإشكالية من خلال حل عملي وناجز بدمج المخالفين للجماعة المسلمة والمنشقين عنها في الجماعة المسلمة ذاتها ، أي عدم تركهم منبوذين ، بل إشراكهم في العمل المجتمعي لينصلح حالهم ، فلا ينبغي تركهم لاستقطاب أتباع الشياطين لهم ، وهذا ما تتميز به الأمة المسلمة ، حيث يتواصون بالحق معا ، علي مدار التاريخ من الخلف إلي السلف ، من لدن نبي الله إبراهيم عليه السلام حتى جيل الصحابة والتابعين الذي طبقوا هذا المنهج خير تطبيق ، فلم ينفصل المؤمنون عن هذا السبيل ، فالسيرة العطرة للتاريخ الإسلامية هي المنهج التطبيقي لهذا الدين (ومن أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) .

 

 فهؤلاء الخائنون أو الخارجون عن الجماعة  - فبالرغم من عظم جريرتهم – إلا أنه لابد من توجيههم وإشغالهم بقضايا  إنسانية ، وإلا لعادوا إلى ما نهو عنه من المناجاة فيما بينهم بالباطل ، إذن فرض القرآن الكريم واجبا علي جماعة المسلمين بأن يستميلوا الناس لعمل الخير وتوجيه طاقاتهم للمشاركة في الجمعيات الخيرية وإصلاح أمور الناس لاسيما اليتيمات ، فالاهتمام بهؤلاء الضعفاء يلين القلوب القاسية ، ويذيب الأفكار الجامدة ، فإذا كان المسلمون هم السابقون لهذا الخير ، فلا شك أن الجميع سوف يشاركهم في هذا الخير ، وذلك هو خير دعاية إيجابية لهذا الدين ، وبذلك ينجلي ما في قلوب الناس من إثم ، فتزكو نفوسهم ، وتطهر من الشر ، فإذا انخرطوا في العمل العام استشعروا مرضات الله تعالى ، فيكون اندماجهم في عمل الخير بمثابة إعادة تأهيل لهم لأن يصبحوا أعضاء صالحين في المجتمع .

 

المطلب الأول : ضوابط حرية الاجتماع في الاسلام

المطلب الثاني : اجتماع المشركين بالشياطين

المطلب الثالث : اجتماع الأنبياء على دين الإسلام ملة إبراهيم حنيفا 

 

المطلب الأول

ضوابط حرية الاجتماع في الإسلام  والاحتراز من شق صف المسلمين

 

وفيه مسألتان : -

المسألة الأولى : مشروعية حرية الاجتماع في الإسلام

 

وفي قوله (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (114) قال الشنقيطي (ذكر في هذه الآية الكريمة أن كثيرا من مناجاة الناس فيما بينهم لا خير فيه)[1] ، يعزى ذلك إلى معنى (النّجوي) : هو (الإسرار في التدبير)[2] ، فلا تخلو من مفسدة متى خلت من الذكر والنصيحة .

 

لذلك كان الأصل هو توضيح الغاية والغرض من النجوى ابتداءً ، فإن لم يكن الاجتماع لطلب الآخرة فلا خير فيه ، ولو كان الاجتماع لأعمال الدنيا التي توصل للآخرة فهو خير كذلك ، أما إن لم يكن لهذا ولا ذاك فمذموم ومكروه ، فعن معاوية بن قرة قال قال لي أبي (ما من قوم يجلسون مجلسا فيتفرقون عنه لم يذكر الله إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار)[3] ، فإن كان الإجتماع لفعل ضد مقاصد الشرع فهو حرام ، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى) [المجادلة/10،9].

 

ذلك أنه لو لم يكن في النجوى إثم من حيث التدبير والتخطيط لإيذاء معصومي الدماء والأموال ، فإن النجوى ذاتها - وإن تجردت من ذلك - تتضمن إثما من حيث كثرة الجدال والمراء الذي لا خير فيه ، قال رسول الله r (شرار أمتي الثرثارون المتشدقون المتفيهقون وخيار أمتي أحاسنهم أخلاقا)[4].

 قال العلماء (الثرثار) هو "كثير الكلام تكلفا" .

و(المتشدق) "المتطاول على الناس بكلامه ويتكلم بملء فيه تفاصحا وتعظيما لكلامه" .

و(المتفيهق) أصله من الفهق ، وهو "الامتلاء" وهو "الذي يملأ فمه بالكلام ، ويتوسع فيه ويغرب به تكبرا وارتفاعا وإظهار للفضيلة على غيره" )[5] .

 

 فكثرة الجدال والمراء تحمل المجادلين الاستطراد في الجدل حتى يصل إلى العناد ثم يقع في الإثم والعدوان بعد ذلك ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا ، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا ، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ)[6].

 

قال ابن عاشور (لم تخل الحوادث ..من تناج وتحاور، سرا وجهرا، لتدبير الخيانات وإخفائها وتبييتها،...لا سيما في وقت ظهور المسلمين بالمدينة، فقد كان فيها المنافقون واليهود وضعفاء المؤمنين، وكان التناجي فاشيا لمقاصد مختلفة، فربما كان يثير في نفوس الرائين لتلك المناجاة شكا، أي خوفا، إذ كان المؤمنون في حال مناوأة مع المشركين وأهل الكتاب)[7] .

 

من هنا وجب علي ولاة الأمور أن ينتبهوا إلى خطر الجمعيات الأهلية التي تحض الناس على الشر من الباطن وإن كانت تعلن أن عملها في الظاهر عمل خير ، لاسيما إذا كانت تعمل في سرية ، ذلك أن العمل العام لا يفترض فيه السرية ، فعلام الكتمان ، (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)  ، يستبين من ذلك أن الرقابة السابقة على هذه الجمعيات لازمة ، وهو ما يسمى بإجراءات الضبط الإداري ، والتي تتمثل في التحقق من شخصية المؤسسين لهذه الجمعيات وعضوية أعضائها ، وأغراضها والتحقق من التزامها حدود الأغراض التي أنشئت من أجله ، ومواردها وجهات صرفها ....الخ ، وعلانية لقاءات أعضائها في الجميعات العمومية ومجالس الإدارة .

 

قال صاحب الظلال (قد تكرر في القرآن النهي عن النجوى؛ وهي أن تجتمع طائفة بعيداً عن الجماعة المسلمة ، وعن القيادة المسلمة ، لتبيت أمراً . . وكان اتجاه التربية الإسلامية واتجاه التنظيم الإسلامي كذلك أن يأتي كل إنسان بمشكلته أو بموضوعه ، فيعرضه على النبي r مسارة إن كان أمراً شخصياً لا يريد أن يشيع عنه شيء في الناس  أو مساءلة علنية إن كان من الموضوعات ذات الصبغة العامة ، التي ليست من خصوصيات هذا الشخص ، والحكمة في هذه الخطة ، هو ألا تتكون « جيوب » في الجماعة المسلمة؛ وألا تنعزل مجموعات منها بتصوراتها ومشكلاتها ، أو بأفكارها واتجاهاتها ، وألا تبيت مجموعة من الجماعة المسلمة أمراً بليل ، وتواجه به الجماعة أمراً مقرراً من قبل أو تخفيه عن الجماعة وتستخفي به عن أعينها - وإن كانت لا تختفي به عن الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول ، وهذا الموضع أحد المواضع التي ورد فيها هذا النهي عن التناجي والتبييت بمعزل عن الجماعة المسلمة وقيادتها)[8].

 

قوله (..إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ..) (114) استثنت الآية من كراهية النجوى ثلاثة أمور فقط هي : (الصدقة) ،(المعروف)،(الإصلاح) ، إشارة إلى ثلاثة أشكال للجمعيات المصرح بها في النظام الإسلامي ، فلا يتصور أن يأتي الخير من الاجتماع في غير هذه الثلاثة  :-

 

أولا : الجمعيات الخيرية التي تعمل على جمع الزكاة وتوزيع أموالها على مستحقيها ، وكذا الجمعيات التي تقدم خدمات اجتماعية وصحية للناس بالمجان أو بمقابل الخدمة دون تحقيق ربح مادي ، وذلك لأغراض التضامن الاجتماعي ، مثل الخدمات التعليمية أو الثقافية أو التدريب المهني أو العمالي والألعاب الرياضية والترفيهية ... الخ، فتلك جميعا صدقات بالمفهوم الواسع للصدقة ، لاسيما إذا كانت موجهة لليتامى والمساكين وذوي الحاجة من قبيل المساعدة المادية أو المعنوية .

 

ثانيا : الجمعيات التي تهدف إلى نشر الخير دون استهداف ربح ، وخير معروف يؤمر به بعد أداء الصدقات ذكر الله والانشغال بطلب العلم ، بما يشمل مراكز التعليم والإصلاح والتهذيب والتربية والتأهيل ، قال رسول الله r (الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ أَوْ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا)[9] .

 

 ويتضمن الأمر بالمعروف بالتبعية النهي عن المنكر ، فهو مصاحب له ورديفه ، فإنكار المنكر هو الصورة المقابلة للأمر بالمعروف فإذا حصل الأمر بالمعروف دل ذلك على سبق إنكار المنكر ، لأنه مقدم عليه ، وعلى ذلك فلا غرو أن تجتمع قوافل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتحديد الأماكن التي لها أولوية في البلاغ ، وطريقة تقديم البلاغ لهم وتقديم نتائج القوافل السابقة ,كيفية الاستفادة من هذه النتائج في توسيع المشاركة في أعمال الخير والدعوة ...وكل ذلك تحت عين وبصر ورقابة أجهزة الدولة.

 

ثالثا : الجمعيات التي تستهدف إتمام أعمال الصلح بين الناس كمجالس الصلح العائلية والعشائرية والقروية التي تعقد لأجل إنهاء المنازعات بين الناس ، وذلك استجابة لقول الله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات10) ، وقَالَ رسول الله r (لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ)[10].

 

فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ r بِذَلِكَ فَقَالَ اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ)[11]، وليس ذلك فحسب وإنما تتضمن كذلك كل محاولة للصلح بين الناس ولو على المستوى الفردي ، قال رَسُول اللَّهِ r  (لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا)[12] ، ويدخل في ذات المعنى مراكز تسوية المنازعات والتحكيم التجاري التي تساهم في تقليل النزاعات القضائية .

 

قوله (..وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (114)  فالأمر بالصدقة يعني العمل عليها بحض الناس علي أدائها ، والانشغال بجمعها ،وتوزيعها ، ولا شك أن صاحب هذا العمل مأجور متى أخلص نيته لله وابتغى مرضاة الله ، وكذلك الحال فيمن أمر بمعروف أو سعي للإصلاح بين الناس ، فتلكم ثلاثة أعمال يؤجر عليها صاحبها أجرا عظيما علي التفصيل التالي : -

 

أولا : أجر من عمل على الصدقة : يَقُولُ النبي r (الْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ بِالْحَقِّ كَالْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ)[13].

 

ثانيا : أجر من أمر بمعروف : الأمر بالمعروف باب عظيم من أبواب الدعوة إلى الله ، يقول النبي r (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ اتَّبَعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا)[14]، ويقول النبي r (مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي فَإِنَّ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ النَّاسِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِ النَّاسِ شَيْئًا)[15].

 

ثالثا : أجر الإصلاح بين الناس : فهو باب عظيم من أبواب الخير والمعروف ، قال رسول الله r (ألا أنبئكم بدرجة أفضل من الصلاة والصيام والصدقة قالوا بلى قال صلاح ذات البين وفساد ذات البين هي الحالقة)[16] .

 

المسألة الثانية : الاحتراز من شق الصف المسلم

 

قوله تعالى (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (115) قال القرطبي (المشاقة : المعاداة)[17]، قال ابن جزي (أنها قد نزلت فيمن ارتد بعدما كُشفت خيانته وجريمته)[18] ، قال مجاهد (وهي عامة في كل من شق عصا الجماعة)[19].

 

 والمقصود بسبيل المؤمنين طريقتهم في عبادة الله تعالى ، لأن الأصل في العبادة المنع ، إلا بدليل من الكتاب والسنة ، ولا يجوز أن تخترع عبادة لم ينزل الله بها سلطان ، وقد حفظ الله هذا الدين من أي تبديل ، فلا سبيل لمن يريد شق صف المسلمين أن يبدل شيئا من هذا الدين ، ذلك أن الدين منهج حياة كامل لا نقص فيه، ومحفوظ عمليا ونظريا ، فالقرآن كما أنه محفوظ كتابة فإنه محفوظ كذلك تلاوة في صدور قراء القرآن المعروفين بإجازاتهم المسندة والمعروفة ، والسنة –كذلك- محفوظة بالكتابة وفي صدور علماء أهل السنة ، وفقه الشريعة الإسلامية مدون ومحفوظ منذ آلاف السنين ومحفوظ كذلك بفهم علماء هذه الأمة ، ومناسك الإسلام محفوظة عن التبديل والتغيير فالصلوات وجمع الزكاوات والجح كل ذلك يفعله المسلمون منذ عهد رسول الله r وحتى  تقوم الساعة بذات الكيفية الموروثة عن النبي r ، والجهاد ماض إلى يوم القيامة بنص حديث رسول الله r ، وعليه فإن جماعة المسلمين معروفة ، وهديهم بين ، فعقيدتهم وأفعالهم وأخلاقهم وتعاملاتهم موروثة ، ولا لبث في ذلك ، فلا مجال أو فرصة لأحد أن يبدل هذا الدين أو يغير أحكامه أو يشق عصا المسلمين ويخرج عليهم إلا وقد فشل وأضحى مذموما منبوذا .

 

وأهل الحق معروفون بالحق ، فلا غرو أن يتبع المؤمنون سبيل إخوانهم المؤمنين ، وأهل الباطل معروفون بباطلهم ، فمن يريد منهم أن يبطل هذا الدين أو يبدله ويغيره وفقا لهواه فهو الذي يشاق الله ورسوله ، وهو الذي يتبع أهل الباطل ولا يتبع سبيل المؤمين ، فلذلك يتركه الله في ضلاله (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) ، قال مجاهد أي (نتركه وما يعبد) وكذلك هو في اللغة يقال وليته ما تولى إذا تركته في اختياره)[20]، ويتوعده النار (وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (115) .

وقد استدل المفسرون بهذه الآية على أن حجية الإجماع الأصولي ، وأنه لا تجوز مخالفته ، بمعنى أنه إذا اجتمع المسلمون على شيء في عصر من العصور بلا مخالف لهم عد ذلك إجماعا أصوليا لا يجوز مخالفة في زمن بعده ، ولذلك قال رسول الله r (عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمْ الْمُؤْمِنُ)[21]، ولفظ (الجماعة) الوارد بالحديث له دلالة  لا تقتصر على الإجماع الأصولي وحسب ، وإنما تدل على وجوب اتباع السواد الأعظم للمسلمين متى كانوا أهل سنة وجماعة ، وليسوا أهل بدعة وضلالة ، قال رسول الله r (وَسَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِي اخْتِلَافًا شَدِيدًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَالْأُمُورَ الْمُحْدَثَاتِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ)[22]

 

ومن مظاهر اتباع سبيل المؤمنين اجتماعهم على صلاة الجماعة في المسجد ، فهذه المسألة من أظهر المسائل تطبيقا لهذه الآية ، ويتفرع من ذلك وجوب صلاة الجماعة في المسجد ، فإذا صلح اتباع سبيل المسلمين في هذه العبادة تفرع عن ذلك اتباعهم في سائر الأعمال .

 

يقول الإمام ابن تيمية (وَالْمَقْصُودُ هُنَا: في قوله (سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) أَنَّ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ إقَامَةَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْمَسَاجِدِ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ، وَأَجَلِّ الْقُرُبَاتِ، وَمِنْ فَضَّلَ تَرْكَهَا - عَلَيْ إتيانهَا - إيثَارًا لِلْخَلْوَةِ وَالِانْفِرَادِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْجَمَاعَاتِ، أَوْ جَعَلَ الدُّعَاءَ وَالصَّلَاةَ فِي الْمَشَاهِدِ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ ، فَقَدْ انْخَلَعَ مِنْ رِبْقَةِ الدِّينِ، وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ، لقوله (وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) .

 

 وَلَكِنْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي كَوْنِهَا وَاجِبَةً عَلَى الْأَعْيَانِ أَوْ عَلَى الْكِفَايَةِ أَوْ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ :-

القول الأول : أنها سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فَقَطْ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَيُذْكَرُ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ

 القول الثاني : أنها وَاجِبَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَجَّحُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَقَوْلٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ

 القول الثالث : هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ: وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، وَفُقَهَاءِ الْحَدِيثِ، وَغَيْرِهِمْ ، وَهَؤُلَاءِ تَنَازَعُوا فِيمَا إذَا صَلَّى مُنْفَرِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:-

 أَحَدُهُمَا: لَا تَصِحُّ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ قُدَمَاءِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ عَنْهُمْ، وَبَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ كَابْنِ عَقِيلٍ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ

وَالثَّانِي: تَصِحُّ مَعَ إثْمِهِ بِالتَّرْكِ، وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ)[23]

 ثم بسط في تفصيل المسألة تفصيلا كبيرا) [24].

وهكذا يبدو أن أهل السنة والجماعة معروفون بالحفاظ على الصلوات الخمس في المساجد ، وليس معنى ذلك أن كل من كان من أهل السنة والجماعة معصومين من الخطأ ، فالعصمة للأنبياء ولإجماع علماء الأمة ، أما آحاد الأمة وعوام الناس فليسوا بمعصومين .

والحاكم من آحاد الناس وليس بمعصوم ، ولذلك فإنه إذا أخطأ فعلي الرعية أن تنصحه في الله ، ولا تتبعه في المعصية ، فإن طاعته لأجل طاعة الله ، ومن ثم وجبت مخالفته إذا أمر بمعصية -  وقد تقدم بيان هذه المسألة – وعندئذ وفي هذا الفرض يجب اتباع أهل السنة والجماعة  - وهم الذين يرتضي الناس دينهم ، فهم العدول الذين لا ترد شهادتهم ، فإن كانوا كذلك فهم المشار إليه بالسواد الأعظم في حديث، رسول الله r قال (إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ فَإِذَا رَأَيْتُمْ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ)[25] .

وفي كل الأحوال لا يجوز أن يُكفر الإمام بمجرد المعصية ولا يجوز الخروج عليه لذلك ، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله r « مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً » [26]، قال ابن حجر (أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب ، والجهاد معه ، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء ، وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده ، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح ، فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها)[27].

 

 

المطلب الثاني

 اجتماع المشركين بالشياطين

 

بينت الآيات أن حقيقة دعوة المشركين باتخاذ الشياطين أولياء من دون الله ، وأن الشهوة هي وسيلة الشيطان في التسلط على الإنسان ، وفي ذلك صورتان :-

الأولى : عبادة الأصنام : فقد عبدوا الأصنام تقربا منهم لإناث الشياطين كاللات والعزى ومناة ، على اعتبار أن نساء الجن تثرن عاطفة الرجال من الإنس فيستعيذون بهن ويُلِحُّون عليهن حتى يستجبن لهم .

الثانية : التقرب للمرأة بكل وسيلة ولو باطلة ، فالذين اتخذوا من نساء الإنس آلهة لهم يحاولون استرضاءهم بكل الطرق لأجل الإفضاء إليهن بشهواتهم المحرمة ، لا يدركون أنهن جند الشيطان وحيلته ، أي وسيلته للإيقاع بهم حتى تصير العبادة خالصة له بعد ذلك بالتدريج ، ولذلك قيل أن المرأة سهم إبليس الذي لا يخطئ ، وقيل أنها نصف جند إبليس ، يحركهن فيحمل علي الناس بهن الحملات ،  قيل أن الشيطان قال للمرأة (أنت نصف جندي وأنت سهمي الذي أرمي به فلا أخطيء وأنت موضع سري وأنت رسولي في حاجتي)[28] أي أن الشيطان يسهل لهم الفواحش حتى يسهل له التسلط عليهم ، وإنفاذ أوامره عليهم ، بتقديم القرابين لاسترضائه وطلب مساعدته في أن يفتح لهم قلوب النساء الذين يعشقونهن ، كسحر المحبة وغير ذلك من الأعمال الشريرة ، ويأمرهم باتباع شعائر شيطانية كتمزيق آذان بعض الأنعام ليصبح ركوبها وأكلها حراماً ، فتكون خالصة للشيطان ، ويأمرهم بتغيير خلق الله بتغيير شكلها في الحيوان أو الإنسان ، كخصاء الرقيق ، ووشم الجلود ،وعمليات التحويل الجنسي....الخ ، كل ذلك ، ومقصد الشيطان من هذه الطقوس أن تمتلئ قلوب المشركين بأحاسيس دينية مزيفة تتشبع بها حتى لا تستشعر تقصيرها في حق الله ، فيقومون بها ابتغاء الثواب والأجر من الشيطان ، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا .

 

قوله (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ..) (116) دلت الآية الكريمة على أن كل ذنب دون الشرك تحت المشيئة أي إن شاء الله عذب صاحبه بقدر ذنبه وإن شاء عفا عنه من أول وهلة ، إلا الشرك به فإن الله لا يغفره كما هو بين من صريح الآية[29] ، وكذا قوله تعالى (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (المائدة : 72).

 

 أما من كان من أهل التوحيد أي سار من السواد الأعظم للمسلمين في الاعتقاد ، ثم ارتكب غير الشرك ذنبا ، فإن صاحب الذنب لا يُكَفَّرُ بذنبه ولو كان من الكبائر ، فعن أنس عن النبي r قال (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)[30] ، أي: (أن النبي r يشفع لأهل الكبائر من أمته فيخرجون من النار إذا دخلوها)[31]،ولذلك بوب البخاري بابا بعنوان (بَاب الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلَّا بِالشِّرْكِ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ r (إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ) وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)[32] ، وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ النَّارِ بَعْدَ مَا مَسَّهُمْ مِنْهَا سَفْعٌ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَيُسَمِّيهِمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَهَنَّمِيِّينَ)[33].

 

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ) [34]

 وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ)[35].

 

ولعل أهل الاتباع لسبيل المؤمنين يحظون يوم القيامة بشفاعة إخوانهم المؤمنين ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r مَا مُجَادَلَةُ أَحَدِكُمْ فِي الْحَقِّ يَكُونُ لَهُ فِي الدُّنْيَا بِأَشَدَّ مُجَادَلَةً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي إِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ أُدْخِلُوا النَّارَ قَالَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَحُجُّونَ مَعَنَا فَأَدْخَلْتَهُمْ النَّارَ قَالَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَأَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ مِنْهُمْ قَالَ فَيَأْتُونَهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِصُوَرِهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ النَّارُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ إِلَى كَعْبَيْهِ فَيُخْرِجُونَهُمْ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا قَدْ أَخْرَجْنَا مَنْ أَمَرْتَنَا قَالَ وَيَقُولُ أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ دِينَارٍ مِنْ الْإِيمَانِ ثُمَّ قَالَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ نِصْفِ دِينَارٍ حَتَّى يَقُولَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ إِلَى عَظِيمًا )[36] .

 

قوله (..وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (116) قيل نزلت: في طعمة بن أبيرق ، وقيل : في نفر من قريش أسلموا ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين)[37]، قال سعيد بن جبير (لما أطلع الله النبيَّ على أمر ابن أبيرق هرب إلى المشركين فارتد ، فأنزلت ( ومن يشاقق الرسول..الآية )[38].

 

قال القرطبي (والآية وإن نزلت في سارق الدرع أو غيره ، فهي عامة في كل من خالف طريق المسلمين)[39] أي أن من كان على هذه الشاكلة من الإجرام يكون ضلاله أصليا –متبوعا  ، ولذلك جيء بالمفعول المطلق (ضلالا) لتأكيد  فعل الضلال ، ووصفه بالبعيد تأكيد على بعد الشقة بينه وبين الإيمان ، أي بينه وبين الرجوع للحق مسافة كبيرة ، وجهد شاق لتغيير حاله من الشرك إلى التوحيد ، ذلك أنه ظل في المعصية أمدا حتى أضحى محترفا ، وضم لمعصيته الافتراء على الناس بالباطل ، فهذا مصيره ولابد إلى الشرك بالله والردة ، قال ابن عاشور والمعنى أن : (تمكن الضلال منه يدل على أنه ليس فيه بتابع لما يمليه غيره عليه لأن شأن التابع في شيء أن لا يكون مكينا فيه)[40].

 

قوله (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا) (117) بينت الآية حقيقة عبادة الأوثان والأصنام ،فعباد الصنم لا يصرفون عبادتهم لحجارة لا تنفع ولا تضر ،بل يصرفونها للشيطان المتلبس في الصنم ،رغم أنه كذلك لا ينفع ولا يضر ،ولكنه يوهمهم بالنفع والضر ، فعَنْ سُفْيَانَ فِي قَوْلِهِ:  "وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا" قال: "لَيْسَ مِنْ صَنَمٍ إِلا فِيهِ شَيْطَانٌ"[41] ، قال الحسن وابن عباس (وأتى مع كل صنم شيطانه يتراءى للسدنة والكهنة ويكلمهم)[42] أي يتراءى على غير صورته [43]، لقوله (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (الأعراف 27) ، ما يعني أن عبادتهم للأصنام كانت بالنسبة للسحرة والكهان مباشرة للشيطان المتمثل في صورة أثنى على وجه الحقيقة لا المجاز  .

 

 وبالنسبة  لغيرهم فهي عبادة للشيطان بطريق غير مباشر ، أي أنهم اتخذوا الأصنام من الأحجار وغير ذلك ستار لهذه الشياطين ، قال الدكتور عمر الأشقر (كل من عبد غير الله من صنم أو وثن  أو شمس وقمر أو هوى أو إنسان أو مبدأ  فهو عابد للشيطان ، رضي أم أبى ؛ لأن الشيطان هو الآمر بذلك والمرغب فيه ، ولذلك فإن عبّاد الملائكة يعبدون الشيطان في الحقيقة)[44] .

 

فالشيطان يحب الظهور في صورة أثنى للإغراء ، قال البخاري في قوله "إِلَّا إِنَاثًا" (يَعْنِي الْمَوَاتَ حَجَرًا أَوْ مَدَرًا وَمَا أَشْبَهَهُ)[45]، قال الحسن: (كل شيء لا روح فيه كالحجر والخشبة إناث، وقيل معناه أصناما)[46]، قال العلماء في شرح البخاري (والمراد بالموات ضد الحيوان ، ولهذا قال حجرا أو مدرا وما أشبه ذلك على طريق عطف البيان أو البدل ، ويقال المراد منه اللات والعزى ومناة ، وهي أصنامهم وكانوا يقولون هي بنات الله ، تعالى عن ذلك)[47].

 

والشيطان في العادة يتمثل في صورة أنثى لكي يكون محببا للقلب  ، فعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا) قَالَ (مَعَ كُلِّ صَنَمٍ جِنِّيَّةٌ) [48]، ولذلك كانوا يسمون أصنامهم بأسماء البنات أي (اللات ، العزى ، مناة) ، قال ابن عاشور (تسميتها بالأنثى لأن أكبر آلهتهم يعتقدونها أنثى وهي: اللات، والعزى، ومناة)[49]، عن الحسن قال : كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونها يسمونها انثى بني فلان ، فأنزل الله ( إن يدعون من دونه إلا إناثاً)[50] .

 

واختيار الشيطان لصورة الانثى يتمثل بها له عدة أسباب ، في مقدمتها أنها محببة للنفس ، ويميل الرجل إليها ، ويطيعها ، فيكون أسهل في التطويع ابن آدم عما إذا تمثل في صورة رجل ،  ففي الحديث عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ r قال (إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ ، فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ) [51] ، (شبهها بالشيطان في صفة الوسوسة والإضلال)[52] ، فالمرأة تحصل على مرادها من الرجل بكثرة الإلحاح  ، وقال أبو الفرج الجوزي (أي إن الشيطان يزين أمرها ويحث عليها وإنما يقوى ميل الناظر إليها على قدر قوة شبقه)[53].

 

قَالَ الْعُلَمَاء في شرح تشبيه المرأة بالشيطان – منهم النووي - مَعْنَاهُ : (الْإِشَارَة إِلَى الْهَوَى وَالدُّعَاء إِلَى الْفِتْنَة بِهَا لِمَا جَعَلَهُ اللَّه تَعَالَى فِي نُفُوس الرِّجَال مِنْ الْمَيْل إِلَى النِّسَاء , وَالِالْتِذَاذ بِنَظَرِهِنَّ , وَمَا يَتَعَلَّق بِهِنَّ , فَهِيَ شَبِيهَة بِالشَّيْطَانِ فِي دُعَائِهِ إِلَى الشَّرّ بِوَسْوَسَتِهِ وَتَزْيِينه لَهُ ، وَيُسْتَنْبَط مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهَا أَلَّا تَخْرُج بَيْن الرِّجَال إِلَّا لِضَرُورَةٍ , وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ الْغَضّ عَنْ ثِيَابهَا , وَالْإِعْرَاض عَنْهَا مُطْلَقًا) [54]

 

 وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ فَإِذَا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ)[55] يعني رفع البصر اليها ليغويها أو يغوي بها فيوقع أحدهما أو كليهما في الفتنة أو المراد شيطان الانسان سماه به على التشبيه)[56]، من هنا نفهم أن مردة الشياطين كانوا في هيئة إناث حتى يطمئن لها السحرة والكهان في أول الأمر ، قال المفسرون (كان في كل واحد من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم)[57].

 

فالآية بينت مدى تعلق عباد الأصنام بأصنامهم كتعلق الرجل بالأنثى حيث يسعي لإرضائها وطلبها ، فالذي يسعى إلي متاع الدنيا يتمحور سعيه لإرضاء الشيطان ، بل وشيطان مريد ، فنفهم مما تقدم ومن التجربة الحياتية والوقائع المرئية أن المرأة هي منتهى سعي الكافر في الدنيا ، فهو يجمع المال والسلطة والقوة ليرضيها وينال سعادته معها ، فما من عمل يرجوه إلا لإرضائها ، وما كانت أعماله السيئة من قتل وسلب وعدوان إلا لأجلها ، فهو يصرف كل جهده وعمله لأجل الحصول عليها ، قال رسول الله r (مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ)[58] ، فالرجل يكتنز الأموال ويتنازع مع الناس ويشتجر معهم ليأخذ المال منهم ثم يصرفها على المرأة ، من هنا كانت المرأة محور اهتمامه .

 

فعلى سبيل المثال تجد رجال الأعمال مشغولون طوال الأسبوع في أعمالهم ، ويأخذ في نهاية الأسبوع استراحة من العمل ليقضي وقته في أحد الفنادق مع خليلته يستمتع بها ، ففي دراسة علمية أن العلاقة الجنسية تساهم في إفراز هرمونات السعادة مثل السيروتونين والدوبامين والأوكسيتوسين والإندورفين، مما يعزز الشعور بالاسترخاء والمتعة ويقلل الألم، ويمكن أن يؤدي انخفاض هذه الهرمونات إلى الشعور بالسعادة أقل، وفي المقابل، هناك هرمونات أخرى مثل التستوستيرون التي يمكن أن تنخفض مع غياب العلاقة الجنسية وتؤثر على الرغبة الجنسية[59]  .

وهكذا نجد أن دافع الرجل لتعلم السحر وإرضاء الشياطين هو طلب الشهوة المحرمة ، بينما دافع المرأة لتعلم السحر والشرك بالله الحسد والحقد والغيرة والانتقام ، فقد أوضحت الآية أن الإناث شيطان مريد جمع بين غلواء الشهوة وشرور النفس .

 

 بينما المسلم بخلاف هؤلاء المشركين ، فالمسلم يقتصد في طلب الدنيا كما أمره الله  ، (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه/131) ، فلا ينظر إلى متاع غيره ، فهو وإن كان يعلم أن خير متاع الدنيا المرأة الصالحة ، فغايته وسعيه طلب الآخرة ، وفي ذات الوقت يدرك أن له نصيب من الدنيا ينبغي ألا ينساه (وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)(القصص77) ، إلا أنه يعلم أن سعيه لربه وجهاده في سبيله خير من ذلك كله (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (آل عمران 15) ، فالمسلم يعلم أن إلى ربه المنتهى ، وأن منتهى سعيه لابد وأن يكون مرضاة ربه ، وما تمتعه بنصيبه من الدنيا إلا بالقدر الذي يعينه على طاعة مولاه ، وإلا انقلب هذا المتاع إلى شيء يصده عن الجهاد في سبيل الله .

 

وفي قوله (لَعَنَهُ اللَّهُ) أي أن الشيطان ملعون ، وكذلك من عبده ملعون ، ذلك أن من يتعلم السحر ويشرك بالله ، يشاقق الله ويتبع غير سبيل الله ، فهو من جهة تعظيم غير الله تعظيم نفسه ، ينازع الله تعالى في صفة الكبرياء والعظمة فاستحق اللعن من هذا الوجه ، يقول النبي r (يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي مَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ)[60].

 

قال ابن القيم (فالذنوب على أربعة أقسام ، ملكية ، وشيطانية ، وسبعية ، وبهائمية :-

أولا : الذنوب الملكية : (كالعظمة والكبرياء والجبروت والقهر والعلو والظلم واستعباد الخلق ونحو ذلك ويدخل فى هذا الشرك بالرب تعالى وهو نوعان :-

  • شرك به فى أسمائه وصفاته وجعل آلهة أخرى معه
  • وشرك به فى معاملته ، وهذا الثاني قد لا يوجب دخول النار وإن أحبط العمل الذي أشرك فيه مع الله غيره

 وهذا القسم أعظم أنواع الذنوب ويدخل فيه القول على الله بلا علم فى خلقه وأمره ، فمن كان من أهل هذه الذنوب فقد نازع الله سبحانه ربوبيته وملكيه وجعل له ندا وهذا أعظم الذنوب عند الله ولا ينفع معه عمل) [61].

 

وأصحاب هذه الطائفة من الذنوب ملعونون ، كفرعون ادعى الألوهية فأتبع بلعنة ، ولذلك قال الله في شأن فرعون الذي ادعى الألوهية (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ) (القصص42) .

 

ثانيا : الذنوب الشيطانية : (مثل الحسد والغش والخداع) وصاحب هذه الطائفة من الذنوب ملعون ، لقوله لإبليس (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) (الحجر 35)

ثالثا : الذنوب السبعية : (مثل الغضب والعدوان وسفك الدماء) وصاحب هذه الطائفة من الذنوب ملعون لقوله (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (93) .

 

رابعا : الذنوب البهيمية : (مثل الشَّرَه والشهوة، كأكل الحرام والزنا والسرقة) وصاحب هذه الطائفة من الذنوب غاو وضال وقد يفسق ، وينتفي عنه الإيمان حال تلبسه بشيء من ذلك .

 

قوله (وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) (118) أي نصيبا مقدرا ، قال تعالى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) (الأعراف/179) ، وقال رسول الله r (إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَخَلَقَهَا لَهُمْ وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ وَخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَخَلَقَهَا لَهُمْ وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ)[62]، أي (خَلَقَ الجنة وخَلَقَ لها أهلاً وعَلِمَ ما هم عاملون، خَلَقَ النار و خَلَقَ لها أهلاً وعَلِمَ ما هم عاملون)[63].

 

فمصير كل إنسان إلى الجنة أو النار كان معلومًا عند الله من قبل خلقه ، فالآية تشير إلى أن إبليس سعى لأخذ نصيبٍ مفروضٍ من بني آدم بالوسوسة والغواية ، بينما يوضح الحديث أن هؤلاء الذين اتخذهم إبليس كانوا في علم الله سابقًا أهلًا للنار.

 

قال ابن القيم : (حقيقة الفرض هو التقدير) ، والمعنى  (أن من اتبع الشيطان وأطاعه فهو من نصيبه المفروض وحظه المقسوم ، فكل من أطاع عدو الله فهو من مفروضه ، فالناس قسمان : "نصيب الشيطان ومفروضه" ، "وأولياء الله وحزبه وخاصته")[64] .

 

قال ابن عاشور (فكل حظ كان للشيطان في تصرفات البشر من أعمالهم المعنوية: كالعقائد والتفكيرات الشريرة، ومن أعمالهم المحسوسة: كالفساد في الأرض، والإعلان بخدمة الشيطان: كعبادة الإصنام، والتقريب لها، وإعطاء أموالهم لضلالهم، كل ذلك من النصيب المفروض)[65] .

 

 وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَا آدَمُ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ فَيَقُولُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ قَالَ وَمَا بَعْثُ النَّارِ قَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ (وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ ، قَالَ أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا فَقَالَ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا فَقَالَ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا فَقَالَ مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ)[66]، فهذا هو النصيب المفروض في الآخرة .

 

أما نصيب الشيطان في الدنيا من ابن آدم ، فذلك أن الشيطان يريد أن يشارك ابن آدم في معاشه ورزقه ، والمسلم قادر على أن يمنعه أو يُمَكِّنه من ذلك بحسب ذكره لله أو تركه للذكر ، فإذا أطاعه ولم يذكر الله ولم يستعن به على عدوه كان بمثابة غنيمة للشيطان ، يقول سبحانه (وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا) (الإسراء/64) ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ r يَقُولُ (إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ ، فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ)[67].

 

 إذن ذكر الله هو تحصين للإنسان من الشيطان الرجيم ، ولابد للمسلم أن يحصن نفسه من الشيطان الرجيم ، يقول النبي r (مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَانَ لَهُ عَدْلَ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَعِيلَ وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ وَكَانَ فِي حِرْزٍ مِنْ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِذَا أَمْسَى فَمِثْلُ ذَلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ)[68].

 

وقد أمر النبي r ببعض الإجراءات الاحترازية من الشياطين ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ فَحُلُّوهُمْ فَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا ، وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ)[69].

   

 

قوله (وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا) : (يعني لو لم تجدوا شيئا لتغطية الإناء فيكفي أن تضعوا شيئا يحل محل الغطاء ولو خيطا ما لم يكن هناك خير منه) ، قال العلماء (فلا أقل من وضع عود على عرض الإناء)[70]

 

فإذا تحصن المسلم وحصن بيته وطعامه وشرابه وأولاده وأهله هنا لا يبقى للشيطان نصيب منه ، فعن ابن مسعود قال: (إن شيطان المؤمن يلقى شيطان الكافر ، فيرى شيطان المؤمن شاحبا أغبر مهزولا ، فيقول شيطان الكافر : مالك ويحك قد هلكت ؟ فيقول شيطان المؤمن : لا والله ما أصل معه إلى شيء إذا طعم ذكر اسم الله وإذا شرب ذكر اسم الله وإذا دخل بيته ذكر اسم الله ، فيقول الآخر : لكني آكل من طعامه واشرب من شرابه وأنام على فراشه ، فهذا ساح ، وهذا مهزول)[71].

 

قوله تعالى (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ..) (119) ارتبط إضلال الشيطان بأماني الكافرين ، فهو يضلهم بأمانيهم ، يتمنون المال والسلطة والشهوة ، والشيطان بأن يغرهم بتعظيم أمانيهم هذا من جهة فلا تتحقق أمنية إلا تمنوا غيرها إلى غير منتهى ، قال القرطبي أي ( وهذا لا ينحصر إلى واحد من الأمنية، لأن كل واحد في نفسه إنما يمنيه بقدر رغبته وقرائن حاله)[72] ، ومن جهة أخرى يعدهم بأن يجلب لهم ما يتمنون شريطة إطاعته وتنفيذ أوامره ، وهكذا يعقدون مع الشيطان اتفاقات ، فيضلهم بما يتمنون لأنفسهم ، قال أبو السعود (الأمانيَّ الباطلةَ ،كطول الحياةِ وألاّ بعْثَ ولا عقابَ ونحوَ ذلك)[73].

 

وبمفهوم المخالفة فإن الذي يقطع عن نفسه الأماني يبعد عن مكائد الشيطان ومصايده ، فكلما قلت الأماني كلما أفلت العبد من مصائد الشيطان ، وبالعكس كلما زادت أمانيه وقع في مصيدته ، يقول النبي r (مالي وللدنيا ، وما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) [74]، فالنبي r لم يكن يشغله من الدنيا أن ينام على فراش أو حصير ، وكان في مكنته أن يأمر فيؤتى بالفراش لينام عليه ، ولكنه لم يكن مشغولا بذلك ، وإن كان في الإمكان فعل ذلك ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (اضْطَجَعَ النَّبِيُّ r عَلَى حَصِيرٍ ، فَأَثَّرَ فِي جِلْدِهِ ، فَقُلْتُ بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ كُنْتَ آذَنْتَنَا فَفَرَشْنَا لَكَ عَلَيْهِ شَيْئًا يَقِيكَ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِنَّمَا أَنَا وَالدُّنْيَا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا)[75].

 

فقوله (وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ) بيان لحياة أهل الشرك والكفر ، بأنهم يتبعون الشيطان في إضلاله لهم وما يمنيهم به ، كما أنهم يتبعون أوامره المباشرة والتي تحضهم علي التقرب إليه بأعمال الشرك والكفر والذبح لأجله ، فالعلاقة بين الكافر والشيطان صارت إلى عبادة محضة ، حيث يأمرهم بتخصيص شيء من ذباحئهم كهدي وشعائر تعبدية لهؤلاء المردة من الشياطين ، قال أبو عبيدة يقال "بتكه" "قطعه" ، وعن قتادة (كانوا يبتكون آذانها لطواغيتهم)[76]، (وهو إشارة إلى ما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم بالتقريب للأصنام من السائبة وما معها)[77] ، فالله خلق هذه البهائم سليمة ، ولكنهم يجدعونها إرضاء لشياطينهم ، يقول النبي r (تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [78].

 

والقصد من تقطيع أذان الأنعام تخصيصها للشياطين ، فيغيرون وظيفتها من كونها مسخرة لنا للاستفادة منها في المأكل والمشرب والملبس ، كما في قوله  (وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (الأنعام/142) ، وقوله (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ) (النحل/66) فيبطلون تلك الوظيفة ، ويجعلونها محرمة علي الناس لأجل طواغيت الجن ، وليس لأجل هذا خُلقت ، فهو القائل في كتابه العزيز (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً)(البقرة/29)

 

قوله (وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) عن ابن عباس أي (دين الله)[79] ، أي فطرة الله التي فطر الناس عليها ، حيث نندهش ويصيبنا الهول عندما نرى أولياء الشيطان يقومون بإجراء عمليات جراحية لأنفسهم فيقلب الرجل نفسه لامرأة ، والمرأة تقلب نفسها لرجل ، فلا يكونا ذكرا ولا أنثى ، وهذا بمثابة اعتراض صريح على قدر الله وقد خلقه كيفية معينة ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ r الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ)[80] ، ثم يصير الأمر وبالا عليهما ، لأن طريقة عمل مخ الرجل تختلف كليا عن طريقة عمل المرأة .

 

وقد أصدر مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي قرارا بشأن موضوع بيان حكم تغيير الجنس في الإسلام ، وقرر ما يلي-:أنه يحرم شرعًا تغيير الجنس، لأنه تغيير لخلق الله) [81] ، ومستندهم أنه داخل في قوله تعالى: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) (النساء: 119)، وعن أنس قال: "لعن رسول الله r المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء" وقالr (أخرجوهم من بيوتكم). [82]

 

قوله (وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا) قال الشيخ أبو بكر الجزائري (من والى الشيطان عادى الرحمن ومن عادى الرحمن خسر والله أعظم الخسران)[83] ، وليس هناك خسران أبين ممن خسر الدنيا والآخرة لأجل أوهام وتصورات وخيالات شيطانية ، فهؤلاء الشياطين مهما تقرب إليهم السحرة والكهان لإرضائهم فإنهم لن ينالوا رضاهم ، ذلك أن طمع الشيطان لا منتهى له ، يقول سبحانه (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) (الجن/6) .

 

فالذين يتخذون الشياطين أولياء لهم لا يرضى الشيطان عنهم مهما عملوا حتى يأتوا بالكفر البواح أي الصريح الذى لايقبل تأويلاً ،أي كفر يؤيده العمل بكبائر الذنوب ، ولذلك ولكي يقبل ولايتهم له يأمرهم بالتشكيك في صحة كتاب الله ويأمرهم برد الأحاديث الثابتة عن النبى r ، وسب الصحابة رضوان الله عليهم ، ولذلك يقول العلماء (تكفير الصحابة الكرام هدم للإسلام كله وإبطال لشريعته لأن الصحابة هم الذين نقلوا لنا كتاب ربنا وسنة نبينا)[84].

قوله (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا)*(أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا)(120-121) بيان لأمضى أسلحة الشيطان ، حيث يغر الإنسان بالأماني ، ويزيده طمعا في الدنيا ، فيتبعه لأجل ذلك ، وهكذا نجد أن المشركين والكافرين يناجون الشياطين ، لكنهم يجدون في نهاية الطريق جهنم والعياذ بالله ، ولن تنفع الكافر شفاعة الشافعين ، ولن يجد له منقذا لأنه اتبع غير سبيل المؤمنين

 

 وفتنة الشيطان مثل فتنة الدجال ، فهو يغر الإنسان ، فيفتنه بالشهوات فإذا به يجد النار فيها ، ويحذره من مشقة الطاعة التي هي في الحقيقة جنة المؤمن في الدنيا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى جُفَالُ الشَّعَرِ مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ) [85] ، فقوله (فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ) أي (من أدخله ناره لتكذيبه إياه تكون تلك النار سبباً لدخوله الجنة ، ومن أدخله جنته لتصديقه إياه تكون تلك الجنة سبباً لدخوله النار في الآخرة) [86]

 

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (يَنْزِلُ الدَّجَّالُ فِي هَذِهِ السَّبَخَةِ بِمَرِّقَنَاةَ فَيَكُونُ أَكْثَرَ مَنْ يَخْرُجُ إِلَيْهِ النِّسَاءُ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْجِعُ إِلَى حَمِيمِهِ وَإِلَى أُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ وَعَمَّتِهِ فَيُوثِقُهَا رِبَاطًا مَخَافَةَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ)[87]، وذلك لشدة فتنته وإغوائه.

 

 

المطلب الثالث

دلالة اجتماع الأنبياء على دين الإسلام ملة إبراهيم حنيفا

 

قال تعالى (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126) وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا) (127)

 

ثار تنازع بين أهل الملل بأحقيتهم في شرف الانتساب لنبي الله إبراهيم كما في قوله (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (68)

 

فعالج القرآن الكريم هذه القضية في هذا المقطع من السورة بطريقة عملية ، حيث التفتت الآيات –ابتداء- لتمدح أهل الإيمان ، وتعدهم بالجنة خالدين فيها أبدا ، ثم تكرر الالتفات مرة أخرى لتخاطب المشركين وأهل الكتاب الذين غرتهم الشياطين وتمنوا على الله ، بل وظنون أنهم أبناء الله وأحباءه ، فتؤكد لهم أن الإنتماء للإسلام ليس بالتمني ، فالخيرية ليست بشرف الانتساب ، بل لابد من اتباع سبيل المؤمنين ، ودليل هذا الاتباع - بعد تصحيح عقيدة الولاء لله - عمل الصالحات .

 

وأكدت على أن سبيل  المؤمنين واضح في تاريخ الدعوة الإسلامية ، فأشارت إلى أبو الأنبياء جميعا  إبراهيم عليه السلام -الذي هو من شيعة نبي الله نوح عليهما السلام وبعده أهلك الله قوم عاد وثمود ، فلم يبق غير نبي الله إبراهيم الذي جاء من نسله الأنبياء جميعا - فأتباع ملة إبراهيم حنيفا هم هم الذين يتبعون نبي الله محمد r ، فالإشارة إلى نبي الله إبراهيم ، تدل على وحدة الدين بعد الطوفان في عهد نوح حتى النبي محمد r الذي هو من نسل نبي الله إبراهيم ، فالقصد هو أن سبيل المؤمنين هو التزام عبادة لله وحده على الطريقة الإبراهيمية والتي تتمثل في إحسان العمل ، ولذلك كان إبراهيم أمة ، كما نلتمس من سيرته كمال الاستسلام لأوامر الله وإخلاص النية له سبحانه ، وتلك أمور  جاءت بها الشريعة المحمدية .

 

ولم يتحدث هذا المقطع عن رسالة محمد r ، لأن السياق يتحدث عن ردة المنافقين ما يعني فساد عقيدتهم ، فعقيدتهم تخالف فطرة التوحيد التي فطر الله الناس والأنبياء جميعا عليها ، فكان لابد لإصلاح هذه العقيدة الفاسدة ، من تأصيل عقيدة الإسلام ببيان أصلها وبيان أن سبيل المسلمين واحد ، فأصل الإسلام  -بعد اندثار قوم نوح وعاد وثمود- ملة إبراهيم حنيفا.

 

وقد كشف الله عن عمل صالح هو معيار تمييز أهل الحق في ضوء ادعاء أهل الكتاب بأنهم أولى الناس باتباع ملة إبراهيم حنيفا  ، وقد تباهوا بذلك رغم أن عقيدتهم قد انحرفت نتيجة تحريف كتبهم ، هذا العمل هو رعاية اليتامى لاسيما يتامى النساء ، فمن أوفى لهن حقهن بالعدل والقسط والمعروف ، دل ذلك على أنه يسير على الصراط المستقيم ، فهذا مجال للخير لا اختلاف عليه ، فليتشارك أهل المبادرة في الخير إلى هذا العمل الخيري ، ولا تكن الاختلافات العقائدية سببا للتقاعس عنه ، فكما أن في المسلمين يتامى يحتاجون لرعاية المسلمين ، فكذلك في اليهود والنصارى يتامى يحتاجون لرعاية اليهود والنصارى والمسلمين ، فرعاية اليتامى قضية إنسانية يسارع لها المسلمون وغيرهم من أهل الوفاء يستنهضون همم للإيفاء بحقوقهم ، فإذا ما تشارك أهل الملل في هذا العمل فإنه حينئذ سوف يعلمون من هم أتباع نبي الله إبراهيم حقا ، وهو الذي جاء لأضيافه بعجل سمين ، ومن هم الذين يتباهون بشرف الإنتساب وأعمالهم لم ترق لهذه المرتبة ، لاسيما وأن المنافقين في كل ملة يفسدون الأعمال الخيرية بأغراضهم الدنيئة والخبيثة ، فالمشاركة والمسارعة في مثل هذه الأعمال التي تدل على الخير ولا اختلاف على ذلك عند أهل الملل هي المحك العملي لبيان الصادق في دعواه من الكاذب ، فخير الأعمال أدومها وإن قل ، يقول النبي r (اللَّهُمَّ إنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَينِ : اليَتِيم وَالمَرْأةِ)[88].

 

قوله (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا)(122) بين الحق تبارك وتعالى طريق الذين اتبعوا سبيل المؤمنين خلافا للذين اتخذوا الشياطين أولياء ، فالله يعد عباده المؤمنين بجنات في الآخرة ، ولا يعدهم بشيء من الدنيا ، وهي لا تساوي عنده جناح بعوضة ، فرزقه في الدنيا محض اختبار ، بينما نعيمه في الآخرة هو الجزاء ، فإذا كانت الدنيا غاية المشرك وقد مناه الشيطان بها ، فإن الآخرة هي غاية المؤمن والله هو الذي مناه بها ، ومن أصدق من الله قيلا ، فليقين المؤمن بربه فإنه يعمل في الدنيا لأجل الآخرة ، وهو مطمئن بوعده.

 

والمسلمون بحاجة ماسة للتربية على شعور الثواب والجزاء المدخر لهم في الآخرة ، فذلك أدعى لهم للاجتهاد في العمل وإخلاص النية لله ، كما في قوله r (خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ) [89].

 وقوله r (تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ)[90].

 وقوله r (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُنَبِّئُ النَّاسَ بِذَلِكَ قَالَ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ كُلُّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ) [91].

 

وفي قوله (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (123) نفي لأن تكون النجاة – في الآخرة -  قائمة على شرف الانتساب دون أن يكون العمل برهان على الإيمان ،

فعَنِ السُّدِّيِّ: "لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ " ، قال:"الْتَقَى نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَقَالَتِ الْيَهُودُ لِلْمُسْلِمِينَ: نَحْنُ خَيْرٌ مِنْكُمْ ، دِينُنَا قَبْلَ دِينِكُمْ، وَكِتَابُنَا قَبْلَ كِتَابِكُمْ، وَنَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، وَنَحْنُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ ، وَلَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ يَهُودِيًّا، وَقَالَتِ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: كِتَابُنَا بَعْدَ كِتَابِكُمْ، وَنَبِيُّنَا بَعْدَ نَبِيِّكُمْ، وَدِينُنَا بَعْدَ دِينِكُمْ، وَقَدْ أُمِرْتُمْ أَنْ تَتَّبِعُونَا وَتَتْرُكُوا أَمْرَكُمْ، فَنَحْنُ خَيْرٌ مِنْكُمْ، نَحْنُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ، وَلَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ عَلَى دِينِنَا، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ، فَقَالَ:  " لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ " [92] .

 

والقاعدة في هذا الخلاف أن (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) ، فالله تعالى بعدما مدح نبيه إبراهيم ، واستجاب دعاه وهبه غلاما عليما وبشره باسحاق ، أبان له أن من ذريتهما محسن وظالم ،فقال سبحانه (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ *وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ) (الصافات112-113) .

 

قال ابن كثير :والمعنى في هذه الآية : (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) (أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني ، وليس كُلّ من ادعى شيئًا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: "إنه هو المُحق" سُمِع قوله بمجرد ذلك ، حتى يكون له من الله برهان  أي: ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله، واتباع ما شرعه على ألسنة رسله الكرام)[93] .

 

وتخصيص أهل الكتاب بالذكر أنهم أكثروا من التباهي والتفاخر بالانتساب إلى نبي الله إبراهيم ، حتى صدر منهم الأقوال الدالة على ذلك التفاخر والمبالغة في ذلك حتى قالوا (وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)(البقرة/111) ، وقولهم (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً) [البقرة:80] ، حتى أنهم تجرءوا على الله فقالوا (نحن أبناء الله وأحباؤه) ، فجاء النفي لكلا الفريقين ، سواء الذين اتبعوا موسى عليه السلام قبل بعثة عيسى أو الذين اتبعوا موسى وعيسى عليهما السلام قبل بعثة محمد أو الذين دخلوا في الإسلام بعد بعثة النبي محمد r إلا بعد أن يقرنوا العمل بالإيمان ، فالإيمان هو قول باللسان يصدقه العمل .

 

فقوله (..مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ..) (123) أي أن الأعمال تصدق الأقوال وتكذبها ، وعلى قدر الأعمال تصدق الأقوال  .

ورغم أن سياق الآية خاص بالمشركين وأهل الكتاب إلا أنها من العموم بما يطول المؤمنين كذلك ، وهذا ما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم ، حيث فهموا أنه وبالرغم من أن التوبة تغفر الذنب في الآخرة إلا أن للذنب عواقب في الدنيا  فشق عليهم ذلك ،  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) بَلَغَتْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغًا شَدِيدًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا أَوْ الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا)[94]

وعن عائشة أن رجلا تلا هذه الآية: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) فقال: إنا لنجزى بكل ما علمنا هلكنا إذا ، فبلغ ذلك رسول الله r فقال: "نعم يجزى به في الدنيا من مصيبة في جسده مما يؤذيه" [95] .

 

بهذا المفهوم – وكما قال القرطبي (دخل في معنى الآية البر والفاجر والعدو والولي والمؤمن والكافر) [96]؛ فعن أبي بكر الصديق أنه قال: يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) [النساء:123] وكل شيء عملنا جزينا به؟ فقال: "غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض ألست تحزن ألست تصيبك اللأواء" قال: قلت: بلى, قال: "هو ما تجزون به"[97] .

 

ولذلك بوب البخاري بابا بعنوان (باب مَا جَاءَ فِي كَفَّارَةِ الْمَرَضِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ r قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا)[98] ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ)[99] .

 

 لكن حال المسلم عند البلاء الصبر ، والرضا بقضاء الله ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَالْخَامَةِ[100] مِنْ الزَّرْعِ تُفَيِّئُهَا الرِّيحُ مَرَّةً وَتَعْدِلُهَا مَرَّةً ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَالْأَرْزَةِ [101]لَا تَزَالُ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً) [102] ، (معناه أن المسلم يجزى بمصائب الدنيا فتكون له كفارة ، قال المهلب :يعنى من حيث جاء أمر الله انطاع له المؤمن ولان ورضيه ، وإن جاءه مكروه رجا فيه الخير والأجر ، فإذا سكن البلاء عنه اعتدل قائما بالشكر له على البلاء والاختبار وعلى المعافاة من الأمر والاجتياز ومنتظرًا لاختيار الله له ماشاء مما حكم له بخيره فى دنياه وكريم مجازاته فى أخراه

والكافر كالأرزة صماء معتدلة لا يتفقده الله باختبار بل يعافيه فى دنياه وييسر عليه فى أموره ليعسر عليه فى معاده ، حتى إذا أراد الله إهلاكه قصمه قصم الأرزة الصماء فيكون موته أشد عذابًا عليه وأكثر ألما فى خروج نفسه من ألم النفس الملينة بالبلاء المأجور عليه)[103].

قوله (..وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (123) وهكذا يمتحن الله الناس بالبلايا لتصح عقيدتهم في الله ، فلا يلجئون إلا له ، ولا يستعينون إلا به ، ولا يتخذون وليا من دونه ، قال الخازن (هذه الآية خاصة في حق الكفار) [104]، لـأن ظاهر السياق يتحدث عن حال الكفار ، من أهل الكتاب والمشركين ، فلن يجدوا لهم أولياء ، ولا نصير لدعوتهم .

 

ويجوز أن يدخل في المعنى أهل المعصية من الموحدين إذا ارتكنوا لشيء من أسباب الدنيا ، فيجازيهم الله على تلك المعصية بشيء من البلايا ، فلا يجد وليا ولا نصيرا غير الله ، هنا تكون البلية سببا لإصلاح ما فسد من اعتقاده ، ولذلك قال الجلالان (إمَّا فِي الْآخِرَة أَوْ فِي الدُّنْيَا بِالْبَلَاءِ وَالْمِحَن) [105] ، أي بالنسبة للكافر يجد الخزلان في الآخرة ، وبالنسبة للمؤمن فإنه لن يصرف عنه البلاء في الدنيا إلا الله ، كما في قوله (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (الشعراء 80)

 

وفي قوله تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (124) تأكيد للمعنى المذكور في الآية السابقة وتكملة له ، ببيان أن العبرة إنما تكون بالعمل المقرون بالإيمان بالله ، فعَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلَهُ " وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ " قال : (فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ الإِيمَانَ إِلا بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ) [106].

 

وفي مقدمة الأعمال الصالحة التوبة ، قال ابْنِ عَبَّاسٍ تعقيبا على قوله ( ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً) ، "إِلا أَنْ يَتُوبَ قَبْلَ مَوْتِهِ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ"[107].

 

 وقوله (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) إشارة إلى دور المرأة المجتمعي ، وأن باب مشاركتها في العمل العام مفتوح لإثبات حسن العمل وصدق الإيمان ، وبوجه عام يجب مشاركة المرأة في عمل الخير كما كانت السيدة عائشة تفعل وغيرها من نساء الصحابة ، قال ابن عاشور (قصد التعميم والرد على من يحرم المرأة حظوظا كثيرة من الخير)[108]، فعَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ كَتَبَ نَجْدَةُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ  يَسْأَلُهُ عَنْ كَذَا وَكَذَا وَذَكَرَ أَشْيَاءَ وَ عَنْ النِّسَاءِ هَلْ كُنَّ يَخْرُجْنَ مَعَ النَّبِيِّ r فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (وَأَمَّا النِّسَاءُ فَقَدْ كُنَّ يُدَاوِينَ الْجَرْحَى وَيَسْقِينَ الْمَاءَ)[109] ، وفي ذلك إشارة إلى أن نصيبها في الأجر غير منقوص لكونها امرأة ، وإنما يكون الأجر بقدر الإحسان في العمل بصرف النظر عن النوع ذكرا كان أم أنثى .

 

 وقد حث الإسلام على حضور المرأة في المناسبات السنوية والأعياد لما في ذلك من مشاركة في نشر شعائر الله بين الناس ، فعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ r أَنْ نُخْرِجَ ذَوَاتِ الْخُدُورِ يَوْمَ الْعِيدِ قِيلَ فَالْحُيَّضُ قَالَ لِيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِإِحْدَاهُنَّ ثَوْبٌ كَيْفَ تَصْنَعُ قَالَ تُلْبِسُهَا صَاحِبَتُهَا طَائِفَةً مِنْ ثَوْبِهَا) [110]، قال النووي (فيه استحباب حضور مجامع الخير ودعاء المسلمين وحلق الذكر والعلم)[111]، قال ابن حجر (رجاء بركة ذلك اليوم وطهرته) [112]، وفي ذلك تكثير لسواد المسلمين[113] ، (الغرض من إخراج النسوة مع الرجال في ذلك اليوم إظهار كثرة عدد المسلمين)[114].

 

ليس معنى أن المرأة تشارك الرجل في أعمال الخير والصالحات أن تنسى أو تتناسى واجباتها الأساسية  والأولية ، لاسيما وإن فقدت العائل لأسرتها فتسعي لكفايتهم بشق الأنفس ، ويحضرني في هذا الصدد ما روي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ فَدَخَلَ النَّبِيُّ r  عَلَيْنَا فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ (مَنْ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ)[115] ، فهذه المرأة لم تملك شيئا من الدنيا غير  أن ترعى هاتين البنتين ، فلما امتلكت تمرة واحدة لم تبخل بها عليهما ، فأعطتها لهما بكل تسليم ورضا بقضاء الله وقدره ، ولم تعط نفسها شيئا ، أي تصدقت بكل ما تملك ، وفصدقت بما تُصُدِق به عليها ، فجزاها الله لقاء ذلك الستر من النار ، قال رسول الله (لا تحقرن من المعروف شيئا ، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي)[116].

 

وقوله (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) احتراز من سوء الفهم أن يقبل عمل صالح ممن لم يؤمن بالله تعالى ، قال تعالى (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (المائدة/5) ، وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ قَالَ لَا يَنْفَعُهُ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)[117] ، وإنما ينتفع الكافر بالعمل الصالح الذي يعمله في الدنيا لا في الآخرة لقوله r (إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنْ الدُّنْيَا ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَإِنَّ اللَّهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ)[118].

 

أما المنافقون فلابد وأن يعملوا ويصلحوا ما أفسدوه كما في قوله (وقل اعملوا فيسرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) وذلك حتى تعود جدارتهم والثقة فيهم .

 

وفي قوله (فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) أي تخصيص هذا الفضل العظيم لمن استوفى الإيمان المقترن بالعمل الصالح ، ولعل الإشارة إلى نفي الظلم في هذا السياق لتبكيت الذين يفوتهم هذا الفضل .

 

 فعن النبي r قال (تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ مِنْ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْصَابِ إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ بَرٌّ أَوْ فَاجِرٌ وَغُبَّرَاتُ أَهْلِ الْكِتَابِ فَيُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ لَهُمْ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ فَمَاذَا تَبْغُونَ فَقَالُوا عَطِشْنَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا فَيُشَارُ أَلَا تَرِدُونَ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى فَيُقَالُ لَهُمْ مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ لَهُمْ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ فَيُقَالُ لَهُمْ مَاذَا تَبْغُونَ فَكَذَلِكَ مِثْلَ الْأَوَّلِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنْ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا فَيُقَالُ مَاذَا تَنْتَظِرُونَ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ قَالُوا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَفْقَرِ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ رَبَّنَا الَّذِي كُنَّا نَعْبُدُ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا)[119].

 

لكن هناك مسألة الذين عملوا الصالحات ولم تبلغهم دعوة الإسلام ، أو بلغتهم غير صحيحة  فهؤلاء يختبرهم الله تعالى يوم القيامة ، فيمتحنون حتى يتحقق فيهم شرط الإيمان الذي هو مناط قبول العمل الصالح ، فإن تجاوزوا الامتحان عذرهم الله تعالى ، وقبل عملهم الصالح وإن لم يدخلوا في الإسلام في الدنيا ، يقول رسول الله r "أربعة يحتجون يوم القيامة رجل أصم ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في الفترة

فأما الأصم فيقول: يا رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا

وأما الأحمق فيقول: رب قد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر

وأما الهرم, فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل

 وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول

 فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم رسولا أن ادخلوا النار

قال: فوالذي نفسي بيده لو دخلوها كانت عليهم بردا وسلاما"[120].

 

قوله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا)(126) إشارة إلى خير الأعمال عند الله تعالى ، وأحسن الدين عنده سبحانه ، بالاستسلام التام لأمر الله ، وإحسان العمل ، فعَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ " وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ الإِسْلامَ إِلا بِالإِحْسَانِ"[121] .

 

ولذلك كان حتما أن يُذكر نبي الله إبراهيم عليه السلام ، ليُتأسى به ، فقد وصل خيره للناس ولم ينقطع إلى يوم القيامة ، قال رسول الله r (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ )[122]  ، فكان خير مثال يحتذى به في الإيمان والتوكل على الله والعمل المجتمعي وإيصال الخير للناس كل ذلك مع إخلاص النية لله تعالى ، قال سبحانه (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (النحل/120)  .

 

وقد أكثر أهل الكتاب الجدل في الانتساب لدين إبراهيم عليه السلام ، وهم ليسوا أهلا للانتساب لكتبهم ولا لأنبيائهم بعد أن استحروا القتل فيهم وحرفوا الكلم عن مواضعه قال تعالى (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ)(آل عمران /68)

 

قوله (..أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ..) (125) أي (انقاد بكليته لله)[123] ، أي (لا أحد أحسن دينًا ممن انقاد بكليته إلى مولاه)[124]، وذلك (بإطاعته وإذعانه وانقياده لله تعالى بامتثال أمره ، واجتناب نهيه في حال كونه محسنا)[125]، والمعنى (أسلم وجهه في الباطن ، وهو محسن بالعمل في الظاهر)[126]،وفي ذلك احتراز من النفاق ، يعني أن يطابق مظهره مخبره .

 

قال الرازي (معناه أنه أسلم نفسه لله وما أسلم لغير الله) ، (وهذا تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلا عند تفويض جميع الأمور إلى الخالق وإظهار التبري من الحول والقوة)[127]، وهو الأمر الذي ينعكس على السلوك فيحسن العمل .

 

قوله (..وَهُوَ مُحْسِنٌ..) (125) حال قصد منها اتصاف من إسلام وجهه لله بالإحسان ، قال القرطبي (معناه أخلص دينه لله وخضع له وتوجه إليه بالعبادة)[128] ، قال ابن عاشور أي (خلع الشرك قاصدا الإحسان، أي راغبا في الإسلام لما رأى فيه من الدعوة إلى الإحسان) [129]، ذلك أن الذي يتوجه إلى الله بكليته تستقيم أخلاقه وتهذب نفسه وتطهر روحه ، فتراه محسنا في كل شيء ، فيكون حاله كما قَالَ النَّبِيُّ r (الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ)[130] .

 

 قال الرازي (يفيد الحصر)[131]، أي لا أحسن دينا ممن يفعل ذلك ، وتقييد ذلك بالإحسان ، حتى يستبين صدق المنافق بعد التوبة ، فيقال حسن إسلامه ، كما في قوله (وقل اعملوا فيسرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) ، لأن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا أطيبه ، فإذا لم يحسن العبد العمل فإنه الله قد لا يقبله ، ولذلك لم يُتقبل من قابيل ، وتقبل الله تعالى من هابيل ، قال تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ)(المائدة/27) .

 

 كذلك تقبل الله ما ينفقه العبد مما يحب ، ولا يتقبل ما يتيممه من الخبيث لينفقه ، قال الله (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (ال عمران 92) ،  وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (البقرة/267) ، قال رسول الله r (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا)[132] .

 

وليس من الإحسان أن يبتغي العبد من العمل الصالح غير الله تعالى ، يقول النبي r (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ

وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ

وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ) [133].

 

قوله تعالى (..وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا..) (125) قيد آخر لمن أراد أن يتبع سبيل المؤمنين بوجوب الاتباع لملة إبراهيم عليه السلام لقبول الإسلام منه ولتتحقق النجاة له ، فالملة واحدة وإن تعدد الأنبياء ، قال تعالى (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ) (الحج/78) ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ) [134].

 

 والعلة من تخصيص نبي الله إبراهيم بالذكر ، بالرغم من أن ملة جميع الأنبياء واحدة ، هو الرجوع إلى الأصل بعدما بُدِّلت الكتاب المنزلة من عند الله وحُرفت كلماته ، ودرست معالم الدين ، فأضحى أهل الكتاب أصحاب شريعة موسى وعيسى على دين محرف ومبدل وليس هو دين الله ، فكان من المتعين الاعتداد بأصل هاتين الشريعتين اللتين يدين بهما أهل الكتاب ، وذلك بالاعتداد بملة إبراهيم عليه السلام باعتبارها محل اتفاق من الجميع ، وإليهما يتفاخر أهل الكتاب بالانتساب إليها .

 

 يعزى ذلك –كذلك - إلى أن أهل الكتاب كانوا يجادلون النبي r بأنهم أحق بنبي الله إبراهيم منه ، فجراهم الله في تلك المناظرة ، وقد أكثروا الجدل فادعوا أن نبي الله إبراهيم كان على ملتهم فخاطبهم الله تعالى بقوله (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) (آل عمران/65) وهو الأمر الذي يحملهم على البحث عن هذه الملة بعد تجريدها مما لحقها من شرائع بدلت وحرفت عما كانت عليه ، وقد سبقتهما ، فإذا جرد أهل الكتاب دينهم مما اختلط به من كلام البشر توصلا إلى ملة إبراهيم ، فإنهم حتما سوف يتوصلون إلى كذلك إلى ملة الإسلام لاتفاق أهل الشريعتين على التوحيد ، فنبي الله إبراهيم كان حنيفا مسلما ، ونبي الله محمد r حنيفا مسلما ، قال تعالى (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (آل عمران/67) ، فإذا أقر أهل الكتاب بنبوة نبي الله إبراهيم ، ونحن المسلمون نقر بنبوته كذلك ، فإن الإسلام يدعوهم إلى الأصل الذي أمنوا به وآمنا نحن به كذلك ، بشرط أن يتجردوا عما جاء من تشريعات محرفة وعقائد مدخلة في دينهم .

 

فقوله (..حَنِيفًا..) (125) أي مائلا عن الشرك ، وفي ذلك احتراز أن يصطحبوا نصوص التوراة المحرفة أو الإنجيل ليدخلوها في ملة إبراهيم عليه السلام ، وحين يفعلون ذلك فإنهم سوف يجدون أن كلا الشريعتين متفقتان على أصول العقائد والتوحيد ، والأخلاق كما بينا في قوله r (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)

 

قال القرطبي (ولا خلاف أن الله تعالى لم يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح، وإنما خالف بينهما في الفروع حسبما علمه سبحانه)[135] ،  وطالما أنهما متفقتان في ذلك ، تحتم على النبي محمد r أن يكون متبعا لملة أبيه إبراهيم لا مبتدعا ، فاللاحق يتبع السابق ، وبذلك تبطل حجة أهل الكتاب أن ، أي أنه لم يأت بدين جديد ، بل إنه ينادي بأصل الملة الإبراهيمية التي سبقت التوراة والإنجيل وشريعة الإسلام ، التزاما بما أمر الله به من قوله (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [ النحل : 123 ] ، وقال سبحانه (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ) [ البقرة : 130 ] ، كل ذلك بشرط تجريدها من الشرك وما ادخل عليها من تحريف .

 

فإن قال قائل لماذا أمرنا باتباع ملة إبراهيم ، ونبي الله نوح أسبق منه ؟ أجيب على ذلك  بعدة أمور  :-

الأول : بأن أثر نبوة نوح عليه السلام قد زال بالكلية بعد زمان عاد وثمود وهلاكهما ، بينما ملة إبراهيم حنيفا ظلت آثارها باقية ، وقد تعزز ذلك بشريعة موسى وعيسى ومحمد ، كما في قوله (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) (19) .

ثانيا : بأن إبراهيم عليه السلام جاء من نسله وذريته الأنبياء جميعا ، بينما لم يكن ثمة أنبياء بعدما أهلك الله الناس بالطوفان الذي اجتاح الناس في عهد نبي الله نوح ، إلا نبيين هود وصالح ، وكلاهما قد أهلك الله قومهما ، فكان نبي الله (إبراهيم) أبا للأنبياء جميعا . 

الثالث : أن كل نبي كان يرسل إلى قومه خاصة فنوح لقومه خاصة ، وهود لقوم عاد وصالح لقوم ثمود ، وقد هلكوا جميعا ، بينما نبي الله إبراهيم وإن كانت شريعته خاصة بقومه ، لكنها كانت عامة بشأن التوحيد للناس كافة ، وكذلك بعض العبادات كالحج ، وذلك بعدما بنى الكعبة ونادى في الناس إلى يوم القيامة ليقبلوا إليها ، كما في قوله (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (27) ، وكذلك بعث النبي محمد r إلى الناس كافة عقيدة وشريعة إلى يوم القيامة .

 

قوله تعالى (..وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) (125) تعليل لما سبق باعتبار أن تلك الخلة هي من الولاية والمحبة المختصة به ، قال ابن عثيمين (الخلة أبلغ من المحبة)[136] ، قال ابن القيم  (المحبة عامة والخلة خاصة والخلة نهاية المحبة) [137]، فالخلة هنا بمعنى التأييد والمعونة ، نتيجة المحبة ، ففي الحديث القدسي (إِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ)[138].

 

ويعزى اختيار الله لإبراهيم خليلا أنه ابتلى بكافة التكاليف فأتمهن (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) (124) ، فابتلى في أهله عند الصغر فثبت ، ولم يركن عن دعوتهم ولم يخنع لتهديدهم ، وابتلي في أهله "هاجر" وولده "إسماعيل" عندما أمر بتركهما في الصحراء ، وعندما أمره الله أن يذبح ابنه فثبت ، ونفذ الأمر ولم يتردد ، ولما سافر إلى مصر ابتلي في زوجته سارة ، ولما قابل النمرود أبتلي في مناظرته ...الخ ، كل ذلك وهو ثابت على الحق ، مسلما وجهه لله ، حتى عند موته (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (البقرة/132)

 

 فلما كان ذلك هو حال نبي الله إبراهيم فإن الله لم يترك عبده الذي يحبه ليحارب وحده أعداء الإسلام ، فكان الله نصيره على من ناوءه ، كما فعل بالنمرود إذ حاجه فبهت ، وكما فعل بملك مصر لما أراد مغالبته على أهله فمكنه الله منه ، ثم صيره إماما للمتقين لمن بعده وأمة لمن خلفه ، فتلك معنى خلته إياه ، وتلك الخلة جعلها الله تعالى لنبيه محمد r كما كانت لنبيه إبراهيم عليه السلام ، قال رسول الله r (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا)[139] .

 

 

[1] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج1 ص 306

قال الثعالبي (الضَّمِيرُ في { نجواهم } : عائدٌ على النَّاس أجمع ، وجاءَتْ هذه الآياتُ عامَّةَ التناولِ ، وفي عمومهَا يندرجُ أصحابُ النَّازلة ، وهذا من الفَصَاحة والإيجازِ المُضَمَّنِ الماضِي والغابر في عبارةٍ واحدةٍ ) تفسيره ج1 ص 354

[2] ) تفسير البغوي ج2 ص 286

[3] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 349 رقم 1009 وصححه الألباني موقوفا : صحيح الأدب المفرد ج1 ص398 رقم 775/1009

[4] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 443 رقم 1308 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج 2ص32

[5] ) شرح ابن عثيمين لرياض الصالحين ج1 ص 666 غريب الحديث لابن الجوزي ج2 ص 212 الفائق في غريب الحديث4/68 فيض القدير للمناوي ج3 ص 619

[6] ) رواه أبو داود ج12 ص 422 رقم 4167 وصححه الألباني السلسلة الصحيحة المجلدات ج1 ص 272 رقم 273 وصحيح وضعيف سنن أبي داود ج 10ص 300 رقم 4800

[7] ) التحرير والتنوير ج4 ص 252

[8] ) في ظلال القرآن ج2 ص 238

[9] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 136 رقم 4102 وصححه الألباني : صحيح بن ماجة ج 2 ص 395 رقم 3320

[10] )  رواه البخاري ج19 ص 9 رقم 5606

[11] ) رواه البخاري ج9 ص 196 رقم 2496

[12] ) رواه البخاري ج9 ص 194 رقم 2495

[13] ) رواه ابن ماجة ج5 ص 386 رقم 1799 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 303 رقم 1465

[14] ) رواه مسلم ج13 ص 1654 رقم 4831 ، رواه ابن ماجة ج1 ص 239 رقم 202 وصححه الألباني :

[15] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 244 رقم 206 وصححه الألباني ج1 ص 41 رقم 173

[16] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 142 رقم 391 وصححه البخاري : صحيح الأدب المفرد ج1 ص164 رقم 391

[17] ) تفسير القرطبي ج5 ص 385

[18] ) ابن الجزي : التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 304

[19] ) انظر قول مجاهد نقله الواحيد في الوجيز ج1 ص 137

[20] معاني القرآن للنحاس ج 2 ص 190

[21] ) رواه الترمذي ج8 ص 69 رقم 2091 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج1 ص 429 رقم 430

[22] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 49 رقم 42 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 13 رقم 40

[23] ) الفتاوى الكبرى ج2 ص 278

[24] ) فقال :- (وَاَلَّذِينَ نَفَوْا الْوُجُوبَ احْتَجُّوا بِتَفْضِيلِ النَّبِيِّ r صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ. فقَالُوا: وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَفْضِيلٌ، وَحَمَلُوا مَا جَاءَ مِنْ هَمِّ النَّبِيِّ r بِالتَّحْرِيقِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ، أَوْ عَلَى الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجَمَاعَةِ مَعَ النِّفَاقِ، وَأَنَّ تَحْرِيقَهُمْ كَانَ لِأَجْلِ النِّفَاقِ لَا لِأَجْلِ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ مَعَ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ.

وَأَمَّا الْمُوجِبُونَ: فَاحْتَجُّوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ، أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَك} الْآيَةَ ، وَفِيهَا دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مَعَهُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهَا حَالَ الْخَوْفِ، وَهُوَ يَدُلُّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى عَلَى وُجُوبِهَا حَالَ الْأَمْنِ – لكن يجاب عليه بأن صلاة الجماعة في حال الحرب هي أسلم طريقة للحفاظ على الجيش -..وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} يُرَادَ بِهِ الْمُقَارَنَةُ بِالْفِعْلِ، وَهِيَ الصَّلَاةُ جَمَاعَةً ، وقِيلَ: خَصَّ الرُّكُوعَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ تُدْرَكُ بِهِ الصَّلَاةُ، فَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ

وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَالْأَحَادِيثُ الْمُسْتَفِيضَةُ فِي الْبَابِ: مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْهُ r أَنَّهُ قَالَ: {لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ إلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ: فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ} فَهَمَّ بِتَحْرِيقِ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ الصَّلَاةَ، وَفِي لَفْظٍ قَالَ: {أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ} الْحَدِيثُ.وَفِي الْمُسْنَدِ وَغَيْرِهِ: {لَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ، لَأَمَرْت أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ} الْحَدِيثُفَبَيَّنَ r أَنَّهُ هَمَّ بِتَحْرِيقِ الْبُيُوتِ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْهَدْ الصَّلَاةَ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ فِيهَا مِنْ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ...وَمَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى تَرْكِ شُهُودِ الْجُمُعَةِ، فَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يُبَيِّنُ ضَعْفَ قَوْلِهِ حَيْثُ ذَكَرَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِهَمِّهِ بِتَحْرِيقِ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ الصَّلَاةَ.

وَأَمَّا مَنْ حَمَلَ الْعُقُوبَةَ عَلَى النِّفَاقِ، لَا عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ، فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ لِأَوْجُهٍ:

 أَحَدُهَا: أَنَّ النَّبِيَّ r مَا كَانَ يُقِيلُ الْمُنَافِقِينَ إلَّا عَلَى الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ، وَإِنَّمَا يُعَاقِبُهُمْ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْهُمْ مِنْ تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ، فَلَوْلَا أَنَّ فِي ذَلِكَ تَرْكَ وَاجِبٍ لَمَا حَرَّقَهُمْ

 الثَّانِي: أَنَّهُ رَتَّبَ الْعُقُوبَةَ عَلَى تَرْكِ شُهُودِ الصَّلَاةِ، فَيَجِبُ رَبْطُ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرَهُ

 الثَّالِثُ: أَنَّهُ سَيَأْتِي - إنْ شَاءَ اللَّهُ - حَدِيثُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ حَيْثُ اسْتَأْذَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ خِيَارِ الْمُؤْمِنِينَ، أَثْنَى عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَكَانَ النَّبِيُّ r يَسْتَخْلِفُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ يُؤَذِّنُ لِلنَّبِيِّ r 

 الرَّابِعُ: إنَّ ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَى وُجُوبِهَا أَيْضًا: كَمَا قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ:"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلِيُصَلِّ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّهِ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي يُنَادَى بِهِنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَإِنَّكُمْ لَوْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا صَلَّى هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ ، فَقَدْ أَخْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِقْرَارِ وُجُوبِهَا عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ، ...

 

فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتُمْ الْيَوْمَ تَحْكُمُونَ بِنِفَاقِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا، وَتُجَوِّزُونَ تَحْرِيقَ الْبُيُوتِ عَلَيْهِ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا ذُرِّيَّةٌ ، قِيلَ لَهُ: مِنْ الْأَفْعَالِ مَا يَكُونُ وَاجِبًا، وَلَكِنَّ تَأْوِيلَ الْمُتَأَوِّلِ يُسْقِطُ الْحَدَّ عَنْهُ، وَقَدْ صَارَ الْيَوْمَ كَثِيرٌ مِمَّنْ هُوَ مُؤْمِنٌ لَا يَرَاهَا وَاجِبَةً عَلَيْهِ، فَيَتْرُكُهَا مُتَأَوِّلًا، وَفِي زَمَنِ النَّبِيِّ r لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ تَأْوِيلٌ، لِأَنَّ النَّبِيَّ r قَدْ بَاشَرَهُمْ بِالْإِيجَابِ..وَأَيْضًا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ وَالسُّنَنِ: (أَنَّ أَعْمَى اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ r أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ: فَأَجِبْ) فَأَمَرَهُ بِالْإِجَابَةِ إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ ؛ وَلِهَذَا أَوْجَبَ أَحْمَدُ الْجَمَاعَةَ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ ، وَفِي لَفْظٍ فِي السُّنَنِ (أَنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي رَجُلٌ شَاسِعُ الدَّارِ وَإِنَّ الْمَدِينَةَ كَثِيرَةُ الْهَوَامِّ، وَلِي قَائِدٌ لَا يُلَائِمُنِي، فَهَلْ تَجِدُ لِي رُخْصَةً أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي؟ فَقَالَ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَا أَجِدُ لَك رُخْصَةً}وَهَذَا نَصٌّ فِي الْإِيجَابِ لِلْجَمَاعَةِ، مَعَ كَوْنِ الرَّجُلِ مُؤْمِنًا.

 

وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِتَفْضِيلِ صَلَاةِ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ فَعَنْهُ جَوَابَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَمَنْ صَحَّحَ صَلَاتَهُ قَالَ: الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ وَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ، كَالْوَقْتِ فَإِنَّهُ لَوْ أَخَّرَ الْعَصْرَ إلَى وَقْتِ الِاصْفِرَارِ كَانَ آثِمًا، مَعَ كَوْنِ الصَّلَاةِ صَحِيحَةً، بَلْ وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَّرَهَا إلَى أَنْ يَبْقَى مِقْدَارُ رَكْعَةٍ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ {مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ} قَالَ: وَالتَّفْضِيلُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَفْضُولَ جَائِزٌ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} فَجَعَلَ السَّعْيَ إلَى الْجُمُعَةِ خَيْرًا مِنْ الْبَيْعِ ؛ وَالسَّعْيُ وَاجِبٌ وَالْبَيْعُ حَرَامٌ.

 

وَمَنْ قَالَ: لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ إلَّا لِعُذْرٍ، احْتَجَّ بِأَدِلَّةِ الْوُجُوبِ قَالَ: وَمَا ثَبَتَ وُجُوبُهُ فِي الصَّلَاةِ كَانَ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ، كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ…فمَنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الْجَمَاعَةُ، فَهَذَا عِنْدَهُمْ عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ، كَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ الْجُمُعَةَ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ r : {مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ ثُمَّ لَمْ يُجِبْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلَا صَلَاةَ لَهُ}وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: {لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ} فَإِنَّ هَذَا مَعْرُوفٌ مِنْ كَلَامِ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ r وَقَوَّى ذَلِكَ لِبَعْضِ الْحُفَّاظِ.

 

وَأَجَابَ هَؤُلَاءِ عَنْ حَدِيثِ التَّفْضِيلِ.بِأَنْ قَالُوا: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْذُورِ كَالْمَرِيضِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ r : {صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ، وَصَلَاةُ النَّائِمِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَاعِدِ} وَأَنَّ تَفْضِيلَهُ صَلَاةَ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ كَتَفْضِيلِهِ صَلَاةَ الْقَائِمِ عَلَى صَلَاةِ الْقَاعِدِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقِيَامَ وَاجِبٌ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ، كَمَا أَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ: هَلْ الْمُرَادُ بِهِمَا الْمَعْذُورُ، أَوْ غَيْرُهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ الْمُرَادُ بِهِمَا غَيْرُ الْمَعْذُورِ...

[25] ) رواه ابن ماجة ج11 ص 442 رقم 3940

[26] ) رواه البخاري ج21 ص 443 رقم 6531

[27] ) فتح الباري ج13 ص 7

[28] ) ابن الجوزي : تلبيس إبليس ج1 ص 30 ، انظر نوادر الأصول في أحاديث الرسول للترمذي ج3 ص 22

[29]) أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة : نخبة من العلماء ج1 ص 88 الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية

[30] ) رواه الحاكم في المستدرك ج1 ص 140 رقم 230 ورواه أبو داود وابن حبان في صحيحه والبيهقي وأحمد وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج3 ص 241 رقم 3649 – صحيح وضعيف الترمذي ج5 ص 435 

[31] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج27 ص 250

[32] ) صحيح البخاري ج1 ص 51

[33] ) رواه البخاري ج20 ص 223 رقم 6074

[34] ) رواه البخاري ج1 ص 174 رقم 97

[35] ) رواه البخاري ج1 ص 77 رقم 42

[36] ) رواه النسائي ج 15 ص 207 رقم 4924 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج11 ص 82

[37] )  البحر المحيط ج4 ص278

[38] معاني القرآن للنحاس ج 2 ص 190

[39] ) تفسير القرطبي ج5 ص 385

[40] ) التحرير والتنوير ج26 ص 261

[41] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 358

[42] ) تفسير القرطبي ج5 ص 387

[43] ) كما تمثل الشيطان لأبي هريرة في صورة رجل يسرق من تمر الصدقة

[44] ) عالم الجن والشياطين ج1 ص 49

[45] ) رواه البخاري ج14 ص 90

[46] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 357 ، محمد الفضيل بن محمد الفاطمي الشبيهي : الفجر الساطع على الصحيح الجامع ج5 ص 62

[47] ) بدر الدين العيني الحنفي : عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج27 ص 108

[48] ) رواه أحمد  ج43 ص 240 رقم 20282 ، تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 357

[49] ) التحرير والتنوير ج4 ص 256

[50] )  الدر المنثور ج  3 ص 248

[51] ) رواه مسلم ج7 ص 180 رقم 2491 - رواه أبو داود ج6 ص 56 رقم 1839 وصححه الألباني

[52] ) عون المعبود ج6 ص 132

[53] ) كشف المشكل في حديث الصحيحين ج1 ص 746

[54] ) شرح النووي على مسلم ج9 ص 178 -  جلال الدين السيوطي : الديباج على مسلم ج4 ص 11

فيصل بن سعيد الصاعدي : الأحاديث الواردة في الصحيحين في الجن والشياطين ج1 ص 107

كلية الشريعة وأصول الدين - الجامعة الاسلامية - المدينة النبوية

[55] ) رواه الترمذي ج4 ص 406 رقم 1093 وصححه الألباني : الجامع الصغير وزياداته ج1 ص 1164 رقم 11636

[56] ) المناوي : التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 881

[57] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 1557

[58] ) رواه البخاري ج16 ص 41 رقم 4706

[59] ) https://www.webmd.com/sex-relationships/sex-and-health

9 Surprising Health Benefits of Sex Written by Nicole Schmidt Medically Reviewed by Zilpah Sheikh, MD on August 13, 2024

https://arabic.cnn.com/science-and-health/article/2024/05/17/what-is-the-happiness-hormone-and-how-it-controls-your-mood

[60] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 211 رقم 4164 صحيح ابن ماجة للألباني ج2 ص 405 رقم 3366

[61] ) الجواب الكافي ص86

[62] ) رواه أبو داود ج12 ص 322 رقم 4090 وصححه الألباني صحيح وضعيف سنن أبي داود ج10 ص 213

[63] ) شرح العقيدة الطحاوية للشيخ صال آل الشيخ ج1 ص 223

[64] ) إغاثة اللهفان ج1 ص 105

[65] ) التحرير والتنوير ج4 ص 257

[66] ) رواه البخاري ج11 ص 135 رقم 3099

[67] ) رواه مسلم ج10 ص 293 رقم 3762

[68] ) رواه ابن ماجة ج11 ص 331 رقم 3857 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة ج1ص2 ، ج1 ص 174 ،صحيح ابن ماجة ج2 ص 331 رقم 3118

[69] ) رواه البخاري ج17 ص 345 رقم 5192

[70] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج31 ص 214 ، المناوي : فيض القدير ج1 ص 542

[71] ) رواه الطبراني ج9 ص 156 رقم 8801

[72] ) تفسير القرطبي ج5 ص 389

[73] ) تفسير أبي السعود ج2 ص 158

[74] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج7 ص 311 رقم 10415

[75] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 133 رقم 4099 وصححه الألباني صحيح ابن ماجة ج2 ص 394 رقم 3317

[76] ) ابن حجر : فتح الباري ج8 ص 257

[77] ) نظم الدرر ج2 ص 268

[78] ) رواه البخاري ج5ص 143 رقم 1270

[79] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 361 تفسير ابن كثير ج2 ص 415

[80] ) رواه البخاري ج18 ص 239 رقم 5435

[81] ( رواه البخاري ج18 ص 241 رقم 5436

..وأنه: إذا قام الزوج بتحويل نفسه ظاهريًّا إلى أنثى، فيحق للزوجة طلب فسخ عقد النكاح للعيب، وإذا قامت الزوجة بتحويل نفسها ظاهريًّا إلى ذكر، فللزوج تطليقها

[82] ) قراره رقم: 251 (25/13) المنعقد في دورته الخامسة والعشرين بجدة بالمملكة العربية السعودية، خلال الفترة من 29 رجب- 3 شعبان 1444هـ، الموافق 20-23 فبراير 2023م.

[83] ) أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 299

[84] ) د/ أحمد فريد : الفوائد البديعية في فضائل الصحابة ج1 ص 77 الدار السلفية للنشر والتوزيع

[85] ) رواه مسلم ج14 ص 161 رقم 5222

[86] ) المناوي : التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 19

[87] ) رواه أحمد في مسنده ج 11 ص 135 رقم 5099 ، وحسنه الألباني : قصة المسيح الدجال ج1 ص 88

[88] ) رواه النسائي في سننه الكبرى ج5 ص 363 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 298 رقم 2967 ، السلسلة الصحيحة

[89] )  رواه أبو داود ج4 ص 203 رقم 1210 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج5ص161

[90] ) رواه البخاري ج22 ص 477 رقم 6909

[91] ) رواه البخاري ج22 ص 433 رقم 6873

[92] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 362

[93] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 417

[94] ) رواه مسلم ج12 ص 451 رقم 4671

[95] ) صحيح ابن حبان ج7 ص 186 رقم 2923 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج5 ص 344 رقم 2274 قال وله شواهد كثيرة في الصحيحين وغيرهما

[96] ) تفسير القرطبي ج5 ص 397

[97] ) صحيح ابن حبان ج7 ص 170 رقم 2910 ورواه الحاكم في المستدرك ج3  ص 78 رقم 4450 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج3 ص 186 رقم 3430

[98] ) البخاري ج17 ص 373 رقم 5209

[99] ) البخاري ج17 ص 373  5210

[100] ) قال صاحب العين : الخامة : الزرع أول ماينبت على ساق واحد

[101] ) الأرز من أصلب الخشب

[102] ) رواه البخاري ج17 ص 375 رقم 5211

[103] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج9 ص 372

[104] ) تفسير الخازن ج2 ص 180

[105] ) تفسير الجلالين ج2 ص 123

[106] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 368

[107] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 366 ، تفسير الطبري ج9 ص 239

[108] ) التحرير والتنوير ج4 ص 262

[109] ) رواه أبو داود ج7 ص 361 رقم 2351 وصححه الألباني : صحيح وضعيف أبي داود ج 6 ص 227

[110] ) رواه أبو داود ج3 ص 357 رقم 961 ، ومثله عند البخاري في صحيحه ج2 ص 40 رقم 313 وصححه الألباني صحيح أبي داود ج4ص299 رقم 1041

[111] ) شرح النووي على مسلم ج6 ص 180

[112] ) فتح الباري ج2 ص 471

[113] ) سبل السلام ج2 ص 66

[114] ) الشيخ عطية محمد سالم : شرح بلوغ المرام ج104 ص 3

[115] ) رواه البخاري ج5 ص 231 رقم 1329

[116] ) رواه أحمد في مسنده ج34 ص 236 رقم 20633 ورواه النسائي في سننه الكبرى ج5 ص 486 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج2 ص 269 رقم 770 وصحيح الترغيب والترهيب

[117] ) رواه مسلم ج1 ص 484 رقم 315

[118] ) رواه مسلم ج13 ص 414 رقم 5023

[119] ) رواه البخاري ج14 ص 74 رقم 4215

[120] ) رواه ابن حبان ج 16 ص 356 رقم 7357 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 89 رقم 883 ،  صحيح وضعيف الجامع الصغير ج2 ص 383 رقم 883

[121] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 368

[122] ) رواه مسلم ج13 ص 164 رقم 4831

[123] ) البحر المديد ج1 ص 91

[124] )  البحر المديد ج1 ص 492

[125] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج1 ص 313

[126] ) البحر المديد ج5 ص 38

[127] ) تفسير فخر الرازي ج1 ص 1563

[128] ) تفسير القرطبي ج5 ص 399

[129] ) ابن عاشور : التحرير والتنوير ج4 ص 263

[130] ) رواه البخاري ج20 ص 128 رقم 6003

[131] ) تفسير فخر الرازي ج1 ص 1563

[132] ) رواه مسلم ج555 ص 192 رقم 1686

[133] ) رواه مسلم ج10 ص9 رقم 3527

[134] ) رواه البخاري ج11 ص 260 رقم 3187

[135] ) تفسير القرطبي ج16 ص 164

[136] ) شرح رياض الصالحين ج1 ص 88 موقع جامع الحديث النبوي

[137] ) الجواب الكافي ج1 ص 135

[138] ) رواه البخاري ج20 ص 158 رقم 6021

[139] ) رواه مسلم ج3 ص 127 رقم 827

  • الاحد PM 01:50
    2026-01-25
  • 448
Powered by: GateGold