ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
أسس المنهج الدعوى
أسس المنهج الدعوى
قال تعالى (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49) قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)
وفيه أربعة مسائل :-
الأولى : (البلاغ العام) من خلال البشارة والنذارة
الثانية : تنزيه الرسالة عن مطامع المشركين ، وتوضيح مكانتها الراقية عن ذلك
الثالثة : الإحاطة بالمؤمنين والحفاظ عليهم من مكر الماكرين
الرابعة : تبرؤ النبي من عبادة أصحاب الأهواء حتى حد المفاصلة
المسألة الأولى : (البلاغ العام) من خلال البشارة والنذارة :
قال تعالى (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (49)
قوله (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ..) (48) قال الشوكاني (كلام مبتدأ لبيان الغرض من إرسال الرسل) ، أي (إِنَّهُ لاَ يُرْسِلُ الرُّسُلَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ مَنْ صَدَّقَهُمْ وَآمَنَ بِدَعْوَتِهِمْ ، بِأَنَّ لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِم الحُسْنَى؛ وَمُنْذِرِينَ مَنْ كَذَّبَهُمْ وَخَالَفَهُمْ عِقَابَ اللهِ وَعَذَابَهُ ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لاَ يُرْسِلُ المُرْسَلِينَ لِيَقْتَرِحَ عَلَيْهِمُ الظَّالِمُونَ مِنْ أَقْوَامِهِمْ ، وَيَطْلُبُوا مِنْهُمْ مَا لاَ قِبَلَ لَهُمْ بِهِ) .
قال الشيخ طنطاوي (فالجملة الكريمة كلام مستأنف مسوق لبيان وظيفة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - ولإظهار أن ما يقترحه المشركون عليهم من مقترحات باطلة ليس من وظائف المرسلين أصلا) .
قوله (..فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (48) عطف الإصلاح على الإيمان لأن الإصلاح دليل الإيمان ، ولن ينجو من عذاب الله –في الدنيا- إلا من كان مصلحا قال تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود 117) ، قال الشيخ محمد رشيد رضا (وفيها دليل على أن الإيمان بالله من غير إصلاح الأعمال وعدل العمال لا يمنع الإهلاك) .
قال الشعراوي (إنّ على المؤمن بربه أن يستحضر الأدلة والآيات التي تجعل إيمانه بربه إيماناً قوياً معقوداً؛ وهذا هو عمل القلب ، أما أن يكتفي بعمل القلب كتعبير عن الإيمان فليس ذلك بكاف ، وإنما يجب أن ينقاد المؤمن إلى منهج ربه ، بقلبه وجوارح وأجهزة متعددة ،فلا بد من التعبير عن الإيمان بأن يصلح الإنسان كل عمل فيؤديه بجوارحه أداء صحيحا سليما) ، ثم استطرد في توضيح مفهوم "الإصلاح" بما يعني كل محاولة لتعمير هذا الكون كما أمر الله تعالى من زرع وحرث وطب وهندسة وتربية وأخلاق ....الخ .
قال ابن تيمية (وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِيمَانَ أَفْضَلُ الْإِصْلَاحِ ، وَأَفْضَلُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ ) ، قِيلَ : (يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : إيمَانٌ بِاَللَّهِ) ، قال الشيخ بادحدح (ولو تأملت آيات القرآن لوجدتها تربط بين الإيمان والإصلاح، وتجعل الإيمان مقدمة له، وتجعله سابقاً عليه؛ لأنه لا يمكن أن يكون هناك إصلاح بغير المنطلق الإيماني والمنهج الإسلامي (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [الأعراف:35] لا ينبعث إلى الإصلاح إلا من اتقى الله وعمر قلبه بخشيته وتقواه؛ لأن ذلك عاصم له بإذن الله من أن يخوض فيما لا ينبغي الخوض فيه، وأن يقترف ما يحرم وما يحول بينه وبين التحقق بتقوى الله جل وعلا، ثم إننا كذلك نلمح الأمر في كلتا الآيتين بذكر الرسل والأنبياء قبل ذكر الإصلاح، وذلك فيه إشارة إلى أن المنطلق للإصلاح مع الإيمان والتقوى هو اتباع الرسل والأنبياء صفوة الله من خلقه صلوات الله وسلامه عليهم) .
قوله تعالى (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (49) التفات إلى النقيض لبيان محل الإنذار الصادر لهم من الرسل وبيان نتيجة تكذيبهم بتلك الآيات الباهرة ، فعاقبة المكذبين تبدأ من حيث يمسهم العذاب الذي كذبوا به ، قال النسفي (جعل العذاب ماساً كأنه حي يفعل بهم ما يريد من الآلام)
قال إمام الحرم المكي (الانحرافُ عن طريقة الرّسُل إفسادٌ في الأرض، والله تعالى يقول: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) [الأعراف:85]، ولكنَّ الإنسانَ المفسِد غيَّر وبدَّل وتمرَّد وعصَى، واتّبَع خطواتِ الشيطان، فأفسد في الأرض بالشركِ وسَفكِ الدماء المحرَّمة والعدوانِ على المال المعصُوم والزنا والفواحشِ والمحرَّمات وظُلم الأبرياء، فكان جزاءُ المفسدين في الأرض الخزيَ في الدنيا والآخرة، وعقوبةُ المجرمين أشدُّ العقوبة وأنكى النكال) .
والعذاب هنا مسبب ، أي بسبب فسقهم إشارة إلى أن التكذيب بآيات الله لا يصدر إلا من فاسق ، قال حقي أى (بسبب فسقهم المستمر الذى هو الاصرار على الخروج عن التصديق والطاعة) ، قال الإمام البقاعي (وأما الفسق العارض فإن صاحبه يصدر التوبة منه ، فيعفى عنه) .
المسألة الثانية : تنزيه الرسالة عن مطامع الدنيا المزينة للمشركين ، وتوضيح مكانتها الراقية عن ذلك
قوله تعالى (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ)(وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ)(وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) (50) تجريد للدعوة الإسلامية من ثلاثة أشياء :-
الأمر الأول اكتناز المال أو وعد من اتبع النبي اكتساب الكنوز والأموال أو الحصول على الثراء والغنى
الثاني التخرص بالغيب كما كان يحصل لمتبعي الكهان والسحرة ، زعما أن من يعرف المستقبل يملك الحاضر ، والمناسبة في ذلك أنه في زمن النبوة (اختلطت النبوة بالسحر والكهانة ، واختلط الوحي بالجن والجنون أيضاً! وأصبح يطلب من النبي أن يتنبأ بالغيب؛ وأن يأتي بالخوارق؛ وأن يصنع ما عهد الناس أن يصنعه صاحب الجن والساحر!) .
الثالث أن يعدهم بقوة عسكرية تملك أقطار الأرض ، أي ملكا عضودا
فليس ذلك كله من لوازم الدعوة ولا من شأنها ، بل على العكس من ذلك ، فمن يتبع النبي لابد وأن يعلم أنه سوف يضحي بماله واستقرار وملكه وكل شيء لأجل هذه الدعوة .
قال صاحب الظلال (جاءت العقيدة الإسلامية لترد إلى التصور الإيماني وضوحه وبساطته وصدقه وواقعيته ، ولتخلص صورة النبوة من تلك الخرافات والأساطير والأوهام والأضاليل التي شاعت في الجاهليات كلها ، وبعد بيان حقيقة الرسالة وحقيقة الرسول ، يقدم القرآن عقيدته للناس مجردة من كل إغراء خارج عن طبيعتها ، ومن كل زينة زائدة عن حقيقتها ... فالرسول الذي يقدمه للناس بشر ، لا يملك خزائن الله ، ولا يعلم الغيب ، ولا يقول لهم : إني ملك ... وهو لا يتلقى إلا من ربه ، ولا يتبع إلا ما يوحى إليه منه) .
قوله تعالى (..إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ..) (50) إيجاز بليغ لوظيفة النبي ، فهو لا ينشئ حركة تهدف إلى تغيير واقع سياسي أو نهضة تنموية تقلب أوضاعا اقتصادية أو حملة عسكرية تغير على البلاد فتضم أقاليهما لملك واحد ، بل هو مجرد عبد من عباد الله متبع للوحي الإلهي ، فأينما يوجهه يتجه ، وحيثما يأمره يأتمر ، وإذا نهاه عن شيء ينتهي ، ليس لهواه غرض ولا في نفسه مطمع ولا في قلبه مدخل لأن يشارك ربه في أي خصيصة من خصائص ألوهيته .
والاتباع للوحي الإلهي يقي البشرية كلفة التفكير وعناء البحث ومشقة التجارب لإيجاد علاج لكل مشكلة صغرت أم كبرت ، لأن الله تعالى كفاها ذلك بالمنهج الإلهي الذي أنزله ، فمن يتبعه يسعد ، قال تعالى (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) (طه 123) ، ومن يخالفه يشقى ، وقال تعالى (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه 124) وليس هناك اختصار لتلك المسألة أكثر من ذلك ، فمن يظن أنه بعقله المحدود يستطيع أن يحقق المعجزات فهو واهم متى لم يتمكن من أن يتفكر في المنهج الرباني ليستقي منه الحلول لمشكلته.
فالمتأمل في سيرة النبي والمتفكر فيها يجد أنه وعد أصحابه بأن يكون لهم ملك الدنيا كلها ، وفي ذات الوقت علمهم أن يكون هذا الملك في أيديهم لا في قلوبهم ، فهم في دعوتهم متجردين من كل مطمع ، وإنما وعدهم بذلك ليبين لهم سعة البلاغ وأنه لن يحول بينهم وبين البلاغ حائل ، ولن تقع أمامهم قوة حتى يبلغوا هذا الدين للناس كافة ، وأن كل ما يعترض طريقهم مصيره إلى الزوال ، هكذا علم النبي أصحابه المنهج الرباني ودلهم عليه بكل وضوح .
والصحابة رضوان الله عليهم التزموا هذا المنهج ، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه رغم أن خلافته اتسعت أقطار الأرض وامتدت إلى مصر وما بعدها غربا والفرس (إيران حاليا) شرقا إلا أنه كان ينام على الأرض بين الناس ولا يبالي .
قال الشاعر : حافظ إبراهيم
وَراعَ صاحِبَ كِسري أَن رَأى عُمَراً *** بَينَ الرَعِيَّةِ عُطلاً وَهوَ راعيها
وَعَهدُهُ بِمُلوكِ الفُرسِ أَنَّ لَها *** سوراً مِنَ الجُندِ وَالأَحراسِ يَحميها
رَآهُ مُستَغرِقاً في نَومِهِ فَرَأى *** فِيهِ الجَلالَةَ في أُسْمَى مَعانيها
فَوقَ الثَرى تَحتَ ظِلِّ الدَوحِ مُشتَمِلاً *** بِبُردَةٍ كادَ طولُ العَهدِ يُبليها
فَهانَ في عَينِهِ ما كانَ يَكبُرُهُ *** مِنَ الأَكاسِرِ وَالدُنيا بِأَيديها
وَقالَ قَولَةَ حَقٍّ أَصبَحَت مَثَلاً *** وَأَصبَحَ الجيلُ بَعدَ الجيلِ يَرويها
أَمِنتَ لَمّا أَقَمتَ العَدلَ بَينَهُمُ *** فنمت نوم قرير العين هانيها
وكذلك لما وعد النبي سراقة بن مالك أن يلبس سواري كسرى ، ألبسه الخليفة عمر بن الخطاب تاجه ثم خلعها منه ، ليرده إلى بيت مال المسلمين ، فمما اشتهر في السيرة أنه لما هاجر وصاحبه الصديق - رضي الله عنه - ولحق بهما سراقة بن مالك أنه قال لسراقة: "كيف بك إذا لبستَ سواريْ كسرى"؟ وقد ذكر ذلك الحافظان ابن عبد البر وابن حجر -رحمهما الله- في ترجمتهما لسراقة - رضي الله عنه - فقالا: "روى سفيان بن عيينة عن أبي موسى عن الحسن أن رسول الله - قال لسراقة: .. وذكره: "قال فلما أُتي عمر - رضي الله عنه - بسواري كسرى ومنطقه وتاجه دعا سراقة بن مالك فألبسه إياهما، ... وقال له: ارفع يدك، فقال: الله أكبر والحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة الأعرابي"
روي غير واحد من أهل العلم أنه لما قدُم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما أصيب من العراق – أي الأموال - قال له صاحب بيت المال أنا أُدْخِله بيت المال ؟ قال لا ورب الكعبة لا يؤوى تحت سقف بيت حتى أُقَسِّمَه ، فأمر به فوُضِع في المسجد ووُضِعت عليه الأنطاع ، وحَرَسَه رجال من المهاجرين والأنصار ، فلما أصبح غدا معه العباس بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف أخذ بيد أحدهما أو أحدهما أخذ يده ، فلما رأوه ، كشطوا الأنطاع عن الأموال ، فرأى منظرا لم ير مثله رأى الذهب فيه والياقوت والزبرجد واللؤلؤ يتلألأ فبكى فقال له أحدهما إنه والله ما هو بيوم بكاء ولكنه يوم شكر وسرور فقال إني والله ما ذهبت حيث ذهبت ولكنه والله ما كثر هذا في قوم قط إلا وقع بأسهم بينهم ثم أقبل على القبلة ورفع يديه إلى السماء وقال اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجا فإني أسمعك تقول سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ثم قال أين سراقة بن جعشم ؟ فأُتِى به أشعر الذراعين دقيقهما ، فأعطاه سواري كسرى فقال ألبسهما ، ففعل فقال قل الله أكبر قال الله أكبر قال قل الحمد لله الذي سلبهما من كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن جعشم أعرابيا من بني مدلج ، وجعل يقلب بعض ذلك بعضا ، فقال إن الذي أدى هذا لأمين فقال له رجل أنا أخبرك أنت أمين الله وهم يؤدون إليك ما أديت إلى الله ، فإذا رتعت رتعوا قال صدقت ثم فرقة ، قال الشافعي (وإنما ألبسهما سراقة لأن النبي قال لسراقة ونظر إلى ذراعيه كأني بك قد لبست سواري كسرى) قال (ولم يجعل له إلا سوارين) .
قوله (..قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ) (50) تبكيت لهم أن عموا عن إدراك كنه الدين ، وهو واضح أمامهم ، ففيه التجرد عن مطامع الناس ومنافعهم المادية ، فهو أرقى من ذلك بكثير ، لأنه يزكي النفس وبه تسمو الروح ، وتُهَذَّب الأخلاق ، فهو عقيدة صافية وشعائر تعبدية ومنهج حياة كامل ومتميز ، فمن لم يدرك هذه الحقيقة فهو كالأعمى لا يدرك مكانه الذي يقف فيه ، بينما الذي يتفكر في هذا الدين فهو مبصر مدرك مكانه وما حوله ، فيسير بثقة وثبات دون أن يقع أو يتردد .
يقول صاحب الظلال (هذا الدين يعد البشرية للرشد العقلي ، ويؤهلها لاستخدام هذه الأداة العظيمة التي وهبها الله للإنسان استخداماً كاملاً في إدراك الحق الذي تنبث آياته في صفحات الوجود ، .... .وكان هذا كله يقتضي الانتقال بالبشرية من عهد الخوارق الحسية التي تلوي الأعناق وتجبر المنكرين على الإذعان .. إلى توجيه الإدراك البشري لملاحظة بدائع الصنعة الإلهية في الوجود كله . وهي في ذاتها خوارق معجزة . . ولكنها خوارق دائمة يقوم عليها كيان الوجود ، ويتألف منها قوامه وإلى مخاطبة هذا الإدراك بكتاب من عند الله باهر معجز .. وقد اقتضى هذا الأمر تربية طويلة ، وتوجيهاً طويلاً ، حتى يألف الإدراك البشري هذا اللون من النقلة ، وهذا المدى من الرقي؛ وحتى يتجه الإنسان إلى قراءة سفر الوجود بإدراكه البشري ، في ظل التوجيه الرباني ، والضبط القرآني ، والتربية النبوية .. ) .
المسألة الثالثة : الإحاطة بالمؤمنين والحفاظ عليهم من مكر الماكرين
قوله (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (51) أي أنذر بالقرآن من يخاف وعيد ، الذين يتوكلون على ربهم ، فهم أهل لأن يتعظوا به ، فهم أولى بالإنذار من غيرهم ، ونظير ذلك قوله تعالى (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ) (ق 45) ، وقال تعالى (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ)(11: يس) أي أن (هؤلاء الذين تستشعر قلوبهم خوف ذلك اليوم الذي ليس فيه - من دون الله - ولي ولا شفيع ، أحق بالإنذار ، وأسمعُ له ، وأكثر انتفاعاً به)
ويجدر التنويه إلى ما قاله الإمام البقاعي (وليس المراد تخصيص الإنذار بالخائف -وحده-، بل –المقصود- الإشارة إلى جلافتهم وعظيم بَلادَتهم وكثافتهم في عدم تجويز الجائز الذي هو أهل لأن يخافه كل واحد) ، يقصد بـ "تجويز الجائز" أي أن يحشروا إلى ربهم) .
وبذلك تحددت أولويات الدعوة الإسلامية ، وتحدد أولى المخاطبين بها ، فكان لمن آمن بالنبي وباليوم الآخر الأولوية في إيصال الدعوة إليه عن غيره ، فهو أحق بالتذكرة وأحق بالموعظة، ولذلك اهتمت هذه السلسلة من الأبحاث بالمؤمنين ليكونوا هم نواة هذه الدعوة لغيرهم .
ولا ينفي ذلك العمل في إطار متوازٍ على إيصال الدعوة للكافة عن طريق البلاغ العام ، كما في قوله (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ) (الأنعام 19) .
قوله (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) (52) ويترتب على تخصيص الأولوية في توجيه الجهد الدعوي للمؤمنين ، أن لا يقبل الدعاة مساومة أحد في إخوانهم ، فلا يطمع أحد في إيمان المشركين مقابل أن يترك من معه من المؤمنين ، فمن آمن بالآخرة كان أولى بالدعوة من غيره ، ونظير ذلك قوله تعالى (واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ) [ الكهف : 28 ]
وعَنْ سَعْدٍ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ سِتَّةَ نَفَرٍ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ (اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا) قَالَ وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلَالٌ وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ "وَلَا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ") ، قال ابن علان في قوله (فوقع في نفس رسول الله ما شاء الله أن يقع) أي (من تقريب المشركين طمعاً في إسلامهم وإسلام قومهم نظير إعطائه الفىء لجمع من المؤلفة تألفاً له ، ومنع ذلك عن بعض محتاجي المؤمنين اكتفاء بما وقر في قلبه من نور الإيمان المغني عن التألف ، ورأى النبي أن ذلك لا يفوت أصحابه شيئاً ولا ينقص لهم قدراً (فحدّث نفسه) أي بذلك)
وقد يكون ما حدث به نفسه الميل إلى طردهم عن مجلسه مؤقتا طمعا في إسلام الأكابر المتفرع عليه إسلام الكل بعدهم ، أي ظن أنه بذلك يضمن إسلام الكل ، (فحدث نفسه أي للتألف بهم أن يطردهم صورة – من باب الحيلة - بأن لا يأتوه حال وجود الأكابر عنده أو يقوموا عنه إذا هم جلسوا عنده مراعاة للجانبين) ، ولكن الله قطع هذا الهم بذلك النهي لأن هذه الحيلة تنطوي على تأكيد للفصل العنصري ، ولا شك أن ذلك باطل ، وليس من الإسلام في شيء ، بل يهدم مضمون الرسالة الإسلامية التي لا تفرق بين أعربي وأعجمي ، ولا بين غني وفقير إلا بالتقوى .
فعَنْ خَبَّابٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إِلَى قَوْلِهِ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ) قَالَ جَاءَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فَوَجَدَا رَسُولَ اللَّهِ مَعَ صُهَيْبٍ وَبِلَالٍ وَعَمَّارٍ وَخَبَّابٍ قَاعِدًا فِي نَاسٍ مِنْ الضُّعَفَاءِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمَّا رَأَوْهُمْ حَوْلَ النَّبِيِّ حَقَرُوهُمْ فَأَتَوْهُ فَخَلَوْا بِهِ ، وَقَالُوا إِنَّا نُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ لَنَا مِنْكَ مَجْلِسًا تَعْرِفُ لَنَا بِهِ الْعَرَبُ فَضْلَنَا فَإِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ تَأْتِيكَ فَنَسْتَحْيِي أَنْ تَرَانَا الْعَرَبُ مَعَ هَذِهِ الْأَعْبُدِ فَإِذَا نَحْنُ جِئْنَاكَ فَأَقِمْهُمْ عَنْكَ فَإِذَا نَحْنُ فَرَغْنَا فَاقْعُدْ مَعَهُمْ إِنْ شِئْتَ قَالَ نَعَمْ قَالُوا فَاكْتُبْ لَنَا عَلَيْكَ كِتَابًا قَالَ فَدَعَا بِصَحِيفَةٍ وَدَعَا عَلِيًّا لِيَكْتُبَ وَنَحْنُ قُعُودٌ فِي نَاحِيَةٍ فَنَزَلَ جِبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ (وَلَا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ) )
قوله (..وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) (52) ولذلك نهاه الله عن مجرد التفكير في تلك المساومة ، ولو أن يفعل ذلك بطريق الحيلة كما تقدم ارضاءً للطرفين ، قال الشيخ مصطفى العدوى (في هذه الآيات تأديب للدعاة إلى الله، صحيح أننا أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، لكن مع إنزال الناس منازلهم لا نضيع حق الفقراء وحق الضعفاء أمام المناصب الزائلة، والوجاهات التي ستزول وتفنى، فكل له حق يؤدى إليه) .
ولذلك كان لهؤلاء الضعفاء من الصحابة منزلة عالية عند رسول الله وشأن عظيم حتى أنه كان يحرص على رضاهم ولو على حساب صاحبه أبي بكر ، ففي صحيح مسلم أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبِلَالٍ فِي نَفَرٍ رأوه -وكان ذلك عام الفتح-فَقَالُوا وَاللَّهِ مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللَّهِ مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ اللَّهِ مَأْخَذَهَا ، قَالَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ ؟ فَأَتَى النَّبِيَّ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ يَا إِخْوَتَاهْ أَغْضَبْتُكُمْ قَالُوا لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَخِي) .
قوله (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) (53) أي أن اختلاف المستوى الاجتماعي بين الغني والفقير هو سبب فتنة بعضهم ببعض ، حيث يحقر الغني الفقير ، ويكون الفقير مفضلا على الغني في بعض المجالات ، وكذلك الحال بين القوي والضعيف ، وبين من آتاه الله سلطانا وغيره من المستضعفين ، قال الشعراوي (وجه الفتنة هنا أن قومًا طلبوا طرد المستضعفين وقالوا كما حكى الله عنهم : (أهؤلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ)؟ كأنهم تساءلوا عن المركز الاجتماعي للمستضعفين من المؤمنين ، ونظير ذلك ما ذكره الله من قولهم (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) [الشعراء:111] ، قال ابن القيم الجوزية (إذا رأى الشريف الرئيس المسكين الذليل قد سبقه إلى الإيمان ومتابعة الرسول حمى وأنف أن يسلم فيكون مثله ، فيقول أُسلم فأكون أنا وهذا الوضيع على حد سواء) ، فجاءهم الرد من الله (أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين) ، فسبحانه هو العليم أزلاً بالبشر ، ولا يقترح عليه أحد ما يقرره)
قوله (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) قال حقي (وفيه إشارة إلى أن أولئك الضعفاء عارفون لحق نعمة الله تعالى فى تنزيل القرآن والتوفيق للإيمان شاكرون له تعالى على ذلك ،وتعريض بأن القائلين بمعزل من ذلك كله)
وقد أشار النبي إلى أن الضعفاء الذين يهين شأنهم في أعين الناس هم في الغالب والأعم أقرب إلى الله من غيرهم ، فقال رسول الله (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ) ، قال ابن الأثير (يريد الذي يَتَضَعَّفه الناس ، ويَتَجَبَّرون عليه في الدُّنيا للفَقْر ورَثَاثةِ الحال) ، وقَالَ (رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ)
ولكنه لا يقسم على الله ليغير حاله في الدنيا رضا بربه وقد اطمأن لما قدره الله وقضاه فهذا هو المخبت ، المشغول بالآخرة ، وقد انشغل بها عن الدنيا ، وليس معنى ذلك أنه اختار أن يكون رث الثياب ، ولكن من الضعف بمكان أن صار من ذوي الفاقة والحاجة ، وهو يعلم أن الله جميل يحب الجمال ، ويحب الثوب الحسن والنعل الحسن ، ولكن ليس بالإمكان أفضل مما هو فيه .
ويشهد لذلك قول النَّبِيّ قَالَ (تَحَاجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتْ النَّارُ أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ وَقَالَتْ الْجَنَّةُ مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَقَالَ لِلنَّارِ إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا) ، ولذلك قال النووي في تفسير "الضعفاء" أى (العاجزون عن طلب الدنيا والتمكن فيها والثروة والشوكة) .
فقوله (لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ) قال ابن الأثير أي (أراذِلُهم وأدْوَانهم)
وقال القاضي عياض (قوله ضعفاؤهم أي مجاويعهم)
وقال صاحب التحفة (المراد بالحصر في قول الجنة إلا ضعفاء الناس الأغلب) .
وقال ابن الجوزي (ورد المدح – في الحديث - لحالها لأنهم قوم ليس فيهم خب ولا دغل شغلتهم التقوى عن ذلك) .
وفي زمننا هذا نجد أن أكثر رواد المساجد هم عمال النظافة وبعض أصحاب المهن البسيطة والحرف الصغيرة ، ولا تجد أحسن حالا في المواظبة على الصلاة بالمسجد إلا هؤلاء في صورتهم البسيطة المتواضع ، وهم خارج المسجد لا يؤبه لهم ، بينما تجد في مقابلة هذه الصورة انشغال أصحاب رؤوس الأموال ورجال الأعمال والسلطة والنفوذ بالدنيا فلا يكادون يدخلون المسجد إلا قليلا ، فمن أين تبدأ الدعوة ؟ وهنا يسأل المرء نفسه هل هؤلاء الضعفاء هم الذي ينتظر منهم أن ينصروا دعوة الحق ؟ أين المثقفون من هذه المسئولية ؟ أين رجال الصحافة والإعلام ؟ هل تنتشر دعوة الإسلام بدون هؤلاء ، ومن جهة أخرى يتساءل في فرض أن الإسلام قد انتشر ، وقد مكن الله أهل الحق لأداء الأمانات بين الناس ، فيتساءل مرة أخرى كيف يقيم هؤلاء الضعفاء دولة الإسلام وهم بهذا الحال الذي يرثى له ؟ أين رجال القانون ؟ أين رجال الشرطة ؟ أين الاقتصاديون ؟ لماذا مساجد الله خالية من هؤلاء جميعا ؟ فهل يستعمل الله لأمر نشر دعوته وإقامة شرعه هؤلاء الضعفاء من الرجال الذين لا يؤبه لهم ؟ كما يتكرر السؤال مرة أخرى فهل نبدأ بالإعلاميين والمفكرين والاقتصاديين ورجال الشرطة ورجال القانون والاقتصاديين أم نبدأ بأرباب المساجد ؟ هذا هو ما فعله رسول الله تحديدا حيث جمع تركيزه على أرباب المساجد الذين يجلسون معه ، ولم يعر اهتماما بأصحاب المال والجاه والسلطان ، فمن شاء منهم أن ينضم لإخوانه من المؤمنين الذي يجالسون النبي ويتناجون معه فليفعل ، ومن يستنكف فلا حاجة لدعوة الإسلام به .
قوله (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (54) هذه الآية تحض النبي على الاحتفاء بالمؤمنين القادمين عليه لكونهم مؤمنين وحسب ، فقد أمره الله بإلقاء السلام على المؤمنين حين يأتوه ، ما يعني أن لهم حقوق مثل غيرهم من المؤمنين لا فرق بين غني وفقير ، فالكل سواسية ، والجميع ينعمون بسلام الإسلام ورحمة الله ، ولذلك ازداد المؤمنون من حوله بالرغم من أن النواة الأولى التي كانت حول النبي من الضعفاء .
فثبات النبي على موقفه في عدم تجنيب الضعفاء هو الذي ضمن لهذه الدعوة الازدهار ، فعن أبي سفيان بن حرب أن هرقل ملك الروم سأله – لما دَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ - قَالَ (فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ قُلْتُ بَلْ يَزِيدُونَ.... وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ) .
قوله تعالى (..كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ..) (54) أي بشر هؤلاء القادمين عليك من المؤمنين بأن رحمة الله تحفهم بمجرد إقبالهم عليك طلبا للتزكية والإيمان ، قال رسول الله (وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ) .
ومن رحمة الله تعالى بعباده أن سخر هؤلاء الضعفاء من الصحابة لإقامة هذا الدين ، ليكونوا أرفأ الناس حالا بالناس حين يتولون أمانتهم ، وقد تربوا من قبل على هذه الرحمة ، حيث كان النبي يضمهم إلى جناحه ، فكانوا يجتمعون حول النبي في بيت الله تعالى يسمعون ما يتلى عليهم من الذكر والحكمة ، وكثيرا ما كان رسول الله يحدث أصحابه عن رحمة ربه ، ويحثهم على طاعته ومحبته ، ويدلهم على الأعمال التي تقربهم من الله .
وقد كان من رحمة النبي بأصحابه وإحاطته بهم أنه كان إذا جلس معهم يستحي أن يتركهم حتى يتركوه ، عن خباب (فَدَنَوْنَا مِنْهُ –أي النبي - حَتَّى وَضَعْنَا رُكَبَنَا عَلَى رُكْبَتِهِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَجْلِسُ مَعَنَا ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ قَامَ وَتَرَكَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) (الكهف) ، وَلَا تُجَالِسْ الْأَشْرَافَ (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا) يَعْنِي عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعَ (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) قَالَ هَلَاكًا قَالَ أَمْرُ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلَ الرَّجُلَيْنِ وَمَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ، قَالَ خَبَّابٌ فَكُنَّا نَقْعُدُ مَعَ النَّبِيِّ فَإِذَا بَلَغْنَا السَّاعَةَ الَّتِي يَقُومُ فِيهَا قُمْنَا وَتَرَكْنَاهُ حَتَّى يَقُومَ) .
قال تعالى (..أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(54) وبشرهم كذلك بتدارك ما فات بالتوبة ، فالتوبة من المعصية كانت محور حديث أصحاب النبي معه ، فعَنْ مُجَمِّعٍ التَّيْمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ مَاهَانَ ، قَالَ:"جَاءَ قَوْمٌ إِلَى النَّبِيِّ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَصَبْنَا ذُنُوبًا عِظَامًا، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَلَمَّا ذهبوا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: " وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ " الآية فَدَعَاهُمْ فَقَرَأَهَا عَلَيْهِمْ" .
وكان يعزيهم أن الذي اقترفوه ما اقترفوا إلا عن جهالة فإن تابوا بعدما جاءهم العلم وأصلح ما أفسد فإن الله يتوب عليه ويغفر له ويرحمه ، فعَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ "سُوءًا بِجَهَالَةٍ" ، مَنْ عَصَى رَبَّهُ فَهُوَ جَاهِلٌ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ" ، لأنه لو عرف قدر ربه ما عصاه ، ولم تأمل شرعه لعلم الفرق بين عمل البر والإثم ، فلفظ (الجهالة) يصف حالة التلبس بالمعصية ، ولذلك قال قتادة " أَجْمَعَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ عَصَى رَبَّهُ فَهُوَ فِي جَهَالَةٍ ، عَمْدًا كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، وَكُلُّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ " وَكَذَلِك قَالَ التَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ)
فالإسلام يريد من المسلم أن يعرف ربه ويتعرف على شرعه ، فيزيل حالة الجهالة عن قلبه ، ليعرف دينه بمجرد حرصه على إرضاء ربه ، فهذا الحرص كفيل بأن يعرف الحلال من الحرام ، فعن أبي أمامة قال : قال رجل : ما الإثم يا رسول الله ؟ قال : ما حاك في صدرك فدعه : قال : فما الإيمان ؟ قال : من ساءته سيئته وسرته حسنته فهو مؤمن) ، وفي رواية عن النبي قال (الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ)
قال أسعد حومد (وَلَعَلَّ أَقْرَبَ تَفْسِيرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ - هُوَ أَنْ نَقُولَ : إِنَّ الذِي يَعْمَلُ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ هُوَ الذِي يَرْتَكِبُ الذَّنْبَ فِي لَحْظَةٍ مِنْ لَحَظَاتِ الطَّيْشِ أَوِ الانْفِعَالِ أَوِ الضَّعْفِ الإِنْسَانِيِّ أَوِ الهَوَى الجَامِحِ أَو ثَوْرَةِ الغَضَبَ . . . وَمَا مَاثَلَ تِلْكَ الأَحْوَالِ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُ إنَّمَا يَرْتَكِبُ إِثْماً وَذَنْباً ، وَيُقْدِمُ عَلَى الذَّنْبِ وَهُوَ يَسْتَشْعِرُ فِي نَفْسِهِ النَّدَامَةَ ، ثُمَّ حِينَمَا يَثُوبُ إلى نَفْسِهِ يَنْدَمُ عَلَى مَا فَعَلَ ، وَيَتُوبُ إلَى رَبِّهِ ، وَيَسْتَغْفِرَهُ ، وَهُوَ يَشْعُرُ بِثِقَلِ الذَّنْبِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَهَذا غَيْرُ حَالِ مَنْ أَقْدَمَ عَلَى اقْتِرَافِ الذَّنْبِ وَهُوَ مُسْتَخِفٌّ بِالدِّينِ وَبِحُرُمَاتِ اللهِ ، غَيْرُ عَابِىءٍ بِهَا وَغَيْرُ مُسْتَشْعِرٍ نَدَماً عَلَى فِعْلِهِ) .
قال تعالى (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) (55) أي أن الله يأتي بالآيات الآية تلو الأخرى ليتضح للناس سبيل المجرمين ، فلا يخفى عليهم بعد ذلك ضلالهم ، ولا يلتبس عليهم الباطل بالحق ، وقد استبان الحق من أول آية ، ولكن كما قيل (وبأضدادها تعرف الأشياء) ، فلولا الشمس لم يعرف الظل ، أو كما قال المتنبي (وبضدها تتميز الأشياء) ، (فالضِّد يظهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ) .
يقول صاحب الظلال (هذه الآية القصيرة تكشف عن خطة المنهج القرآني في العقيدة والحركة بهذه العقيدة! إن هذا المنهج لا يُعنى ببيان الحق وإظهاره حتى تستبين سبيل المؤمنين الصالحين فحسب ، إنما يعنى كذلك ببيان الباطل وكشفه حتى تستبين سبيل الضالين المجرمين أيضاً . . إن استبانة سبيل المجرمين ضرورية لاستبانة سبيل المؤمنين ، وذلك كالخط الفاصل يرسم عند مفرق الطريق!) .
المسألة الرابعة : تبرؤ النبي من عبادة أصحاب الأهواء حتى حد المفاصلة
قوله تعالى (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (56) قال الشيخ طنطاوي (إشارة إلى أنهم فى عبادتهم لغير الله تابعون للأهواء الباطلة ، نابذون للأدلة العقلية ، وفى هذا أكبر برهان على انطماس بصيرتهم ، وبنائهم لدينهم على الأوهام والأباطيل)
قال ابن عجيبة (لأني قد اجتمعت أهوائي في محبوب واحد ، حين وصلت إلى حضرته ، وتنعمت بشهود طلعته ، فانحصرت محبتي في محبوب واحد ، وفي ذلك يقول القائل :-
تَركتُ للنَّاسِ ، ما تَهوَى نُفوسُهم ... مِن حُبِّ دُنيا ومن عزِّ ومن جَاهِ
كذَاكَ تَركُ المقَامَات هُذَا وَهُنَا ... والقَصدُ غَيبَتُنَا عَمَّا سِوَى اللهِ
وقد ذم النبي اتباع الهوى فقال (ما تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متبع) ، وقال (ثلاث مهلكات ، "شح مطاع" و"هوى متبع" و"إعجاب المرء بنفسه من الخيلاء") وثلاث منجيات "العدل" في الرضا والغضب و"القصد" في الغنى والفاقة و"مخافة" الله في السر والعلانية)
إذن التجرد عن الهوى هو حقيقة العبادة لله تعالى وشرط صحة العمل ، ونظير ذلك قوله (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله)«ص 26» ، وقوله (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن)«المؤمنون 71» ، قوله (وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم)«الانعام 116» ، وعن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله : (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) .
ومجانبة أصحاب الأهواء خير معين للمرء على اتباع الحق ، فعلي المسلم أن يجعل بينه وبين أهواء الظالمين حجابا ، كما أنه يجعل بينه وبين النار حجاب ، فهو يجتنب أهواءهم كما يجتنب النار لعلمه أنه لو اقترب منها لاحترق ، كما ورد في الحديث (مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً) .
ولكي يحصل ذلك لابد ومن أن يغلب الحب العقلي الهوي القلبي ، ولذلك قَالَ رسول الله (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) ، وفي رواية مسلم (وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) .
قَالَ الْبَيْضَاوِيّ في قوله (أَنْ يَكُون اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُوله أَحَبَّ إِلَيْهِ ) الْمُرَاد بِالْحُبِّ هُنَا الْحُبّ الْعَقْلِيّ الَّذِي هُوَ إِيثَار مَا يَقْتَضِي الْعَقْل السَّلِيم رُجْحَانه ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَاف هَوَى النَّفْس كَالْمَرِيضِ يَعَاف الدَّوَاء بِطَبْعِهِ فَيَنْفِر عَنْهُ وَيَمِيل إِلَيْهِ بِمُقْتَضَى عَقْله فَيَهْوَى تَنَاوُله ، فَإِذَا تَأَمَّلَ الْمَرْء أَنَّ الشَّارِع لَا يَأْمُر وَلَا يَنْهَى إِلَّا بِمَا فِيهِ إِصْلَاح عَاجِل أَوْ إِصْلَاح آجِل وَالْعَقْل يَقْتَضِي رُجْحَان جَانِب ذَلِكَ تَمَرَّنَ عَلَى الِائْتِمَار بِأَمْرِهِ بِحَيْثُ يَصِير هَوَاهُ تَبَعًا لَهُ وَيَلْتَذّ بِذَلِكَ اِلْتِذَاذًا عَقْلِيًّا إِذْ الِالْتِذَاذ الْعَقْلِيّ إِدْرَاك مَا هُوَ كَمَال وَخَيْر مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ
وَعَبَّرَ الشَّارِع عَنْ هَذِهِ بِالْحَلَاوَةِ لِأَنَّهَا أَظْهَر اللَّذَائِذ الْمَحْسُوسَة قَالَ وَإِنَّمَا جَعَلَ هَذِهِ الْأُمُور الثَّلَاثَة عِنْوَانًا لِكَمَالِ الْإِيمَان لِأَنَّ الْمَرْء إِذَا تَأَمَّلَ أَنَّ الْمُنْعِم بِالذَّاتِ هُوَ اللَّه وَأَنْ لَا مَانِع فِي الْحَقِيقَة سِوَاهُ وَأَنَّ مَا عَدَاهُ وَسَائِط ، وَأَنَّ الرَّسُول هُوَ الَّذِي يُبَيِّن لَهُ مُرَاد رَبّه اِقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَتَوَجَّه بِكُلِّيَّتِهِ نَحْوه ، فَلَا يُحِبّ إِلَّا مَا يُحِبّ وَلَا يُحِبّ مَنْ يُحِبّ إِلَّا مِنْ أَجَله وَأَنْ يَتَيَقَّن أَنَّ جُمْلَة مَا وَعَدَ وَأَوْعَدَ حَقّ بِيَقِينٍ تَخَيَّلَ إِلَيْهِ الْمَوْعُود كَالْوَاقِعِ فَيَحْسِب أَنَّ مَجَالِس الذِّكْر رِيَاض الْجَنَّة وَأَنَّ الْعَوْد إِلَى الْكُفْر إِلْقَاء فِي النَّار) .
قوله (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي)(58) أي أنه اتبع الحق لا عن هوى كما اتبعوا أهواءهم ، وإنما اتبع منهج الله عن بصيرة ويقين ، قال القرطبي (أي دلالة ويقين وحجة وبرهان، لا على هوى) ، قال الشعراوي (هنا يبلغ الحق رسوله أن تركه لعبادة الأصنام ، وإن كان أمراً قد اهتدى إليه بفطرته السليمة ، فإنه قد صار الآن من بعد البعثة عبادة) .
قوله (..وَكَذَّبْتُمْ بِهِ..) أي كذبتم بما عندي من الحجة ، قال ابن عاشور (وجملة "كذبتم به" تفيد التعجب منهم أن كذبوا بما دلت عليه البينة) ، وفي ذلك حجة للمفاصلة بينهم وتهديد لهم باقتراب أن يتأيهم عذاب الله بغتة ، وكأن المعنى (أنا على بينة وأنتم كذبتم بما دلت عليه البينات فشتان بيني وبينكم) .
قوله (..مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ..) تحدى المشركون الرسول أن يأتيهم بما أنذرهم به ، فلقنه الله الإجابة أنه ليس يملك من الأمر شيئا ، وإنما الأمر كله لله ، وإنما هو مأمور بالبلاغ وعلى الله الحساب والجزاء ، قال تعالى (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمًّى لَجَاءهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) (العنكبوت 53-54)
قوله (..إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ..) قال الشعراوي (إن الحكم لله وحده ، فإن شاء أن ينزل عذابا ويعجل به في الدنيا كما أنزل على بعض الأقوام من قبل فلا راد له ، وإن شاء أن يؤخر العذاب إلى أجل أو إلى الآخرة فلا معقب عليه)
قوله (يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) (57) أي يبلغه على لسان رسله وأنبيائه ، عَنْ عَطَاءٍ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) ، وَقَالَ: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) أي أن أسلوب القصص في العرض وطريقة البلاغ للناس هو ما يتميز به القرآن ليحبب لهم الحق وأهله بأسلوب يثبت نجاح التجربة العملية ويكره لهم الكفر وأهله بأسلوب يتضمن العبرة والعظة ، فيكون اتباعهم للحق عن منهج عملي منظور قص عليهم أن أمثالهم قد اتبعوه ، قال الزمخشري (أي يتبع الحق والحكمة فيما يحكم به ويقدّره) .
فإذا حصل البلاغ قامت الحجة ، وإذا قامت الحجة حصلت المفاصلة بين أهل الحق وأهل الباطل ، قال الواحدي معناه : (يقضي القضاء الحق ، وقوله "وهو خير الفاصلين" الذين يفصلون بين الحقِّ والباطل) ، فإذا قامت حجة الله على العباد فصل بينهم بقضائه ، فيهلك من هلك عن بينة .
قوله (قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ) قال صاحب الظلال (ولو كان رسول الله يملك هذا الذي يستعجلون به ، ما أمسكه عنهم ، ولضاقت بشريته بهم وبتكذيبهم ، فإمهالهم هذا الإمهال هو مظهر من مظاهر حلم الله ورحمته ، كما أنها مجال تتجلى فيه ألوهيته) .
-
الاربعاء PM 04:34
2026-09-16 - 35



