ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
سنة الله في المشركين
قال تعالى (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41)وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)
يهدد الله الذين يدعون غيره بأن يأتيهم عذابه فيمسهم منه ليرفعون أكف الضراعة لله ، وعندئذ يستبين لهم أن الأسباب التي كانوا يتكلون عليها لم تنفعهم لكشف الضر أو بأس الله عنهم ، لكن آخرين منهم قست قلوبهم فلم ينتبهوا لحكمة الله لإنزال بأسه بهم ، فهؤلاء يستدرجهم الله تعالى ، ويفتح عليهم أبواب الدنيا ، وينزل عليهم الخيرات ، حتى إذا اغتروا بزينة الدنيا وفرحوا بها أخذهم عذابه بغتة ، فتقوم ساعتهم ويهلكهم ، ويقطع دابرهم ، ويعقب الله تعالى علي تلك الحالة التي أودت بهم الهلاك بأن الاسترسال في المعصية يوشك أن يختم على قلوبهم بالكفر ثم يبغتهم العذاب فيهلكهم ، لأنهم كانوا ظالمين.
قوله تعالى (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (40) قال ابن عطية : والمعنى : أرأيتكم إن خفتم عذاب الله أو خفتم هلاكاً أو خفتم الساعة أتدعون أصنامكم وتلجؤون إليها في كشف ذلك إن كنتم صادقين في قولكم أنها آلهة بل تدعون الله الخالق الرازق فيكشف ما خفتموه إن شاء وتنسون أصنامكم أي تتركونهم؟[1]، وفي ذلك (تبكيت لهم)[2] ، وإبطال لدعواهم أن مع الله آلهة أخرى ، فالإنسان في وقت الأزمات يكون أقرب للصدق في القول كما في قوله (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (الأعراف 22) ، وقوله تعالى (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) (العنكبوت 65).
قوله تعالى (..بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ..) قال القرطبي (أي أنتم عند الشدائد ترجعون إلى الله، وسترجعون إليه يوم القيامة أيضا فلم تصرون على الشرك في حال الرفاهية)[3]، وقال صاحب الظلال (نحن نشك شكاً عميقاً في أن أولئك الذين يمارسون الإلحاد في صورته هذه صادقون فيما يزعمون.... ذلك أن الفطرة تعرف ربها ، وتدين له بالوحدانية ، فإذا غشي عليها الركام فترة ، فإذا هزها الهول تساقط عنها الركام كله وتعرت منه ، وعادت إلى بارئها كما خلقها أول مرة .. مؤمنة طائعة خاشعة ..)[4].
قوله تعالى (..فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ..) كما في قوله تعالى (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) (النمل 62) ، وفي الآية دليل على أن الله يجيب عبده ولا يتركه دون أن يجيب حاجته شريطة أن يعزم المسألة وهو موقن بالإجابة .
فعن النبي r قال (ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ)[5] ، وعن النبي r قال: (لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ قَالَ يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ)[6].
وفي قوله (..إِنْ شَاءَ..) قال السمرقندي (وإنما قرن بالاستثناء وبالمشيئة ، لأن كشف العذاب فضل الله تعالى ، وفضل الله تعالى يؤتيه من يشاء)[7] ، قال أبو السعود أي (إن شاء كشفَه لبيانِ أن قبولَ دعائِهم غيرُ مطَّردٍ ، بل هو تابعٌ لمشيئته المبنيةِ على حِكَمٍ خفيةٍ قد استأثر الله تعالى بعلمها ، فقد يقبلُه كما في بعض دعواتهم المتعلقةِ بكشف العذاب الدنيوي ، وقد لا يقبله كما في بعضٍ آخَرَ منها ، وفي جميع ما يتعلق بكشف العذابِ الأخرويِّ الذي من جملته الساعةُ)[8] .
قوله (..وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) (41) كناية على شدة تعلقهم بالله عند حلول المصيبة ، وكأنهم نسوا أنهم قبل ذلك كانوا يشركون بالله ، وفي ذلك دليل على أنهم إنما أشركوا لا عن جهل أو خطأ وإنما عن استكبار وعلو ، فلما قهرهم الله وأذل كبرياؤهم بالمصائب التي نزلت عليهم رجعوا إلى الله يدعونه ، قال تعالى (فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (الزمر 49) ، ومثل قوله تعالى (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) (الروم 33) .
قوله تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) (42) هنا تتجلى حكمة الله في إنزال البلاء بالعباد ، بإظهار رحمة الله بهم ، وذلك حين يدفعهم البلاء دفعا لأن يرفعوا أيديهم إلى مولاهم يرجونه ويدعونه ، وليس جميع المضطرين يتضرعون في هذا الحال ، وإنما يكفي أن يكون هذا البلاء سببا لهداية بعضهم ، وهؤلاء هم المرجو صلاحهم وتضرعهم في هذه الآية .
قوله تعالى (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) هذا هو الصنف الثاني من المضطرين الذين لا يتضرعون حتى عند المصيبة ، قال الشوكاني (وهذا عتاب لهم على ترك الدعاء في كل الأحوال حتى عند نزول العذاب بهم لشدة تمرّدهم وغلوّهم في الكفر)[9]، وفي ذلك (استدراكٌ عما قبله أي فلم يتضرعوا إليه تعالى برقةِ القلب والخضوع ، مع تحقق ما يدعوهم إليه ، ولكن ظهر منهم نقيضُه حيث قستْ قلوبُهم أي استمرتْ على ما هي عليه من القساوة أو ازدادَتْ قساوةً)[10].
قوله تعالى (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (43) وهذا من أقوى الأسباب لبعد الإنسان عن الله ، ومجافاته لطريق الحق ، ومخاصمته لأهل الحق ، وهو أن يزين له الشيطان السوء ، فيراه وكأنه خير ، فيظل في الشر ويظل في طغيانه حتى العمه ، (هناك أمم مكنها الله في الأرض وأنعم عليه بالرخاء ، لكنها لا تعرف سنة الله في الشدة والرخاء ، ولا تشعر باستدراج الله لها ، يتعاظمها السلطان ويخدعها إملاء الله ، فلا تعبد الله ولا تعرفه ، بل تتمرد على سلطانه حين تدعي لأنفسها بعض خصائص الألوهية ، فذلك من تزيين الشيطان لها) [11].
قوله تعالى (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ) أي نسي الإنسان ما كان يدعو إليه من قبل لكشف الضر عنه ، كما في قوله تعالى (وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (الزمر 8)
قوله تعالى (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا) (44) أي استدرجهم الله ، ونظير ذلك قوله (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حتى حِينٍ * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات بَل لاَّ يَشْعُرُونَ) [ المؤمنون : 54 - 56] ، وقال تعالى (وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ) (الأعراف 182) .
قال شيخ الأزهر سيد طنطاوي في قوله تعالى (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) (يرسم صورة بليغة لإقبال الدنيا عليهم من جميع أقطارها بجميع ألوان نعمها ، وبكل قوتها وإغرائها ، فهو اختبار لهم بالنعمة بعد أن ابتلاهم بالبأساء والضراء) [12]، وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ r "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ"[13]
قوله تعالى (أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) (44) قال أبو حيان (معنى هذه الجمل معنى قوله " ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً")[14]، وقوله تعالى (فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) أي (متحسِّرون غاية الحسرة آيسون من كل خير)[15]
قال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) (الأعراف 96) ، أي أنهم لو حصلوا التقوى لما أخذهم الله بغتة وانتهى أمد تمتعهم من الدنيا ولكنه استدراج الله لهم حتى أخذهم بشدة ، قال رسول الله r (إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ)[16] ، ثم قرأ قوله سبحانه (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود 102) .
وفي قوله (فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) قال عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ ("الْمُبْلِسُ" "الْمَجْهُودُ الْمَكْرُوبُ" ، الَّذِي قَدْ نَزَلَ بِهِ الشَّرُّ الَّذِي لا يَدْفَعُهُ)[17] ، وعنِ السُّدِّيِّ قَالَ: هو "تَغَيُّرُ الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ إِبْلِيسُ لأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَبْلَسَهُ وَغَيَّرَهُ"[18]، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ"أُبْلِسُوا" يعني "أَيِسُوا" ، والمعنى فإذا هم يائسون من النجاة مما نزل بهم ، وحل عليهم .
قال تعالى (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا) (45) قال الزمخشري أي (لم يترك منهم أحد ، قد استؤصلت شأفتهم)[19]، وقال الواحدي أَيْ : (غابرهم الذي يتخلَّف في آخر القوم ، والمعنى : استؤصلوا بالهلاك فلم يبق منهم باقية)[20]
قوله تعالى (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إشعار بالنعمة والفضل بإهلاك الظالمين ونصر المرسلين كما وعد الله ، وتطبيق سنته التي لا تتبدل ولا تتغير ، قال السمرقندي (هذا تعليم ليحمدوه سبحانه على إهلاك الظالمين)[21]، ويعلق صاحب الظلال على هذه النهاية لأهل الشر فيقول (غير أنه ينبغي ، مع ذلك ، التنبيه إلى أن سنة الله في تدمير ( الباطل ) أن يقوم في الأرض (حق) يتمثل في (أمة) ... ثم يقذف الله بالحق على الباطل فيدمغه فإذاهو زاهق . . فلا يقعدنّ أهل الحق كسالى يرتقبون أن تجري سنة الله بلا عمل منهم ولا كد ، فإنهم حينئذ لا يمثلون الحق ، ولا يكونون أهله . . وهم كسالى قاعدون . . والحق لا يتمثل إلا في أمة تقوم لتقر حاكمية الله في الأرض ، وتدفع المغتصبين لها من الذين يدعون خصائص الألوهية)[22] .
قوله تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ) (46) تصوير لعجز المشركين إزاء بأس الله تعالى ، لاسيما وقد عطلوا -من قبل- أجهزة الاستقبال لديهم ، فأعرضوا عن السماع واستكبروا عما يرونه من آيات ، وهوت قلوبهم إلى زينة الدنيا ، ولم تنتبه إلى ما وعد الله من نعيم الآخرة ، فلم يكن بها متسع لتذكر شيء من أمور الآخرة ، فلما عطلوا نعم الله التي رزقهم إياهم كانت الحكمة أن يسلبها الله منهم .
وتلك القاعدة معروفة في كل العلوم ، ففي مجال اللغة يقولون if you don’t use you will lose ، وفي مجال الرياضة يقولون العضلة إذا لم تعمل فإنها تضمر ، ولذلك يقومون بتحريك المريض كعلاج طبيعي له حتى لا يفقد الكتلة العضلية بعد مكث في الفراش فترة طويلة بعد إجراء العمليات الجراحية ، لأنه لو فقدها لن يستطيع المشي ، وفي مجال القدرة العقلية لو لم يعمل العقل لفترة لأصابه شيء من التخلف والانتكاس ، ويصيبه الغباء ، ثم أمراض مثل الزهايمر ..الخ
والمعنى الذي تشير إليه الآيات هو أنهم لما عطلوا أجهزة الاستقبال لديهم خسروا أنفسهم ، وهم بعد ذلك لن يسترجعوها إذا ما سلبها الله منهم عقوبة لهم .
قال الشعراوي (قد أخذوا نعمة الله واستعملوها لمحادَّة الله وعداوته ، أوتوا السمع ولكنهم صموا عن سماع الهدى ، أعطاهم الأبصار ولكنهم عموا عن رؤية آيات الله ، ومنحوا القلوب ولكنهم أغلقوها في وجه قضايا الخير ، فماذا يفعلون إن أخذ الله منهم هذه النعم؟)[23]
وقال الخازن (وإنما ذكر هذه الأعضاء الثلاثة ، لأنها أشرف أعضاء الإنسان فإذا تعطلت هذه الأعضاء ، اختل نظام الإنسان وفسد أمره وبطلت مصالحه في الدين والدنيا)[24]
وقال الكعبي : (دلت هذه الآية على أنه تعالى مكنهم من الفهم ، ولم يخلق فيهم الإعراض والصد ولو كان تعالى هو الخالق لما فيهم من الكفر لم يكن لهذا الكلام معنى)[25].
في قوله (انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُون) أي أن الله لم ينقصهم شيئا ، فقد خلق لهم الحواس جميعا "الأسماع والأبصار والقلوب" ، ولكنهم لم يستعملوا آلتها ، ففقدت هذه الجوارح "الآذان والأعين والقلوب" حواسها ، فأضحت لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل ، قال الإمام البقاعي (أي نوحي الآيات لهم ولغيرهم في كل وجه من وجوه البيان بالغ من الإحسان ما يأخذ بالعقول ويدهش الألباب ، ويكون كافياً في الإيصال إلى المطلوب؛ ولما كان الإعراض عن مثل هذا في غاية البعد عبر بأداة التراخي فقال : "ثم هم" أي بَعُد هذا البيان بصميم ضمائرهم "يصدفون" أي يعرضون إعراضاً لازماً لهم لزوم الصفة)[26]، قَالَ السُّدِّيِّ: "يَصْدِفُونَ " ، "يَصُدُّونَ" [27]أي عن سبيل الله .
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنشد لهذا المعنى قول أبي سفيان بن الحرث
: عجبت لحكم الله فينا وقد بدا ... له صدفنا عن كل حق منزل[28]
قوله (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ) (47) تهديد ثالث وأخير لهؤلاء الظالمين ، وبعده سوف تطبق عليهم سنة الله ، وليس ثمة إنذار بعد ذلك ،(فالأول بأحد أمرين : العذاب والساعة ، والثاني : بالأخذ والختم ، والثالث : بالعذاب فقط) [29]
ونظير ذلك قوله تعالى : (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـاتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) (الأعراف : 97 ، 98)
وقوله (حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (يونس 24)
قوله (هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ) (47) قال القاسمي (مناط إهلاكهم ظلمهم الذي هو وضعهم "الإعراض" عما صرفه الله لهم من الآيات ، موضع "الإيمان")[30].
[1] ) البحر المحيط لأبي حيان ج5 ص 150
[2] ) تفسير البيضاوي ج2 ص 147
[3] ) تفسير القرطبي ج6 ص 423
[4] ) في ظلال القرآن ج3 ص 30
[5] ) رواه الترمذي ج11 ص 383 رقم 3401 وصححه الألباني : صحيح الترمذي ج3 ص164 رقم 2766
[6] )رواه مسلم ج13 ص 277 رقم 4918
[7] ) بحر العلوم ج2 ص 35
[8] ) تفسير أبي السعود ج2 ص 361
[9] ) فتح القدير ج2 ص 412
[10] ) تفسير أبي السعود ج2 ص 362
[11] ) إيجاز الفكرة التي ذكرها سيد قطب في ظلال القرآن ج3 ص 33
[12] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1458
[13] ) رواه أحمد في مسنده ج 35 ص 183 رقم 16673 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 57 رقم 562
[14] ) البحر المحيط ج5 ص 157
[15] ) تفسير أبي السعود ج2 ص 362
[16] ) رواه البخاري ج14 ص 368 رقم 4318
[17] ) تفسير ابن أبي حاتم ج5 ص 233
[18] ) تفسير ابن أبي حاتم ج5 ص 233
[19] ) الكشاف ج2 ص 116
[20] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 186
[21] ) بحر العلوم ج2 ص 36
[22] ) في ظلال القرآن ج3 ص 34
[23] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2519
[24] ) تفسير الخازن ج2 ص 390
[25] ) تفسير الرازي ج6 ص 290
[26] ) نظم الدرر ج3 ص 55
[27] ) تفسير ابن أبي حاتم ج5 ص 236
[28] ) تفسير الألوسي ج5 ص 323 انظر السيوطي في الدر المنثور ج4 ص 271
[29] ) تفسير البحر المحيط ج5 ص 149
[30] ) محاسن التأويل
-
الاربعاء PM 04:08
2026-09-16 - 45



