المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1998930
يتصفح الموقع حاليا : 969

البحث

البحث

عرض المادة

تثبيت الرسول إزاء مجادلة قومه له

تثبيت الرسول إزاء مجادلة قومه له

قال تعالى (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39)

قوله تعالى (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ) الحزن أول مدخل من مداخل الشيطان ليصرف أهل الحق عن المضي قدما في طريق الدعوة إلى الله لو تمكن الحزن من قلوبهم فخزلهم عن السير في الطريق المستقيم ، قال ابن القيم (لم يأت الحزن في القرآن إلا منهيا عنه أو منفيا ، وسر ذلك :أن الحزن موقف غير مسير ولا مصلحة فيه للقلب وأحب شيء إلى الشيطان : أن يحزن العبد ليقطعه عن سيره ويوقفه عن سلوكه) قال الله تعالى (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (المجادلة10) ، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال (كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ  إِذَا نَزَلَ ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقْولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ) ، قال ابن القيم (وكلاهما -الهم والحزن- مضعف للقلب عن السير مقتر للعزم) .

لكن الحزن - من جهة أخرى - عارض يصيب القلب ، فهو أشبه بالمرض ، وذاك هو ابتلاء الله ، وليس الإبتلاء بمطلوب ، ولا بمرغوب ، فلا يتمنى أحد أن يبتلى ، ولكن يسأل الله العافية ، لكن إذا ابتلي المسلم بالحزن فعليه بالصبر ، فهو واجب ، وثواب الصبر عظيم ، قَالَ رسول الله  (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ) ، قال ابن القيم (فهذا يدل على أنه مصيبة من الله يصيب بها العبد يكفر بها من سيئاته لا يدل على أنه مقام ينبغي طلبه واستيطانه ،فالحزن مصيبة من المصائب التي يبتلي الله بها عبده فإذا ابتلى به العبد فصبر عليه أحب صبره على بلائه) .

قوله تعالى (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (33) عزاء من الله تعالى لنبيه في هذا الموقف الذي بدا فيه حزنه من تعنت قومه معه وعنادهم له وهو يريد بهم الخير ، مبينا له أن عداوتهم له ليست شخصية ، فليس هجومهم عليه نابع من تقصير منه أو عيب صادر عنه ، وإنما هم يعادونه لأجل ولايته من الله ، فهم في الحقيقة أعداء الله ، فليس له أن يحزن على تكذيبهم له ، لأن صاحب الحق هو الله ، والله قد نهاه عن ذلك ، كما في قوله في موضع آخر (فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (المائدة 68) .

فإذا أراد أن ينتصر لصاحب الحق فليس عليه أن يحزن ، لأن ذلك ليس طريق الانتصار ، ولكن عليه أن يعلم الأمر الذي جعلهم يكذبون ، وهو جحود النعمة ، قال أبو حيان (وفي الكلام حذف تقديره : فلا تحزن فإنهم لا يكذبونك ، وأقيم الظاهر مقام المضمر تنبيهاً على أنّ علة الجحود هي الظلم وهي مجاوزة الحدّ في الاعتداء) .

قوله تعالى (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا)(34) لما خوطب النبي  بمثل هذه الآية صبر وصبَّر أصحابه ، فعَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ  وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا لَهُ أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا قَالَ كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) .

فكأن صبر الرسل ومن تبعهم على أذى من خالفوهم هو دليل إرشادي لأهل الدعوة ليعلموا أنهم على الحق ، فيزدادوا جلدا وصبرا ، وليعلموا أنه لابد من هذا الاختبار حتى يحصل النصر ، ولذلك قيل أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرا .
يقول الشيخ سلمان العودة (فالذي يريد أن يدعو ولكنه لا يريد أن يقال له شيء، ولا أن تخدُش أذنه كلمةٌ خشنة، ولا أن يوقف ساعة أو ساعتين، ولا أن يسجن يوماً أو شهراً أو سنة، ولا أن يضيق عليه في رزقه، ولا أن يؤذى، ولا أن تحاصر كلمته ، هذا الإنسان عليه أن يكبر الوسادة، ويجلس في عقر داره، فليس هذا طريق الدعوة؛ طريق الدعوة معروفٌ، والكلام الذي كنت تسمعه نظرياً بالأمس، ينبغي أن تطبقه عملياً اليوم، فلا يضر الإنسان أن يؤذى في ذات الله عز وجل، بل يكفي الإنسان شرفاً وفخراً أن يؤذى في الله، فإن الله عز وجل يصطفي الأخيار للابتلاء والاختبار) .

ومع ذلك لابد من تمنى العافية لا تمني البلاء ، قال رسول الله  (اسْأَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا مِنْ الْعَافِيَةِ) ، وقال رسول الله  (لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ قَالُوا وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ قَالَ يَتَعَرَّضُ مِنْ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُهُ) .

قوله تعالى (وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) (34) (فيها تأنيس للرسول عليه الصلاة والسلام، وتطمين له وللمؤمنين بحلول النصر الموعود به) ، قال تعالى (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) (الحديد 21) ، ويشهد لذلك ما أخبره الله به من نبأ المرسلين من قبله ، وفي ذلك تأكيد على أنها سنة ربانية ماضية ، ولابد أن تتكرر عبر التاريخ ، ونظيره قوله تعالى (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) (الصافات 171-173).

يقول الشيخ علي بن نايف (تنتقل الآيات من الاستطراد في تطييب خاطر الرسول  إلى الاستطراد بتذكيره بما وقع لإخوانه الرسل قبله ثم ما كان منهم إلا الصبر والمضي في الطريق , حتى جاءهم نصر الله ، ما يعني أن هذه هي سنة الدعوات لا تتبدل , ولا تستعجل مهما ينزل بالدعاة من الأذى والتكذيب والضيق. . فموكب الدعوة موغل في القدم , ضارب في شعاب الزمن , ماض في الطريق.. مستقيم الخطي , ثابت الأقدام ، يعترض طريقه المجرمون من كل قبيل , فيصيب الأذى الدعاة إلى هذا الطريق , وتسيل فيه الدماء وتتمزق الأشلاء . . لكن الموكب في طريقه لا ينحني ولا ينثني ولا ينكص ولا يحيد ... والعاقبة هي العاقبة , مهما طال الزمن ومهما طال الطريق . . إن نصر الله دائما في نهاية الطريق (ولا مبدل لكلمات الله , ولقد جاءك من نبأ المرسلين) . .كلمات يقولها الله - سبحانه - لرسوله  . . للذكرى , وللتسرية وللمواساة والتأسية . . . ترسم للدعاة من بعد رسول الله  طريقهم واضحا , ودورهم محددًا , كما ترسم لهم متاعب الطريق وعقباته , ثم ما ينتظرهم بعد ذلك كله في نهاية الطريق . . .) .

قوله تعالى (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (35) سبق أن طلب المشركون من النبي  أن يُصَيِّر لهم حياتهم الدنيا إلى أحسن حال ، على اعتبار أنه مؤيد من ربه ومؤيد بالمعجزات ، فإذا دعا الله مهد لهم أرض مكة الوعرة وجعلها أنهار وجنات ، وأزال الجبال من حولها ، أو أن يرون نعمة الله عليه حيث الكنوز والبيوت المزخرفة ، (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا) (93) وهكذا يتمنون الدنيا أي لا يرغبون في شيء من الآخرة ، والنبي يخاطبهم لأجل الآخرة ، ولهم هؤلاء همهم الدنيا وحسب .

وفي سياق الآية التي نحن بصددها يبين الله تعالى أنه ليس عليه أن يفعل مثلما فعل عيسى بن مريم حين استجاب لقومه فدعا ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء تكون لهم عيدا لأولهم وآخرهم ، فليس عليه أن يكلف نفسه عناء ذلك ، فالدعوة الإسلامية وإن كان فيها جانب يصلح الحياة الدنيا ، فإنها كذلك تصلح الحياة الآخرة ، ولكن ذلك مرهون بالتضحية بشيء من الحياة الدنيا لأجل إصلاح الآخرة كما تقدم ، وليس العكس بصحيح ، ولذلك فإنهم إذا أرادوا أن يبرهن لهم عن صدقه ونجاح دعوته ، فليس عليه أن يسعى لتلبية مطالبهم الأرضية بأن يزيل عنهم أصعب مشكلة جغرافية في مكة فيصنع نفقا يجعلهم يعبرون من تحت الجبال الوعرة أو أن يلبي مطالبهم بمعجزة سماوية ، فيرقى في السماء فيأتيهم بنفسه بما يطلبون من رزق السماء ، لا هذا ولا ذاك .

 

قال الشيخ سيد طنطاوي والمعنى : (وإن كان - يا محمد - قد شق عليك إعراض قومك عن الإيمان وظننت أن إتيانهم بما اقترحوه من آيات يكون سبباً فى إيمانهم ، فإن استطعت أن تطلب مسلكا عميقاً فى جوف الأرض أو مرقاة ترتقى بها إلى السماء لتأتيهم بما اقترحوا من مطالب ، فافعل فإن ذلك لن يفيد شيئاً لأن هؤلاء المشركين لا ينقصهم الدليل الدال على صدقك ، ولكنهم يعرضون عن دعوتك عناداً وجحوداً)

فمنهج الدعوة الإسلامي يهتم بالإنسان ذاته ، ليجعله قادرا على أن يحسن معيشته ويساعد غيره ويبني مجتمعه وجيشه ودولته ، وليس هذا المنهج مجرد برنامج حزبي يعد جمهوره بتمهيد الطرق وبناء المستشفيات والمصانع وتوظيف أبناءهم ، إنه أعظم من ذلك بكثير ، فهو منهج يصنع الإنسان ذاته ، والذي بدوره يصنع مجتمعه وتاريخه وحضارته .

ولذلك ينبغي لأهل الدعوة الإسلامية ألا ينزلقوا في هذا المنزلق الخطير ، فيتصارعوا مع الأحزاب السياسية أو يتنافسوا مع المؤسسات الاقتصادية أو يشاركوا مع الجمعيات الخيرية ليثبتوا للناس منهج الإسلام بهذه الطريقة ، لأن من الطبيعي أن يفوز عليهم حزب سياسي أو تتفوق عليهم مؤسسة اقتصادية أو يتسع نشاط جمعية خيرية بما يفوق أوجه البر التي يقدمونها للناس ، وليس عليهم أن يقصوا أنفسهم كذلك من هذه المجالات ، وإنما المعنى المراد سوقه هو أن تشاركوا مع الناس كما يتشارك الناس معهم بعيدا عن إقحام الدعوة في هذه الأعمال ، ولتكون باسمهم هو وليست باسم الإسلام ، ولذلك كان النبي  حريصا على تعليم أصحابه هذا المعنى فقال لعلي بن أبي طالب قبل غزوته ، (وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا) .

قوله (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى) قال القرطبي المعنى : (أي لأراهم آية تضطرهم إلى الإيمان، ولكنه أراد عز وجل أن يثيب منهم من آمن ومن أحسن) ، كما في قوله: "وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا" [السجدة 13] وقوله تعالى: "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا" [الأنعام 107] ، وقوله تعالى "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً" ، قال ابن عجيبة أي (لو شاء الله جمعهم على الهدى لوفقهم للإيمان ، ولكن لم تتعلق به مشيئته ، ولو شاء الله لأظهر لهم أية تلجئهم إلى الإيمان ، لكن لم يفعل ، لخروجه عن الحكمة) .

فأهل الدعوة إذا رشدوا مجهودهم الدعوي في الدعوة ذاتها لأغناهم ذلك عن الانشغال بالكثير من المجالات باسم الدعوة ، لا غبار عليهم أن ينشغلوا مثل غيرهم بالتجارة والصناعة والتعليم والزراعة ...الخ ، ولكن هذا شيء يستقل تماما عن العمل الدعوى المباشر ، وإن كان اهتمامهم بالحياة الدنيا وتعميرها يؤثر ولا شك في قناعة الناس حين يرون المسلمون ناجحون في تلك المجالات لاتباعهم شرع ربهم ، إلا أن هذا الجانب حظ أنفسهم فيه ظاهر ، بينما جانب الوعظ والإرشاد المباشر له حظ على أنفسهم يجب أن يراعوه ترشيدا للجهد الدعوى من جهة ، وتفويضا للنتائج إلى الله تعالى الذي لو شاء لهداهم بأقل من ذلك الجهد متى أراد.

قوله (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) قال ابن عجيبة أي (ولا تقارب حالهم بشدة التحسر ، ولا تكونن من الذين يحرصون على ما لم تجر به المقادير) ، أي : لا تحرص على هداهم والقدر لم يكتب لهم الهدى .
وقيل (الخطاب له والمراد الأمة ؛ فإن قلوب المسلمين كانت تضيق من كفرهم وإذايتهم)
قال النيسابوري (فهذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة ، ولكنه يفيد التغليظ وتأكيد الامتناع عن الجزع والإضراب عن الحزن والأسف على إيمان من لم يشأ الله إيمانه) .
يقول الشعراوي (والحق حين يقول لرسوله ذلك فهو يقولها لا من مظنة أن يفعلها الرسول؛ فالرسول معصوم من الجهل ، ولكن هو قول فيه تنزيه للرسول عن أن يكون في مثل هذا الصنف من الجاهلين) ، أي لا تكونن من الذين يحرصون على حصول النتائج ولا يفوضونها لله .
قال القرطبي (أي لا تكونن من الذين اشتد حزنهم وتحسروا حتى أخرجهم ذلك إلى الجزع الشديد، وإلى ما لا يحل؛ أي لا تحزن على كفرهم فتقارب حال الجاهلين)

قوله (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ..) جئ بأسلوب القصر لبيان من يستجيب لدعوة الإسلام ، وهم الذين تهيئوا لاستقبال كلام الله بقلب مفتوح ، قال الشعراوي (هناك فارقاً بين سماع ظاهره "مجرد سماع" وفي ذات الوقت باطنه "انصراف" ، وبين سماع ظاهره "طاعة" وباطنه "محبة" لهذه الطاعة) .

ففي الآية جزم قاطع بإيمان كل من يستمع لكلام الله بقلب منشرح للحق غير مستكبر ولا معرض عنه ، ففي خضم التجارب الحياتية أثبتت التجربة أن الأغنياء وصلوا إلى تحقيق أهدافهم من خلال أنهم يسمعون أكثر مما يتكلمون مما أكسبهم الخبرات من الآخرين ، فتعلموا من تجاربهم السابقة ، وفهموا السوق جيدا ، واستمعوا لآراء العملاء والمنافسين ليتخذوا أحسن القرارات ، وكثرة السماع أكسبهم ثقة الناس بهم وبناء علاقات قوية معهم لإحساسهمب الاحترام والقبول ، وهكذا كذلك يحصل للذين يسمتعون للقرآن ، فإنهم إذا استمعوه بنية معرفة الحق عرفوه واستجابوا له ، وإن لم تكن تلك نيتهم فلا شك أنهم لن يستجيبوا له .

ولذلك كان رسول الله  يحب أن يسمع القرآن من غيره ، فعَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ قَالَ لِي النَّبِيُّ  اقْرَأْ عَلَيَّ قُلْتُ آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ " فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا " قَالَ أَمْسِكْ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ) ، فكان النبي  أول المستجيبين .

ومن حكمة الله تعالى أن جعل المسلمين يصطفون لصلاة الجماعة خمس مرات ، ويستمعون لقرآءة الإمام في صلاة المغرب والعشاء والفجر ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ  مِنْ فُلَانٍ قَالَ سُلَيْمَانُ كَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ وَيُخَفِّفُ الْأُخْرَيَيْنِ وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطُوَلِ الْمُفَصَّلِ)
وروي أحمد في مسنده (مَنْ اسْتَمَعَ إِلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كُتِبَ لَهُ حَسَنَةٌ مُضَاعَفَةٌ ، وَمَنْ تَلَاهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
قوله (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (36) العطف لبيان النقيض من الذين يسمعون ،حيث شبه القرآن الذين لا يسمعون كلام الحق لإعراضهم عنه بالموتى الذين لا يسمعون نداءً ، فحالهم أشبه بالميت ، وفي ذلك بيان لشدة انصرافهم عن الحق بعد تعطيلهم لأجهزة الاستقبال طوعا واختيارا ، وهؤلاء قال الله فيهم (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف 179) ، أي أن سبب انصرافهم عن الحق أنهم يعيشون حياة الأنعام يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم ، ولم ينتبهوا لكلام الحق ولم يرعوا له سمعا .

قال ابن تيمية (بَيَّنَ اللَّهُ السَّمْعَ عَنْ الْكُفَّارِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ : " وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً " وَقَوْلُهُ : " وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ " وَذَلِكَ لِأَنَّ سَمْعَ الْحَقِّ يُوجِبُ قَبُولُهُ إيجَابَ الْإِحْسَاسِ الْحَرَكَةَ وَإِيجَابُ عِلْمِ الْقَلْبِ حَرَكَةُ الْقَلْبِ فَإِنَّ الشُّعُورَ بِالْمُلَائِمِ يُوجِبُ الْحَرَكَةَ إلَيْهِ وَالشُّعُورُ بِالْمُنَافِرِ يُوجِبُ النُّفْرَةَ عَنْهُ فَحَيْثُ انْتَفَى مُوجِبُ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ مَبْدَئِهِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : " إنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ " ، وَلِهَذَا جَعَلَ سَمْعَ الْكُفَّارِ بِمَنْزِلَةِ سَمْعِ الْبَهَائِمِ لِأَصْوَاتِ الرُّعَاةِ أَيْ يَسْمَعُونَ مُجَرَّدَ الْأَصْوَاتِ سَمْعَ الْحَيَوَانِ لَا يَسْمَعُونَ مَا فِيهَا - مِنْ تَأْلِيفِ الْحُرُوفِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْمَعَانِي - السَّمْعَ الَّذِي لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِالْقَلْبِ مَعَ الْجِسْمِ) .

قوله (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (37) قال الشنقيطي (بين الله في موضع آخر أن الحكمة في عدم إنزال ما اقترحوه من آيات ، أنها لو أنزلت ولم يؤمنوا بها، لنزل بهم العذاب العاجل كما وقع بقوم صالح لما اقترحوا عليه إخراج ناقة عشراء، وبراء، جوفاء، من صخرة صماء، فأخرجها الله لهم منها بقدرته ومشيئته، فعقروها: (وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) [الأعراف 77]، فأهلكهم الله دفعة واحدة بعذاب استئصال) .

قوله (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (37) أي لا يعلمون النتائج التي تترتب على الاستجابة لمقترحاتهم بالإتيان بآية خارقة للعادة ثم هم يستمرون في تكذيبهم وعنادهم ، كما في قوله تعالى (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) (الإسراء 59)

قال سيد قطب (لقد كانوا يطلبون آية خارقة كالخوارق المادية التي صاحبت الرسالات السابقة ، ولا يقنعون بآية القرآن الباقية ، التي تخاطب الإدراك البشري الراشد ، وتعلن عهد الرشد الإنساني ، وتحترم هذا الرشد فتخاطبه هذا الخطاب الراقي؛ والتي لا تنتهي بانتهاء الجيل الذي يرى الخارقة المادية؛ بل تظل باقية تواجه الإدراك البشري بإعجازها إلى يوم القيامة ، وكانوا يطلبون خارقة ، ولا يفطنون إلى سنة الله في أخذ المكذبين بالدعوة بعد مجيء الخارقة ، وإهلاكهم في الدنيا ، ولا يدركون حكمة الله في عدم مجيئهم بهذه الخارقة ، وهو يعلم أنهم سيجحدون بها بعد وقوعها - كما وقع في الأقوام قبلهم - فيحق عليهم الهلاك ، بينما يريد الله أن يمهلهم ليؤمن منهم من يؤمن ، فمن لم يؤمن استخرج الله من ظهره ذرية مؤمنة ، ولا يشكرون نعمة الله عليهم في إمهالهم ، وذلك بعدم الاستجابة لاقتراحهم ، الذي لا يعلمون جرائره!) .

قوله (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (38) انتقال إلى الآية التي لابد للأبصار أن تبصرها والعقول أن تعقلها وللقلوب أن تنشرح لها فتهتدي إلى الله ، ليصرف اهتمامهم من المعجزات المادية التي يراها أناس معينون في حقبة زمنية معينة وحسب ، إلى تلك الآية التي يراها كل الناس في كل زمان ومكان ، إنها خلق الله سبحانه الذي أضحى بالكثرة والتنوع ما لا يستوعبه عقل ، فكل أمة مما خلق الله من صنوف معينة من الكائنات تعيش في جماعات وتهدي لما فيه مصلحتها ، وكل شيء بتقدير الله وقدره ، ولها سلوك على نحو معين ، وإمكانات وقدرات هائلة ، مثل حركة الطير حين يطير في جماعات ويغير اتجاهه في تزامن دقيق مع المجموعة دون أن ينحرف أو يشذ عنهم أحد أو تصطدم مع مثيلتها سبحان الله ، أفلا يتفكر الإنسان في هذه الآية .

 

قال ابن الأنباري (وموضع الاحتجاج من هذه الآية أن الله ركب في المشركين عقولاً وجعل لهم أفهاماً ألزمهم بها أن يتدبروا أمر الرسول  ، كما جعل للدّواب والطير أفهاماً يعرف بها بعضها إشارة بعض) ، ووجه التماثل في ذلك هو أن الله تعالى لم ينشغل في تدبير رزق بعضهم عن بعض ، وإنما الكل يرزقه الله تعالى ويعطيه ، قال الزمخشري : (فإن قلت : فما الغرض في ذكر ذلك؟ قلت : الدلالة على عظم قدرته ولطف علمه وسعة سلطانه وتدبيره تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس المتكاثرة الأصناف ، وهو لما لها وما عليها مهيمنٌ على أحوالها لا يشغله شأن عن شأن) ، كما أنهم متماثلون جميعا في المصير والرجوع إلى الله .

قوله (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (38) قال ابن القيم (وهذا يتضمن أنها أمم أمثالنا في الخلق والرزق والأكل والتقدير الأول ، وأنها لم تخلق سدى بل هي معبدة مذللة قد قدر خلقها وأجلها ورزقها وما تصير إليه ثم ذكر عاقبتها ومصيرها بعد فنائها ثم قال إلى ربهم يحشرون ، فذكر مبدأها ونهايتها ، وأدخل بين هاتين الحالتين قوله "ما فرطنا في الكتاب من شيء" أي كلها قد كتبت وقدرت وأحصيت قبل أن توجد ، فلا يناسب هذا ذكر كتاب الأمر والنهي – أي المنزل وهو القرآن- ، وإنما يناسب ذكر الكتاب الأول – أي القدر-) .
قوله (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ) قال أبو حيان (الظاهر أنه استعارة عن عدم الانتفاع الذهني بهذه الحواس) ، ونظير ذلك قوله تعالى : (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) [ الفرقان : 44 ] ، وقوله تعالى (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير) ( الملك : 10 ) ، قال ابن عاشور (فالصمم يمنعهم من تلقي هدى من يهديهم ، والبكم يمنعهم من الاسترشاد ممن يمر بهم ، والظلام يمنعهم من التبصر في الطريق أو المنفذ المخرج لهم من مأزقهم) ، قال ابن حيان قوله : " في الظلمات " كناية عن عمي البصيرة ، فهو كقوله : "صم بكم عمي" لكن قوله : "في الظلمات" أبلغ من قوله : "عمي" إذ جعلت ظرفاً لهم وجمعت لاختلاف جهات الكفر) .

 

قال الشعراوي (لما كان السمع هو المنفذ الأول للإدراك ، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان، وقد نشأ البشر في بيئات مختلفة اللغة ، ولما كان الإنسان لا يتكلم إلا إذا سمع وعرف ارتباط ما يسمع بما يرى ، ولهذا تجد أن البشر لا يتكلمون إلا باللغة التي نشأوا في بيئتها ؛ لأن اللغة سماع ، فلذلك كان الصمم قبل البكم) ، أي أن الذي عطل حاسة السمع عنده لكبره وإعراضه عن الهدى لابد وأن يعطل كذلك حاسة الكلام فلا يستطيع أن يعبر بالكلام لفقدانه وسيلة الاتصال بالمجتمع فهو منعزل عنه لا يفهم كلامهم ولا يفهمون منه ما يريد ، فهذا أشبه بمن يعيش في الظلمات ، وهذا التشبيه يصور حقيقة أمر المكذبين إزاء ما يطلبونه من الآيات والمعجزات المادية ، فهم كالأصم والأبكم والأعمى لا يهتدون ، فلا تنفعهم آية ولو كانت من الوضوح والظهور ما تسمعه الآذان وتتحدث عنه الألسنة وتراه الأعين ، لأنهم عطلوا أجهزة الاستقبال لديهم فلا ينتفعون بشيء ، قال تعالى (فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى) (الأعلى 9-11)

قوله تعالى (مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(39) قال ابن عاشور (وليس هذا الإضلال بالأمر بالضلال فإن الله لا يأمر بالفحشاء ولا بتلقينه والحث عليه وتسهيله فإن ذلك من فعل الشيطان) ، والمعنى أنه يضلله بتركه في الضلال فلا يمنعه منه كونا ، لأن الله تعالى قال في كتابه (إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) [ غافر : 28 ] ، وقال سبحانه (والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين) ، قال الشعراوي (فبتقديمهم الظلم والفسق والكفر ، وقد فعلوا ذلك اختياراً سار المرض واستقر في قلوبهم وزادهم الله مرضاً ، لأنه سبحانه أغنى الأغنياء عن الشرك به) ، ولذلك قال (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) ، أي أن ذلك عقوبة لهم وتقرير لحالهم ، قال الألوسي (تحقيق للحق وتقرير لما سبق من حالهم ببيان أنهم من أهل الطبع لا يتأتى منهم الإيمان أصلاً) .

والمراد مما تقدم إيكال النتائج الدعوية لله تعالى ، قال صاحب الظلال (يحدد التوجيه القرآني دور الرسول في هذا الدين - ودور الدعاة بعده في كل جيل - إنه التبليغ ، والمضي في الطريق ، والصبر على مشاق الطريق . . أما هدى الناس أو ضلالهم فهو خارج عن حدود واجبه وطاقته . . والهدى والضلال إنما يتبعان سنة إلهية لا تتبدل ، ولا يغير منها رغبة الرسول في هداية من يحب ، كما لا يغير منها ضيقه ببعض من يعاند ويحارب . . إن شخصه لا اعتبار له في هذه القضية ، وحسابه ليس على عدد المهتدين ، إنما حسابه على ما أدى وما صبر وما التزم ، وما استقام كما أمر . . وأمر الناس بعد ذلك إلى رب الناس) .

 

  • الاربعاء PM 03:50
    2026-09-16
  • 45
Powered by: GateGold