المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1998930
يتصفح الموقع حاليا : 968

البحث

البحث

عرض المادة

مدى عناد المعرضين عن الدعوة أول الأمر

مدى عناد المعرضين عن الدعوة أول الأمر

قال تعالى (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (6) وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (10)

الأصل أن تكون الآية التي يأتي بها الله وسيلة تدليل على الحق ، فيزداد الناس بها إيمانا ، ولكن الحاصل هو العكس تماما ، إذ يزداد بعض الناس بها إعراضا وتكذيبا ، ولذلك يتهددهم الله تعالى بالهلاك كما حصل للذين من قبلهم ، وقد اغتروا بتمكين الله لهم أسباب المعاش في الدنيا ، فلما أهكلهم الله خلف بعدهم قوم آخرين يحملون واجب الدعوة في سبيله ، فلو أن الخلف أعرضوا عن الحق كما فعل أسالفهم وأنهم ماطلوا في الحق واقترحوا الآيات لما حققوا الإيمان الذي يريده الله منهم ، فقد مضت سنة الله في الساخرين من الدعوة بأنهم هم المستهزئ بهم .

قوله تعالى (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (5) استظهرت الآيات ثلاث مواقف للناس حين بلغتهم الدعوة الإسلامية أول مرة ، فأول عمل علموه أن أعرضوا عنها وعن آيات ربهم لما جاءتهم رغم أنها بينات على الحق ، ولم يقفوا عند مرحلة الإعراض وعدم التصديق الذي هو صورة من صور عدم الإهتمام وحسب ، ولكنهم وقفوا أمام الدعوة الإسلامية موقف الخصم المكذب بها المشوه لحقيقتها بأن كذبوا أصحاب الحق ووقفوا لهم بالمرصاد في كل كلمة يبلغونها عن الله ، وأطلقوا حملات التكذيب والتشويه لأصحاب كلمة الحق ، ثم انتقلوا إلى مرحلة ثالثة أشد تصديا للحق وانحيازا للباطل ، وهي مرحلة الاستهزاء بأهل الحق ، فيقفون ساخرين مما يقولونه لاسيما إذا كانوا يذكرونهم باليوم الآخر ،فإذا حصل منهم "الإعراض" و"التكذيب" و"الاستهزاء" بالتتابع ، كان الواجب تحذيرهم ، وإخبارهم بحال من سبقهم من المكذبين والمستهزئين مثلهم ، وفي ذلك كله (تأكيد لوعد المؤمنين بالنصر وإظهار الإسلام على الدين كله وإنذار للمشركين بأنه سيحل بهم ما حل بالأمم الذين كذبوا رسلهم) .

قوله (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ) (6) وهكذا تفعل الذنوب بأصحابها ، حيث يتبدل حال أهل المعصية فبعد أن كانوا ممكنين في الأرض يرزقون من مطر السماء وأنهار الأرض يهلكهم الله فيزيلهم من على وجهها ليكونوا سكانا لقبورها .
قال الشنقيطي (ذكر سبحانه إهلاك من قبلنا من القرون، وبين أن ذلك كان لمعنى القياس وهو ذنوبهم، فهم الأصل ونحن الفرع، والذنوب العلة الجامعة، والحكم الهلاك ، فهذا محض قياس العلة، وقد أكده سبحانه بضرب من الأولى)

وسبب الإهلاك إما عظم الذنب كـ "الشرك بالله" المقترن بصور الاستهزاء السالف ذكرها كما في السياق أو وقوع "الظلم" كما في قوله تعالى (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود 102) أو "بكثرتها" كما في قول النبي  (إياكم ومحقرات الذنوب كقوم نزلوا في بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى انضجوا خبزتهم وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه) .

قوله (..وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ) فسنة الله الكونية أن يتبع الهلاك إحلال وتبديل ، فيأتي الله بقوم آخرين خير من الذين هلكوا ، يقيمون شرعه ، وتلك هي سنته في الظالمين ، بتطبيق قانون الاستبدال عند التولي عن حمل أمانة الدين ، كما في قوله تعالى (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِين، مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) (المؤمنون: 41-43 ) ، فهي سنة مطردة ، يقول شيخ الإسلام معلقا على هذه السنة (وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ قُرُونِ الْأُمَّةِ .....فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْهُ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ - لَا يَضُرُّونَ الْإِسْلَامَ شَيْئًا ، بَلْ يُقِيمُ اللَّهُ مَنْ يُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ وَيَنْصُرُ دِينَهُ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ) .

فليس معنى أن الله يهلك الظالمين أن تهلك الدنيا ، بل إنه سبحانه يخلق خلقا آخرين ليحلوا محل الهالكين، فيبتليهم الله بما ابتلى به من كان قبلهم ، فإن أحسنوا جوزوا بالحسنة حسنة ، وإن أساءوا أهلكهم الله مثلما أهلك من قبلهم ،والعلة من ذلك هو أن يتحقق الإتزان الكوني في الأرض ، فالأرض ليست جنة نعيم ، بل هي موطن ابتلاء .

ولكي يتحقق مراد الله من ابتلاء للإنسان لابد وأن يكون الإنسان حرا مختارا ، والظالمون يصادرون حرية الإنسان في الاختيار ، ولذلك يهلكهم الله تعالى إذا ما صادروا هذه الحرية ، ليقيم بعدهم أمة يتحقق فيها الاختيار الذي هو مناط التكليف ، قال ابن عاشور (والمقصود من هذا تعريض بالمشركين بأن الله مهلكهم ومنشئ من بعدهم قرن المسلمين في ديارهم ، ففيه نذارة بفتح مكة وسائر بلاد العرب على أيدي المسلمين) .

قال تعالى (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) (7) هذه الآية إيذان بالتماس البشر للآيات المعنوية للاستدلال بها على الله الخالق المدبر بدلا من انتظار المعجزات المادية التي جاء بها الرسل من قبل ، أي الاستدلال على الإله بكتابه الذي أنزله ، فهي تصرف الناس عن الانشغال بالآيات المادية والانبهار بالمعجزات مثل التي أنزلت على موسى عليه السلام ، فتلك يضعف تأثيرها على عقول الناس ، لأن المعجزة المادية وإن أتى بها الرسول تحيلها العقول البشرية إلى ظاهرة السحر الذي استشرى بين الناس ، فيخلطوا بينهما ، لأنه يتعذر التفرقة كثيرا بين المعجزة والسحر ، ولا يزال الناس يتخوفون من السحر والساحر ، فالظواهر الخارقة للعادات ليس بمعول عليها في إثبات النبوة لاشباهها مع السحر ، ولذلك جاء النبي محمد  بمعجزة خارج هذا النطاق ، فأيده الله بمعجزة بالقرآن ، فالقرآن هو ذاته منهجه ومعجزته ، فأضحت المعجزة منهجا والمنهج معجزة ، فمعجزة النبي  في منهجه ، لكونه أصلح حياة الناس بعد فسادها ، فصاروا من جاهلية بغيضة إلى قادة للأمم ،وبهذا بطلت شبهة السحر التي ألقت بظلالها على البعض .

قوله (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) (9) نفت الآيات صحة تصور أن يكون النبي المبلغ للبشر ملكا ، لأن في ذلك إهدار للمنهج التطبيقي في الإسلام ، بمعنى أن الإسلام ليس مجرد دين نظري يلقي به ملك كريم للبشر وحسب ، بل هو منهج تطبيقي يطبقه نبي بشر مثلهم تعتريه ما يعتري البشر من ابتلاءات ، ويحتاج ما يحتاجه البشر من مقومات للعيش ، بهذا تكون ظروف تطبيق المنهج متساوية بين الرسول البشري والناس المكلفين بهذا المنهج بلا فرق ، وهكذا يحتج الله على البشر بأن منهجه لا يستعصي أن يلتزم به بشر .

فهذه الآية تلفت الناس إلى حياة الرسول محمد  لينظروا إليها على أنها سنة يقتدون بها ، قال سبحانه (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب 21) ، وهكذا يكون تطبيق المنهج -كذلك- معجزة أخرى ، فحياته  هي معجزة هذا الدين من الناحية التطبيقية ، فقد رأينا بمنهجه وسنته كيف اتبعه السواد الأعظم من الناس ، وكانوا من قبل يحاربونه ويصدونه عن السبيل .

وعليه فإن التماس الناس أن يكون الرسول ملكا من الملائكة يبطل أن يكون لهذا الدين إعجاز تطبيقي في حياتهم ، إذ يستعصي عليهم أن يتبعوا ملكا رسولا لا يأكل ما يأكلون ولا يلبس مما يلبسون ولا يعيش كما يعيشوا ، فأنى لهم تطبيق المنهج وليس عندهم قدوة من البشر يعيش ذات ظروفهم ويحتاج لذات متطلباتهم المادية (الطينية) ، فيأمرهم بصيام شهر رمضان كاملا وهو في الأصل ملك لا يأكل ولا يشرب ، ويأمرهم بالصلاة خمس مرات ، وهو في الأصل ملك لا ينقطع عن الذكر والتسبيح والصلاة ؟ إذن المنطق السليم يقضي بأن يكون المتبوع من جنس التابع ، وهو ما أشار إليه قوله تعالى (قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً) (الإسراء 95) .

قال تعالى (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (10) الاستهزاء بالرسول ينطوي في ذاته استهزاء بالمنهج التطبيقي للقرآن الكريم ، أي أسلوب حياته وسيرته ، ويتضمن تبعا لذلك استهزاء بكتاب الله العظيم الذي هو المنهج المتبع ، فرغم أن بشرية الرسول معجزة هذا الدين التطبيقية ،ودليل على أن منهج الله صالح للتطبيق العملي على البشر كما طبقه النبي  على نفسه وأصحابه ، فإنهم –وبالرغم من ذلك - يستهزئون ويستعجبون عن كبر وغرور ، قال تعالى (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا) (الفرقان 7) .

والغرض من مواجهة الدعوة بمثل هذا الاستهزاء إشغال الناس عن التعامل مع دين الإسلام بجدية ، فمع اعترافهم بحق الربوبية لله ، فإنهم ينكرون حقه في الألوهية ، أي يريدون أن يفرغوا الدين من مضمونه ، ليصير مجرد شعائر تعبدية ، وإن شئت قلت "اختيارية" ، خالية من أي منهج تكليفي .

فإذا كان هذا هو مكرهم ، فإن الله تعالى يمكر بهم ، وينزل عليهم عذابه ، ففي الآية مجاز بتصوير العذاب وكأنه جنود تحيط بالمستهزئين ، فينقلب حالهم إلى وبال عليهم ، وفي ذلك تسلية للنبي  كي لا يحزن من سخريتهم واستهزائهم به ، فنصر الله قريب والغلبة للمؤمنين ، وقد بشر الله نبيه بالنصر فقال (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) (الأنعام 34).

 

  • الاربعاء PM 03:20
    2026-09-16
  • 53
Powered by: GateGold