ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
أسباب البراءة من اليهود والنصارى رغم أنهم أهل كتاب
د /احمد نصير
أسباب البراءة من اليهود والنصارى رغم أنهم أهل كتاب
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58)قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59)قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)
عددت الآيات أسباب النهي عن موالاة اليهود والنصارى رغم أنهم أهل كتاب وأقرب للذين آمنوا من المشركين وعباد المجوس ، وذلك لأن أهل الكتاب كأسلافهم لم يعبدوا الله منزل التوراة والإنجيل ، وإنما عبدوا الطاغوت الذي لهم حرف الكلم عن مواضعه ، وقد خلا تاريخهم من موقف يدل على نصرتهم لأنبيائهم ، وكذلك من عاصروا النبي جفوه حق الجفاء وعادوه حق العداء ، ولم ينصروه كما نصر بعضهم موسى وعيسى ابن مريم ، فجاءت نصرة النبي من جزيرة العرب لكن الرومان والفرس والامبراطوريات البيزنطية لم تفعل ذلك ، وإنما قابلوا هذه الدعوة بالاستهزاء بعبادة المسلمين ، والحسد والغيرة أن جاء النبي من العرب الأميين ، أما من هادن منهم النبي فلم يكونوا صادقين ، بل نافقوه فدخلوا الإسلام وهم يبطنون الكفر ، فلم يكن إسلامهم صحيحا ، ولم يتخلصوا من عاداتهم الجاهلية وآثامهم التي اعتادوا عليها قبل الإسلام ، فما كان منهم -ومن اليهود على وجه الخصوص- إلا أن حاولوا تشويه عقيدة المسلمين ، وإلقاء الشبهات عليهم والشكوك حولها ، فعاقبهم الله تعالى على ذلك ، فجعل العداوة والبغضاء بينهم لتكون حائلا بينهم وبين أن يتفرغوا لمحاربة المسلمين ، ومن ثم الإفساد في الأرض كما يريدون .
السبب الأول للبراءة من أهل الكتاب : لعبهم بدين الإسلام واستهزاءهم بعبادته وشعائره
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (57) وطريقتهم في ذلك بدخول دين الإسلام ثم ردتهم عنه هزوا بهذا الدين ولعبًا به ، والمعنى (إظهارهم الإسلام بألسنتهم قولاً، وهم على ذلك يبطنون الكفر ويسرونه) ، قال تعالى (وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (آل عمران/72) ، ولذلك شُرِع حد الردة درأ لهذه المفسدة .
وبعضهم يوهم أهل الإسلام بأنه يلتزم بتعاليم الإسلام –ويظل على دينه-، ثم هو يستهزء بهذه التعاليم ويتلاعب بالأحكام وفق أهوائه ، كأن يوهمهم أنه لا يتعامل بالربا احتراما لهم ، ثم تجده بطرق ملتوية يتعامل بها مع ضعاف النفوس من المسلمين ، وذلك كثير الحدوث إذا ما تولى أحدهم مكانة فيها مصلحة للمسلمين .
قال ابن عاشور (الدين هو ما عليه المرء من عقائد وأعمال ناشئة عن العقيدة، .. فالذي يتخذ دين امرئ هزؤا فقد اتخذ ذلك المتدين هزؤا ورمقه بعين الاحتقار، إذ عد أعظم شيء عنده سخرية، فما دون ذلك أولى، والذي يرمق بهذا الاعتبار ليس جديرا بالموالاة).
ولذلك كان الاحتراز في التعامل معهم واجب ، وعلى هذا جرى العمل عند الصحابة والتابعين ، فقد كتب عمر إلى أبي هريرة كتاباً جاء فيه: "..ولا تستعن في أمر من أمور المسلمين بمشرك ، وساعد على مصالح المسلمين بنفسك فإنما أنت رجل منهم غير أن الله تعالى جعلك حاملاً لأثقالهم) .
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله (أما بعد فإنه بلغني أن في عملك كاتباً نصرانياً يتصرف في مصالح الإسلام، والله تعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [سورة المائدة: 57] فإذا أتاك كتابي هذا فادع حسان بن زيد - يعني ذلك الكاتب - إلى الإسلام فإن أسلم فهو منا ونحن منه، وإن أبى فلا تستعن به ولا تتخذ أحداً على غير دين الإسلام في شيء من مصالح المسلمين ، فأسلم حسان وحسن إسلامه) .
كذلك لما فشا استخدام أهل الكتاب في مصالح المسلمين أيام الخلافة العباسية نهض أحد العلماء بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا الشأن وهو شبيب بن شيبة ، فاستأذن على أبي جعفر المنصور فإذن له فقال (يا أمير المؤمنين اتق الله فإنها وصية الله إليكم .. يا أمير المؤمنين إن دون بابك نيراناً تأجج من الظلم والجور لا يعمل فيها بكتاب الله ولا سنة نبيه يا أمير المؤمنين سلطت الذمة على المسلمين، ظلموهم وعسفوهم، وأخذوا ضياعهم وغصبوهم أموالهم، وجاروا عليهم، واتخذوك سلماً لشهواتهم، وإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً يوم القيامة، فقال المنصور خذ خاتمي فابعث به إلى من تعرفه من المسلمين وقال: يا ربيع: اكتب إلى الأعمال واصرف من بها من الذمة..) .
قال الشيخ سعيد القحطاني (ينبغي التفريق بين استخدام الكافر كشخص بمفرده في أمر من الأمور وبين استخدامه كصاحب سلطة ونفوذ في أمر من أمور الدولة الإسلامية ، فالأول جائز وبه وردت الأدلة ،والثاني لا يجوز لمنافاته مضمون وروح الشريعة الإسلامية وهدفها الأساسي).
قوله (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) (58) هذا تفصيل لأحد صور استهزائهم بدين الله تعالى ، ذلك أن ظهور شعائر الإسلام يغيظهم ، ويزيد من حنقهم فلا يقدرون على إخفاء ما في صدورهم ، قال ابن عاشور (خص بهذه الصفات المنافقون من اليهود من جملة الذين اتخذوا الدين هزؤا ولعبا، فاستكمل بذلك التحذير ممن هذه صفتهم المعلنين منهم والمنافقين) ، فيبدو ذلك من المنافقين واليهود ، كلاهما عندما يسمعون التأذين للصلاة يفزعون ، ويستعينون على إخفاء فزعهم بالاستهزاء واللعب أثناء الأذان .
يفزعون لأن الشياطين تفزع من الأذان ، وهم يفزعون لفزعها ، قال رسول الله (إِذَا أُذِّنَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ أَقْبَلَ فَإِذَا ثُوِّبَ أَدْبَرَ فَإِذَا سَكَتَ أَقْبَلَ..)، قوله (لَهُ ضُرَاطٌ) ، قال عياض: (يمكن حمله على ظاهره (خروج الريح) ، ويحتمل أنه عبارة عن (شدة نفاره) ، وقال الطيبي : (شبه شغل الشيطان وإغفاله نفسه عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضراطاً تقبيحاً له ،.. يتعمد إخراج ذلك ليشتغل بسماع الصوت الذي يخرجه عن سماع المؤذن أو يصنع ذلك استخفافاً كما يصنعه السفهاء،.. ويحتمل أنه يتعمد ذلك ليقابل ما يناسب الصلاة من الطهارة بالحدث) ، فسبب فزعهم أن غابت عنهم الشياطين هي التي تأزهم على المعصية ، والاستهزاء بهذه الشعيرة حتى لا يسمعوا التأذين ، لكنها لا تلبث حتى تعود (..فَإِذَا سَكَتَ أَقْبَلَ فَلَا يَزَالُ بِالْمَرْءِ يَقُولُ لَهُ اذْكُرْ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى)، فيستأنفون معا اللعب والاستهزاء .
وصور لعبهم بدين الله كثيرة كأن يتغامز بعضهم مع البعض على ملابس المسلمين البيضاء التي يرتدونها للصلاة ورائحة المسك والعنبر التي تفوح منهم ، فيستهزئون بها ، ويستهزئون كذلك بكبار السن والعجائز الذين لا تحملهم أقدامهم وهم يذهبون للصلاة ، ويتحملون برد الشتاء وحر الصيف ، قال رسول الله (وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ)
وربما لم يسلم المسلمون من استهزائهم وهم يسجدون ويركعون لاسيما عندما يضيقون المساحة المخصصة للصلاة في أماكن العمل ، فيضطر الأخ يسجد على ظهر أخيه لضيق مساحة المسجد ، والله تعالى جعل الأرض كلها مسجدا وطهورا ، كما أنهم يضيقون أوقات الصلاة على المسلمين فيغلقون المساجد بعد كل صلاة لأعذار واهية فيضيق على المسلم لجوئه إلى ربه وفزعه لمولاه ، يريدون أن تندثر شعائر الله ولا تحترم بين المسلمين ، ولكن الله يأبى إلا أن ينشر دينه وتحترم شعائره
فعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالْأَمْسِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلَا جَزُورِ –يعني أمعاء ذبيحة شاه- بَنِي فُلَانٍ فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَأَخَذَهُ فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ قَالَ فَاسْتَضْحَكُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ وَالنَّبِيُّ سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ).
ومن جهة أخرى يتعمدون إشغال المسلمين عن الصلاة بوسائل الترفيه المختلفة من مباريات رياضية تقام وقت الصلاة وأفلام وأغاني ، كل ذلك لأجل أن لا يهتم المسلمون لعباداتهم وإن التفتوا إليها كان ذلك خلسة مخافة أن يفوتهم شيء من أعمال الدنيا بسبب الصلاة ، ويتعمدون أن تظل أعمال التجارة وكذا الصناعة وغيرهما مستمرة في أوقات الصلاة ، بل إنهم ليستهزئون بمن يستقطع من وقت عمله أو تجارته وصنعته وقتا ولو وجيزا لأداء الصلاة ، وقد يتهمونه بأنه مقصر في عمله ويجب استبداله حتى يكون أكثر عطاء للعمل ، لكنهم لا يعقلون أنه لا بارك في عمل يلهي عن الصلاة ، فكيف إذن تكون الموالاة لمن كانت تشريعاته لا تحترم الصلاة عند المسلمين وتقديس أدائها في أول أوقاتها .
ناهيك عن صور استهزائهم بالمرأة المسلمة وحجابها ونقابها ، ومنعها من العمل بالحجاب ، والتضييق عليها في الطرقات والوسائل النقل العام لا لشيء إلا لأجل الحجاب ، فهل يعقل أن يتولى المسلمون من لا يحترمون دينهم ولا شعائرهم .
السبب الثاني للبراءة من أهل الكتاب : حسدهم المؤمنين
قوله تعالى (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ) (59) تضمن الخطاب تقريعا لأهل الكتاب ، فالسؤال بـ "هل" بقصد التهكم من عداوتهم وحقدهم للمؤمنين ، أي (هل تنقمون منا إِلا أن آمنا لقلة إِنصافكم وفسقكم ، ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون ، لكن حب الرياسة والمال يمنعكم عن الإِنصاف)، (يعني أنما كرهتم إيماننا ونقمتموه علينا - مع علمكم أننا على الحق - بسبب فسقكم وإقامتكم على الدين الباطل لحب الرياسة وأخذ الأموال بالباطل) ، وهذا الأمر تضمن تفسيرًا لسلوكهم المتطرف إزاء عبادة المسلمين لربهم ، فليس ذلك منهم إلا نتيجة لحسدهم للذين آمنوا بالله ، وخوفًا من أن يزداد الناس في الإيمان قوة وتزداد أعدادهم برؤية الناس لهم وهم يعبدون الله بطمأنينة
قال رسول الله (ما حسدكم اليهود على شيء ما حسدوكم على السلام والتأمين)، يقول الشيخ علي نايف (فاليهود لا يحسدوننا على مجرد تبادل التحية بيننا؛ لكنهم يحسدوننا على ما هو أبعد من مجرد اللفظ؛ يحسدوننا على السلام النفسي والهدوء الاجتماعي ومتانة العلاقة بين المسلمين) ، (وكذلك يغيظهم ما يرونه من الحشود الغفيرة والملايين الكثيرة التي ذهبت إلى بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج ،وكذلك إذا خرجت المرأة متحجبة تعلن في إباء أنا الفتاة المسلمة مصونة مكرمة عفيفة محتشمة بين العورى محترمة)
قال ابن القيم (وهذا شأن أعداء الله دائماً ينقمون على أولياء الله ما ينبغي أن يُحبوا ويُكرموا لأجله) ، قال تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) (البقرة/109)
وليت الأمر يصل عند حد الحسد وحسب ، بل إنما نقموا علينا نعمة الإسلام لما في صدورهم من نية إبادة هذا الدين جملة واحدة ، قال تعالى في قصة أصحاب الأخدود (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (البروج/8) ، وما رآه العالم من حروب صليبية على العالم الإسلامي لشاهد على أنهم ينقمون على المسلمين نعمة الإسلام ، وأنهم لا يقاتلونهم إلا حسدا على هذه النعمة ، لا ابتغاء ثروات مادية ولا حدود جغرافية ،وإنما لأجل غيظهم من ثبات المؤمنين العقائدي والإيماني ، وكذلك ما شاهده العالم في مذابح كوسوفو والبوسنة والهرسك ، ومذابح اليهود في صبرا وشتيلا وبحر البقر في مصر ، وغزة في فلسطين ، ومذابح الصين في بورما ، والهندوس في الهند....الخ .
السبب الثالث للبراءة من أهل الكتاب : عبادتهم الطاغوت وتركهم شرع الله
قوله تعالى (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ..) (60) ، قال الألوسي في الآية (تبكيت لأولئك الفجرة ببيان أن الحقيق بالنقم والعيب ماهم عليه من الانحراف عن الدين ، وفيه نعي عليهم على بجناياتهم وما حاق بهم من تبعاتها وعقوباتها ، تعريضا دون تصريح لئلا يحملهم التصريح على المكابرة والعناد) .
فقوله (مثوبة) مصدر ميمي من الثواب ، (واستعمل هنا على سبيل التهكم) ، قال الشيخ سيد طنطاوي (الكلام مسوق على سبيل المشاكلة ، والمجاراة لتفكير اليهود الفاسد ، وزعمهم الباطل ، فكأنه - سبحانه - يقول لنبيه إن هؤلاء اليهود - يا محمد - ينكرون عليكم إيمانكم بالله وبالكتب السماوية ، ويعتبرون ذلك شراً - مع أنه عين الخير - قل لهم على سبيل التبكيت وإلزامهم الحجة لئن كنتم تعيبون علينا إيماننا وتعتبرونه شرا لا خير فيه - في زعمكم - فشر منه عاقبة ومآلا ما أنتم عليه من لعن وطرد من رحمة الله) ، فذكرهم (بما أصاب أسلافكم من مسخ بعضهم قردة ، وبعضهم خنازير ، لما عُرف عنهم من عبادة غير الله) .
قوله تعالى (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ..) والمخصوص باللعن والغضب الشيطان ومن سلك طريقه من الذين غضب الله عليهم وهم اليهود ، وهم الذين جعل الله منهم القردة والخنازير عقوبة لهم ، واللعن ليس مجرد الطرد من رحمة الله وإنما هو الملاحقة بالغضب والسخط ، قال الشيخ الشعراوي (هذا معناه أن الله بعد أن طردهم ، يلاحقهم بغضبه وسخطه وأن لعنه لهم لا ينفك عنهم) ، فإذا كانت تلك العقوبة تلاحقهم ، فلا شك أنهم شر مكانا ، ومن ثم وجب تعيينهم وتعيين أفعالهم اتقاءً لشرهم وتجنب سبيلهم .
ففي قوله (..وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ..) تعيير لليهود بأسلافهم لأجل أن ينتهوا عن التفاخر بهم ، ولينتهوا عن التمسك بشريعتهم المحرفة ، وقد كان من سيرتهم ما يذمون عليه لا ما يُتأسى بهم فيه ، فعن النبيَّ قَالَ (أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ وَالنِّيَاحَةُ) .
والنبي كان يحذر قومه من التفاخر بنسبهم به ، رغم أنه حري بالتفاخر بالانتساب له ، فيقول رسول الله (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا) . أي (لا أبعد منكم ولا أدفع عنكم شيئا من عذاب الله)، فالمتقون هم وحدهم حري بهم بأن يفخروا بولاية الله لهم ورسوله ، لقول النبي (حليفنا منا وبن اختنا منا وموالينا منا وأنتم تسمعون إن أوليائي منكم المتقون ، فإن كنتم أولئك فذاك وإلا فانظروا لا يأتى الناس بالأعمال يوم القيامة وتأتون بالأثقال فيعرض عنكم).
فأما عن كونهم "مسخوا قردة" فذلك ثابت في قوله تعالى (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (البقرة/65) ، وأما عن كونهم "مسخو خنازير" فذلك ثابت كذلك بما لقبهم به النبي حيث (ناداهم يا إخوة القردة والخنازير فقالوا يا أبا القاسم ما كنت فاحشا فدعاهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم فأبوا أن يجيبوه إلى الإسلام فقاتلهم رسول الله ومن معه من المسلمين )
وهؤلاء الذين مسخوا ليس لهم عقب ، قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ هِيَ مِمَّا مُسِخَ فَقَالَ النَّبِيُّ (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا أَوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا فَيَجْعَلَ لَهُمْ نَسْلًا وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ) ، قال الطحاوي (بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُسُوخَ لاَ يَكُونُ لَهَا نَسْلٌ وَلاَ عَقِبٌ) ، وعليه فإن القردة والخنازير الموجودة الآن ليست من نسل اليهود الذين مسخوا من قبل .
ووصفهم بأنهم مسخوا قردة وخنازير هو وصف مادي حصل لأسلافهم ، وهو حاصل –كذلك- لخلفهم ومن احتذوا حذوهم في التأسي بهم في الأخلاق والعقيدة ، كما في قوله تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) (محمد/12) ، وقال تعالى (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف/179) ، لكن التشبيه في هذا الخصوص أشد بشاعة سواء أكان حقيقيًا ماديًا أم تشبيهًا معنويًا .
وهذه العقوبة ليست خاصة بأمة اليهود وحدها ، وإنما عقوبة "المسخ" هذه واجبة في حق بعض عصاة هذه الأمة ، فعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا يُعْزَفُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمْ الْأَرْضَ وَيَجْعَلُ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ)
قوله (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) جمعُ "طاغوتِ" (طواغِيتُ) ، قال الرازي في تأويل عبد الطاغوت أنه (بلغ الغاية في طاعة الشيطان) ، قال الرازي (يجوز أَن يكون أَراد بالطَّواغِي من طَغَى في الكُفرِ وجاوَزَ الحَدَّ وهم عُظَماؤهم وكُبَراؤهم) .
من هنا نجد أن العطف بين عبادتهم للطاغوت ومسخهم قردة وخنازير هو من قبيل التلازم في الصفات ، وقد عقد الشيخ الشعراوي مقارنة بين اليهود والقردة والخنازير ، فقال (نجد أن القردة هي الحيوان الوحيد المفضوح العورة دائما . . وإن عورته لها لون مميز عن جسده ، وأنه لا يتأدب إلا بالعصا . . واليهود كذلك لم يقبلوا المنهج إلا عندما رفع فوقهم جبل الطور . . وما هم فيه الآن ليس مسخ خِلقَه ولكن مسخ خُلُق . . والخنازير لا يغارون على أنثاهم وهذه لازمة موجودة في اليهود) ، وانتهى إلى نتيجة مؤداها أن (عملية المسخ هذه مسألة شكلية . . ولكن الله سبحانه وتعالى أعطانا في الآية التي ذكرناها في سورة المائدة سمات اليهود الأخلاقية ... فكأنهم مسخوا خلقة ومسخوا أخلاقا) ، ولذلك قَالَ بَعْضُ المُفَسِّرينَ (مَسَخَ الله قُلُوبَهُمْ فَجَعَلَهَا كَقُلُوبِ القِرَدَةَ وَالخَنَازِيرِ فِي شَهَوَاتِهَا بَعِيدِينَ عَنِ الفَضَائِلِ الإِنْسَانِيَّةِ يَأْتُونَ المُنْكَرَاتِ جِهَاراً وَعِياناً بِلاَ حَيَاءٍ وَلاَ خَجَلٍ).
وقد أطنب صاحب الظلال في شرح معنى الطاغوت فقال ("الطاغوت" هو كل سلطان لا يستمد من سلطان الله وكل حكم لا يقوم على شريعة الله وكل عدوان يتجاوز الحق ، والعدوان على سلطان الله وألوهيته وحاكميته هو أشنع العدوان وأشده طغيانا وأدخله في معنى الطاغوت لفظا ومعنى ، وأهل الكتاب لم يعبدوا الأحبار والرهبان ; ولكن اتبعوا شرعهم وتركوا شريعة الله فسماهم الله عبادا لهم ; كما في قوله (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة 31) ، وسماهم مشركين ،وهذه اللفتة هنا ملحوظ فيها ذلك المعنى الدقيق ،فهم عبدوا الطاغوت أي السلطات الطاغية المتجاوزة لحقها ، وهم لم يعبدوها بمعنى السجود لها والركوع ولكنهم عبدوها بمعنى الاتباع والطاعة ، وهي عبادة تخرج صاحبها من عبادة الله ومن دين الله والله سبحانه يوجه رسوله لمجابهة أهل الكتاب بهذا التاريخ ، وبذلك الجزاء الذي استحقوه من الله على هذا التاريخ كأنما هم جيل واحد بما أنهم جبلة واحدة).
قوله تعالى (أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا) قال الشعراوي (وهذا هو الواقع الذي يعيشون فيه ، فهو شر كله ، ولا يفكرون في السير في الطريق السليم) ، قال أبو السعود (الإشارة عبارة عمن ذُكرتْ صفاتُهم الخبيثة وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتِهم في الشرارة أي أولئك الموصوفون بتلك القبائح والفضائحِ شرٌّ مكانُهم ، جَعَلَ مكاناً شراً ليكونَ أبلغَ في الدلالة على شرارتهم).
وهذه المقولة قالها يوسف عليه السلام لأخوته بني إسرائيل ، لما افتروا على أخيه الصغير بتعوده على السرقة ، (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ) (يوسف 77) .
وقيلت كذلك لمن يمد له الرحمن في الضلالة مدا ، ثم ينتهي أمره إلى عذاب الله إما في الدنيا أو في الآخرة (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ) (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا) (مريم 75)
قوله (وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) قال الشعراوي ("سَوَاءِ السبيل" هو الأمر المستوي الموصل للغاية ، وكانت طرق العرب إما فيها رمال وإما بين الجبال ، وكانوا يختارون السير في وسط الطريق حتى لا ينالهم أذى من جرف هاوٍ من الرمال فيقع بهم أو أن تقع عليهم صخرة من جبل).
الأمر الذي يفترض - جدلا - أنه إذا كنت متبعا أحدًا من أصحاب الديانات السماوية في سبيل الوصول إلى الحق فلا تتبع اليهود ابتداءً ، لأن هؤلاء لا خير فيهم البتة ، فقد بلغوا المنتهى في إضلال البشر ، ثم بعد أن تنحيهم جانبا من دائرة الاختيار ، فقد نحيت قسطا كبيرًا من الشر ، وعندئذ تسنى لك أن تنحي من هم أقل منهم ضلالا ، فليس هناك أضل ممن اتبع اليهود في سبيل .
قال رسول الله (لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ) ، فقوله "سنن من قبلكم" يشمل بني إسرائيل وغيرهم ، قال المناوي أن في ذلك (كناية عن شدة الموافقة لهم في المخالفات والمعاصي لا في الكفر ، وهذا خبر معناه النهي عن اتباعهم ومنعهم عن الالتفات لغيره).
السبب الرابع للبراءة من أهل الكتاب : نفاقهم للمؤمنين
قوله (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ)(61) وتلك هي حيلة يحتالون بها على المؤمنين ، ظنا منهم أنهم خادعوهم بها ، كما في قوله (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (آل عمران 72) ، قال ابن عاشور (الإيمان لم يخالط قلوبهم طرفة عين، أي هم دخلوا كافرين وخرجوا كذلك ، لشدة قسوة قلوبهم ، فالمقصود استغراق الزمنين وما بينهما)،(والغرض منه المُبَالَغَةُ فِيمَا في قُلُوبِهِم من الجدِّ والاجتِهَادِ في المكر بالمُسْلِمِين ، والكَيْدِ والبُغْضِ والعَداوَةِ لهم) .
(وإضافة "قد" في قوله : (وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ) ، للإِشارة إلى أنهم عند خروجهم كانوا أشد كفراً ، وأقسى قلوبا منهم عند دخولهم) ، فحال اليهود الذين يلبسون عباءة الإسلام والإسلام براء منهم كحال المنافقين معلومي النفاق ، الذي ذكرهم الله في قوله تعالى (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ) (محمد/16) ، والمعنى الإجمالي إفادة أن الموعظة لم تؤثر فيهم ، قال أبو السعود (أي يخرجون من عندك ملتبسين بالكفر كما دخلوا ، لم يؤثِّرْ فيهم ما سمعوا منك) .
السبب الخامس للبراءة من أهل الكتاب : مسارعتهم في الإثم والعدوان
قوله (وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) أي (يُبَادِرُونَ إلى ارْتِكَابِ المُحَرَّمَاتِ) ، حيث خارت عزائمهم عن مقاومة الشهوات ، وضعفت قواهم عن كظم غيظهم وانفعالاتهم ، فقد عطلوا عقولهم وتحركت جوارحهم بلا حِجر ، فكان مؤدى ذلك أن سارعوا في الإثم والعدوان بلا رادع لهم ، قال الخازن (الأصل أن تجري المسارعة في الخيرات ، لكن أن تجري في الإثم ففي ذلك إفادة بأنهم كانوا يقدمون على هذه المنكرات كأنهم محقون فيها) ، وكأنهم يتسابقون إلى فعل الإثم والعدوان ، ما يعني أن حياتهم أضحت مثل شريعة الغاب ، فصدق فيهم قول الحق (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف 179).
يقول صاحب الظلال (الإثم والعدوان طابع المجتمع حين يفسد ; والمسارعة فيهما عمل هذه المجتمعات الفاسدة) ، فليس أسرع منهم في الإثم أن عبدوا عجلا بعدما رأوا معجزة شق البحر وغرق فرعون وجنوده ، (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ) (الأعراف/148) ، وليس ثمة عدوان أسرع من قتلهم للأنبياء وأتباعهم ، كما قال الله فيهم (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (آل عمران 21) .
السبب السادس للبراءة من أهل الكتاب : أكلهم السحت (الفساد المالي وفساد الذمم) :
قوله (قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (62) هذان الأمران محل الإنكار عليهم ، كما في قوله تعالى (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) (المائدة/42) ، ووجه الإنكار نهيهم عن تداول الأخبار الكاذبة ، وكذا اكتسابهم المال بالحرام بهذه الطريقة ، لاسيما إذا ما تبوأوا مكانة بين الناس ، فيغرونهم بالأخبار الكاذبة لأكل أموالهم بالباطل .
فالمقصود بالسحت (أَكْلِ المَالِ بِصُورَةٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ كَالقِمَارِ وَالسَّرِقَةِ وَالرِّبَا وَالغِشِّ وَالرّشْوَةِ)، والجمهور على (أن السحت هو الرشا) ، وقيل هو الربا ، وقيل هو (الرشا وسائر مكسبهم الخبيث) .
قال رسول الله (لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت)، وقال رسول الله (لا يدخل الجنة لحم ودم نبتا على سحت النار أولى به) ، قال العلماء في الشرح (السحت الرشوة في الحكم ، وفي السحت كل ما لا يحل كسبه ، وفي هذا الحديث دليل على أن السحت وهو الرشوة عند اليهود حرام ولا يحل ألا ترى إلى قولهم بهذا قامت السماوات والأرض ولولا أن السحت محرم عليهم في كتابهم ما عيرهم الله في القرآن بأكله فالسحت محرم عند جميع أهل الكتاب).
قال طنطاوي (هاتين الرذيلتين هما جماع الرذائل ، إذ القول الباطل الكاذب إذا ما تعود عليه الإِنسان هانت عليه الفضائل ، وقال في الناس ما ليس فيهم بدون تحرج أو حياء ، وأكل السحت يقتل في نفسه المروءة والشرف ، ويجعله يستهين بحقوق الناس وأموالهم).
السبب السابع للبراءة من أهل الكتاب : تخاذل علمائهم عن القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قوله تعالى (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)(63) "لولا" تحضيض يتضمن توبيخ العلماء والعباد على سكوتهم عن النهي عن معاصي الله تعالى والأمر بالمعروف ، قال أبو حيان (وما في القرآن من آية أشد توبيخاً منها للعلماء)، والمعنى الإجمالي (هلا ينهى هؤلاء الذين يسارعون في الإثم والعدوان أئمتُهم وعلماؤهم، عن قول الكذب والزور، وأكل أموال الناس بالباطل، لقد ساء صنيعهم حين تركوا النهي عن المنكر) .
والتخاذل عن النهي عن المنكر مع التمكين والقدرة يستوجب العذاب قال رسول الله (ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي؛ هم أكثر وأعز ممن يَعمل بها ، ثم لا يغيرونه؛ إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب) ، أي أنهم يقدرون على منعه من فعل المنكر لأنهم أكثر منه , وأعز مكانة من الفاعل ، ولكنهم لا ينكرون ولا يغيرون ، فيعمهم الله بعقاب من عنده لأي التقاعس عن إنكار منكره .
وعَنْ جَرِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ (مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فِي قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا عَلَيْهِ فَلَا يُغَيِّرُوا إِلَّا أَصَابَهُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمُوتُوا) .
وعَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ قَالَ: خَطَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:"أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ قَبْلَكُمْ بِرُكُوبِهِمُ الْمَعَاصِيَ، وَلَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ، فَلَمَّا تَمَادَوْا فِي الْمَعَاصِي وَلَمْ يَمْنَعْهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ أَخَذَتْهُمُ الْعُقُوبَاتُ، فَمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ مِثْلُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لا يَقْطَعُ رِزْقًا وَلا يُقَرِّبُ أَجَلا".
أما النصيحة فهي فرض على الكفاية من عامة الناس ، فعَنْ قَيْسٍ قَالَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) ،(وَإِنَّا سَمِعْنَا النَّبِيَّ يَقُولُ إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ )، فنصيحة الظالم أمر متعين على العلماء ، فلا يجوز للعالم إلا أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .
فإن سكت العالم عن الظلم واتخذ من ذلك عادة له ، فهو معين للظالم ، فإن انضم إلى سكوته عن البلاغ أن قبل الرشا فاستعمله أهل السلطان والمال ليخدم مصالحهم بفتواه ، فيصطنع لهم ما يطلبون من تحليل لما حرمه الله وتحريم لما أحله فقد استحق أقصي الذم باعتباره من الظلمة أنفسهم ، أي ممن يصنعون الظلم للحكام أنفسهم بسكوتهم عن منكرهم، وتزيين ما يفعلون ، ولذلك ذيلت الآية بقوله (لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) قال الرازي (الصنع أقوى من العمل لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار مستقراً راسخاً متمكناً ، فجعل جرم العاملين ذنباً غير راسخ ، وذنب التاركين للنهي عن المنكر ذنباً راسخاً) .
السبب الثامن للبراءة من أهل الكتاب : إساءة أدب اليهود – على وجه الخصوص - مع الله
قوله (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) إخبار للأمة الإسلامية بالمقالة الشنيعة الصادرة من اليهود حتى يزداد تبرؤها منهم ، فقولهم هذا (كناية عن اتهامه –سبحانه - بالبخل ، أي : مقبوضة عن بسط الرزق) ، (يعني محبوسة مقبوضة عن الرزق والبذل والعطاء) ، قال ابن عاشور (وهي استعارة قوية لأن مغلول اليد لا يستطيع بسطها في أقل الأزمان، فلا جرم أن تكون استعارة لأشد البخل والشح) .
وسبب تقولهم على الله افتراء بهذا القول الشنيع (أن الله تعالى قد بسط عليهم الرزق ، فلما عصوه وجحدوا نعمته ، قتَّر عليهم الرزق ، قال تعالى (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا) (النساء 60) ، فقالوا عند ذلك يد الله محبوسة عن البسط ، فأمسك عنا الرزق)، وهكذا لم يفهم اليهود لماذا قتَّر الله عليهم الرزق بعد أن بسطه عليهم ، وقد كفروا شكر النعمة ، ولم يعتبروا عندما سلبت منهم .
وقيل أن سبب هذه المقالة هو سخريتهم من حال النبي وأصحابه في الدنيا ، فحال النبي وأصحابه إزاء قضية الرزق هو الشكر والصبر ، فعن عُمَر بن الخطاب أن (رَسُول اللَّهِ تَبَسَّمَ وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُوبًا وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَيْتُ ، فَقَالَ مَا يُبْكِيكَ ؟ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمْ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ) ،قال الرازي (لعلّ القوم لما رأوا أصحاب الرسول في غاية الشدة والفقر والحاجة قالوا على سبيل السخرية والاستهزاء إن إله محمد فقير مغلول اليد، فلما قالوا ذلك حكى الله عنهم هذا الكلام) .
قوله (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا) (دعاء عليهم بالبخل بِانْقِبَاضِ أَيْدِيهِمْ عَنِ الإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَفِي سَبِيلِ الخَيْرِ) ، وأردفه دعاء عليهم باللعن ، لعظم ما صدر منهم من إثم استوجب إنزال سخط الله عليهم ولعنتهم ، فقولهم الشنيع ذلك ذريعة لأن يتحللوا من النفقة في سبيل الله ، وبخلا منهم أن يبسطوا أيديهم للفقراء والمساكين والمحتاجين ، وتخاذلا منهم أن يضحوا بأرواحهم وأموالهم في سبيل الله ، حرصا على أن طلب الدنيا دون الآخرة .
قال رسول الله (إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب) ، فقد حرمهم الله تعالى من الرحمة بهذا اللعن لأنه سبحانه لم يحب ما فعلوهم ، وقد قصدوا بإعلانهم ذلك أن يصدوا المؤمنين عن الإنفاق في سبيل الله ، ولو علموا حقيقة الدنيا التي لأجلها أساءوا الأدب مع الله لما فعلوا ذلك ، قال (الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ أَوْ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا).
قوله (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) قال ابن عاشور (وذكر اليد هنا بطريقة التثنية لزيادة المبالغة في الجود)، قال رسول الله عن ربه (وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ) ، قال الزمخشري (وذلك أنّ غاية ما يبذله السخي بماله من نفسه أن يعطيه بيديه جميعاً فبني المجاز على ذلك) ، فعَنْ النَّبِيِّ قَالَ (إِنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مَا فِي يَمِينِهِ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْفَيْضُ أَوْ الْقَبْضُ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ) قوله : " لا يغيضها " أي : لا ينقصها ، من غاض الماء : إذا ذهب في الأرض ، وقوله : "سحاء" أي : دائمة الصب ، وليس له ذكر على أفعل).
وقد بسط الله تعالى على أصحاب النبي الأرض كلها وأورثها لهم ، قال تعالى (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) (الأحزاب/27) ، وهي سنة الله تعالى الماضية في كل جيل ، قال تعالى (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) (الأعراف/137) ، كما أنها تمضي إلي يوم القيامة قال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) (النور/55) .
السبب التاسع للبراءة منهم : العناد في الكفر والمكابرة في الطغيان
ففي قوله (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا..) أي أنهم لم ينتفعوا بالهدى والشفاء الذي أنزل على النبي محمد فكلما تليت آياته زادتهم نفورا ، قال أبو السعود (المرادُ بالكثير المذكور "علماؤهم ورؤساؤهم" ، والجملة مبيِّنةٌ لشدة شكيمَتِهم وغُلوِّهم في المكابرة والعناد وعدمِ إفادة التبليغ نفعاً) ، (وتصديرُها بالقسم لتأكيد مضمونها وتحقيق مدلولِها) )، قال تعالى (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا) (الإسراء/82) ، أي (كلما نزلت آية كفروا بها وازدادوا طغيانا وكفرا).
قال ابن كثير أي: (ما أتاك الله يا محمد من النعمة ، هو نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم، فكما يزداد به المؤمنون تصديقًا وعملا صالحًا ، يزداد به الكفرة الحاسدون لك ولأمتك)، (وذلك إما بباعث الحسد على مجيء هذا الدين ونزول القرآن ناسخا لدينهم، وإما بما في بعض آيات القرآن من قوارعهم وتفنيد مزاعمهم ..، وقد سمى الله ما يعترضهم من الشجا في حلوقهم بهذا الدين "طغيانا" لأن الطغيان هو الغلو في الظلم واقتحام المكابرة مع عدم الاكتراث).
السبب العاشر للبراءة منهم : سعيهم الدؤوب لإشعال نار الحرب في الأرض
قوله (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ِ) حمى الله المؤمنين من كيد اليهود حتى في ظل خلافاتهم وأوهن لحظات ضعفهم بأن أضعف عدوهم وشتت كلمتهم ، فقد أخبر الله تعالى أن طوائف اليهود ستظل يعادي بعضها بعضًا إلى يوم القيامة , وينفر بعضهم من بعض, ويجوز أن تكون العداوة والبغضاء بين اليهود والنصارى حتى لا يجتمعوا على المسلمين ، كما في قوله (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) (البقرة 113).
وتاريخيًا، شهدت العلاقة بين اليهود والنصارى صراعات متعددة، أبرزها اضطهاد الكنيسة لليهود في أوروبا خلال العصور الوسطى، واتهامهم بـ" فرية الدم "Blood Libel، والمذابح التي تبعتها، مثل الطاعون الأسود، وصولًا إلى اضطهاد المسيحيين الأرثوذكس واليهود في الأندلس عند سقوطها، بالإضافة إلى العداء التاريخي الذي أدى إلى ظهور الصهيونية والحرب العربية الإسرائيلية التي يُنظر إليها أحيانًا كجزء من صراع أوسع.
قوله (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ) قال ابن عطية هذه (استعارة بليغة تنبىء عن فض جموعهم وتشتيت آرائهم وتفريق كلمتهم) ، قال ابن تيمية (فَهَذَا اللَّفْظُ أَصْلُهُ أَنَّ الْمُحَارِبِينَ يُوقِدُونَ نَارًا يَجْتَمِعُ إلَيْهَا أَعْوَانُهُمْ وَيَنْصُرُونَ وَلِيَّهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ فَلَا تَتِمُّ مُحَارَبَتُهُمْ إلَّا بِهَا فَإِذَا طفئت لَمْ يَجْتَمِعْ أَمْرُهُمْ ثُمَّ صَارَ هَذَا كَمَا تُسْتَعْمَلُ الْأَمْثَالُ فِي كُلِّ مُحَارِبٍ بَطَلَ كَيْدُهُ) ، ولذلك بطل كيدهم ، فكيدهم ليس له فاعلية أمام المسلمين .
(فكلما تآمروا على الكيد للمسلمين بإثارة الفتن وإشعال نار الحرب ردَّ الله كيدهم, وفرَّق شملهم, ولا يزال اليهود يعملون بمعاصي الله مما نشأ عنه الفساد والاضطراب في الأرض) ، قال تعالى (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ) (الحشر/14) ، ويظهر ذلك في عدم اتفاقهم على حرب المسلمين جملة واحدة ، فيحاربون طائفة وينتهون عن أخرى ، ولو أرادوا حربهم جميعا ما استطاعوا .
دليل ذلك ما روي عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا)
قال العلماء (أن العدو لن يقضي على الإسلام والمسلمين، والإسلام باق، ولا تخلو الأرض من قائم لله بحجته، ولو حصل ضعف في مكان حصلت قوة في مكان آخر، لكن لا تخلو الأرض ممن يقوم بأمر الله، ولكن الشيء الذي قد حصل هو كون بعضهم يقتل بعضاً، والفتن التي تكون بينهم تحصد بعضهم بالقتل وحصول الأضرار الكبيرة ، .. لكن كونه تخلو من الأرض المسلمين أو ينتهي أمرهم ، هذا لا يكون، بل لابد أن يكون هناك من يقوم بشرع الله، ولا يضره من خالفه) .
السبب الحادي عشر للبراءة من اليهود : سعيهم للإفساد في الأرض بشتى الطرق مع تحصين أنفسهم
قوله (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (64) أي (يبذلون طاقتهم في الكيد للإسلام وأهله وإثارةِ الشر والفتنة فيما بينهم مما يُغايرُ ما عبَّر عنه بإيقاد نارِ الحرب)، فلا غرو أن تجدهم من يكونون العصابات التي تقوم على الجريمة المنظمة ، فوجب إنزال حد الحرابة عليهم ، والمجالات التي يفسدون فيها تنأى عن الحصر
قال الشعراوي (يبغون في الأرض فساداً بأساليب الاختفاء ، ومن يقرأ « بروتوكلات صهيون » يجد اعترافاتهم بأنهم أصحاب النظريات التي تقود إلى الأفكار الخاطئة كالماركسية والوجودية والداروينية وهي أمور مرتبة من قبل ليظهر أثرها الضار في الشعوب غير اليهودية ، أما اليهود فقد حصنوهم ضد هذه المبادئ الفاسدة ، هكذا أرادوا التبييت ضد العالم ، وهكذا يكون سعيهم بالفساد بين الناس ، وإذا نظرنا إلى الانحراف الحالي في الكون فإننا نجدهم وراءه ، فالرأسمالية الشرسة من اليهود ، والشيوعية الشرسة من اليهود ، وكذلك الجمعيات التي تتخفي وراء أسماء « الماسونية والروتاري والليونز » ، كلها من اليهود ، ويزعمون أنهم يقومون بالأعمال الخيرية والخدمات).
فهم يستهدفون إفساد "الأخلاق" بنشر الفاحشة والتبرج والعري والمهرجانات السنيمائية ، ويستهدفون "الإعلام" بتعمية الحقائق عن الناس ، ونشر الأخبار الكاذبة والملفقة ، وفي مجال "التعليم" يكتمون العلم النافع عن الناس ، ويضعون كثير من العراقيل وإطالة سنوات الدراسة لكثير من العلوم غير النافعة وبأجور باهظة ، بل ويخرجون العلم النافع من دائرة العمل الاجتماعي إلى ليدخل في دائرة العمل الاستثماري القائم على المنفعة المادية المحضة دونما نظر لأي اعتبار اجتماعي ، وفي مجال "الزراعة" يتحكمون في مصادر الري والبذور ويقحمون الهندسة الوراثية لإدرار الأرباح المضاعفة ولو بإضعاف السلالة النباتية وإنقاص القيمة الغذائية ، وفي "المال والاقتصاد" بالربا وتجارة الممنوعات والمخدرات ، وفي "الصناعة" بالاستئثار برؤوس الأموال والخبراء والفنيين واحتكار الإنتاج ، وفي "التجارة" باحتلال الطرق والسيطرة على الموانئ والمطارات ، والسيطرة على الأسعار ، وفي "الأسواق" بالاحتكار والمضاربات الوهمية ، وفي "السياسة" بتقليد الأمر لغير أهله ، من خلال اندساس أتباعهم ليكونوا البطانة حول أصحاب الرأي والسياسة ، وفي "الصحة" بتلويث المزروعات والمياه بمخلفات المصانع ، ونشر الأوبئة ، والمزروعات التي تعتمد على الأسمدة والمبيدات والهرمونات ، وفي "السلم والأمن العام" بنشر العصابات وتسليحها وتقويتها ... الخ ، فهم مفسدون في كل شئ ، وما من مجال لأنشطة الإنسان في الأرض إلا ولهم يد في إفساده .
-
الثلاثاء PM 01:18
2025-12-09 - 154



