المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 421136
يتصفح الموقع حاليا : 212

البحث

البحث

عرض المادة

مناحــم البراتســـلافي (1772-1811)

مناحــم البراتســـلافي (1772-1811(
Menahem of Bratslav
تساديك حسيدي في بودوليا وأوكرانيا ومؤسس فرقة براتسلاف الحسيدية، وهو حفيد بعل شيم طوف من ناحية الأم، وحفيد أحد القادة الصوفيين (قبل ظهور الحسيدية) من ناحية الأب. وقد كانت أمه معروفة بأنها «ممن تملكتهم الروح المقدَّسة». تزوج مناحم في سن مبكرة ونشأ في بيت حميه، وكان من يهود الأرندا. ثم انتقل إلى مقاطعة كييف بعد أن تزوج حموه للمرة الثانية. زار فلسطين في بداية حياته وعاد عندما وصلت حملة نابليون على مصر إلى فلسطين. وقد اتُهم منذ مطلع حياته بأن تعاليمه ذات طابع شبتاني فرانكي، بل اتهمه بعض القادة الحسيديين بأن سلوكه إباحي داعر، واتهمهم هو بأنهم من أتباع الشيطان.


كان مناحم البراتسلافي يدَّعي أنه استمرار لسلسلة طويلة من المفكرين اليهود المتصوفين تبدأ بشمعون بريوحاى وتنتهي ببعل شيم طوف مروراً بإسحق لوريا. وهو محقّ تماماً فيما يقول وإن كان قد قام ببلورة بعض الأفكار الحلولية في أنساقهم الفكرية ودفعها إلى نتيجتها المنطقية، وهذا ما أثار ذعر كثير من القيادات الحسيدية. ونسق مناحم حلولي متطرف فالإله هو الإين سوف (اللامتناهي) الذي خلق العالم وحلَّ فيه كله، من ضمنه عالم الشر والمحارة (قليبوت). ولذا، حينما يغوص الإنسان في حمأة الرذيلة، فإنه حتماً سيجد الإله. وهو يفسر مفهوم الانكماش (تسيم تسوم) تفسيراً يوحِّد بين الشر والخير، فالانكماش يؤدي إلى انسحاب الإله من ذاته بل إلى اختفائه (شحوب الإله وموته)، ومن ثم يؤدي إلى خلق فراغ. ولكن الفراغ في الأعالي يعني، في واقع الأمر، الامتلاء الأرضي، أي الحلول الإلهي في كل كائنات الكون.

والانكماش يؤدي إلى ظهور الفراغ، والفراغ قد يطرح على الإنسان بعض الأسئلة النهائية ويولد الشك في نفسه. ولكن هناك سؤالاً آخر ينبع من تحطُّم الأوعية (شفيرات هكليم). وحسب هذه النظرية، فإن الانكماش أدَّى إلى ظهور المحارة، وهذه المحارة هي الدراسات العلمانية، مصدر الشك والهرطقة. فالأسئلة الكبرى تأتي من الفراغ، ثم من خلال الصمت. ولذا، فإن الإجابة عنها لا تكون إلا «بالصمت المقدَّس» (وهي من عبارات جيكوب فرانك الأثيرة). والصمت المقدَّس هو الإيمان الأعمى، الذي يتجاوز الشك تماماً ويصل إلى الجوهر الإلهي، وهو أمر غير متاح للإنسان إلا بأن يعبد الإله بطريقة مباشرة ساذجة. ولذا، عارض مناحم دراسة الفلسفة. فالإيمان يبتدئ حينما ينتهي العقل. وحالة المنفى مستمرة بسبب ضعف الإيمان، فالخلاص إن هو إلا حسم كل التناقضات والشكوك. ولكن السقوط في الشك ليس أمراً سيئاً تماماً، فالسقوط شرط من شروط الصعود.
وتشكل الأرض عنصراً أساسياً في نسق مناحم الذي يذهب إلى أن الإنسان الذي يعرف كيف يتكيف مع إيقاع الكون يمكنه أن يفقد ذاته من خلاله، ومن ثم يكشف الإله له نفسه من خلال المراحل المختلفة في الطبيعة فيستطيع الإنسان الالتصاق به. وأرض إسرائيل تعطي الإنسان اليهودي الفرصة لهذا الالتصاق بالإله. وكان مناحم يدَّعي أنه أصبح أعظم القادة التساديك لأن جو أرض إسرائيل قد منحه الحكمة.

وحتى الآن، لا يختلف نسق مناحم عن الأنساق الحلولية والقبَّالية المختلفة، ولكن تطرفه الشبتاني يظهر في مفهوم التساديك عنده، وهو مفهوم متأثر بالأجواء المسيحية من حوله. فقد أكد مناحم البرتسلافي دور التساديك باعتباره الماشيَّح، وكان يذهب (على عكس الحسيديين) إلى أنه لا يوجد سوى تساديك واحد وأنه هو، بل كان يذهب إلى أنه هو الماشيَّح ابن داود والماشيَّح ابن يوسف الذي يجسد كل ما يحدث في الأرض والعوالم السماوية، القادر على أن يهدي أتباعه وأن يحول صلواتهم وأدعيتهم حتى تصبح أداة للخلاص، ولذا لابد أن يسافر له أتباعه حتى يستمعوا إلى الكلمة من فمه. ومن المعروف أن أتباع أي تساديك حسيدي كانوا يزورونه بشكل دائم خلال العام (كل يوم سبت عادةً)، أما أتباع مناحم فكانوا لا يزورونه سوى ثلاث مرات كل عام (رأس السنة، وعيد التدشين، وعيد الأسابيع)، وكانت أهم المناسبات هي رأس السنة، وهو في هذا يشبه الإله الحالّ (الذي يراه أتباعه) والإله المفارق (فهم لا يرونه إلا ثلاث مرات). وبالفعل، كان مناحم يعلِّم أتباعه أن التساديك الماشيَّح (مناحم نفسه) يقلد الإله في أفعاله، باعتباره تجسد الكلمة. بل إنه يعلِّم الإله كيف يتعامل مع شعبه، فالتساديك الماشيَّح ليس واسطة بين الشعب والإله بل هو أيضاً واسطة بين الإله والشعب، فكأنه هو (وليس الإله أو الشعب) مركز الكون، ولذا فالتواصل معه يساعد على الإسراع بعملية إصلاح الخلل الكوني (تيِّقون) التي يقوم بها اليهود.

وكان أتباع مناحم يقومون بالاعتراف بين يديه (على عادة المسيحيين) وبهذا كانوا يطرحون عليه ذنوبهم باعتباره التساديك (الماشيَّح) الذي كان يصف الطرق المناسبة للندم، أي أنه كما تَقدَّم قادر على غفران الذنوب، ولكن الخير والشر هنا جزء من منظومة حلولية سحرية تتجاوز الخير والشر.

والتساديك يرى أتباعه كما لو كان إلهاً، وهو يصوِّر لهم أنه سوف يعيش إلى الأبد، سواء كان يعيش على الأرض أو في مقبرته. ولذا، أوصى مناحم أتباعه ألا يختاروا خليفة له من بعده «لأنني أود أن أكون معكم دائماً وستأتون لزيارتي وأنا في قبري». وهذه أقوال تشبه أقوال المسيح لحوارييه. ولعل هذا الجانب من فكره هو الذي أفزع المؤسسة الحسيدية، إذ أن التساديك قد تحوَّل حرفياً إلى إله (بل تذهب بعض المراجع إلى أن أتباعه كانوا يعبدونه بالفعل(.

وقد كانت حياة مناحم مليئة بالمآسي إذ مات ابنه (الذي كان يتصـور أنه سـيخلفه في المشـيحانية) ثم ماتت زوجته، وأصـيب هو بالسل، بل إن مدينة براتسلاف نفسها احترقت وفيها منزله، فاضطر إلى الانتقال إلى مدينة أخرى ومنزل آخر. وقد فسر فشله هذا بأن جيله غير ملائم لتحقيق رؤيته المشيحانية.

ويمكن القول بأن مناحم هو النقطة التي تظهر فيها العلاقة البنيوية الوثيقة بين الشبتانية من جهة والحسيدية من جهة أخرى، وأنهما مجرد تجليين مختلفين لنفس الحلولية في مرحلة وحدة الوجود. وإن كان يمكن القول بأن فكر مناحم يبين أثر التربة المسيحية السلافية القوي إذ يتركز الحلول في شخص واحد، ماشيَّح ينزل كإله للبشر ويأخذ خطاياهم ثم يقوم، أي أنه حلول شخص مؤقت منته على الطريقة المسيحية، وليس حلولاً جماعياً مستمراً دائماً على الطريقة اليهودية.

وقد قام نيثان سترنهارتز، تلميذ مناحم وسكرتيره وتلميذه، بجَمْع تعاليم مناحـم والأقاصـيص التي تُروَى عـنه. ومن بين هذه الكتـب حايبي مـوران (1826) (حيـاة موران ـ معلـمنا الراب مناحم). كما توجد عدة كتب خفية كتبها نحمان من بينها سيفر هانسراف (الكتاب المحـروق) حيث طلب مناحـم نفسـه أن يُحرَق، و سيفر هاجانوز (الكتاب المخفي) وهو كتاب لن يفسره إلا الماشيَّح، وهناك كذلك مجيلات هايسترايم الذي يلعب فيه مناحم دور المسيح بن يوسف والمسيح بن داود.

ولم يحقق اتجاه مناحم الحسيدي شيوعاً كبيراً إبان حياته، فلم تكن حركته تضم سوى بعض الفقراء وصغار التجار. وبعد موته، قام تلميذه نيثان بتنظيم الحركة ثم قام الحسيد مناحم (من تولكين) بقيادة الحركة بعد موت نيثان، وبدأت الفرقة في الانتشار والشيوع واستمرت في الوجود إلى ما بعد اندلاع الثورة البلشفية. ويوجد الآن فرع للحركة في إسرائيل.

  • الثلاثاء AM 07:56
    2021-04-27
  • 967
Powered by: GateGold