ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
فقه التمييز بين فئات أهل الكتاب (الغادرين – والمغالين – والنصارى المؤمنين)
د/ احمد نصير
فقه التمييز بين فئات أهل الكتاب
(الغادرين – والمغالين – والنصارى المؤمنين)
قال تعالى (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81) لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86)
وفيه ثلاثة مطالب :-
غدر اليهود وغلو النصارى بالأنبياء
ترك واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى موالاة الظالمين
التمييز بين عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين ومودة القساوسة والرهبان لهم
المطلب الأول
غدر اليهود بالأنبياء وغلو النصارى في الأنبياء
قال تعالى (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)
قوله تعالى (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) (70) تأكيد على أن بني إسرائيل لم يتوانوا عن محاربة دعوة الإسلام بنقضهم الميثاق ، أي تحريفهم كتاب الله عن موضعه ، قال تعالى (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) (المائدة/13) ، ثم بقتلهم الأنبياء منذ قديم الزمان ، رغم أن الله قد أخذ منهم الميثاق أن يحافظوا على التوراة والإنجيل وأن يقوموا بواجب الدعوة إلى الله تعالى ، فقال سبحانه (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) (آل عمران/187) ، لكنهم نقضوه وحرفوه ليوافق هواهم .
ولما كان الأنبياء قد أرسلوا لإرشاد البشرية وهدايتهم لكلام الله وإبطال ما تم تحريفه منه ظهرت عداوة أصحاب القلوب القاسية لأنبيائهم ، وتمثلت هذه العداوة في أشد صورها في إعلان حربهم على أولياء الله تعالى ، يقول النبي (أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَهُ نَبِيٌّ أَوْ قَتَلَ نَبِيًّا) ، أي أن سبب هذه العداوة وتلك الحرب المستعرة أن دعوة الأنبياء جاءت على خلاف هواهم ، فكلما جاءهم نبي بما لا يوافق هواهم عادوه وحاربوه وحاولوا قتله ، قال ابن عطية (وهذا يقتضي أن هواهم كان غير الحق وهو ظاهر هوى النفس متى أطلق) .
فكانوا في هذه العداوة على ضربين اثنين أحدهما ناعم ، والآخر عنيف ، ومؤداهما إبطال دعوة الحق :-
فأما الأسلوب الناعم : ففريق منهم كذبوا أنبياءهم وحاربوهم حرب سياسة باستعمال أسلوب تشويه صورة النبي أمام الناس وازدراءه والسخرة منه ليحولوا بينه وبين الناس ويبطلوا مصداقيته أمامهم
وأما الأسلوب العنيف : فقد انتهجه فريق منهم استعمل أسلوب أكثر إرهابا وغدرا ، فلم يسلم الأنبياء من أن ينالهم القتل منهم ، وهم خير البشر الذين اصطفاهم الله لتبليغ رسالته ، فإذا كان هذا هو شأنهم في أنبياء الله الذين هم من قومهم ، فلا شك أنهم سوف يكونون أشد عداوة وقساوة على النبي وهو ليس من قومهم إنما من جزيرة العرب ، وكذلك عداوتهم إزاء الذين آمنوا بهم وساروا على دربهم ، قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (آل عمران/21) .
ولو شاء الله لمنع اليهود من أن تصل أيديهم بأذى لهؤلاء الأنبياء وهم أولياء الله المصطفون من عباده ، لكن الله تعالى يريد أن يعلمنا أن دماء الأنبياء ليست بأغلى من دعوة الإسلام ، وفي سبيله سفكت دماء أقرب الناس إلى الله ، فلا يبخلن أحد من المسلمين أن يرهاق دمه في سبيل الله ، وقد قتل من هو خير منه ، فعَنْ النَّبِيِّ قَالَ (لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ وَأَثَرَيْنِ قَطْرَةٌ مِنْ دُمُوعٍ فِي خَشْيَةِ اللَّهِ وَقَطْرَةُ دَمٍ تُهَرَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَأَمَّا الْأَثَرَانِ فَأَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَثَرٌ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ) .
قوله (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) تأكيد على مغالاة النصارى في دينهم بعبادة أنبياءهم ، فهم على النقيض – تماما- من بني إسرائيل الذين قتلوا أنبياءهم ، فإذا كان اليهود كفروا بقتل أنبيائهم فإن النصارى كفروا بعبادتهم لهم وجعلهم مساوين لله في الألوهية وكفؤا له ، قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي )فكـلُّ اعتقادٍ أو قولٍ أو عملٍ ثبت أنَّه مأمورٌ به من الشارع ، فصرفُه لله وحده توحيدٌ وإيمانٌ وإخلاصٌ، وصرفُه لغيره شركٌ وكفرٌ ، فعليك بهذا الضابط للشِّرك الأكبر الَّذي لا يشذُّ عنه شيء) ، (وأنَّ الكفر يكون بالقول والفعل والتَّرك والاعتقاد والشكِّ كما قامت على ذلك الدَّلائل من الكتاب والسُّنَّة) ، وقال شيخ الإسلام (قال تعالى في حق المستهزئين :(لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) [ التوبة : 66 ] ، فبين أنهم كفار بالقول مع أنهم لم يعتقدوا صحته) ، لأن الأصل أن ينزه العبد ربه عن النقائص ، فلا يقبل منه قول فيه انتقاص لخالقه ، وهو يعلم هذا النقص الذي ينسبه له ، مثلما يكافئ غيره به ، يستوي في ذلك أن يكون هازئا أو معتقدا ما يقول .
وقد دلت الأبحاث العلمية على أن (جميع الفرق المسيحية تتفق على أن المسيح بشرٌ وإلهٌ بذات الوقت! وإنما تختلف عن بعضها في مدى تأكيدها وإبرازها لأحد الجانبين "الإلهية" أو "البشرية" في المسيح، "فاليعاقبة" يؤكدون الجانب الإلهي أكثر وعلى عكسهم "النساطرة" الذين يبرزون أكثر الجانب البشري في حين يطرح الجمهور الأعظم رؤية متوازية ومتعادلة للجانبين الإلهي والبشري دون ترجيح أي منهما على الآخر)
ووجه الكفر في هذا القول هو تجسيد الإله في صورة بشر ضعيف متصف بالعجز والفقر والمرض والموت والحياة ، فإذا كان الإله كذلك فإن فاقد الشيء لا يعطيه ، فيمتنع عليه أن يستحق العبودية لافتقاره للغنى المطلق والقوة المطلقة والقدرة المطلقة ، فلا يدين الإنسان لإنسان مثله بشيء هو بحاجة إلى مثل ما يحتاج إليه ومفتقر لمثل ما يفتقر إليه
وليس أعجب من تأكيدهم لبشريته من قولهم أن المسيح عذب على أيدي اليهود لأجل البشرية ،أي ليخلص البشرية من خطيئة آدم ، فأنى لهذه الخطيئة أن تلحق بالبشرية كلها والإسلام يقرر مبدأ ألا تزر وازرة وزر أخرى ، وكيف يكون هذا الخلاص بحادثة تأتي بعده بزمان بعيد ولا تمت لها بصلة ، أي حادثة الصلب التي يزعمون ، ولو كان الأمر كما يقولون ، فكيف يستعان بالمسيح وهو مفتقر لأن يخلص نفسه من الصلب ، فضلا عن ذلك فإن القول بتجسد الإله في صورة بشر يعني أن الإله قد تساوى في الملكات والإمكانات مع الإنسان بل قد يحدث بينهما تفاوت في ذلك فتكون الغلبة لأحدهما على الآخر ، وهذا ما زعموه عندما قالوا بصلب المسيح ، فهل يعقل أن يعبد الإنسان إله يُصلب .
قال ابن تيمية (هذا الذي ذكروه وادعوا أنه تجسم كلمة الله الخالقة بإنسان مخلوق وولادتهما معا أي الكلمة مع الناسوت وهو الذي يعبر عنه باتحاد اللاهوت بالناسوت هو أمر ممتنع في صريح العقل ،وما علم أنه ممتنع في صريح العقل لم يجز أن يخبر به رسول ، فإن الرسل إنما تخبر بما لا يعلم بالعقل أنه ممتنع ، فأما ما يعلم بصريح العقل أنه ممتنع فالرسل منزهون عن الإخبار عنه).
وفي قوله (وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ..) (72) هنا يتبرأ المسيح بن مريم من عبادة النصارى له ، ويدعوهم لعبادة الله وحده ، ويقر بأنه عبد لله ، وأن ربه هو الله ، كما في قوله (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (المائدة/117) .
وما أثبته عيسى ابن مريم في شأن نفسه أثبته كذلك النبي المصطفى محمد في شأن نفسه فقال (لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) ، قال ابن الأثير (الإطْراءُ : مُجَاوَزةُ الحَدِّ في المَدْح والكَذِبُ فيه).
وفي قوله (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)(72) قال ابن الجزي (هذا رد على النصارى ، وتكذيب لهم) ، أنكر عليهم عبادتهم لعيسى ابن مريم ، وبين لهم أنهم أصابوا "الشرك الأكبر" الذي يخلد صاحبه في النار ، فقوله (مَنْ يُشْرِكْ) فيه تعميم لكل صور الشرك حتى أهل الفترة إذا ما ماتوا على غير ملة إبراهيم حنيفا ، وقد أخبر النبي أن أباه في النار ، وهو من أهل الفترة .
فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ "أَيْنَ أَبِي"؟ قَالَ "فِي النَّارِ" فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ فَقَالَ (إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ) ، قال النووي (فيه أن من مات على الكفر فهو في النار ، ولا تنفعه قرابة المقربين، وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار ، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم) ،وهذا يدل على أن أهل الفترة الذين كانوا قبل بعثة النبي من كان منهم على عبادة الأوثان فإنه يكون في النار، ولا يقال: إنهم ما بلغتهم الرسالة ؛ لأن دين إبراهيم كان موجوداً ، وهناك أناس كانوا على دين إبراهيم ، والنبي كان يتحنث على دين إبراهيم).
أما من لم تبلغه دعوة الإسلام حقا ، أو بلغته مشوهة كما في عصرنا الراهن في بعض البلدان التي تحجزهم عن دعوة الإسلام ، فإن الله تعالى يختبره يوم القيامة كما في الحديث عنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ أَرْبَعَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا وَرَجُلٌ أَحْمَقُ وَرَجُلٌ هَرَمٌ وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ رَبِّي لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ رَبِّ مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ قَالَ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا).
وفي قوله تعالى (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) تأكيد على كفر من قال هذا القول من غير تعيين لأحد ، قال ابن عجيبة أي : (أحد ثلاثة ، عيسى وأمه وهو ثالثهم ، أو أحد الأقانيم الثلاثة ، الأب والابن وروح القدس ، يريدون بالأب الذات ، وبالابن العلم ، وبروح القدس الحياة ، لكن في إطلاق هذا اللفظ إيهام وإيقاع للغير في الكفر ، وهذه المقالة أعني التثليث ، هي قوله النسطورية والملكانية ، وما سبق في قوله "إن الله هو المسيح" قول اليعقوبية ، القائلة بالاتحاد ، وكلهم ضالون مضلون).
قال الرازي (أرادوا بذلك أن الله ومريم وعيسى آلهة ثلاثة ، والذي يؤكد ذلك قوله تعالى للمسيح (أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله) [ المائدة : 116 ] فقولهم "ثالث ثلاثة " أي أحد ثلاثة آلهة ، أو واحد من ثلاثة آلهة ، والدليل على أن المراد ذلك ، قوله تعالى في الرد عليهم "وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله واحد" وعلى هذا التقدير ففي الآية إضمار ، إلا أنه حذف ذكر الآلهة لأن ذلك معلوم من مذاهبهم) .
قال ابن تيمية (يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّثْلِيثَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهُمْ اتِّخَاذُ الْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ وَأُمُّهُ إلَهَيْنِ، وَهَذَا وَاضِحٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ حَكَى مِنْ النَّصَارَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالْحُلُولِ فِي مَرْيَمَ وَالِاتِّحَادِ بِالْمَسِيحِ، وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى تَحْقِيقِ مَذْهَبِهِمْ ، وَعَلَى هَذَا فَتَكُونُ كُلُّ آيَةٍ مِمَّا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنْ الْأَقْوَالِ تَعُمُّ جَمِيعَ طَوَائِفِهِمْ، وَتَعُمُّ أَيْضًا بِتَثْلِيثِ الْأَقَانِيمِ، وَبِالِاتِّحَادِ وَالْحُلُولِ، فَتَعُمُّ أَصْنَافَهُمْ وَأَصْنَافَ كُفْرِهِمْ، لَيْسَ يَخْتَصُّ كُلَّ آيَةٍ بِصِنْفٍ، كَمَا قَالَ مَنْ يَزْعُمُ ذَلِكَ، وَلَا تَخْتَصُّ آيَةٌ بِتَثْلِيثِ الْأَقَانِيمِ، وَآيَةٌ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ، بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ فِي كُلِّ آيَةٍ كُفْرَهُمْ الْمُشْتَرَكَ، وَلَكِنْ وَصَفَ كُفْرَهُمْ بِثَلَاثِ صِفَاتٍ وَكُلُّ صِفَةٍ تَسْتَلْزِمُ الْأُخْرَى: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ، وَيَقُولُونَ هُوَ ابْنُ اللَّهِ، وَيَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، حَيْثُ اتَّخَذُوا الْمَسِيحَ وَأُمَّهُ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، هَذَا بِالِاتِّحَادِ، وَهَذِهِ بِالْحُلُولِ، وَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ إثْبَاتُ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ مُنْفَصِلَةٍ غَيْرِ الْأَقَانِيمِ) .
ومن الناحية العقلية فإن وجه الكفر في هذا القول أن الإشراك بالله يؤدي إلى تعذر إنفاذ أمر الثالوث على الخلق ، ذلك أن الله "الواحد الأحد" الذي يعرفه المسلمون متفرد بالحكم والتشريع ، وقولهم ذلك يجعل ثمة شريك له في ملكه ، فيكون العبد بين تشريع "المسيح" تارة وتشريع "مريم" تارة وتشريع "الروح القدس" تارة أخرى ، وهذا يأباه العقل والمنطق أن يكون لله ثلاث كلمات وقد تتضارب مع بعضها البعض ، فلا يكلف العبد عندئذ بشيء لتعذر تنفيذ الأوامر المتعارضة ، من هنا يسقط التكليف ، وتتحقق حيلة الشيطان في إيهام الإنسان بسقوط التكليف عنهم بتلك العقيدة الباطلة .
وفي قوله (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ)(73) معنى يفيد الاستغراق، أي (وما إله قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له ، وهو الله وحده لا شريك له) ، وهذا أمر بيديهي للعقل البشري ويتفق مع المنطق السليم ، ذلك أن القول بتعدد الآلهة في ثلاثة أقانيم يعني تعدد الأهواء والآراء ، مما يوجب حتما ولزوما نشوب نزاع بينهم فيغلب أحدهم الآخر ويعلو علي الآخرين ، قال تعالى (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) (المؤمنون/91) ، وهذا أمر مشاهد ، إذ نجد البشر يتصارعون مع أنفسهم على الملك ، فإذا كان ذلك غير جائز في الممالك البشرية إلا أن يتفقوا على ملك واحد ، أفلا يكون الله سبحانه أولى بالملك من غيره ، فيكون المتفرد بالألوهية دون سواه من المغلوبين .
وفي قوله تعالى (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) تهديد لأهل الكتاب أن يستمروا في عقيدة التثليث ، والشرك بالله ، وقولهم الزور على الله ، وقد سبق أن نعتهم بالكفر في قوله (لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ..) ، قال الزمخشري (تكرير الشهادة عليهم بالكفر بيان وإعلام في تفسير المعنى بأن المقصود "الذين كفروا من النصارى خاصة) ، قال ابن عاشور (وفي ذلك رد لاعتقادهم - الباطل - أنهم لا تمسهم النار ، وزعمهم أن صلب عيسى كان كفارة عن خطايا بني آدم ، والمس مجاز في الإصابة ، قيد بالشدة بقرينة هنا ، وهي قوله "أليم").
وفي قوله (أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (74) كرم وجود من الله تعالى أن فتح لهم باب التوبة رغم هذه المقالة الصادرة منهم ، قال الشنقيطي (استعطفهم إلى ذلك أحسن استعطاف وألطفه) ، فهذه الآية من أوسع أبواب الرحمة التي وسعت التائبين من الشرك ، وهذا الأسلوب للإنكار أنهم يتأخرون عن التوبة ، والله سبحانه فاتح لهم باب رحمته ومغفرته ، قال الألوسي (فيه تعجيب من إصرارهم أو عدم مبادرتهم إلى التوبة) وقد وسعتهم رغم شدة جرمهم وتجرؤهم على الله ، قال القشيري (فلم يُغْلِقُ بابَ التوبة عليهم - مع قبيح أقوالهم ، وفساد عقائدهم- تضعيفاً لآمال المؤمنين بخصائص رحمته) .
ونلحظ –هنا- أن باب التوبة خُص به الذين كفروا من النصارى ، ولم يُدع إليه اليهود على وجه الخصوص مثلما دعي إليه النصارى على وجه خاص ، وإنما لحقتهم الدعوة العامة للتوبة كما في آيات القرآن جميعا ، وذلك رغم أن كلاهما أهل كتاب ، ذلك أن اليهود وقد قتلوا الأنبياء وتمردوا على طاعتهم لم يسلموا من كل شر ، رغم علمهم الحق إلا أنهم كتموه ، وكثير منهم أحبار وربانيين إلا أنهم لا يقومون بواجب الدعوة بحق ، بل كثير منهم قبلوا الرشا وأكل السحت ، وسعوا إلى الإفساد في الأرض ، والله لا يحب المفسدين ، كل هذا استوجب لعنهم ومسخهم قردة وخنازير ، في حين أن النصارى وإن كانوا قد ضلوا عن الحق ، لكن الآيات لم تذكر من شنيع فعلهم غير ما صدر عن أقوالهم وعقائدهم الباطلة ، فلا يزال باب التوبة مفتوحا لهم إذ لم يفعلوا ما فعله اليهود مما تقدم .
هذا وقد تكررت دعوة القرآن لأهل المعصية –بوجه عام- إلى المبادرة للتوبة ، مهما بدر منهم من ذنب ، كما في قوله (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا) [البروج:10] ، قال الحسن البصري (انظر إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة!)، فلعل اليهود يدخلون في رحمة الله إن بادروا بقبول هذه الدعوة رغم ما اقترفوه من إثم وعدوان مثل ذنب قتل أصحاب الأخدود .
قوله (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ..) (75) إثبات لبشرية المسيح عيسى ابن مريم بذكر أمه ، فعلام يكون إله ، وقد ولدته أمه ، وذكرها بلفظ "صديقة" قال ابن عاشور (والقصد من وصفها بأنها صديقة نفي أن يكون لها وصف أعلى من ذلك، وهو وصف الإلهية، لأن المقام لإبطال قول الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، إذ جعلوا مريم الأقنوم الثالث).
وفي إثبات ذلك نفي لمن زعم ألوهيتهما أو ارتقائهما لمستوى أعلى من البشر ، وذلك بالاستدلال بعاداتهم البشرية وحاجتهم للأكل ، وما يستتبعه من إلقاء الفضلات ، قال ابن تيمية (وهذا من أظهر الصفات النافية للإلهية لحاجة الآكل إلى ما يدخل في جوفه ولما يخرج منه مع ذلك من الفضلات)، فحاشا لله أن يحتاج لمثل ذلك ، فذكر حاجتهما للأكل قرينة على بشريتهما ، وهو ما يقتضي حتما ولزوما بمقتضى الحال تفريغ فضلات الطعام بعد هضمه وامتصاصه ، ليخرج من الإنسان في صورة عذرة ، قال القرطبي قوله (كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ) (كناية عن الغائط والبول) ، وقال أبو حيان (هذا تنبيه على سمة الحدوث ، وتبعيد عما اعتقدته النصارى فيهما من الإلهية ، لأنّ من احتاج إلى الطعام وما يتبعه من العوارض لم يكن إلا جسماً مركباً من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وغير ذلك)، فالإتيان بهذه القرينة يقطع كل طريق لمن يقدسهما إلى درجة الألوهية ، (ومن كان حاله هذا فلا يرقى لان يكون إله لأن الله لا يأكل) ، لقوله سبحانه (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ) (الأنعام :14) .
قوله (..انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (75) أي ليس بعد ذلك بيان ، وليس بعد البيان إلا التسليم بالحق لا المجادلة بالباطل ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ).، أي يختصمون في شأن المسيح (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) (الزخرف57) ، أي أن قوم النبي ظلوا يجادلون فيه كما جادل فيه عباد المسيح ، فانصرف الفريقان عن قبول دعوة الحق لأجل الجدل ، رغم البيان ووضوح المثال .
قوله (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (76) يكشف السبب الحقيقي الذي حداهم للكفر ، بأن افتروا على الله فرية التجسد في عيسى ابن مريم ، استنادا لعقيدتهم في "الاتحاد والحلول" ، فذلك في حقيقته ليس إلا محاولةً منهم لتسفيه عقيدة الإسلام ، لأن من شأن هذه التصورات تصغير "الإله" بتصوير قدرته محدودة في حدود قدرات البشر ، وهو وعاجز عن أن ينقذ نفسه من الصلب ، فإذا راج اعتقاد أهل الكتاب عن الإله بهذه الصورة الضعيفة ، واستبان بذلك أنه غير قادر على أن ينفع نفسه ، ولا يملك دفع الضر عن نفسه ، فحري – عندهم - ألا يُعتمد عليه ولا يستعان به ، من هنا تنهار عقيدة التوكل على الله.
بناء على ذلك فإنهم يشرعون في الاعتماد على الأسباب دون الاعتماد على الله مسبب الأسباب ، فيعبدونها بدلا من الله ويستعينون بها لا بالمسبب ، ما يعني أن عقيدتهم تؤول إلى علمانية عمياء ، تعتمد على عقل المخلوق لا قدرة الخالق ، وتستعين بالقوة المادية لا بقوة العلي القدير ، فتهتم بجمع المال بشتى الطرق باعتباره مفتاح الدنيا في اعتقادهم ، فتصير عبادتهم إلى أرباب المال والسلطان ، وليست العبودية لله ، من هنا ساغ أن يعبد بعضهم بعضا ،وقد نهاهم الإسلام عن ذلك (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (64) ، فلا يجوز أن يصير الإنسان عبدا لآلهة تتعدد صورها بحسب تعدد مصادر المال والقوة والسلطان ، قال رسول الله (تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ) .
وفي قوله (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) (77) نهي عن الغلو في الدين ، وتخذير من اتباع أهواء السلف متى كانوا ضالين ومضلين ، قال العلماء (هم أسلافهم وأئمتهم الذين ضلوا من الفريقين قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام في شريعتهم) ، قال ابن كثير أي: (لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تُطْروا من أُمِرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه، حتى تخرجوه عن حَيّز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح، وهو نبي من الأنبياء، فجعلتموه إلهًا من دون الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخ الضلال، الذين هم سلفكم ممن ضل قديمًا) .
قال رسول الله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ) ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا) ، قال النووي (اي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم )، وَقَالَ - : « لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ ، رَهْبَانِيَّةٌ ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ»
وعن سعد بن أبي وقاص قال : لما كان من أمر عثمان بن مظعون الذي كان من ترك النساء بعث إليه رسول الله فقال يا عثمان إني لم أومر بالرهبانية أرغبت عن سنتي قال لا يا رسول الله قال إن من سنتي أن أصلي وأنام وأصوم وأطعم وأنكح وأطلق، فمن رغب عن سنتي فليس مني يا عثمان إن لأهلك عليك حقا ولنفسك عليك حقا قال سعد فوالله لقد كان أجمع رجال من المسلمين على أن رسول الله إن هو أقر عثمان على ما هو عليه أن نختصي فنتبتل)
وقال رسول الله (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ) .
المطلب الثاني
ترك أهل الكتاب لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أدى بهم إلى موالاة الظالمين
قال تعالى (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (81)
ففي قوله (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (79) يتضح من السياق المغايرة وعدم المماثلة في المعاملة بين اليهود والنصارى ، فبعد أن فتحت الآيات باب التوبة للنصارى بقوله (أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ) ، أغلقت باب التوبة إزاء الذين كفروا من بني إسرائيل بتوجيه اللعن لهم (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) ، وذلك لشدة حربهم لدين الله ، ولتركهم فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال السمرقندي في قوله (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (يعني بقتلهم الأنبياء وركوبهم المعاصي) ، وعضدت سبب اللعن بأنهم تركوا فريضة النهي عن المنكر ، (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ) ولو كان إنكار المنكر عندهم سائدًا لما طال أشقيائهم أنبيائهم فقتلوهم .
ويستفاد من هذه الآية أن اللعن يصيب كل من لا ينهى عن منكر ، وهذا بصريح العبارة دون تأويل ، قال رسول الله (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ) ، من هنا كان الوقوف في وجه الظالم فرض عين على كل قادر ، كما أن تلمس أسباب تغيير المنكر واجب كذلك علي كل مكلف ، قال رسول الله (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ)، قال السيوطي (هو أمر إيجاب على الأمة).
وفي فقه إنكار المنكر قال ابن القيم (إنكار المنكر أربع درجات ، الأولى أن يزول ويخلفه ضده ، الثانية أن يقل وإن لم يزل بجملته ، الثالثة أن يخلفه ما هو مثله ، الرابعة أن يخلفه ما هو شر منه ، فالدرجتان الأوليان مشروعتان ، والثالثة موضع اجتهاد ، والرابعة محرمة) .
قال ابن تيمية (لَا يَجُوزُ إنْكَارُ الْمُنْكَرِ بِمَا هُوَ أَنْكَرُ مِنْهُ ؛ وَلِهَذَا حُرِّمَ الْخُرُوجُ عَلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ بِالسَّيْفِ ؛ لِأَجْلِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ؛ لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ وَتَرْكِ وَاجِبٍ أَعْظَمَ مِمَّا يَحْصُلُ بِفِعْلِهِمْ الْمُنْكَرَ وَالذُّنُوبَ)، وقال ابن حجر (يجب إنكار المنكر لكن شرطه أن لا يلحق المنكر بلاء لا قبل له به من قتل ونحوه..)
وقال ابن حجر (والصواب اعتبار الشرط المذكور ويدل عليه حديث لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه ثم فسره بأن يتعرض من البلاء لما لا يطيق) ، أي حديث النبي قال (لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ قَالُوا وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ قَالَ يَتَعَرَّضُ مِنْ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُهُ) أي على تحمله بل ينبغي له أن يطلب العافية في الدين والدنيا والآخرة) .
وقد فسر ابن تيمية المعنى فقال (فَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ إذَا زَادَ شَرُّهُ بِالنَّهْيِ وَكَانَ -في- النَّهْيُ مَصْلَحَةً رَاجِحَةً كَانَ حَسَنًا ، وَأَمَّا إذَا زَادَ شَرُّهُ وَعَظُمَ وَلَيْسَ فِي مُقَابَلَتِهِ خَيْرٌ يَفُوتُهُ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مُقَابَلَتِهِ مَصْلَحَةٌ زَائِدَةٌ ، فَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى شَرٍّ أَعْظَمَ مِنْهُ لَمْ يُشْرَعْ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ لَا صَبْرَ لَهُ ، فَيُؤْذَى فَيَجْزَعُ جَزَعًا شَدِيدًا يَصِيرُ بِهِ مُذْنِبًا وَيَنْتَقِصُ بِهِ إيمَانُهُ وَدِينُهُ ، فَهَذَا لَمْ يَحْصُلْ بِهِ خَيْرٌ لَا لَهُ وَلَا لِأُولَئِكَ ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا صَبَرَ وَاتَّقَى اللَّهَ وَجَاهَدَ وَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ بَلْ اسْتَعْمَلَ التَّقْوَى وَالصَّبْرَ ؛ فَإِنَّ هَذَا تَكُونُ عَاقِبَتُهُ حَمِيدَةً ، وَأُولَئِكَ قَدْ يَتُوبُونَ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِبَرَكَتِهِ وَقَدْ يُهْلِكُهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَيَكُونُ ذَلِكَ مَصْلَحَةً كَمَا قَالَ تَعَالَى (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) .
ولا شك أن إنكار المنكر هو واجب عين على كل مكلف سواء أكان مبتلى بمعصية أم معافى ، بيد أن المعصية تصيب العاصي بهزيمة نفسه قد تثبط قواه عن إنكار المنكر لكن الذي يقال في هذا الصدد هو أن أقل درجات إنكار المنكر يكون بالقلب لمن لم يقدر على غير ذلك ، لعل ذلك يكون بادرة خير له أن يغير من نفسه إلى الأصلح ، قال صاحب الظلال (فإنكار المنكر بالقلب ، معناه احتفاظ هذا القلب بإيجابيته تجاه المنكر . . إنه ينكره ويكرهه ولا يستسلم له ، ولا يعتبره الوضع الشرعي الذي يخضع له ويعترف به . . وإنكار القلوب لوضع من الأوضاع قوة إيجابية لهدم هذا الوضع المنكر ، ولإقامة الوضع « المعروف» في أول فرصة تسنح ، وللتربص بالمنكر حتى تواتي هذه الفرصة . . وهذا كله عمل إيجابي في التغيير . . وهو على كل حال أضعف الإيمان، فلا أقل من أن يحتفظ المسلم بأضعف الإيمان!)
قوله (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) تعقيب على تخاذل أهل الكتاب عن إنكار المنكر ، حيث يؤول تصرفهم هذا وسلبيتهم تلك إلى موالاة الكافرين والظالمين ، بل وخروج الإيمان من قلوبهم ، لأنهم لم يأخذوا بأضعف الإيمان ، فقلبه إما أن ينكر منكرهم أو يقبله ، وبقبوله صار مواليا للكافرين ، وبالتالي قد عادى المؤمنين ، (فالاستسلام للمنكر لأنه واقع ، ولأن له ضغطاً - قد يكون ساحقاً - فهو الخروج من آخر حلقة ، والتخلي حتى عن أضعف الإيمان!)
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا وَقَعَ فِيهِمْ النَّقْصُ كَانَ الرَّجُلُ فِيهِمْ يَرَى أَخَاهُ عَلَى الذَّنْبِ فَيَنْهَاهُ عَنْهُ ، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ لَمْ يَمْنَعْهُ مَا رَأَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَخَلِيطَهُ ، فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وَنَزَلَ فِيهِمْ الْقُرْآنُ ، فَقَالَ (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) .
وهو ما يعني تطبيع العلاقات مع أعداء الله ، ولذلك ورد تعريف لفظ التطبيع (Normalization) من الكلمة الإنكليزية (Normal) بمعنى العادي أو المعتاد أو المتعارف عليه، وفي مختار الصحاح (الطبع هو السجية جبل عليها الإنسان)، وفي المعجم الوسيط (تطبع بكذا أي تخلّق به، وطبّعه على كذا أي عوّده إياه)، ولا توجد مادة تطبيع في المعاجم العربية لأنها محدثة، فالمعنى الحالي مأخوذ من ترجمة هذه الكلمة عن لفظة إنكليزية تم تداولها أخيراً خاصةً بعد اتفاقيات كامب ديفيد، لكن يمكن تصور المعنى من كلمة التطبيع من حيث المبدأ أنه (هو العودة بالأشياء إلى سابق عهدها وطبيعتها) ، فحقيقة التطبيع مع اليهود:"أنه يشمل (كل اتفاق رسمي أو غير رسمي أو تبادل تجاري أو ثقافي أو تعاون اقتصادي مع إسرائيليين رسميين أو غير رسميين) ويهدف إلى (إعادة صياغة العقل والوعي العربي والإسلامي بحيث يتم تجريده من عقيدته وتاريخه ومحو ذاكرته خاصة فيما يتعلق باليهود، وإعادة صياغتها بشكل يقبل ويرضى بما يفرضه اليهود) ومآله: الاستسلام غير المشروط للأمر الواقع والاعتراف بالكيان الصهيوني الغاصب للأرض كدولة ذات شرعية، وتحويل علاقات الصراع بينها وبين البلدان العربية والإسلامية إلى علاقات طبيعية وتحويل آليات الصراع إلى آليات تطبيع).
قوله تعالى (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)(81) والمعنى : (لو كانوا يؤمنون إيماناً خالصاً غير نفاق ، إذ موالاة الكفار دليل على النفاق)، قال تعالى (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة/51)، ومثله قوله (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) ، قال ابن تيمية (فبين سبحانه وتعالى أن الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم، فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم ..،فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يوجد مؤمن يواد كافرا ، فمن واد الكفار فليس بمؤمن).
فمن العجيب أن ترى يهود المدينة يتخذون من العرب الذين يعبدون الأصنام أولياء لهم ، فلو كان هؤلاء اليهود يعبدون الله حقا لتبرأوا منهم ، ولكنهم ولأجل سعيهم لمصالح مادية اتخذوهم أولياء ، ليحاربوا النبي محمد معا
قال ابن عجيبة (لو أن رجلاً قام الليل وصام النهار ، ثم تودد مع الفجار لبُعث معهم ، ولو أن رجلاً عمل بالمعاصي ما عمل ، ثم أحب الأبرار لحُشر معهم) ، ويعضده حديث رسول الله قَالَ (الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ)
المطلب الثالث
التمييز بين عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين ومودة القساوسة والرهبان لهم
قال تعالى (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86)
قوله تعالى (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) قال الزجاج : واللام في «لتجدن» لام القسم ، والنون دخلت تفصل بين الحال والاستقبال) ، وذلك لتقوية معناه وتجعله خاصاً بالمستقبل، رغم أن الأصل في المضارع أنه يحتمل الحال والاستقبال معًا ، لكن هذه النون تجعل الفعل المؤكد يدل على المستقبل بشكل قاطع ، ما يدل على أن هذه العداوة سوف تظل مستمرة إلى يوم القيامة ، قال تعالى (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارى حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) (البقرة120).
قال ابن كثير (ما ذاك إلا لأن كفر اليهود عناد وجحود ومباهتة للحق، وغَمْط للناس وتَنَقص بحملة العلم ، ولهذا قتلوا كثيرًا من الأنبياء حتى هموا بقتل رسول الله غير مرة وسحروه، وألَّبوا عليه أشباههم من المشركين -عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة)
قال الألوسي (والظاهر أن المراد من اليهود العموم لمن كان بحضرة الرسول من يهود المدينة وغيرهم ، وفي تقديم اليهود على المشركين إشعار بتقدمهم عليهم في العداوة)
قال الرازي (مذهب اليهود أنه يحل قتل المخالف ويحل أخذ ماله بأي طريق كان)
قال الخازن (مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر والأذى إلى من خالفهم في الدين بأي طريق كان مثل القتل ونهب المال بأنواع المكر والمكيد والحيل).
والتاريخ شاهد على بداية هذه العداوة من اللحظة الأولى التي دخل فيها النبي المدينة المنورة ، وعقد مع يهود يثرب وثيقة المدينة لضمان الحقوق والحريات لكنهم نقضوا العهود ، وانقلب عليه يهود بنو قينقاع وبنو نضير وبنو قريظة ، وحاولوا اغتيال الرسول ، وإيقاع الفتنة بين الأوس والخزرج ، وإيقاعها بين المهاجرين والأنصار ، ولكن الله سلم المسلمين منها ، كما ألبوا القبائل العربية في شبه الجزيرة على الرسول ، لاسيما في غزوة الأحزاب ، وانتقم النبي من يهود خيبر ، وبعد وفاته ظلت عداوتهم للمسلمين ، بدعم وتحريض المرتدين في عهد أبي بكر وعمر ودورهم البارز في فتنة عثمان والحرب بين علي ومعاوية ، وظلوا على هذا الحال في الدولة الأموية والعباسية والعصر المملوكي والدولة العثمانية حتى تحول مركز الصراع بين المسلمين واليهود على أرض فلسطين مع ظهور الحركة الصهيونية التي اعتبرت فلسطين "أرض الميعاد"، وشهد التاريخ على حروب (1948، 1967، 1973 وغيرها) ، مع استمرار الصراع إلى اليوم ، فإنهم يستخدمون غيرهم لشن هذه الحرب على الإسلام تحت مسميات مختلفة .
قوله (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى) المقصود بالنصارى هنا الذين هم أقرب مودة للذين آمنوا ، الذين سمعوا الذكر فآمنوا به ، ما يعني أنهم منفتحون في الحوار مع المؤمنين ، ولا يغلقون آذانهم وأفئدتهم عن سماع الحق ، ولا شك أن ذلك الأمر يدل على تواضعهم وعدم استكبارهم .
قال الخازن (إن اليهود مخصوصون بالحرص الشديد على الدنيا وطلب الرياسة ، ومن كان كذلك كان شديد العداوة لغيره ، وأما النصارى ، فإن فيهم من هو معرض عن الدنيا ولذتها وترك طلب الرياسة، ومن كان كذلك فإنه لا يحسد أحداً ولا يعاديه بل يكون لين العريكة في طلب الحق) .
قال الخازن (ومذهب النصارى خلاف اليهود ، فإن الإيذاء في مذهبهم حرام ، فحصل الفرق بين اليهود والنصارى) ، لكن تعقيبا على هذا الكلام لابد من الانتباه إلى اليهود الذين يدخلون المسيحية بغرض إفسادها ، فهؤلاء يحيلونها إلى مسيحية شرسة ، فيما يعرف بـ "اليهود المسيحيين" (Jewish Christians) أو "المسيحيين اليهود" (Messianic Jews) التي تؤمن بيسوع كمسيح مع الحفاظ على جوانب من الهوية والثقافة اليهودية.
وهو ما استدركه الخازن بقوله (لهذا قال تعالى "ذلك بأن منهم.." يعني من النصارى "قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون" ولم يرد به كل النصارى ، فإن معظم النصارى في عداوة المسلمين كاليهود بل الآية نزلت فيمن آمن من النصارى مثل النجاشي وأصحابه).
وقد مدحهم الله بتلك التسمية وهم قد افتخروا بها فقالوا (إِنَّا نَصَارَى) ، أي افتخارا بأصولهم أنهم نصروا عيسى بن مريم ، كما قال تعالى (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) [الصف:14] ، ولذلك قال رسول الله (لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ)، (الحواري الناصر) ، فأشار القرآن أن خلفهم –أي النصارى - سيكونون مثل سلفهم في النصرة ، ولكن بشروط ذكرها في قوله (ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون) .
قوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) (82) علل تعالى هذا القرب والمودة بقوله " بأن منهم قسِّيسين ورهباناً .. لأن الأصل في القيسيسين والرهبان الانقطاع للعبادة والزهد في الدنيا ، ولذلك قيل (أن القِسِّيسينَ يَتَوَلَّوْنَ تَعْلِيمَهُمْ أَحْكَامَ الدِّينِ ، وَيُبَصِّرُونَهُمْ بِمَا فِي دِينِهِمْ مِنْ سُمُوٍّ وَآدَابٍ وَفَضَائِلَ ، وَلأَنَّ بَيْنَهُمْ رُهْبَاناً يَضْرِبُونَ لَهُمُ المَثَلَ فِي الزُّهْدِ وَالتَقَشُّفِ وَالإِعْرَاضِ عَنِ الدُّنْيا وَزُخْرُفِهَا وَفِتْنَتِهَا ، وَيُنَمُّونَ فِي نُفُوسِهِمُ الخَوْفَ مِنَ اللهِ ، وَالانْقِطَاعَ لِلْعِبَادَةِ ، وَإنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإِذْعَانِ لِلْحَقِّ ، حِينَمَا يَتَبَيَّنُ لَهُمْ أنَّهُ حَقٌّ) .
قال أبو حيان (واليهود على خلاف ذلك لم يكن فيهم قط أهل ديارات ولا صوامع وانقطاع عن الدنيا ، بل هم معظمون متطاولون لتحصيلها حتى كأنهم لا يؤمنون بآخرة ولذلك لا يرى فيهم زاهد) .
وقال الرازي (مدحهم الله تعالى بقوله " مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا" ، تلك ممدوحة لهم في مقابلة طريقة اليهود في القساوة والغلظة ولا يلزم من هذا القدر كونهم ممدوحين على الإطلاق)
قال أبو بكر الجزائري (لكن لما عمت المادية المجتمعات النصرانّية ، وانتشر فيها الإِلحاد والإِباحية قلّت تلك المودة للمؤمنين إن لم تكن قد انقطعت)، الأمر الذي يستفاد منه أن مودتهم للذين آمنوا ليست بإطلاق ، فهي مقيدة بأمرين ، الأول "صفة القساوسة والرهبان" ، والأمر الثاني "عدم الاستكبار" .
وقد علق الشيخ الشعراوي على هذا الأمر فقال (منهم من يرصد حياته للعلم ، ومنهم النموذج التطبيقي العملي وهم الرهبان ، وليس فيهم الاستكبار أو العلو ، وما دام فيهم ذلك فهذا يعني أنهم لا يطلبون "السلطة الزمنية" ، وسيظلون أقرب إلينا مودة ما دامت فيهم هذه الحيثية ، فإن تخلوْا عن واحدة منها ، وأصابوا سلطة زمنية فهذا يعني أنهم تخلوْا عن الصفة التي حكم الله لهم بسببها بأنهم أقرب مودة ، وإن تمسكوا بها على العين والرأس).
قوله تعالى (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)(83) نزلت في النجاشي ملك الحبشة ، وهو خير مثال على هذا الأمر ، ودليل على تخصيص الحكم بهذه الفئة من النصارى دون تعميم ، أي الذين عرفوا الحق ، فهم عرفوه لأنهم مؤهلون لمعرفته بترك الاستكبار ، والتحري عن الحق بحكم مهنتهم في البحث والإطلاع .
والنجاشي عُرف بنصرته لأصحاب النبي لما هاجروا من مكة إلى الحبشة ، فلم يردهم وآواهم عنده ، ولم يقبل رشى عمرو بن العاص وكان لا يزال مشركا لأجل تسليمهم إليه ، فعن أبي موسى رضي الله عنه قال : أمرنا رسول الله أن ننطلق إلى أرض النجاشي فبلغ ذلك قريشا فبعثوا إلى عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد وجمعوا للنجاشي هدايا فقدمنا وقدموا على النجاشي فأتوه بهدية فقبلها وسجدوا له ثم قال عمرو بن العاص : إن قوما منا رغبوا منا عن ديننا وهم في أرضك فقال لهم النجاشي : في أرض ؟ قال : نعم قال : فبعث فقال لنا جعفر : لا يتكلم منكم أحد أنا خطيبكم اليوم فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه وعمر بن العاص عن يمينه وعمارة عن يساره والقسيسون من الرهبان جلوس سماطين ، فقال له عمر وعمارة : إنهم لا يجسدون لك فلما انتهينا إليه زبرنا من عنده من القسيسين والرهبان اسجدوا للملك فقال جعفر : لا نسجد إلا لله ، فقال له النجاشي : وما ذاك ؟ قال : إن الله بعث فينا رسوله وهو الرسول الذي بشر به عيسى برسول يأتي من بعده اسمه أحمد فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا ونقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر ، قال : فأعجب الناس قوله فلما رأى ذلك عمرو قال له : أصلح الله الملك إنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم فقال النجاشي لجعفر : ما يقول صاحبك في ابن مريم ؟ قال يقول فيه الله هو روح الله وكلمته أخرجه من البتول العذراء لم يقربها بشر قال : فتناول النجاشي عودا من الأرض فرفعه فقال : يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده ، فأنا أشهد أنه رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه امكثوا في أرضي ما شئتم وأمر لهم بطعام وكسوة وقال : ردوا على هذين هديتهم) .
هذا الموقف العادل والحياد التام من النجاشي إزاء دعوة الإسلام هو ما حدا بالنبي أن يترحم عليه ويستغفر له ويصلي عليه عند موته ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ يَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ) ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ) ، وعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ النَّبِيُّ حِينَ مَاتَ النَّجَاشِيُّ (مَاتَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ)
قوله (وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ) (84) جهروا بإيمانهم ودعوا قومهم أن يدخلوا في الإيمان مثلهم ، (وذلك جوابا لمَنْ عَيَّرَهُمْ بِالْإِسْلَامِ مِنْ الْيَهُود) ، (وذلك أنهم لما رجعوا إلى قومهم ، قال لهم كفار قومهم : تركتم ملة عيسى فعاتبوهم على إيمانهم ، وقالوا : لم تركتم دينكم القديم ، وأخذتم الدين الحديث؟) ، ما يعني أن اليهود عابوا على النصارى دخولهم الإسلام ، ولو أنهم دخلوا أي ديانة أخرى غير الإسلام ما عابوا عليهم ذلك .
ويلاحظ أن النصارى لما دخلوا الإسلام كان لهم دور إيجابي تجاه دعوة قومهم ، فلم يكتموه ولم يخذلوا أهلهم عنه ، وإنما نصروا الدين وآزروا المسلمين ودافعوا عنه ، وهذا الموقف الإيجابي الصادر عنهم ما هو إلا إنعكاس للموقف الإيجابي ، الذي بدا من تحيز الإسلام لأهل الكتاب ، حال حربهم ضد المجوس أهل الأوثان ، فقد بشرت سورة الروم بقرب انتصار الروم على الفرس ، واعتبرت أن نصرهم هو بمثابة نصر للمسلمين ، لأنهم أهل كتاب ، كما في قوله تعالى (غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (الروم/1-5) قال ابن كثير (لما انتصرت فارس على الروم ساء ذلك المؤمنين، فلما انتصرت الروم على فارس فرح المؤمنون بذلك؛ لأن الروم أهل كتاب في الجملة، فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس) ، فلهذا الانحياز الإيجابي والواضح للروم على الفرس باعتبارهم أهل كتاب ، وإنصاف ، علل النصارى انحيازهم لإسلام وإيمانهم بالله بقولهم (وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ..) .
وفي قوله (..وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ) (84) يدل على قدرة أهل الكتاب من النصارى تمييز القوم الصالحين عن القوم الفاسدين ، وقد استبان لهم ذلك من خلال التخلي عن الصفات الذميمة مثل الكبر ، والزهد في الدنيا والسلطة الزمنية ، فمن تخلى تحلى ، ولذلك طمعوا في صحبة الصالحين ، ليتخلقوا بأخلاقهم ، ويتأسوا بآدابهم ، فعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ) .
وفي قوله (فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ) (85) تأكيد على أن المقصود بهؤلاء النصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر ، وآمن بمحمد رسول الله خاتم الأنبياء ، وتأكيد على أن الله أثابهم لحسن إسلامهم ، وليس مجرد إعلان الاسلام وحسب ، (لأن القول إذا اقترن بالمعرفة ، فهو الإيمان الحقيقي الموعود عليه بالثواب) ، و(قد سبق وصفهم بما يدل على إخلاصهم فيما قالوا وهو المعرفة والبكاء المؤذنان بحقيقة الإخلاص واستكانة القلب) .
فأثابهم بما قالوا ، أي لم يكتموا إيمانهم ، بل جهروا بالشهادتين ، وأذاعواها على قومهم ، ولم يخافوا في الله لومة لائم ، فاعتزوا بإيمانهم ، وتصدوا لتعيير قومهم ، ودافعوا عن دينهم بالحجج وما عرفوه من الحق ، ما يدل على حسن إسلامهم ، فاستحقوا الثواب من الله جزاء إحسان العمل ، الأمر الذي يؤكد أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأنه منهج حركي للإيمان بالله تعالى .
وهؤلاء الذين أخلصوا النية لله لم يعدهم الله كما وعد أهل الكتاب – بوجه عام - بأن يفتح عليهم بركات من السماء ، وإنما وعدهم بالجنة لأن مناط الإيمان هاهنا هو الإخلاص لله ، فهو ليسوا من المؤلفة قلوبهم ، بل هم من النصارى الذين يؤيد الله بهم هذا الدين ، ، فكان الوعد بالجنة هو غاية إكرام الله لهم (وهذا ينطبق على كل نصراني ينهج نهجهم ، ويسلك مسلكهم ، فيدخل في الدين الحق كما دخل هؤلاء المحسنون)
وفي قوله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (86) ذَكر الله - هنا - من كانوا على نقيض حال النصارى ، أي الذين كفروا ولم يسلموا ، بل جمعوا لكفرهم أن كذبوا ، فانضموا للواء الصادين عن سبيل الله ، فبين مآلهم أنهم إلى الجحيم ، ففي وصفهم بالتكذيب مع الكفر دلالة على أن الدعوة قد بلغتهم .
والمعنى المراد أن اليهود والنصارى أيا كان حالهم من التمسك بدينه وكذلك أصحاب الأوثان ليس لهم حجة بعد أن يسمع بالإسلام إلا أن يتبع النبي محمد ، لقول النبي (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)
قال النووي (وفى مفهوم الحديث دلالة على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور ، وهذا جار على ما تقدم في الأصول أنه لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح ، والمخاطب به (من هو موجود فى زمن النبي وبعده إلى يوم القيامة ، فكلهم يجب عليهم الدخول فى طاعته ، وإنما ذكر اليهودى والنصرانى تنبيها على من سواهما ، وذلك لأن اليهود النصارى لهم كتاب ، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى).
-
الاربعاء AM 11:29
2025-12-10 - 161



