المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 425998
يتصفح الموقع حاليا : 393

البحث

البحث

عرض المادة

بيان سلامة قلوب أصحاب موسى من الكفر الأكبر الظاهر في قولهم { اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهه}

إعلم اخي المسلم أن تكفير بعض أصحاب موسى من عدمه بسبب قولهم ( اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهه) إنما هو من المسائل الإجتهادية الخفية التي فيها لأهل العلم قولان فقد ذهب بعض العلماء إلى تكفير هؤلاء الناس من بني إسرائيل بسبب المقالة الشنيعة التي قالتها السنتهم ولكننا عند التحقيق نجد أن هذا القول بتكفيرهم مرجوحٌ كما سنبينه ، وذهب أكثر أهل العلم كالبغوي وابن عطية وغيرهم إلى عدم تكفير أصحاب موسى في مقالتهم هذه ، وهذا هو القول الراجح... فالذين قالوا بتكفيرهم ذكروا أن أصحاب موسى حين جاوزوا البحر وصاروا إلى اليابسة من أرض العرب طلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهاً غير الله وزعموا أن هذا الطلب قام في قلوب قائليه وأرادوا معناه فوقعوا بذالك في الشرك الأكبر الظاهر وليس الأمر كما توهمه هؤلاء ذووا القول الأول ؛فإنهم قد قصّروا في الفهم التام للآيات....
وأما القول الثاني فهو القول الراجح الصواب ومبناه قائمٌ على أن أصحاب موسى رضي الله عنهم إنما غلطت السنتهم فطلبت إلهاً وكان مقصودهم طلب القبلة إلى الله فغلطوا في اللفظ فأخطأوا فسموا ( القبلة إلهاً ) وزلَّت بذالك ألسنتهم جرياً منهم على عادة المصريين ، وكان غلطهم لفظياً كما غلط الذي قال ( اللهم انت عبدي وانا ربك) 1 فعذره الرسول محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال عنه ( أخطأ من شدة الفرح ) مع أنه سمى ( الرب عبدا) ولكنه لما كان المعنى الكفري لهذه التسمية لم يقم في قلبه ؛ لم يكفّره النبي وعذره بالخطأ ، وبنو اسرائيل كذالك فإنما كان قول قلوبهم هو ( اجعل لنا قبلةً كما لهم قبلة ) لكنهم أخطأوا في اللفظ فلذالك لم يقم الكفر الأكبر الظاهر في قلوبهم لأنهم لم يقصدوه ولم يريدوا معناه وإنما أرادوا شيئاً آخر ، وجهل المعنى عذرٌ باتفاق أهل السنة قولاً واحداً فلو أن مسلماً من الأعاجم أخذ يسب الله بلسانه وهو يظن أنه يسبّح لله فهو يجهل المعنى الكفري فهذا لا يكفر لأن الكفر لم يقم بقلبه لكونه يجهل معنى ما يقوله مع أن لسانه قد نطق بالكفر الأكبر الظاهر..
وتفصيل الأمر أن بني إسرائيل لمّا خرجوا من البحر ودخلوا أرض العرب وجدوا في طريقهم قوماً من لخمٍ وجذامٍ يتوجهون إلى أبقارٍ نحاسيةٍ كما ذكر ذالك ابن جريج فاستحسن بنو إسرائيل أن تكون لهم قبلةً في الأرض يعبدون الله بتوجههم إليها واجتهدوا أن تكون هذه القبلة مخلوقاً مصنوعاً بقرةً نحاساً كما هي للخمٍ وجذامٍ وظنوا أن ذالك جائزاً في الديانة فاستحلوا الحرام جهلاً منهم بحكمه في الشرع وزادوا على ذالك فغلطوا في اللفظ فسموا القبلة إلهاً ولم يريدوا أن يكون لهم إلهاً غير الله فإنهم قالوا لموسى ( اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهه) [الأعراف :138] أي اجعل لنا قبلةً في الأرض نعبد الله إليها فتكون عبادتنا إليها عبادةً لله في السماء ؛ فإنهم لمّا كانوا في مصر كانت (بيوتهم قبلتهم ) قال الله (واجعلوا بيوتكم قبلة)[يونس:87] رخصةً من الله لهم لكونهم كانوا خائفين من فرعون وجنده كما ذكر ذالك الإمام سفيان الثوري رحمه الله قلتُ وحين خرجوا من مصر رأوا أن هذه الرخصة قد زالت بزوال خوفهم من الفراعنة فاجتهدوا أن يتخذوا قبلةً يصلون إليها لله الواحد ولم يريدوا الشرك...
قال ابن عطية رحمه الله في تفسيره ( بعيدٌ أن بني إسرائيل يقولون لموسى اجعل لنا صنماً نفرده بالعبادة ونكفر بربك... )2 
وقال البغوي رحمه الله في تفسيره ( لم يكن ذالك شكاً من بني إسرائيل في وحدانية الله... )3...
فتحصّل أن بني إسرائيل في هذه الحادثة لم يقعوا في شرك الوسائط الذي كان يفعله مشركوا العرب وإنما وقعوا في الشرك الأكبر الكامن أي وقعوا في بدعةٍ وهي اتخاذهم البقرة قبلةً واستحلالهم ذالك جهلاً منهم بحرمة ذالك ولهذا عذرهم نبي الله موسى بجهلهم حكم ما وقعوا فيه وجهلهم معنى ما غلطوا فيه من اللفظ فقال عنهم ( إنكم قوم تجهلون ) [الأعراف :138] أي تجهلون شيئين تجهلون معنى ما قلتموه فقد سميتم القبلة إلهاً ولم تريدوا المعنى الكفري وتجهلون أنكم استحللتم الحرام باستحسانكم جعل البقرة قبلةً للصلاة ولذالك لم ينفِ عنهم وصف أفضليتهم على العالمين في زمانهم ولم يغضب عليهم غضباً شديداً ولم يكفّرهم وإنما أنكر عليهم وأرشدهم وعذرهم من الكفر....
وعادة المصريين التي ألفها واعتادها بنو اسرائيل عنهم واكتسبوها منهم بطول المخالطة والمعاشرة هي تسميتهم ( السبب غايةً ) في أكثر أمورهم فإنهم يحبون أن يسموا الشيئ بآخره وغايته فإنّ المصري الذي كان ساقياً للفرعون في زمن يوسف عليه السلام سمى ( العنب خمراً ) قال الله حاكياً قوله (إني أراني أعصر خمرا )[يوسف: 36] مع ان الخمر لا تُعصر لكونها سائلةٌ وإنما الذي يُعصر هو العنب لكنه جاز عندهم تسمية العنب خمراً لأن العنب سببٌ لحصول الخمر فلما كان العنب يؤول في نهايته وغايته إلى الخمر جاز تسمية السبب باسم الغاية ابتداءً وهو أيضاً جائزٌ في اللغة العربية ويُسمى بالجائز اللغوي ومن ذالك قول نوح ( ولا يلدوا إلا فاجراً كفارا)[نوح: 27] فسمى نوح ( المولود كافرا فاجرا) مع أن المولود يولد مسلماً على الفطرة لكنه لما كانت نهايته عند بلوغه الكفر جازت تسميته كافراً من حين ولادته باعتبار الصيرورة والنهاية، والجائز اللغوي موجودٌ في اللغة لا ينكره إلا المكابر وليس كلّه جائزاً من حيث الشرع بل منه ما هو ممنوعٌ شرعاً ...وبنو إسرائيل لما رأوا ان القبلة سببٌ لعبادة الله انفلتت السنتهم فسموا (القبلة إلهاً) فغلطوا بما قالوه وسلمت قلوبهم من اعتقاد المعنى الكفري لهذا القول القبيح...
يبقى أن يورد أحدهم إشكالاً في فهمه لقول موسى في قول الله ( قال أغير الله أبغيكم إلهاً ) [الأعراف :140] فيظن هذا أن هذه الآية صريحة في أن بني اسرائيل طلبوا إلهاً غير الله وليس ظنه صحيحاً فإن موسى يقرر أنه لا يحسُن به ولا يجوز له إقرارهم على الغلط في مقالتهم ( اجعل لنا إلها ) فإنه لو فعل ذالك لكان يريد لهم إلهاً غير الله لأنه يعلم المعنى الكفري لهذه المقالة دونهم فكأنه يقول لهم أنا عرفت مقصودكم وأدركتُ أن المعنى الكفري لم يقم في قلوبكم لأنكم أردتم القبلة الموصلة إلى الله ، لكن لا ينبغي لكم أن تكرروا هذه المقالة مرةً أخرى وهو يحذرهم أيضاً من الإستمرار في تحليل الحرام بعد العلم بحرمته وأما قصة اتخاذ العجل فتلك قصةٌ أخرى لا علاقة لها بهذا الموضوع فلا ينبغي الخلط بين هذا وذاك....
 
1 صحيح مسلم
2 المحرر الوجيز تفسير ابن عطية
3 تفسير البغوي ط.إحياء التراث
4 صحيح البخاري
 

  • الخميس AM 10:07
    2022-04-07
  • 1561
Powered by: GateGold