المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 425996
يتصفح الموقع حاليا : 378

البحث

البحث

عرض المادة

من محاسن الذكر عند الوضوء

والوضوء من محاسن الشريعة، أن يتطهر العبد لربه قبل الوقوف بين يدي، فكما أن الإسلام حث على طهارة القلب، فقد حث على طهارة البدن، ولا تقبل صلاة بغير طهور، والحدث يفسد طهارة البدن، كما تفسد الطبائع الخبيثة والأخلاق الردية طهارة القلب.
وقد حث الشرع على أذكار ترافق الوضوء من قبل أدائه ومن بعده.


أولا: أذكار قبل الوضوء:


شرع الله لعباده أن يسموه قبل البدء في الطهور، فإذا هم المسلم بالوضوء ذكر الله قبل قائلا (بسم الله) كأنه يبدأ لقاء الله بالتسمية، لينال بركة الشيء، فما ذكر الله على شيء إلا بارك فيه ونماه، فهو يسمي الله قبل أن يبدأ الوضوء الذي لا تقبل صلاة إلا به، وهذه ميزة للإسلام، أن أوجب الوضوء على المسلم، والوضوء إنما سمى وضوء لأنه سبب للوضاءة التي تظهر على المتوضيء، حتى أن صاحب الفطرة السليمة وصاحب الفراسة ليستطيع بسهولة أن يعرف المتوضيء من غيره، مع أن الوضوء ظاهره غسل بعض الأعضاء مما يتشابه مع الغسل العادي لهذه الأعضاء، لكن الخلاف في النية التي تخالط القلب عند همه بالوضوء للوقوف بين يدي الله تعالى.
وليس المقام مقام الحديث عن الوضوء نفسه، فإن لهذا موضعه إن شاء الله، وإنما الغرض بيان محاسن الذكر المخالط للوضوء، وهل من بعد اسم الله ذكر يفوق اسم الله تعالى، ذاك الإسم الذي كان سبب تنقية الذبائح من المكروبات، وسبب في إفراز هرمونات تبعث على طمئنينة النفس.
فلقد اختار الشارع له من الإذكار ما يبعث على الطمأنينة من أول ما نوى أن يقف بين يدي الله تعالى، قال تعالى: {ألا بذكر الله تطمنئن القلوب}

ثانيا: محاسن الذكر بعد الوضوء:


فإذا فرغ العبد من الوضوء، ذكر الله تعالى قائلا: ((أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .. )) (1).
فيشهد المسلم لله تعالى بالوحدانية، وأنه لا شريك له، وهذه من محاسن الدين أن يعبد إلها واحدا، لا يشاركه أحد في ألوهيته، ولا يطالب العبد بعبادة أحد معه، فيكون مقصده واحد، فلا يتشتت عليه قلبه، وفي هذا من الراحة ما يعلمه من كلف برضاء المتشاكسون من الناس، كرجل له رؤساء عدة، فهو أن أرضى واحد أغضب الآخر، وإن بذل غاية جهده في رضا أحدهم لم يجد ما يبلذله من الجده للآخر، فباء بسخطه، فلا تستقيم له حال ولا يرتاح له قلب ولا بدن، فيشهد العبد لله بالوحدانية ويعاين فضل التوحيد الذي عاد عليه براحة القلب وهدوء البال وتوحيد المقصد، ثم يشهد للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، بالرسالة، وهذا من المناسبات الحسنة، فهو بين يدي إقامة الصلاة لله رب العالمين، والله أمره بالصلاة، لكن تفاصيل الصلاة وعدد كعاتها وأوقاتها إنما عرفه عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم، فهو الذي قال ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (2)
وفي لفظ الشهادتين بين الصلاة، وفي النداء للصلاة وفي إقامة الصلاة، تمام المناسبة وأحسنها، لما شرعت له من وضوء يلزم للصلاة ومن صلاة هي لقاء بين العبد وربه، الذي لم يعرف مراده إلا عن طريق رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن محاسن هذه الشهادة التي تنطق بعد احسان العبد وضوئه أن الله عز وجل جعلها سبب لدخول الجنة، من أي أبوابها الثمانية شاء، فتمام الحديث كما جاء في صحيح مسلم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ - أَوْ فَيُسْبِغُ - الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ "
كما شرع للعبد بعد الوضوء التسبيح والإستغفار والدعاء، فقد شرع له ذكر الله واستغفاره بقوله: ((سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتوبُ إِلَيْكَ)) (3)
فهو يسبح الله أن ينزهه عن كل نقص وعيب، ويثبت له غاية الكمال في كل وصف واسم وفعل، وهذا ناسب مقام التطهير، فالله القدوس الذي يسبحه خلقه، قد شرع للعبد إذا أراد أن يقف بين يديه أن ينزه نفسه عن الأدران بالماء، وعن الذنوب بالإستغفار، فناسب أن يكون العبد أهلا لأن يقوم هذا المقام بين يدي الله تعالى على هذا الوصف من النزاهة عن أدران البدن والنفس، إذا القذر يخص البدن فيطهر بالماء، والذنوب درن النفوس، فتطهر بالإستغفار، فسبحان من أشرع وأتم وأحسن، ورضى الإسلام دينا.
ثم يدعو العبد بدوام هذه النعمة، نعمة الطهارة، فيقول: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ)) (4) وقدم التوبة على الطهارة، التي تشمل طهارة الظاهر والباطن، لأن التوبة تتعلق بالتخلص من الذنوب والخطايا وعودة العبد إلى ربه ولزوم بابه، وكل ذلك مبعثه القلب، فمن القلب التوجه والقصد، وإذا صلح القلب صلح باقي البدن فقام بما يلزمه من تطهر ليبقي ملازما لعبودية الله تعالي. والله أعلم .

_________
[1]- مسلم، 1/ 209، برقم 234.
[2]-
[3]- النسائي في عمل اليوم والليلة، ص 173، وانظر: إرواء الغليل 1/ 135، و 3/ 94.
[4]- (1) الترمذي، 1/ 78، برقم 55، وانظر: صحيح الترمذي، 1/ 18.

  • الثلاثاء PM 06:58
    2021-08-10
  • 1483
Powered by: GateGold